شبكة العراق الثقافية  


العودة   شبكة العراق الثقافية > واحة الشهيد الصدر

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 14-06-2008, 01:07
الصورة الرمزية سيد مرحوم
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
المشاركات: 7,409
Arrow كتاب "إقتصــــــادنا"..ومحل النظرية الإسلامية الإقتصادية في الألفية الثالثة..


تحديات الإقتصاد الإسلامي

ما هو محل النظرية الاسلامية من الإعراب في الألفية الثالثة؟!




د. موفق الربيعي





صعوبة البحث

1- من الصعب تقويم كتاب «اقتصادنا» تقويما موضوعيا بمعزل عن مشاعر الحب والتقدير والعرفان، التي تملا جوانح‏الباحث لصاحب الكتاب، خاصة عند اولئك الذين عاصروه وصاحبوه، وغرفوا من بحره، وشربوا من نبعه الصافي. هناتختلط المشاعر مع التقويم الاكاديمي العلمي الموضوعي.

2- الصعوبة الثانية هي ان الباحث يشعر وكانه يقف امام عملاق من عمالقة التاريخ، يتهيب عندما يريد ان يشير الى ;ژرس‏ز÷ثغرة;ژرس‏ز÷،لانه يخشى ان يكون قد فاته جانب آخر لم يلتفت له يجيب عن الاشكال الظاهري، فيبقى في حيرة وتردد في التاشيرعلى مواطن يراها جديرة بالتقويم.

مشكلة المصطلح

هل يصح ان نطلق على اقتصاد يعالج النواحي الاقتصادية في المجتمع الاسلامي مصطلح اقتصادنا

لماذا لم يطلق صاحب «اقتصادنا» على كتابه «الاقتصاد الاسلامي‏» واطلق عليه «اقتصادنا» بدلا عن ذلك؟ هل يمكن الحديث عن: التكنولوجيا الاسلامية او الفيزياء او الكيمياء الاسلاميتين او العلم الرقمي الاسلامي؟ اذا قورن «الاقتصاد الاسلامي‏» بالمذاهب الاقتصادية الاخرى مثل اقتصاد آدم سميث وكارل ماركس، سوف نلحظ ان‏تلك المذاهب مبنية على اسس تجريبية واحصائية، وبعضها على قواعد تطبيقية. وقد تطورت هذه المذاهب من خلال‏الممارسات العملية، حتى اصبحت موجهة باتجاه تنمية وتطوير الانظمة والمناهج المتبعة في تلك النظريات والمذاهب.

فعلى هذا الاساس، فان اكثر ما يمكن ان نتوقع من ما يسمى بــ «الاقتصاد الاسلامي‏» هو:

1- تحديد اهداف عريضة مقبولة ضمن المنظومات الاسلامية العامة.

2- تحليل لرؤى ومشاكل اقتصادية تعنى بشكل خاص بالمجتمعات الاسلامية.

فعلى اساس هذا الفهم في التعريف: يكون الاقتصاد الاسلامي فرع صغير من نظريات التنمية والتطوير الاقتصادي في‏اي بلد، اي يشكل جزءا من قوانين تحليل الربح والكلفة والتحويل العام وبقية فروع نظرية التنمية الوطنية.

وقد حاول الكثيرون اعطاء تعريف للاقتصاد الاسلامي ولم يوفقوا، ففي السبعينات - مثلا - اعيت السبل مفكرين‏واسلاميين في «بنك التنمية الاسلامي‏»، ثم بعد ذلك «المؤتمر الاسلامي في لندن‏»، «تبعها مؤتمر مكة‏» في اكتوبر 1978 وماخرج عنه.

ومع ان كل ذلك جاء متاخرا على «اقتصادنا»، فانهم لم يوفقوا في وضع تعريف يحدد ما هو «الاقتصادالاسلامي‏».

وبات «الاقتصاد الاسلامي‏» يتجه نحو تطوير السياسات والمؤسسات الاقتصادية التي ينجذب اليها المسلم الملتزم،واصبح «الاقتصاد الاسلامي‏» يحاول ان يسد حاجات هذه المجموعة من المسلمين الملتزمين. ولم يطرح نظريا او عمليا اي‏حل اقتصادي كامل وشامل ضمن اطروحة اسلامية عامة، اي كجزء من كل في منظومة المناهج الاسلامية. ورغم هذه‏الجهود الجبارة بقي الاقتصاد الاسلامي محددا في قضية واحدة: الا وهي تجنب الربا في المعاملات الشخصية‏والمؤسساتية. ولم يطرح الاقتصاد الاسلامي كبديل حقيقي ودائمي للاقتصاد المعاصر.

استمر هذا الوضع حتى اكتشف «العالم الاسلامي‏» او اعاد اكتشاف «اقتصادنا» بعد عشرين عاما من كتابته.

«اقتصادنا» - الاطروحة:

لا يخفى ان «اقتصادنا» جاء رد فعل على تصاعد المد الشيوعي في الشرق العربي، ولكن الكتاب ذهب الى اكثر من ذلك،حيث تجاوز رد الفعل من اجل تقديم البديل. فلم يقل «اقتصادنا» «لا اله‏» فحسب، ولكنه اردفها ب‏«الا اللّه»، وهذا هو ديدن‏معظم الاعمال الجبارة في التاريخ، فهي ابنة الظروف ولكنها تتجاوز الظرف الزماني والمكاني لتقدم البديل الاكثر تطورا.

يمكن تقويم الاطروحة في ضوء قضيتين:

1- الزمان الذي كتبت به الاطروحة.

2- التجارب العملية التي استفدنا منها منذ كتابة الاطروحة.

هنالك عدة اشياء استحدثت منذ ظهور «اقتصادنا» الى الوجود، بعضها اثر على النتائج التي توصل اليها «اقتصادنا» بشكل‏او آخر، من امثلتها:

-القطبية الاحادية وتاثيرها على الاقتصاد العالمي، وسيطرة التنافس الاقتصادي البحت.

-غياب التنافس الاديولوجي.

-انتشار ظاهرة «شركات متعددة الجنسيات‏».

-التضخم الاقتصادي وتباطؤ النمو سيطر على الاقتصاد الغربي في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات.

لقد مثل ثلث الكتاب تقريبا نقضا ونقدا للماركسية والديالكتيك الذي لم يعد له اثر ولا عين. بينما يعط‏ي «اقتصادنا»اهتماما اقل مما ينبغي للراسمالية مما يعادل 1/12 من الكتاب. ويمكن تفسير ذلك:
بان السيد الصدر كان قلقا من تحدي‏الماركسية ونظريتها في ذلك الوقت، لان الاشتراكية كانت قد رسخت اقدامها في عراق الستينات. فالخطر المحسوس هومن الشيوعية، اما الديمقراطية الليبرالية وما يتبعها من قواعد اقتصاد السوق فلم تمثل خطرا آنيا في العراق حينئذ، وانماكانت خطرا.

«الاقتصاد الاسلامي‏» في «اقتصادنا»:

يلخص «اقتصادنا» «الاقتصاد الاسلامي‏» بـ :

1- الاقتصاد المختلط: شخصي، عام، دولة، وتعاوني.

2- الحرية الاقتصادية للافراد محددة بـ :

ا - المسموح المعنوي للافراد.

ب - الممنوع الاجتماعي.

3- تحقيق العدالة الاجتماعية او التوازن الاجتماعي.

الفكرة الاساسية التي يتبناها «اقتصادنا» هي ان تطبيق «الاقتصاد الاسلامي‏» لا يمكن لوحده، انما ينبغي ان يكون ضمن‏المنظومة الاسلامية الكاملة. فمن هذا المنطلق لا ينبغي تسمية «اقتصادنا» بالمرادف الشائع الاستعمال «الاقتصاد الاسلامي‏»،وينبغي تسميته ب «الاقتصاد ضمن الاسلام‏».

ومن اجل تطبيق «الاقتصاد ضمن الاسلام‏» في مجتمع ما لا بد من تحقيق ثلاثة شروط:

1- نظام فكري ايماني اسلامي مقبول بصورة عامة لدى افراد ذلك المجتمع.

2- تقييم الاشياء والموضوعات في ذلك المجتمع تكون على اساس الاولوية للاسلام. اي ان المجتمع يعتمد في تقييمه‏للاشياء بشكل تلقائي على القيم والتعاليم الاسلامية، اي ان المعيار الاساسي في المجتمع هو معيار اسلامي.

3- ردود الفعل العاطفية والنفسية للناس تكون اسلامية.

هذا هو الفرق الجوهري بين ما طرحه «اقتصادنا» في اطروحة «الاقتصاد ضمن الاسلام‏»، اي ضمن منظومة الانظمة‏الاسلامية الاخرى، وما طرحه الاخرون من مفكرين اسلاميين بما فيهم المتاخرين.

و«اقتصادنا» يقول: ينبغي اسلمة المجتمع اولا، ثم تطبيق الاقتصاد ضمن المنظومة الاسلامية الكلية. ومن خلال ذلك‏نستطيع القول: ان السيد الصدر كان يدعو الى الاسلمة الكلية للمجتمع (فكرا وسلوكا) من خلال مراجعة اجتماعية وسياسية ‏كلية، بعكس ما طرحه الاخرون في طريقة سد الثغرات في اقتصاديات الدول غير المؤسلمة.

و«اقتصادنا» يؤكد الصعوبات الجمة التي يواجهها اي باحث يتبنى اي حل جزئي انتقائي، ويرفض تشكيل وتطبيق اي‏خطط او مناهج اقتصادية تسبق اسلمة المجتمع. فهو يدعو الى بناء الاسس الفكرية والسلوكية للمجتمع على اساس‏الاسلام، ثم الى بناء «اقتصاد ضمن الاسلام‏».

ويرفض «اقتصادنا» اي منهج ترقيعي لسد الثغرات الاقتصادية اسلاميا في اقتصاد دولة غير مؤسلمة، لان اقتصاديات‏الدول غير المؤسلمة مبنية على اساس النظام الربوي الذي هو اساس الاسس في الاقتصاد، والعمود الفقري الذي يرتكزعليه الاقتصاد الحديث.

«اقتصادنا» يرفض تحويل «الاقتصاد الاسلامي‏» الى علم. ولكن يذهب الى اكثر من ذلك، ليحدد العلاقة بين «الاقتصاد في‏الاسلام‏» والعلم من خلال طرح الفكرة التالية: يحدد المجتمع الاسلامي اولا الاهداف التي يريد التوصل اليها اقتصاديا، ثم‏بعد ذلك يتم تشكيل الهياكل والخطط والسياسات الاقتصادية التي توصله الى تلك الاهداف. ويمكن ان تستعمل القواعدالعلمية الاقتصادية في هذه الخطط والسياسات، وتساعد على تعيين وتقرير الحقائق الاقتصادية، وتساعد في فهم‏الفرضيات والاحتمالات في الممارسات الاقتصادية.

وهذه القواعد العلمية الاقتصادية التي يستعملها «الاقتصاد ضمن الاسلام‏» يمكن ان تكون ماركسية او راسمالية ما دامت‏اسسا علمية بحتة ليس لها مضامين فكرية. اي ان «اقتصادنا» لا يرفض استخدام القوانين الاقتصادية العامة التي يمكن‏تطبيقها، بغض النظر عن الابعاد الثقافية والاجتماعية والدينية لاي مجتمع.

«اقتصادنا» والراسمالية:

يختصر «اقتصادنا» الراسمالية ويرجعها الى دعائهما الاساسية الثلاثة:

1- حق التملك الخاص.

2- الحق في التصرف في الملك الخاص.

3- الحق في الانفاق في الملك الخاص.

وهذه المسلمات الثلاث توضع مقابل وتنتج عنها ثلاث اخر:

1- التنافس.

2- عدم العدالة.

3- الشعور بعدم الامان الاجتماعي.


وبعد ذلك يتعامل «اقتصادنا» مع القوتين اللتين تدفعان الاقتصاد الراسمالي وتحركانه، وهما:

1- موضوع الاستعمالات الشخصية.

2- قوانين العرض والطلب.

ويتوقف «اقتصادنا» عند هذا الحد.

كان يمكن لاقتصادنا ان يعط‏ي وقتا ومجالا اوسع من ذلك ويطور اطروحته، لتتناول الاسس الاخرى للراسمالية،وخاصة التي وضعها اعلام الراسمالية المتاخرين من امثال: كينز، وفريدمان، وفون هايك. ومايز في كلا الجناحين‏الراسمالية المحافظة والراسمالية الليبرالية (المتحرره)، اي الاقتصاد الحر المعاصر.

النقطة الاخرى هي ما يتعلق بالتصدي للراسمالية. كان يمكن لاقتصادنا ان يركز في نقده على اقتصاد السوق وليس‏الراسمالية، وكما هو معلوم فان «اقتصادنا» اتبع طريقة تاريخية في نقده وتصديه للراسماليه، فقد تتبع الخطوات التاريخية ‏للراسمالية واصفا وناقدا ومهدما الاسس الفكرية للراسمالية. النقد والتجريح كان اقوى في «اقتصادنا» عندما تعرض الى‏الافكار الراسمالية عند جهابذة الراسمالية ومفكريها في القرن التاسع عشر، وتناول بالنقد افكارهم الليبرالية. ولكن لم‏يتطرق «اقتصادنا» الى الافكار المعاصرة الحديثة لاقتصاد السوق.

هذه الثغرة كان يمكن ان تمر بدون ملاحظة في الستينات عندما كان اثر الجهابذة التاريخيين للراسمالية لا زال‏محسوسا، ولكن منذ الستينات ولحد الان تعرض الفكر الاقتصادي في الغرب الى تطورات وتحولات هائلة من امثال‏ظهور التفكير النقدي ، والاقتصاد التقليدي المتجدد ، وكذلك ظهور عالم جديد باسم نظرية‏التطور والنمو الاقتصادي. حتى ان مفكرين من امثال:

كينز، ومارشال، وسكومبتر، الذين كانوا من المؤسسين والرواد في‏تطوير الاسس الراسمالية في القرن العشرين، اصبحت اعمالهم الان عرضة للنقد والتجريح والتعديل.

الثروة في «اقتصادنا»:

اقتصادنا يقول: ان الراسمالية تتبنى فكرة ان مصادر الثروة محدودة، وهي موزعة بين مصالح متضاربة ومتنافسة، ومن‏هذه ينتج قوانين العرض والطلب، وآليات التسعير والتوفير والاستثمار وغيرها.

وحسب «اقتصادنا»، فالماركسية تعني ان العلاقات الاقتصادية هي نتيجة صراع وتفاعل الانتاج والتوزيع والعلاقة الجدلية‏بينهما، وان كل الثروات ومصدرها تملك من قبل المجتمع ككل، وذلك من خلال جهاز الدولة المركزي. وعلى هذاالاساس، فالاقتصاد يصبح عملية رياضية، وارقاما ليس الا.

وهذه العملية الرياضية البحتة تتعلق بنظرية وممارسة التخطيط‏المركزي للحكومة.

اقتصادنا يتبنى ان الاساس الاول في «الاقتصاد ضمن الاسلام‏» هو ان اللّه - عز وجل - خلق الثروة بكمية تكفي للنوع‏الانساني، ولكن الانسان اساء استعمالها، و«الاقتصاد ضمن الاسلام‏» يحاول حل المعضلة من خلال:

1- توزيع الثروة.

2- القضاء على سوء استخدام الثروة.


وكلا هذين الهدفين هو عبادة.

اقتصادنا يحاول ان يعيد تعريف مبدا الفائدة او الربح ليقول: ان الربح التجاري - اي الناتج عن المرابحة - مسموح به،والاسلام يشجع عليه، ويمكن ان ننظر له وكانه نقيض ايجابي لنظرية فائض القيمة عند ماركس.

في المفهوم الراسمالي: الحق الطبيعي للانسان في ان يحصل على اقصى ربح. ولكن اقتصادنا يتبنى فكرة ان الربح‏وتحصيل الثروة ينبغي ان يكون من خلال العمل والجهد المبذول. اما التداول او المرابحة بصرف المال، وجعل الفائدة‏والربح من خلال التبادل المالي الصرف، فغير مسموح به، لانه تعامل ربوي.

وعلى هذا الاساس، طرح «اقتصادنا» مفاهيم اقتصادية اسلامية نظير: المشاركة، والمرابحة، والمضاربة، وهي معاملات‏يشجع عليها داخل «الاقتصاد ضمن الاسلام‏». فقد وضع «اقتصادنا» نظرية بديلة لنظريتي الشرق والغرب (الماركسية‏والراسمالية)، اللتين تعتمدان على نظرية واحدة وهي «نظام القيمة‏».

طرح «اقتصادنا» الراسمالية والماركسية ووضع خطوطا فاصلة وعازلة وحتمية بينهما، لعل ذلك كان مبررا من اجل تقريب‏المفهومين الى اذهان القراء من خلال طرح الاشياء واضدادها.

ولعل «اقتصادنا» اعط‏ى القارئ حينئذ جزء، وليس كل حقيقة وواقع، الصورة في الغرب الراسمالي والشرق الماركسي‏سابقا.

لقد بدات حركة جديدة تنمو في الدول التي كان يحكمها اقتصاد السوق، وهذه الحركة نمت بشكل مضطرد، واصبحت‏فاعلة في الساحة السياسية والاقتصادية، وهي الحركة «الديمقراطية الاجتماعية‏»، والتي خففت من غلواء الراسمالية، ولم‏تعد الراسمالية تطرح ولا تطبق بشكلها الكامل. وتاسست في ضوء مفهوم الديمقراطية الاجتماعية دولة الرعاية الاجتماعية ، وتطور القطاع العام بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وكذلك ازدادت حالات اشراف الدولة، ووضع القوانين‏لتنظيم حركة السوق والاقتصاد. كل ذلك قلل من اهمية الراسمالية باعتبارها حالة البعد الواحد في الاقتصاد الحر في‏المجتمعات الغربية، حتى اصبح الاقتصاد الاسلامي، اذا استثنينا منه الجانب العبادي، يمائل في كثير من جوانبه اقتصادالحركات الديمقراطية الاجتماعية في اوربا الغربية في حقبة الستينات والسبعينات.

ومن جانب آخر، فان مركزية الاقتصاد والطبيعة الشمولية للنظام الماركسي كان لهما الاثر البالغ على تطبيقات النظرية‏وممارستها على ارض الواقع. وهذه التطبيقات العملية للنظرية الماركسية، والصعوبات التي واجهها التطبيق، اثر بشكل اوآخر على فهم الاخرين للنظرية، وكان ينبغي ان ياخذ اقتصادنا هذا التحوير بنظر الاعتبار.

كان يمكن لاقتصادنا ان يستفيد كثيرا لو تعرض بشكل من الاشكال الى التجربة العملية للدول الراسمالية او الماركسية.

ومن جهة اخرى، يمكن ان نقول: ان اي متتبع اقتصادي او قارئ واع، كان يمكن ان يستفيد كثيرا من «اقتصادنا» لو اختبرنظريته على الواقع العملي، اي نظرية «الاقتصاد ضمن الاسلام‏». فلو تعرض «اقتصادنا» نفسه للاختبار العملي من خلال‏التطبيق الفعلي في مجتمع اسلامي لتمكن السيد الصدر ان يطور النظريات والنتائج في ضوء تجربة الواقع.

وعليه، فيمكن ان نقول: ان «اقتصادنا» كان بحثا نظريا حلق في علوه في عنان السماء، ولكنه كان يحتاج الى محاكاة‏الواقع العملي سواء في دحضه النظري للراسمالية، او تصديه للاسس النظرية للماركسية، او حتى في طرحه البديل‏الاسلامي الموسوم بالمذهب الاقتصادي الاسلامي.

يبقى السؤال: هل كان اقتصادنا ينتهي الى نتائج مغايرة لما هي عليه الان؟ وفي الجواب اقول: لا اعتقد ان اقتصادنا كان‏يمكن ان يخرج بنتائج مغايرة عما هو عليه، ولكن كان يمكن ان تكون هذه النتائج مبنية على اسس عملية تطبيقية، وادلة‏وتجارب واقعية، سواء بالنسبة الى الراسمالية او الماركسية او حتى نظرية «الاقتصاد ضمن الاسلام‏».

واخيرا فقد انتهى اقتصادنا بعدد من الاسئلة بقدر ما اجاب عنه من اسئلة، مثال:

التطبيقات والخطط العملية للاقتصاد الاسلامي تركت بدون توضيح، ولم تطرح رؤية واضحة عن كيفية تشكيل وادارة‏المؤسسات الاقتصادية للدولة في حالة قيامها، ولا كيفية عمل هذه المؤسسات في حالة قيام دولة تقوم على معان واسس‏فكرية وثقافية اسلامية.

من الصعب اعطاء تصور كامل وتفصيلي عن طريقة عمل هذه المؤسسات ووضع الانظمة الاقتصادية لها قبل انشاء عددجيد منها، ومراقبة عملها، وتقييم ادائها وفعاليتها مع التزامها بالمثل والقيم الاسلامية كما جاءت في «اقتصادنا». وكان يمكن‏للسيد الصدر ان يستفيد من الملاحظات والتجارب العملية والامثلة الحية التي ترافق التجربة، وكان يمكن ان يعيد كتابة‏«اقتصادنا» مدعما بالامثلة العملية والتجارب التطبيقية. ولو كان، لجاء اقتصادنا اقوى وامتن مما هو عليه الان .

كل ما قلنا بصدد «الثغرات‏» في «اقتصادنا» هو من وحي «النظر الى الاشياء من الخلف‏»، اي بمعنى آخر: رؤية الماضي بعين‏الحاضر مع الاستفاد من الزمن واستحقاقاته.

فماذا لو جاء السيد الصدر واعاد كتابة «اقتصادنا» في ضوء احداث العقدين الماضيين؟ وبالخصوص ماذا ستكون الطبعة‏المنقحة الاخيرة من اقتصادنا في سنة 2000، خاصة بعد عشرين عاما من ظهور المجتمع الاسلامي في ايران، او تاسيس‏وتطوير عدد من المؤسسات الاقتصادية الاسلامية في عدة اقطار مسلمة وغير مسلمة، او انهيار النظام الماركسي،والسيطرة الكاملة لاقتصاد السوق وفلسفته على العالم بما في ذلك الدول التي بقيت اسميا ماركسية مثل الصين وفيتنام.

لا استطيع ان ادعي انني اعرف كيف كان يمكن ان تكون الطبعة المنقحة لسنة 2000 على يد السيد الصدر، ولكن اذا حاولنااستخراج منهجه في البحث والتحليل، استطعنا ان نخرج ببعض الاستنتاجات:

فمثلا يؤكد «اقتصادنا» انه لا يمكن اقامة مؤسسات اقتصادية اسلامية ناجحة الا اذا كان المجتمع التي تقوم به مهيئا او في‏طريقه الى الالتزام بالقيم والمثل الاسلامية ، ثقافيا وفكريا.

اذا اسسنا على ذلك، فيمكن ان نقول: ان اقتصادنا سوف لا يوافق على فرض المؤسسات الاقتصادية الاسلامية على‏مجتمع ليس فيه المقبولية المجتمعية للاسلام ثقافيا وفكريا. اي ان النشاطات الاقتصادية ومناهجها في «الاقتصاد في‏الاسلام‏» تتطور وتنمو بموازاة وبشكل تدريجي وعضوي مع الاسلمة المتدرجة والكلية للمجتمع. وكان يمكن لصاحب‏«اقتصادنا» ان ينظر بعين الشك والريبة لاقامة مؤسسات اقتصادية اسلامية، مثل المصارف الاسلامية في مجتمعات غيرمؤسلمة او مجتمعات اقتصادها مبني على اسس غير اسلامية في التوزيع والانتاج. ونتيجة ذلك يصبح الاقتصاد في‏الاسلام شانا سياسيا وجزءا لا يتجزا من شؤون السلطة السياسية والحكم القائم.

في التحليل النهائي يمكن القول: ان الاقتصاد الموسوم بالاسلامي، وفي عصرنا الحاضر، يمكن اقامته من خلال ثلاثة‏طرق:

1- من خلال اعادة اسلمة المجتمع بواسطة برنامج سياسي اسلامي . وفي هذه الحالة: سوف يكون الاقتصاد في‏الاسلام ناتج طبيعي وافراز تكويني لعملية اسلمة المجتمع. وهذا هو الطريق الذي اتبعته الجمهورية الاسلامية في ايران،والى حد ما في السودان، والى حد اقل بكثير في الباكستان.

2- يمكن اقامة الاقتصاد الاسلامي بواسطة المحاولة والخطا، والدخول الحذر للمؤسسات الاسلامية في اقتصاديات‏دول ذات اقتصاد غربي. وهذا الطريق اتبعته بعض الدول الخليجية وماليزيا ومصر. ففي هذه الدول: المؤسسات الاقتصادية‏الاسلامية، ومؤسسات التكافل لا ان يسمح لها بالعمل فقط، وانما تعط‏ى افضلية من قبل الدولة، وتوفر لها تسهيلات ايجابية‏على حساب غيرها، بينما يترك المجتمع يختار اي مجموعة من المؤسسات يريد ان يدعمها او يتعامل معها.

3- الطريق الاخير: هو استعمال طرق التعامل المالي الاسلامية بين المسلمين الملتزمين اسلاميا او القريبين منهم.

وهذه‏المؤسسات الاقتصادية الناتجة عن هذا التفاعل والتعامل الحر بين اناس قد قرروا ان يتعاملوا بينهم بطرق اسلامية صحيحة،وبمحض ارادتهم. ومن جملة فوائد هذا الطريق، دفعه الافراد والمجموعات الى مزيد من الاسلمة، وهذا الاسلوب منتشربين الجاليات المسلمة في الغرب.

«اقتصادنا» بعد اربعين عاما «اقتصادنا» بدون شك او ريب كان «الدستور» الذي اهتدى به الاسلاميون حينئذ. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الان:

هل‏ تمكن‏« اقتصادنا» ان يخترق الزمن، ويحضر فاعلا وحيويا في الالفية الثالثة؟ والجواب عن هذا التساؤل معقد وليس بالامرالهين.

لا شك ان كتاب «اقتصادنا» كان كتاب زمانه، وتمكن من دحض الماركسية حينئذ، وطرح البديل، واعط‏ى شحنة عمل‏ودليل، واصبح دستورا يهتدي به الاسلاميون حينئذ، وبوصلة يتجه لها العاملون. ولا شك كان موجها لقراء ذلك الزمان‏بهمومهم وآمالهم وطموحاتهم، وناقش بطريقة عملاقة شؤونا تنتمي الى حقبة النصف الثاني من القرن العشرين.

ولا شك ان قسما كبيرا من «اقتصادنا» لا زال حيا وصحيحا ورائدا في مجاله، وبنفس الوقت هناك فصول في «اقتصادنا»بحاجة الى اعادة كتابة، واخرى الى توسعة، واخرى الى شرح، واخرى الى تحديث، واخرى الى تعليق، واخرى الى تعديل.

اربعون عاما مرت على «اقتصادنا» اوصلته الى مرتبة الكتب العملاقة، ولكنها في الوقت نفسه اظهرت بعض الثغرات‏والمحدودية في بعض الجوانب، والتي هي بحاجة الى مراجعة وتغيير او تحديث .

وخلال الاربعين عاما الماضية حدثت تغييرات سياسية واقتصادية ضخمة في العالم والعالم الاسلامي، ومن المجحف‏حقا القول ان هذه التغييرات ليس لها اثر على الاستنتاجات التي توصل لها «اقتصادنا».

وهناك ثلاثة مساحات تحتاج الى مراجعة واعادة بحث وتحديث:

يظهر«اقتصادنا» بشكل مباشر او غير مباشر قلقه من انتشار آثار الماركسية. ولو اعيد كتابة «اقتصادنا» الان لما استحق ان‏يضع ولو فقرة صغيرة تعالج الماركسية.

بينما حازت الماركسية على اكثر من ثلث الكتاب بوصفه الحالي، لان اقتصادنا كان موجها الى قراء من نوع آخر وحقبة‏اخرى، لان تحدي القيم والمبادئ الاسلامية في عصرنا الحاضر لم يات من الماركسية، وانما جاء من مصادر اخر.

ان صمود باع الغرب في العالم، وسيادة نظام السوق، فرض مجموعة جديدة من التحديات للاسلام وقيمه في داخل‏وخارج العالم الاسلامي. اضف الى ذلك التطور التقني المتسارع، وقوة واهمية الشركات متعددة الجنسيات، وكونها العصب‏الحيوي للاقتصاد العالمي، والعولمة وآثارها السلبية والايجابية على العالم والعالم الاسلامي بشكل خاص، وكذلك تطورونمو الراسمالية اليابانية، والتي هي ليست غربية ( في منظومتها القيمية والثقافية) في الشرق الادنى وجنوب شرق آسيا.وكذلك انتشار اجهزة وانظمة الاتصالات والمعلومات، واختراع الكومبيوتر، كل ذلك وغيره لم يكن معروفا في الستينات‏عندما ولد «اقتصادنا»؟ اذن، كيف يواجه الاسلام هذه التحديات وهذه القوى الجديدة خاصة في ظرف غابت فيه القطبية، وانفرد الغرب‏الراسمالي بعد ان استسلم الشرق الماركسي بدون شروط؟ «اقتصادنا» ينبغي ان يراجع، وسوف لا يستطيع اي شخص مراجعته وتحديثه، الا شخصية عبقرية مثل السيد الصدر.

«اقتصادنا» ينبغي ان يراجع، ليصبح بامكانه ان يتعاط‏ى مع هذه التطورات الهائلة، ويعايشها مع حاجات العالم الاسلامي،وفهم الاسلام من منظور الالفية الثالثة.
__________________
رد مع اقتباس
  #2 (permalink)  
قديم 20-07-2008, 20:07
الصورة الرمزية سيد مرحوم
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
المشاركات: 7,409
افتراضي



البحث الاقتصادي عند الشهيد الصدر
"اقتصــــادنا"
من وجهة نظر مختلفة

بقلم :محمد طاهر الحسيني الياسري

يعتبر كتاب (اقتصادنا) والذي صدر في الستينات، الكتاب الرئيس الذي يجمع أفكار السيد الصدر الاقتصادية وآراءه، ومنذ ذلك الوقت يعتبر هذا الكتاب مرجعاً هاماً للباحثين في الاقتصاد الإسلامي(1)، بالرغم من وصف السيد الصدر نفسه لكتابه هذا بالمحاولة البدائية مهما أُوتي من النجاح وعناصر الابتكار(2).
و (اقتصادنا) بالفعل محاولة تأسيسية قصد السيد الصدر منها تقديم صورة نظرية متكاملة للاقتصاد الإسلامي، منتظراً من العلماء والباحثين دراستها وتطويرها. وهي محاولة تأسيسية للاعتبارات الزمنية والعلمية معاً. فمن حيث الاعتبار الزمني، كانت المحاولة الأَقدم من نوعها، إذ لم يسبق أَحدٌ السيد الصدر في خوض هذا المضمار وتقديم صورة متكاملة ومتجانسة للمذهب الاقتصادي في الإسلام. أما على الصعيد العلمي فهي تأسيسية نظراً لتوفر عناصر الإبداع والابتكار، مع الاحتفاظ بعنصر الأصالة الفقهية. وكان قد نبه عدد غير قليل من الباحثين الإسلاميين على هاتين الحقيقتين، حيث كتب الأستاذ الدكتور محمد المبارك يقول: "" وتعتبر محاولة العلامة السيد محمد باقر الصدر في رأيي محاولة جريئة من هذا النوع خطت خطوات عظيمة. وكانت دراسة علمية رائدة نأمل أن يقدم لنا الأخصائيون في الاقتصاد رأيهم فيها، كما يمكن أن يسهم الفقهاء الراسخون والمفكرون الإسلاميون في بحثها باعتبارها مشروعاً ناضجاً يقدمه مفكر وفقيه كبير من علماء الإسلام المعاصرين""(3). وكتب أيضاً: "" اقتصادنا للبحاثة الإسلامي المفكر السيد محمد باقر الصدر، وهو أول محاولة علمية فريدة من نوعها لاستخراج نظرية الإسلام الاقتصادية من أحكام الشريعة من خلال استعراضها استعراضاً تفصيلياً بطريقة جمع فيها بين الأصالة الفقهية ومفاهيم علم الاقتصاد ومصطلحاته""(4).

وقد كتب إقبال آساريا مقالاً في تحليل ونقد كتاب (الاقتصاد في الإسلام) للبروفسور سيد نواب نقوي جاء فيه: "" يمثل اقتصادنا أولى المحاولات لعرض إطار نظري محكم للنظام الاقتصادي في الإسلام قائم على أساس جمع وتنسيق مختلف الأحكام الإسلامية ذات الارتباط بتنظيم الحياة الاقتصادية""(5).

هذه المحاولة التأسيسية التي قدَّمت رصيداً ضخماً للباحثين في مجال اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، ورغم مضي ما يقرب من ربع قرن على إنجازها، لا تزال أَحدث الدراسات في هذا المجال(6).
لقد كان صدور (اقتصادنا) منعطفاً تاريخياً في طبيعة الصراع بين النظام الإسلامي والنظام الماركسي، إذ لم تكن الكتابات والبحوث التي سبقت (اقتصادنا) سوى أَبواق للتشهير بالماركسية والنظام الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي، تردد ما تدعيه الرأسمالية الغربية، فغيَّر (اقتصادنا) طبيعة هذا الصراع الموهوم الذي يظهر فيه علماء الإسلام وكأنهم واجهات إِعلامية للرأسمالية الغربية، ونقله إلى الصراع الفكري الحضاري والموضوعي في آنٍ واحد.

وكان صدور (اقتصادنا) ـ أيضاً ـ نقلة نوعية في مجال الدراسات الاقتصادية الإسلامية، وذلك يعود إلى اجتماع عناصر الأصالة الفقهية ـ باعتبارها أول محاولة ينجزها فقيه كبير من فقهاء الإسلام ـ ومفاهيم علم الاقتصاد ومصطلحاته. كما تميزت هذه المحاولة بالعمق والشمولية كما هو المعتاد في دراسات الشهيد الصدر وأبحاثه العلمية.

مضافاً إلى بروز مظهر الابتكار والإبداع في كتاب (اقتصادنا) والذي مازالت تفتقر إليه معظم الدراسات الإسلامية في مجال الاقتصاد الإسلامي.

إنَّ محاولة السيد الصدر الرائدة لا تزال تنتظر اهتمام المفكرين ومساهمتهم لتطوير الدراسات الاقتصادية الإسلامية، ولا يتحقق ذلك إلاَّ من خلال الدراسات الجادَّة والهادفة إجلالاً للبحث العلمي والتزاماً بالخلق الإسلامي، والابتعاد عن الدراسات العقيمة التي لا يقصد منها سوى المصالح الآنية من شهرة ووجاهة، إذ ليس من الموضوعية والإنصاف التنكر لمفكر إسلامي كبير، شهد له الداني والقاصي بجلالة القدر، وسعة الاطلاع، وطول الباع. وليس من الخلق الإسلامي واحترام العقل اللجوء إلى الأَساليب الساذجة، والتنكر لمناهج البحث العلمي وطرائقه. فهل يحترم كاتب عقله وهو يلجأ بطريقة لصوصية إلى سرقة أفكار الغير دون أَدنى إشارة أَو تنبيه؟!.

لقد نشر في مجلة (العربي)(*) الكويتية مقال تحت عنوان (مفهوم إسلامي عن الملكية الخاصة والعامة) بقلم الدكتور عبد الرحمن زكي إبراهيم، نقل عن (اقتصادنا) حرفياً وبصورة مفرطة، دون أَدنى إشارة أو تنبيه لذلك. وأكثر من ذلك طرافة محاولته تمويه القارئ بتبديل بعض الكلمات وإعمال التقديم والتأخير تارة أخرى.

والأَدهى من ذلك محاولة الدكتور محمد عبد المنعم عفر في كتابه (الاقتصاد الإسلامي) المؤلف من ثلاثة أجزاء، حيث يتجاهل الإشارة إلى مواطن استفادته من كتاب (اقتصادنا)، الذي يعتمد عليه في معظم بحوث كتابه المذكور. فقد استعار منه حرفياً تعريف المذهب الاقتصادي والفرق بينه وبين علم الاقتصاد (انظر ص 341 ج1)، واستعار منه طبيعة العلاقة بين الإنتاج والتوزيع (انظر ص 68 ج1)، وكذلك تحليل السيد الصدر للطلب في السوق الرأسمالية والطلب في الاقتصاد الإسلامي (انظر ص 68، 69 ج1).

ورغبة منه في إخفاء هذه السرقات يجعل الدكتور عفر من كتاب (اقتصادنا) مصدراً ثانوياً في كتابه، لا يشير إليه إلاَّ في مواضع قد يستهجن الذوق السليم والبحث العلمي ذكرها (انظر ص67 ج3).

ومن ذلك ـ أيضاً ـ تحليل الدكتور محمد عبد المنعم الجمّال المشكلة الاقتصادية في نظر الإسلام، إذ استعار ذلك من كتاب (اقتصادنا) من غير تنبيه على هذه الاستعارة(*) (موسوعة الاقتصاد الإسلامي ص 39).
وفي رأيي أنَّ مثل هذه المحاولات تكشف عن عظمة كتاب (اقتصادنا) وجلالة قدر مؤلفه، غير أنَّ ذلك يكشف ـ أيضاً وللأسف ـ عن العجز والخواء الذي يتحمله المفكرون الإسلاميون في هذا المجال، إذ يمضي ربع قرن على صدور (اقتصادنا) ولا جديد على مستوى الفكر أو المنهج على حدٍّ سواء. وجميل مقالة كاتب إسلامي في (اقتصادنا) كتب يقول: "" اقتصادنا، كتاب وكاتب مظلوم، لم تثر لحد الآن منطلقاته ولم يتابع خطه على مستوى البحث والتحقيق، رغم الأَثر الثقافي الذي يفعله وفعله هذا الكتاب الهادف…""(7).
أُذكِّر أنَّ للسيد الصدر كتباً أخرى في الاقتصاد منها (البنك اللاربوي في الإسلام) وهو عبارة عن اطروحة قدمها للندوة الفكرية التي هيأت لإنشاء بيت التمويل في الكويت. وكتابه (صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي) و(خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي) و(الأسس العامة للبنك في المجتمع الإسلامي) وهي عصارة لأفكاره الأساسية في (اقتصادنا) مع تطوير وتوضيح، وقد طبعت مع كتابين آخرين له في ما يسمى (الإسلام يقود الحياة) وهي (طبعة سقيمة، ينبغي لتلامذة السيد الصدر تصحيحها).

الاقتصاد الإِسلامي:

ماذا نعني بالاقتصاد الإِسلامي الذي يعبّر بالضرورة عن الترابط بين (الاقتصاد) و(الإِسلام) الذي مضى على انبثاقه وطلوع فجره ما يزيد على أربعة عشر قرناً، مع العلم أنَّ (الاقتصاد) كعلمٍ حديث النشأة بلا شك، وإِن أُختلف حول النقطة التي بدأ فيها، فهو عند البعض يبدأ مع كتاب (ثروة الأمم) لآدم سميث (1776م)، وعند آخرين يبدأ مع كتاب كانتيلون (بحث في طبيعة التجارة بصفة عامة) (1730م)، وهو في نظر فريق ثالث يبدأ مع المدرسة الطبيعية التي ظهرت في فرنسا حول منتصف القرن الثامن عشر(8).
أَما كلمة (اقتصاد) فقد كان أَرسطو أَول من استعملها، وكان معناه يقتصر على علم قوانين تدبير الشؤون المنزلية، إذ أنَّ كلمة (اِقتصاد) مشتقة أَصلاً من كلمتين يونانيتين هما (أَويكوس) وتعني المنزل، و(نوموس) وتعني قانون.

أَما مصطلح (الاقتصاد السياسي) فقد استخدم لأول مرة في أَوائل القرن السابع عشر من قبل (مونكرتيريان) في كتابه (شرح الاقتصاد السياسي) الصادر في عام (1615م). ولم يكن هذا المصطلح يعني بالنسبة للمؤلف أكثر من مبادئ اقتصاد الدولة نظراً لأنه كان مهتماً بدراسة ماليتها. إلاَّ أنَّ مصطلح (الاقتصاد السياسي) أَصبح فيما بعد لا يدل على دراسة مالية الدولة وحسب، وإنما تعدى هذا النطاق ليدل على بحث مشكلات الاقتصاد الاجتماعي، وذلك لأن كلمة (سياسي) وهي مشتقة من الأصل اليوناني (بولتيكوس) تعني أَساساً (اجتماعياً) وبذلك يعد المصطلحان (الاقتصاد السياسي) و(الاقتصاد الاجتماعي) مترادفين، وإن كان اصطلاح الاقتصاد الاجتماعي ربما يصلح بصورة أَفضل للتعبير عن موضوع هذا العلم(9).

إِذن يحق للمرء أن يتساءل عن حقيقة وماهية الاقتصاد الإسلامي.

السيد الصدر وهو يقدم للمسلمين قبل أكثر من ربع قرن نظرية الإسلام الاقتصادية، لم يلق الحبل على الغارب، بل عمد إلى تبديد الغموض الذي يكتنف مفهوم (الاقتصاد الإسلامي)، وذلك في مقدمة كتابه (اقتصادنا) حيث كتب يقول: ""وبودي أَن أقول هنا وفي المقدمة شيئاً عن كلمة (اقتصادنا) أو كلمة الاقتصاد السياسي الذي تدور حوله بحوث الكتاب، وما أَعنيه بهذه الكلمة حين أَطلقها، لأن كلمة الاقتصاد ذات تاريخ طويل في التفكير الإِنساني، وقد أَكسبها ذلك شيئاً من الغموض نتيجة للمعاني التي مرَّت بها، وللازدواج في مدلولها بين الجانب العلمي من الاقتصاد والجانب المذهبي. فحين نريد أن نعرف مدلول الاقتصاد الإسلامي بالضبط، يجب أن نميز علم الاقتصاد عن المذهب الاقتصادي، وندرك مدى التفاعل بين التفكير العلمي والتفكير المذهبي، لننتهي من ذلك إلى تحديد المقصود من الاقتصاد الإسلامي، الذي نتوفر على دراسته في هذا الكتاب. فعلم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأَحداثها وظواهرها، وربط تلك الأحداث والظواهر بالأَسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها. وهذا العلم حديث الولادة، فهو لم يحدث ـ بالمعنى الدقيق للكلمة ـ إلاّ في بداية العصر الرأسمالي منذ أَربعة قرون تقريباً، وإن كانت جذوره البدائية تمتد إلى أَعماق التاريخ، فقد ساهمت كل حضارة في التفكير الاِقتصادي بمقدار ما أُتيح لها من إِمكانات، غير أن الاستنتاج العلمي الدقيق الذي نجده لأَول مرة في علم الاقتصاد السياسي، مدين للقرون الأَخيرة. وأما المذهب الاقتصادي للمجتمع فهو عبارة عن الطريقة التي يفضّل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية، وحل مشاكلها العلمية. وعلى هذا الأَساس لا يمكن أن نتصور مجتمعاً دون مذهب اقتصادي، لأن كل مجتمع يمارس إنتاج الثروة وتوزيعها لابد له من طريقة يتفق عليها في تنظيم هذه العمليات الاقتصادية، وهذه الطريقة هي التي تحدد موقفه المذهبي من الحياة الاقتصادية""(10). فيكون من الطبيعي تصور مذهب اقتصادي في الإسلام، ينظم علاقات الإنتاج والتوزيع، وفقاً للتصورات الإسلامية. وحينما "" نطلق كلمة الاقتصاد الإسلامي لا نعني بذلك علم الاقتصاد السياسي مباشرة، لأن هذا العلم حديث الولادة نسبياً، ولأن الإِسلام دين دعوة ومنهج وليس من وظيفته الأَصلية ممارسة البحوث العلمية.. وإنما نعني بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي للإسلام، الذي تتجسد فيه الطريقة الإسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية، بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري، يتألف من أَفكار الإسلام الأَخلاقية والأفكار العلمية الاقتصادية أو التاريخية التي تتصل بمسائل الاقتصاد السياسي أو بتحليل تاريخ المجتمعات البشرية""(11).

وقد أكَّد السيد الصدر هذا الفرق مراراً وفي أكثر من موضع في كتابه (اقتصادنا)، ولكن رغم هذا التأكيد المتواصل يقع البعض في خلط غريب، ومن هؤلاء الدكتور محمود الخالدي(12) الذي اعتبر أن السيد الصدر أخطأ في حصر أُسس الاقتصاد السياسي الرأسمالي في (حرية التملك ـ حرية الاستغلال ـ حرية الاستهلاك)، وتوهم الدكتور الخالدي هذا ناشيء من عدم التفريق بين النظام والعلم، وبعبارة أوضح بين المذهب الرأسمالي، وبين علم الاقتصاد الرأسمالي، ولو تمعن في نصوص كتاب(اقتصادنا) لتجنب هذا الخلط واتهامه السيد الصدر بغير حق، إذ عنون السيد الصدر بحثه وبخط بارز بـا(الرأسمالية المذهبية في خطوطها الرئيسية)، وكتب بصريح العبارة: ""فهذه هي المعالم الرئيسية في المذهب الرأسمالي التي يمكن تلخيصها في حريات ثلاث: حرية التملك، والاستغلال، والاستهلاك""(13).

وقد يكون السيد الصدر هو أول من نبَّه إلى الفرق بين المذهب والعلم، وحدَّد ميدان كل منهما وبشكل دقيق وعلمي، ثم سار على منواله جلُّ الباحثين من بعده، وإن غفل بعضهم لحد الآن عن أهمية هذا الفرق. كما يلاحظ أن جلَّ من أَولى اهتمامه لهذه الحقيقة لم يخرج عن الإِطار الذي قدَّمه السيد الصدر ونبَّه عليه دون زيادة(14)، بل عمد بعضهم إلى النقل حرفياً عن السيد الصدر، ودون أدنى تنبيه إلى (اقتصادنا) كما هو شأن الدكتور محمد عبد المنعم عفر، الذي ذكر هذا الفرق بقوله: "" ويختلف علم الاقتصاد عن النظام الاقتصادي في أنًّ علم الاقتصاد هو العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأَحداثها وظواهرها وربط تلك الأَحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها. أما النظام الاقتصادي فهو الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية وحل مشاكلها العملية..""(15).

وقد أطلق الشيخ مرتضى المطهري على علم الاقتصاد مصطلح الاقتصاد النظري أو الوصفي، بينما أطلق على المذهب مصطلح الاقتصاد المبرمج والقانوني، على أساس أَن الأول يعتبر فناً وعلماً حقيقياً، في حين يعتبر الثاني طريقة تنظيم للحياة الاقتصادية لها علاقة وثيقة بمفهوم العدالة الاجتماعية، فيدخل المذهب في ضمن الأَيديولوجيات والعقائد(16). وقد يكون المطهري تأثر إلى حدٍّ كبير بالسيد الصدر كما يبدو بالمقارنة مع (اقتصادنا) في الفصل الذي عقده السيد الصدر تحت عنوان (عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي)(17).

الموقف من علم الاِقتصاد

إذا كان علم الاقتصاد هو العلم الذي يعنى بدراسة وتحليل الحياة الاقتصادية وأَحداثها وظواهرها، فما هي علاقته بالمذاهب الاقتصادية ومدى تأثره بها؟ وبعبارة أَوضح هل يعتبر علم الاِقتصاد علماً حيادياً يجب قبوله دون أَدنى تحفظ أو لا يكون كذلك فيتحتم علينا الموقف الإِنتقائي حينئذٍ؟

الموقف الإِنتقائي يبدو واضحاً، فقد جاء في (أصول الاقتصاد الإسلامي) أَنه: ""لا بأس بالأَخذ بقوانين العرض والطلب، لأنها اكتشاف لسنة الله في تحديد الأَثمان، وهي قضية تختلف تماماً عن انتشار ظاهرة سعر الفائدة كثمن على القرض..""(18). وهو ما يظهر من قول الدكتور سعيد مرطان: "" إِنَّ بلورة فكر اقتصادي يستمد أصوله من تعاليم الشريعة الإسلامية لا يعني بأي حال من الأحوال الاِستغناء التام عن المفاهيم وأَدوات التحليل الاقتصادية الحديثة التي تمثل إِنتاج عدة قرون من التفكير والتنظير والتطبيق، إِنما يعني اختيار ما يلائم العقيدة الإِسلامية ونبذ ما يجافيها. فحيث لا نجد حرجاً في استخدام معظم أَدوات التحليل الاقتصادي التي تدرس في مواد مثل الاقتصاد الرياضي والاقتصاد القياسي ومواد النظريات الاقتصادية، فإِننا بالتأكيد لا نقبل الأَخذ ببعض أَدوات السياسة الاقتصادية المعاصرة كسعر الفائدة في السياسة النقدية مثلاً. أَيضاً سيكون لنا تحفظاتنا على الأَهداف التي تسعى إلى تحقيقها وحدات القرار الاقتصادي، وعلى أَساليب تحقيق هذه الأَهداف وعلى الإِفتراضات التي تقف وراء اشتقاق أَدوات التحليل الاقتصادي""(19).

الدكتور محمد الزرقاء عرض مشكلة الموقف من مقولات ونتائج التحليل الاقتصادي الحديث، وتقرير ما إِذا كان هذا التحليل علماً حيادياً يتوجب قبوله، أم تتأثر هذه المقولات والنتائج بأنماط السلوك والنظم غير الإِسلامية فيتوجب التحفظ بلحاظ بعضها على الأقل، ملخصاً الموقف بقوله: ""لقد جرى جمهور الباحثين في الاقتصاد الإسلامي حتى الآن على التمييز بين النظام الاقتصادي من جهة والتحليل الاقتصادي من جهة أخرى. فهم يؤكدون بحق أنَّ الإسلام يقدم نظاماً اقتصادياً متميزاً. لكن ماذا عن التحليل الاقتصادي أو ما يسمى علم الاقتصاد؟ هل يختلف هذا من نظام لآخر. أم أنه حيادي تصح مقولاته ـ دون تعديل ـ في مختلف الأَنظمة الاِقتصادية. لقد اختلف الباحثون في الاقتصاد الإسلامي في الجواب عن هذا السؤال. فحسب الرأي الأَول: فإِنَّ التحليل الاقتصادي يصف ما هو كائن، ويحوي مجموعة من السنن أَو (القوانين) الاِقتصادية، فهو حيادي بطبيعته وعالمي لا يخص بلداً دون بلد، أو نظاماً دون نظام، شأنه في ذلك شأن علوم الفيزياء والزراعة مثلاً. وإنَّ عالمية الشريعة الإسلامية بمعنى أنها أُنزلت للناس كافة ـ ومن ذلك نظامها الاقتصادي ـ ليدل على أنَّ في السلوك الإنساني الاقتصادي قدراً من الإضطراد يسمح بوحدة التشريع. وبحسب الرأي الثاني: فان التحليل الاقتصادي إِنما يدرس السلوك الإنساني في المجال الاقتصادي، ولا يصح تشبيه (قوانينه) بقوانين الطبيعة لأسباب معروفة. كما أنَّ أكثر مقولاته المعاصرة استمدت من استقراء مجتمعات وأَنماط سلوكية لا إسلامية. وفوق ذلك فإن التحليل الاقتصادي ليس حيادياً تماماً بل هو كثير التأثر بالقيم المسبقة والإِفتراضات الضمنية للباحث""(20). ويرى الزرقاء صدق كلا الرأيين في حالات دون حالات أخرى، ولذلك يجب تمحيص مقولات التحليل الاقتصادي المعاصر، وتمييزها إلى الفئات التالية:

أ - مقولات حيادية أو تنطوي على قيم أو افتراضات سابقة ليست محل اختلاف بين النظم الاقتصادية.

ب - مقولات تنطوي على قيم وافتراضات سابقة مقبولة إِسلامية.

ج - مقولات تنطوي على قيم وافتراضات غير مقبولة إسلامية مع تحديد تلك القيم أَو الافتراضات وبيان بدائلها الإسلامية(21).

ما هو موقف السيد الصدر من هذه المشكلة؟

تحت عنوان (القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي ذات إطار مذهبي) يرى السيد الصدر "" أن المذهب الرأسمالي يحدد إطار القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي، ويؤثر عليها في اتجاهها ومجراها. ومعنى هذا أن القوانين العلمية في الاقتصاد الرأسمالي، قوانين علمية في إطار مذهبي خاص، وليست قوانين مطلقة تنطبق على كل مجتمع وفي كل زمان ومكان، كالقوانين الطبيعية في الفيزياء والكيمياء.. وإنما يعتبر كثير من تلك القوانين حقائق موضوعية، في الظروف الاجتماعية التي تسيطر عليها الرأسمالية، بجوانبها الاقتصادية وأَفكارها ومفاهيمها، فلا تنطبق على مجتمع لا تسيطر عليه الرأسمالية ولا تسوده أَفكارها""(22). فكثير من القوانين والمقولات الاقتصادية هذه، علمية وحقائق موضوعية ـ حسب رأي السيد الصدر ـ في مجتمعات رأسمالية تتخذ الرأسمالية نظاماً ومنهاجاً، وهي ليست كذلك في مجتمعات لا تحكمها الرأسمالية ولا تتخذ منها طريقة لتنظيم حياتها الاقتصادية(23).

أَما السبب في تأطير هذه القوانين، وعجزها عن أن تكون قوانين مطلقة تنطبق على كل مجتمع فإِنه يكمن في دور الإرادة الإنسانية التي تختلف بين إنسان وآخر. وهو ما طرحه السيد الصدر بوضوح في (اقتصادنا) حيث يقول: "" إنَّ هذه القوانين نظراً إلى علاقتها بإرادة الإِنسان تتأثر بكل المؤثرات التي تطرأ على الوعي الإِنساني، وبكل العوامل التي تتدخل في إِرادة الإِنسان وميوله. وبدهي أن إرادة الإِنسان التي تعالجها تلك القوانين تتحدد وتتكيف وفقاً لأفكار الإِنسان ومفاهيمه، ولنوعية المذهب السائد في المجتمع، ولون التشريعات التي تقيد سلوك الأَفراد. فهذه العوامل هي التي تملي على الإِنسان إِرادته وموقفه العلمي، وحين تتغير تلك العوامل يختلف اِتجاه الإنسان وإرادته، وبالتالي تختلف القوانين العلمية العامة التي تفسر مجرى الحياة الاقتصادية، فلا يمكن في كثير من الأحيان، إعطاء قانون عام للإنسانية في الحياة الاقتصادية، بمختلف إطاراتها الفكرية والمذهبية والروحية. وليس من الصحيح علمياً أن نترقب من الإِرادة الإِنسانية في مجرى الحياة الاقتصادية أن تسير وتنشط ـ دائماً وفي كل مجتمع ـ كما تسير وتنشط في المجتمع الرأسمالي، الذي درسه الاقتصاديون الرأسماليون، ووضعوا قوانين الاِقتصاد السياسي في ضوئه، مادامت المجتمعات قد تختلف في إطاراتها الفكرية والمذهبية والروحية، بل يجب أن تؤخذ هذه الإِطارات كمدلولات ثابتة في مجال البحث العلمي. ومن الطبيعي أن تتكشف نتائج البحث حينئذٍ عن القوانين الجارية ضمن تلك الإِطارات خاصة""(24).

علم اقتصاد إِسلامي

إذا كان المراد من كلمة الاقتصاد الإسلامي يعني المذهب الاقتصادي للإسلام، الذي تتجسد فيه الطريقة الإِسلامية في تنظيم الحياة الاقتصادية بما يملك هذا المذهب ويدل عليه من رصيد فكري يتألف من أفكار الإسلام الأَخلاقية والأفكار العلمية الاِقتصادية أو التاريخية التي تتصل بمسائل الاقتصاد السياسي أو بتحليل تاريخ المجتمعات البشرية(25)، وإذا كنا ننفي الطابع العلمي عن الاقتصاد الإسلامي لوضوح: إن الإسلام دين يتكفل الدعوة إلى تنظيم الحياة الاِقتصادية كما يعالج سائر نواحي الحياة، ولوضوح أنه ثورة لقلب الواقع الفاسد وتحويله إلى واقع سليم، وليس تفسيراً موضوعياً للواقع، فهل يعني كل ذلك عدم إمكان تكوّن علم اقتصاد إسلامي بعد أن يقوم الاقتصاد الإسلامي كمذهب بدوره في عملية تغيير الواقع؟

السيد الصدر يرى أنه: "" يمكن أن يتكون للاقتصاد الإسلامي علم بعد أن يدرس دراسة مذهبية شاملة من خلال دراسة الواقع في هذا الإِطار""(26)، إذ يأتي دور الباحث الاقتصادي لدراسة الواقع وتفسيره ضمن مجتمع إسلامي يطبق فيه مذهب الإسلام تطبيقاً كاملاً، ويقارن السيد الصدر في هذه النقطة بين المذهب الإسلامي والمذهب الرأسمالي حيث يقول: ""فالاِقتصاد الإسلامي من هذه الناحية ـ يقصد لا باعتباره علماً ـ يشبه الاِقتصاد الرأسمالي المذهبي، في كونه عملية تغيير الواقع لا عملية تفسير له، فالوظيفة تجاه الاقتصاد الإِسلامي هي: الكشف عن الصورة الكاملة للحياة الاِقتصادية وفقاً للتشريع الإسلامي، ودرس الأَفكار والمفاهيم العامة التي تشع من وراء تلك الصورة كفكرة انفصال شكل التوزيع عن نوعية الإِنتاج، وما إِليها من أفكار، وأَما الوظيفة العلمية تجاه الاِقتصاد الإِسلامي فيأتي دورها بعد ذلك، لتكشف عن مجرى الحياة الواقعي وقوانينه، ضمن مجتمع إِسلامي يطبق فيه مذهب الإسلام تطبيقاً كاملاً، فالباحث العلمي يأخذ الاِقتصاد المذهبي في الإِسلام قاعدة ثابتة للمجتمع، الذي يحاول تفسيره وربط الأَحداث فيه بعضها ببعض. فهو في هذا نظير الاِقتصاد السياسي لعلماء الاقتصاد الرأسماليين، الذين فرغوا من وضع خطوطهم المذهبية، ثم بدأوا يفسرون الواقع ضمن تلك الخطوط، ويدرسون طبيعة القوانين التي تتحكم في المجتمع الذي تطبق عليه، فنتج عن دراستهم هذه علم الاقتصاد السياسي""(27).

ولكن، كيف يمكن وضع علم الاقتصاد الإِسلامي كما وضع الرأسماليون علم الاِقتصاد السياسي في مجتمعاتهم؟

السيد الصدر في معرض جوابه على هذا التساؤل يرى أَن التفسير العلمي لأَحداث الحياة الاقتصادية يرتكز على أَحد أَمرين: أَولهما: جمع الأَحداث الاِقتصادية من التجربة الواقعية للحياة، وتنظيمها تنظيماً علمياً يكشف عن القوانين التي تتحكم بها في مجال تلك الحياة، وشروطها الخاصة. وثانيهما: البدء في البحث العلمي عن مسلّمات معينة تفترض إِفتراضاً، ويستنتج في ضوئها الاتجاه الاقتصادي ومجرى الحياة.
والأَمر الأَول غير متاح للاقتصاديين الإِسلاميين، لغياب ـ أَو تغييب ـ الاقتصاد الإِسلامي عن مسرح الحياة، مما يعني عدم إِمكانية الظفر بتجارب واقعية من حياتهم الاقتصادية المعاصرة، كما ظفر الاِقتصاديون الرأسماليون، ولا يبقى أَمام الاِقتصاديين الإِسلاميين سوى الأَمر الثاني، إذ لا يعدمون إِمكانية الاِنطلاق من نقاط مذهبية معينة واستنتاج آثارها في مجال التطبيق المفترض، ووضع نظريات عامة عن الجانب الاِقتصادي في المجتمع الإِسلامي على ضوء تلك النقاط المذهبية. وقد مثَّل السيد الصدر لذلك بانطلاق الباحث الإِسلامي من نقطة إلغاء النظام الربوي للمصارف في المجتمع الإِسلامي، فيمكن للباحث استنتاج: أَنَّ مصالح التجارة متفقة في المجتمع الإِسلامي مع مصالح رجال المال وأَصحاب المصارف، لأَنَّ المصرف في المجتمع الإِسلامي يقوم على أَساس المضاربة لا على أساس الربا، فهو يتجّر بأموال زبائنه ويوزع الأَرباح بينه وبينهم بنسبة مئوية معينة من الربح، وفي النهاية يتوقف مصيره المالي على مدى الربح التجاري الذي يجنيه، لا على الفائدة التي يقتطعها من الديون.

إذن، من الممكن قيام علم اقتصاد إسلامي يتكفل تفسير الواقع واستكشاف خصائصه العامة، ذلك الواقع الذي يقوم على أسس مذهبية إسلامية، ولكن ثمة شرطاً يرى السيد الصدر ضرورة توفره في إِمكان ولادة هذا العلم يتمثل في تجسيد هذا الاِقتصاد في كيان المجتمع بجذوره ومعالمه وتفاصيله، ودراسة الأَحداث والتجارب الاقتصادية التي يمر بها دراسة منظمة(28)، وقد ورَّطت هذه الحقيقة التي أكد عليها السيد الصدر بعض أساتذة الاِقتصاد فكتب أحدهم: (على أَية حال، فإنَّ العلاّمة محمد باقر الصدر ـ صاحب المؤلف الهام عن الاقتصاد الإِسلامي ـ يعلن بتواضع أن "" علم الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يولد ولادة حقيقية، إلاَّ إذا جُسد هذا الاقتصاد في كيان المجتمع، بجذوره ومعالمه وتفاصيله، ودرست الأَحداث والتجارب الاقتصادية التي يمر بها دراسة منظمة"" وهنا يكمن التحدي والاِختبار الرئيسي لمقولات الاِقتصاد الإسلامي)(29). وما يدعيه الكاتب من تحدٍّ واختبار مزعوم يقوم على عدم التمييز بين المذهب والعلم، وما ذكره السيد الصدر من شروط يختصّ بإمكان ولادة العلم ـ أعني علم الاقتصاد الإسلامي ـ لا المذهب.

الحد الفاصل بين المذهب والعلم

تقدم وأَن بيَّن السيد الصدر المفهوم الذي يعنيه من كلمة (المذهب) وذكر أَنَّ المذهب الاقتصادي للمجتمع هو: عبارة عن الطريقة التي يفضل ذلك المجتمع إِتباعها في حياته الاِقتصادية وحل مشاكلها العملية. بينما عرَّف علم الاِقتصاد: بأَنه ذلك العلم الذي يتناول تفسير الحياة الاقتصادية وأَحداثها وظواهرها وربط تلك الأَحداث والظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تتحكم فيها، وبتحديد طبيعة كل من المذهب والعلم وضع حداً فاصلاً بينهما، ولكن للدقة العلمية ولإِيجاد ضابط صارم بين موضوعات المذهب والعلم والمجالات التي يعمل كل منهما فيها، يؤكد السيد الصدر ضرورة عدم الاكتفاء بما وضعه سالفاً من علامة فارقة بين المذهب والعلم، تلك العلامة التي تمثلت في كون المذهب الطريقة التي يفضل المجتمع إِتباعها لحل مشاكله الاقتصادية، وكون العلم تلك المقولات وأَدوات التحليل التي تفسّر الواقع الاقتصادي.

لقد كان الحدّ الفاصل الذي وضعه السيد الصدر في مقدمة نظريته بين المذهب والعلم كافياً للتمييز بينهما، وذلك لتوضيح وشرح طبيعة الاقتصاد الإِسلامي وتمييزه عن علم الاقتصاد، ولكنه (هذا التمييز) لم يعد كافياً في مقام التعرف على مجالات وحدود كل منهما، مما يحتم على الباحث وضع ضابط دقيق يجنبه الخلط بين موضوعاتهما.

كان يكفي ـ للتأكيد على الطابع المذهبي للاقتصاد الإسلامي ولنفي كونه المقصود بعلم الاقتصاد وما يترشح عنه من شبهات ـ أَن يقول السيد الصدر عن المذهب أنه: طريقة، وعن العلم أنه: تفسير، وهو فارق جوهري بينهما. ولكن لمعرفة في أَي حقل يعمل المذهب الاقتصادي؟ وإلى أي مدى يمتد؟ وما هي الصفة العامة التي نجدها في كل فكر اقتصادي مذهبي، لنجعل من تلك الصفة علامة فارقة للأَفكار المذهبية في الإِسلام، التي نحاول جمعها وتنسيقها في إطراد واحد؟ لمعرفة الجواب على هذه التساؤلات يرى السيد الصدر ضرورة "" أن نعطي للمذهب المتميز عن العلم مفهوماً محدداً، قادراً على الجواب عن كل هذه الأَسئلة، ولا يكفي بهذا الصدد القول: بأنَّ المذهب مجرد طريقة""(30)إذ يأبى المنهج العلمي إلاَّ أن يوغل في خلق حدود فاصلة، ووضع ضوابط جامعة للمجالات التي يعمل فيها المذهب، ومانعة للاختلاط بمجالات العلم والاندماج معها.

ثمة من يقصر عمل المذهب على مجال التوزيع، ولذلك قيل عن المذهب الاقتصادي بأَنه: فن توزيع الثروة، بينما يقتصر عمل العلم على مجال الإنتاج فعرف بأَنه: علم قوانين الإنتاج. فكل بحث يبيِّن الثروة وتملكها والتصرف فيها فهو مذهبي يتصل بالنظام الاِقتصادي. ولأجل ذلك تختلف الرؤى المذهبية في مجال التوزيع بين رؤية رأسمالية واشتراكية وإِسلامية. بينما يعتبر كل بحث يتعلق بالإنتاج وتحسينه علماً اِقتصادياً ذا صفة عالمية لا تختلف فيه الأمم على اختلاف مذاهبها الاقتصادية وتنافرها.

هذا المعيار للتفريق بين مجال عمل كل من المذهب والعلم لا ينال رضا السيد الصدر وقبوله ويرى أنه: "" ينطوي على خطأ كبير، لأَنه يؤدي إلى اعتبار الصفة المذهبية والصفة العلمية نتيجتين لنوعية المجال المدروس. فإذا كان البحث في الإنتاج فهو بحث علمي، وإذا كان في التوزيع فهو بحث مذهبي. مع أن العلم والمذهب مختلفان في طريقة البحث وأَهدافه، لا في موضوعه ومجالاته. فالبحث المذهبي يظل مذهبياً ومحافظاً على طابعه ما دام يلتزم طريقته وأَهدافه الخاصة، ولو تناول الإنتاج نفسه، كما أن البحث العلمي لا يفقد طبيعته العلمية إذا تكلم على التوزيع ودرسه بالطريقة والأَهداف التي تتناسب مع العلم""(31). ولا أَدل على خطل هذا المعيار ومجافاته للصواب من فكرة التخطيط المركزي للإنتاج ـ التي تتيح للدولة الحق في وضع سياسة الإنتاج والإشراف عليه ـ وهي إحدى النظريات المذهبية المهمة مع أَنها تدخل في مجال الإنتاج ولا تتصل بمسألة التوزيع. كذلك يجد المرء كثيراً من الأَفكار التي تعالج قضايا التوزيع تندرج في علم الاِقتصاد، فـا(ريكاردو) حين يقرر مثلاً: أنَّ نصيب العمال من الثروة المنتجة، الذي يمثل فيما يتقاضونه من أُجور، لا يزيد بحال من الأَحوال عن القدر الذي يتيح لهم معيشة الكفاف.. لم يكن يقصد بذلك أَن يقرر شيئاً مذهبياً.

أَما المعيار الذي يرتأي السيد الصدر ضرورة تبنيه للتفريق بين المذهب الاِقتصادي وعلم الاِقتصاد فهو (فكرة العدالة الاِجتماعية) التي تصلح أَن تكون حداً فاصلاً بين مجال كل من المذهب والعلم. حيث يقول السيد الصدر: "" ففكرة العدالة الاجتماعية هي الحد الفاصل بين المذهب والعلم، والعلامة الفارقة التي تميز بها الأَفكار المذهبية عن النظريات العلمية، لأَن فكرة العدالة نفسها ليست علمية، ولا أَمراً حسياً قابلاً للقياس والملاحظة، أَو خاضعة للتجربة بالوسائل العلمية، وإِنما العدالة تقدير وتقويم خلقي""(32). ولذلك يندرج مبدأ الملكية الخاصة، أو الحرية الاِقتصادية، أَو إلغاء الفائدة أَو تأميم وسائل الإنتاج… في المذهب، لأنه يرتبط بفكرة العدالة، بينما تندرج قوانين تناقص الغلة وقوانين العرض والطلب، أَو القانون الحديدي للأُجور.. في مجال علم الاِقتصاد، لأنها لا ترتبط بفكرة العدالة الاجتماعية، إذ أن قانون تناقص الغلة لا يحكم بأَن هذا التناقص عادل أَو ظالم، وإنما يكشف عنه بوصفه حقيقة موضوعية ثابتة، كذلك قانون العرض والطلب فهو لا يبرر ارتفاع الثمن بسبب قلة العرض أَو زيادة الطلب على أَساس مفهوم معين عن العدالة، وإنما يبرر الترابط موضوعياً بين الثمن وكمية العرض والطلب باعتباره ظاهرة حتمية للسوق الرأسمالية.

وعلى ضوء هذا المعيار يرى السيد الصدر أَن "" المذهب الاقتصادي يشمل كل قاعدة أَساسية في الحياة الاقتصادية، تتصل بفكرة العدالة الاجتماعية""(33)، بينما "" العلم يشمل كل نظرية تفسر واقعاً من الحياة الاقتصادية بصورة منفصلة عن فكرة مسبقة أَو مثل أعلى للعدالة""(34). غير أن هذا الفصل الحاسم بين البحث العلمي والبحث المذهبي لا يحول دون إضفاء الطابع المذهبي على القوانين العلمية وتأثرها بالمبادئ المذهبية "" كما في قوانين العرض والطلب أو قانون الأجور الحديدي للعمال، فإن أمثال هذه القوانين إنما تصدق علمياً وتنطبق على الواقع الذي تفسره… في مجتمع رأسمالي يطبق الرأسمالية المذهبية، فهي قوانين علمية في إطار مذهبي معين، وليست علمية ولا صحيحة ضمن إطار آخر""(35).
عملية اكتشاف المذهب الإِسلامي

ثمة فارق جوهري بين المذهب الإِسلامي والمذاهب الاِقتصادية الأخرى يحسه الباحث الإسلامي وهو يمارس عملية البحث المذهبي، ويتجلى هذا الفارق في طبيعة المذهب الاقتصادي الإِسلامي نفسه "" فالمفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجَّز تمَّ وضعه، وهو مدعو إلى تمييزه بوجهه الحقيقي، وتحديده بهيكله العام، والكشف عن قواعده الفكرية، وإبرازه بملامحه الأَصلية، ونفض غبار التاريخ عنها، والتغلب بقدر الإِمكان على كثافة الزمن المتراكم والمسافات التاريخية الطويلة، وإِيحاءات التجارب غير الأَمينة التي مارست ـ ولو اسمياً ـ عملية تطبيق الإِسلام، والتحرر من أُطر الثقافات غير الإِسلامية التي تتحكم في فهم الأَشياء، وفقاً لطبيعتها واتجاهها في التفكير""(36). وعليه فإنَّ "" مهمة الباحث في الاقتصاد الإسلامي ليست عملية إِنشاء المذهب الاقتصادي في الإِسلام أَو ابتداع الأَنظمة الاِقتصادية الإِسلامية، وإنما هي عملية الكشف عن المذهب الاِقتصادي الإِسلامي، واستظهار الحلول الاِقتصادية الإِسلامية فيما يعرض للمجتمع من مشاكل اقتصادية""(37).

ويترتب على هذا الفارق الجوهري عدة نتائج منها: "" إِنَّ محاولة التغلب على كل هذه الصعاب، واجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي هي وظيفة المفكر الإسلامي""(38). وهو أَمر غاية في الوضوح ""فالبحث عن الاقتصاد الإسلامي لا يختص به رجال الاقتصاد، وإنما يختص به المفكر الإسلامي الذي يوضح التصور الإسلامي بشكله المتكامل، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الجوانب النظرية المختلفة للنظرية الإسلامية، حيث يتولى المتخصصون في علم الاقتصاد إبراز معالم النظرية الإسلامية في المجال الاقتصادي معتمدين في ذلك على المصادر الأَساسية للفكر الإسلامي في المجال التشريعي والاقتصادي والاجتماعي""(39). وينتج عن ذلك ـ أيضاً ـ وجوب الرجوع إلى المصادر الرئيسية للاقتصاد الإسلامي وهي النصوص الشرعية للإسلام والأَدلة الشرعية كما هو مقرر في محله، و""عليه فإِنَّ أَية محاولة لدراسة النشاط الاقتصادي خارج نصوص القرآن والسنّة، أو بغير الطرق الشرعية المقررة لا تمت إلى الاقتصاد الإِسلامي بصلة ولا يوصف المذهب الاقتصادي أَو النظم الاِقتصادية المختلفة بأَنها إِسلامية إِلاَّ بقدر تعبيرها عن نصوص القرآن والسنّة والتزامها للطرق الشرعية المقررة""(40).

وعلى أَساس الفرق الجوهري بين عملية اكتشاف المذهب الإِسلامي ـ باعتباره مذهباً تم إنجازه ووضعت أسسه في وقت سابق ـ وبين عملية التكوين التي يمارسها الباحثون المذهبيون في المذاهب الاقتصادية الأخرى كالرأسمالية والاشتراكية، يختلف سير البحث العلمي الذي يمارسه الباحث الإِسلامي عن غيره، إِذ يجري سير البحث العلمي في حالة تكوين المذهب الاقتصادي بصورة طبيعية، حيث يتم وضع النظرية العامة للمذهب لتكون فيما بعد أَساساً لبحوث ثانوية وقوانين تتفرع عنها، كالقانون المدني الذي يرتكز ويقوم على ضوء النظرية العامة للمذهب ويتأثر بمبادئها وأَسسها. والأَمر مختلف في عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي ""فقد ينعكس السير ويختلف المنطلق وذلك حينما نكون بصدد اِكتشاف مذهب اقتصادي لا نملك له أَو لبعض جوانبه صورة واضحة، ولا صيغة محددة من قبل واضعيه، كما إذا كنا لا نعرف أنَّ المذهب يؤمن بمبدأ الملكية العامة أَو مبدأ الملكية الخاصة، أَو لا نعرف الأَساس النظري للملكية الخاصة هل هو الحاجة أَو العمل أَو الحرية؟ ""(41).

عندما يكون الأَمر كذلك فإنَّ سير البحث يبدو مقلوباً وعكس الاِتجاه الذي يسير عليه الباحث في حالة تكوين المذهب الاقتصادي، الذي تتضح فيه الأُسس العامة للمذهب وما يترشح عنها إلى القوانين والبحوث الثانوية. هذه الحقيقة ـ أعني تأثر وارتكاز القوانين المدنية مثلاً على المذهب ـ تؤكد ضرورة السير المقلوب للبحث في عملية الإِكتشاف، حيث يلجأ الباحث الإِسلامي إلى عملية التفتيش عن إشعاعات المذهب الإِسلامي في المجالات المختلفة من بحوث ثانوية وقوانين، ليصل عن طريق هذه الإِشعاعات إلى الأُسس العامة التي يقوم عليها المذهب الاِقتصادي الإسلامي. وبهذا الصدد يقول السيد الصدر: ""وهذا هو الذي يجعل عمليه الاكتشاف التي يمارسها الفكر الإسلامي تظهر أحياناً بشكل مقلوب. بل قد يبدو أنها لا تميز بين المذهب والقانون المدني حين تستعرض أَحكاماً إِسلامية في مستوى القانون المدني، وهي تريد أن تدرس المذهب الاقتصادي في الإِسلام، ولكنها في الواقع على حق ما دامت تستعرض تلك الأَحكام بوصفها بناءً علوياً للمذهب قادراً على الكشف عنه، لا باعتبار أنها هي المذهب الاقتصادي والنظريات الاِقتصادية نفسها""(42).

دراسة شاملة للأَحكام الإِسلامية

السير المقلوب للبحث المذهبي يحتم ويبرر ـ في آن واحد ـ دراسة حشد كبير من أحكام الإسلام وتشريعاته في المعاملات، والحقوق التي تنظم العلاقات المالية بين الأفراد أو بينهم والدولة، وإن لم تكن هذه الأحكام داخلة كلها في صميم المذهب ذاته، وذلك تمهيداً لاِكتشاف معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي. بيد أنَّ ذلك لا يعني دراسة شاملة لأحكام الإسلام وتشريعاته، بل ستقتصر على الأحكام التي تُعدُّ بناءً علوياً للمذهب. وبعبارة أَوضح تلك الأَحكام التي يصيبها إِشعاع المذهب دون سواها، حيث تستبعد الأَحكام التي لا تساهم في عملية الاِكتشاف، أي تلك الأحكام التي لا تتأثر بالمبادئ المذهبية للاقتصاد و لا تصيبها إشعاعاتها. ولأجل ذلك اِستبعد السيد الصدر أَحكاماً، مثل: (حرمة الغش، وضريبة الجهاد)، إذ لا تتمتع حرمة الغش بإِطار مذهبي مما يجعلها محل اتفاق معظم قوانين دول العالم على اختلاف مذاهبها الاقتصادية، وكذلك ضريبة الجهاد التي تتصل بدور الدعوة في الدولة الإسلامية.

بينما يرى السيد الصدر دخول أحكام أخرى مثل: (حكم الربا، وضريبة التوازن ـ الزكاة)، باعتبارها أحكاماً تسهم في عملية الاِكتشاف وتدخل في صميم المذهب، حيث شُرعت الزكاة لحماية التوازن الاجتماعي، في حين تكشف حرمة الربا عن القاعدة العامة للتوزيع في الإسلام(43).



__________________
رد مع اقتباس
  #3 (permalink)  
قديم 20-07-2008, 20:09
الصورة الرمزية سيد مرحوم
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
المشاركات: 7,409
افتراضي

عملية التركيب بين الأَحكام

لمّا كانت عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي في الإسلام تستدعي دراسة عدد كبير من الأحكام الإِسلامية، فإِنَّ ذلك لا يعني كفاية عرضها وفحص كل واحد منها بصورة منعزلة ومستقلة، لأن طريقة العزل أو الانفرادية في بحث كل واحدة من هذه الأَحكام حسب رأي السيد الصدر "" إِنما تنسجم مع بحث على مستوى القانون المدني في أحكام الشريعة، فإِنَّ هذا المستوى يسمح بعرض المفردات مستقلة بعضها عن البعض، لأنّ دراسة أَحكام الشريعة في مستوى القانون المدني لا تتخطى المجالات التفصيلية لتلك الأَحكام، وإنما تتكفل بعض أَحكام الإسلام التي تنظم عقود البيع والإِيجار والقرض والشركة مثلاً، وليست مكلفة بعد ذلك بعملية تركيب بين هذه الأحكام""(44). والأمر مختلف في عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الذي يعني مجموعة النظريات العامة والأُسس التي يعتمدها ذلك المذهب لحل مشكلات الحياة الاقتصادية ""فلا يجدي عرض المفردات فحسب لاكتشاف المذهب، وإِن اكتفت بحوث كثير من الإِسلاميين بهذا القدر، بل يتحتم علينا أن ننجز عملية تركيب بين تلك المفردات، أي أن ندرس كل واحد منها بوصفه جزءً من كل، وجانباً من صيغة عامة مترابطة، لننتهي من ذلك إلى اكتشاف القاعدة العامة التي تشع من خلال الكل، أو من خلال المركّب، وتصلح لتفسيره وتبريره""(45).

دور المفاهيم في عملية الاكتشاف

تسهم المفاهيم الإِسلامية في تذليل العقبات التي تعترض سبيل الباحث الإسلامي، وتقوم بتيسير فهم النصوص الشرعية التي يعتمدها في عملية اِكتشافه المذهب الاقتصادي في الإسلام. فمثلاً التصور الإسلامي للملكية على أنها عملية استخلاف للمال والثروة، يجعل من الملكية وظيفة اِجتماعية يسندها الشارع إلى الفرد للقيام بمتطلبات الخلافة لحساب الجماعة ولحسابه أيضاً، ويهيئ الذهنية الإسلامية ويعدّها لقبول النصوص الشرعية التي تحد من سلطة المالك وفقاً لمتطلبات المصلحة العامة. ويرجع السيد الصدر تردد بعض الفقهاء في قبول هذه النصوص الشرعية المسوّغة لانتزاع الملكيات من بعض أصحابها، إلى تجاهلهم دور المفاهيم الإسلامية في الإِشعاع على هذه الأَحكام(46).

وقد استلهم السيد الصدر طابع القيمومة للمفاهيم الإِسلامية على الأَحكام الإِسلامية، من نصوص شرعية لاحظت هذا المعنى تمهيداً لإعطاء الحكم الشرعي. وفي هذا الخصوص يقول: "" ونحن نجد بعض تلك النصوص التشريعية قد لاحظت هذا المعنى بوضوح فأَعطت المفهوم أو الإِطار تمهيداً لإعطاء الحكم الشرعي فقد جاء في الحديث بشأن الأَرض وملكية الإِنسان لها: ""إِنَّ الأَرض لله تعالى، جعلها وقفاً على عباده، فمن عطل أَرضاً ثلاث سنين متوالية لغير ما علةٍ أُخذت من يده، ودفعت إلى غيره"". فنحن نرى ـ والحديث ما زال للسيد الصدر ـ أنَّ الحديث قد اِستعان بمفهوم معين عن ملكية الأَرض، ودور الفرد فيها، على توضيح الحكم بانتزاع الأَرض من مالكها وتبرير ذلك""(47).

ولم يقتصر دور المفاهيم الإِسلامية على مهمة الإِشعاع وتيسير فهم النصوص الشرعية، بل تقوم بدور تموين الدولة بنوعية التشريعات الاِقتصادية التي يجب أن تملأ بها منطقة الفراغ(48).

عملية الاِجتهاد والذاتية

تتوقف عملية اكتشاف المذهب الاِقتصادي الإِسلامي التي يقوم بها الباحث الإسلامي، على ما يملكه من أحكام ومفاهيم إسلامية، يلجأ إلى فحصها وتدقيقها والتركيب بين بعضها والبعض الآخر، في عملية شاقة معقدة تدعى عملية (الاجتهاد). ويكمن تعقيد هذه العملية في النصوص الشرعية التي لا تبرز ـ في الغالب ـ مضامينها التشريعية أو المفهومية بشكل صريح ومحدد، مما يجعل فهم هذه النصوص الإِسلامية معقداً يفتقر إلى مزيد من الفحص والتحقيق، وكل ذلك يستدعي أو يؤدي إلى التباين في فهم النصوص، واختلاف في الوصول إلى نتائجها، وينتج عن ذلك تعدد الصور التي يكوّنها الباحثون الإِسلاميون للمذهب الاقتصادي في الإسلام تبعاً لاِختلاف اجتهاداتهم وهي اجتهادات ليست بالضرورة صائبة أو واقعية لإِمكان تصور الخطأ فيها. ويبدو التساؤل وجيهاً عن مدى اكتسابها الصفة الإسلامية رغم اختلافها وتباينها.

وفقاً لرأي السيد الصدر: "" تعتبر كل تلك الصور صوراً إسلامية للمذهب الاقتصادي، لأنها تعبر عن ممارسة عملية الاجتهاد التي يسمح بها الإسلام وأَقرّها، ووضع لها مناهجها وقواعدها. وهكذا تكون الصورة إسلامية ما دامت نتيجة لاجتهاد جائز شرعاً بقطع النظر عن مدى انطباقها على واقع المذهب الاقتصادي في الإِسلام""(49).

وتشكل هذه الحقيقة رصيداً كبيراً في الفكر الإسلامي، الذي تتعدد فيه الاجتهادات والبدائل الإسلامية، لتفسح للمسلمين سعة الاختيار بين هذه البدائل، وفقاً لظروفهم، وبما يناسب مصالحهم، ما دامت هذه البدائل كلها مشروعة وسائغة إسلامياً. ولكن بالرغم من مشروعية تعدد الاجتهادات وتباينها فإنَّ ثمة خطراً ـ حسب رأي السيد الصدر ـ يحف بتلك العمليات الاجتهادية، ويخشى عليها من الزيغ والانحراف، ويتمثل هذا الخطر فيما يسميه السيد الصدر بــا: (العنصر الذاتي)، أَو (تسرب الذاتية إلى عملية الاجتهاد)، حيث يُفقد الغطاء الذاتي عملية الاكتشاف طابعها الحقيقي، وموضوعيتها ومصداقيتها الإِسلامية، ويبتعد بالعملية عن الأَصالة، ويسلبها المشروعية.

ولخطورة تسرب الذاتية إلى عملية الاجتهاد، يشدد السيد الصدر على ضرورة تحديد منابعها، حيث ذكر أسباباً أربعة بوصفها أهم المنابع لخطر الذاتية وهي:

أ ـ تبرير الواقع.
ب ـ دمج النص ضمن إطار خاص.
ج ـ تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه.
د ـ اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص.


أ ـ تبرير الواقع

ثمة فواصل تاريخية وواقعية بين الباحث الإِسلامي والنصوص الإسلامية التي يسعى إلى فحصها وتدقيقها لاكتشاف المذهب الاقتصادي في الإِسلام، حيث الاِبتعاد عن عنصر النص، والعيش في واقع مخالف للمفاهيم والنصوص الإسلامية. وإزاء هذه الحالة قد ""يندفع فيها الممارس ـ بقصد أَو بدون قصد ـ إلى تطويع النصوص، وفهمها فهماً خاصاً يبرر الواقع الفاسد الذي يعيشه الممارس، ويعتبره ضرورة واقعة لا مناص عنها، نظير ما قام به بعض المفكرين المسلمين، ممن استسلم للواقع الاِجتماعي الذي نعيشه، وحاول أن يخضع النص للواقع، بدلاً عن التفكير في تغيير الواقع على أَساس النص، فتأَول أَدلة حرمة الربا والفائدة. وخرج من ذلك بنتيجة تواكب الواقع الفاسد. وهي: أن الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة، وإنما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً، يتعدى الحدود المعقولة""(50).

ب ـ دمج النص ضمن إطار خاص

قد يعيش الباحث الإسلامي وهو يمارس عملية الاكتشاف واقعاً اجتماعياً معيناً، أو واقعاً فكرياً يتبناه ويدافع عنه، فيحاول فهم النصوص ضمن هذا الواقع الاجتماعي أو ذلك الإطار الفكري المعين، ويلجأ إلى عملية تطويع قسرية للنصوص، لتنسجم مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه أو الإطار الفكري المتبنى، فإذا صادف أن عجز عن هذه العملية أهمل هذه النصوص واجتازها إلى نصوص أخرى تماشى غاياته وما يتبناه. ويردُّ السيد الصدر إهمال بعض الفقهاء للنصوص الإِسلامية التي تتضمن الحد من سلطة المالك، إلى هذا السبب حيث لا تتفق هذه النصوص مع الأُطر الفكرية لأَولئك الفقهاء، تلك الأُطر التي تشع بتقديس الملكية الخاصة. وتأثَّر بعضهم بالأُطر التاريخية أيضاً حيث عمد إلى الاستدلال على تشريع الملكية الخاصة في الأَرض على الضرورة وكون الإنسان مدنياً بالطبع يلجأ إلى مسكن يأوي إليه. بينما لا يحمِّل آخرون أَنفسهم عناء البحث فيبادرون إلى فهم كلمة وردت في النص الشرعي كما هي ـ في العصور اللاحقة لعصر التشريع ـ دون الالتفات إلى تطور اللغة وتغير الاستخدام. بمعنى آخر عدم الالتفات إلى عمر الكلمة ـ كما يسميه السيد الصدر ـ فقد تحتفظ كلمة ما بمدلولها اللغوي، غير أنها لا تحتفظ كذلك بمدلولها السيكولوجي، حيث يتأثر هذا المدلول بمذاهب جديدة وحضارات ناشئة، فتقترن حينئذٍ بفكر خاص أو سلوك معين، فتكون مشروطة بذلك الفكر وذلك السلوك، ويغيب مدلولها اللغوي ليطغى مدلولها السيكولوجي الجديد. ولا أدلَّ على ذلك من كلمة (الاشتراكية) "" فقد اَشرطت هذه الكلمة خلال مذاهب اجتماعية حديثة عاشها الإِنسان المعاصر.. بكتلة من الأفكار والقيم والسلوك، وأصبحت هذه الكتلة تشكل إلى حد ما جزءً مهماً من مدلولها الاجتماعي اليوم، وإن لم تكن على الصعيد اللغوي المجرد تحمل شيئاً من هذه الكتلة فإذا جئنا إلى نصوص تشتمل على كلمة الاشتراكية، نواجه خطر الاستجابة للاشراط الاجتماعي في تلك الكلمات، وإعطائها المعنى الاجتماعي الذي عاشته بعيداً عن جو النص، بدلاً من إعطائها المعنى اللغوي الذي ترمز إليه""(51).

ج ـ تجريد الدليل من ظروفه وشروطه

تجريد الدليل من ظروفه وشروطه ـ حسب رأي السيد الصدر ـ هو عملية تمديد للدليل دون مبرر موضوعي. وغالباً ما تتم هذه العملية في نوع خاص من الأدلة الشرعية، وهو ما يعرف فقهياً بـا(التقرير). وهو جزء من السُنة التي تعني: قول المعصوم وفعله وتقريره. والتقرير هو: سكوت المعصوم (النبي أو الإِمام) عن عمل معين يقع على مرآى منه ومسمع، سكوتاً يكشف عن سماحه به وجوازه في الإِسلام، إذ لو لم يكن المعصوم موافقاً على صدوره لتصدى للنهي والزجر عنه. والتقرير على قسمين:

1 ـ تقرير خاص: ويتجلى في سكوت المعصوم عن فعل قام به فرد معين على مرأى ومسمع منه، فيكشف هذا السكوت عن جواز الفعل، وموافقة المعصوم عليه بالنسبة لهذا الفرد المعين، وغيره في الظروف والشروط ذاتها.

2ـ تقرير عام: ويتمثل في سكوت النبي عن عمل عام يتكرر صدوره من الناس في حياتهم الاعتيادية. ويعتبر هذا السكوت دليلاً على جوازه والموافقة عليه.

ويتوقف الاستدلال بهذا النوع الخاص من الأدلة الشرعية ـ أَعني التقرير ـ على عدة أمور:

أولاً: يجب التأكد من وجود ذلك السلوك تاريخياً في عصر التشريع، وأَلاَّ يكون سلوكاً متأخراً زمنياً.
ثانياً: التأكد من عدم صدور النهي من الشارع، ولا يكفي في المقام عدم العلم بصدوره، لتصور صدور النهي وعدم وصوله، فيلزم على الباحث الإِسلامي الفحص عن عدم صدور النهي والجزم بذلك.
ثالثاً: يجب أخذ جميع الصفات والشروط الموضوعية المتوفرة في ذلك السلوك بعين الاعتبار، إذ يمكن أن يكون لبعض تلك الصفات والشروط أثر في السماح بذلك السلوك وعدم تحريمه.

وتتخذ عملية تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه ـ كما بينه السيد الصدر ـ شكلين:

الأَول: فقد يعيش الباحث واقعاً عامراً بسلوك اقتصادي، ويحس وضوح هذا السلوك وأَصالته وعمقه إلى درجة يتناسى العوامل التي ساعدت على إِيجاده والظروف المؤقتة التي مهدت له، فيخيل له أَنَّ هذا السلوك أَصيل وممتد في التاريخ إلى عصر التشريع، فيستدل على جوازه وشرعيته، لعدم صدور نهي من الشارع عنه.

الثاني: ويظهر في تجريد السلوك ـ الذي لا شبهة في معاصرته لعهد التشريع ـ من خصائصه والعوامل التي قد تكون دخيلة في السماح به، فيعمد الباحث إلى عزل السلوك عن هذه العناصر والعوامل المؤثرة وتعميمه على حالات يفترض خلوها من هذه العناصر والعوامل الداخلة في الحكم بالجواز وعدم النهي، كما لو اختص عدم النهي بحالة مرض أَو فقر أو غير ذلك من الخصوصيات.

د ـ اتخاذ موقف مسبق تجاه النص:

ويقصد السيد الصدر باتخاذ موقف معين تجاه النص: الاتجاه النفسي للباحث الذي يترك الأَثر الكبير على عملية فهمه للنصوص. ويفترض السيد الصدر شخصين يمارسان دراسة النصوص، يتجه أحدهما نفسياً إلى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما يتصل بالدولة من أحكام الإسلام ومفاهيمه، بينما ينجذب الآخر لاتجاه نفسي نحو الأَحكام التي تتصل بالسلوك الخاص بالأَفراد. فانهمَّا بالرغم من مباشرتهما نصوصاً واحدة، سوف يختلفان في المكاسب التي يخرجان بها من دراستهما لتلك النصوص، فيحصل كل منهما على مكاسب أكبر فيما يتصل باتجاهه النفسي وموقفه الخاص، وتنطمس أمام عينيه معالم الجانب الآخر الذي لم يتجه إليه نفسياً.

ولا يقتصر - حسب رأي السيد الصدر - تأثير هذه المواقف النفسية المسبقة على إخفاء بعض معالم التشريع، بل تؤدي إلى التضليل في فهم النص الشرعي والخطأ في استنباط الحكم منه، ""والأمثلة على هذا من الفقه عديدة. وقد يكون نهي النبي عن (منع فضل الماء والكلأ..) أَوضح مثال من النصوص على مدى تأثر عملية الاستنباط من النص بالموقف النفسي للممارس.. وهذا النهي من النبي عن منع الماء والكلأ، يمكن أن يكون تعبيراً عن حكم شرعي عام، ثابت في كل زمان ومكان، كالنهي عن الميسر والخمر. كما يمكن أَيضاً أن يعبر عن إِجراء معين، اتخذه النبي بوصفه ولي الأَمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين، في حدود ولايته وصلاحياته، فلا يكون حكماً شرعياً عاماً، بل يرتبط بظروفه ومصالحه التي يقدرها ولي الأَمر. وموضوعية البحث في هذا النص النبوي تفرض على الباحث استيعاب كلا هذين التقديرين، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النص وما يناظره من نصوص. وأما أولئك الذين يتخذون موقفاً نفسياً تجاه النص بصورة مسبقة، فهم يفترضون منذ البدء أن يجدوا في كل نص حكماً شرعياً عاماً، وينظرون دائماً إلى النبي من خلال النصوص بوصفه أداة لتبليغ الأحكام العامة، ويهملون دوره الإيجابي بوصفه ولي الأَمر، فيفسرون النص الآنف الذكر على أساس أنه حكم شرعي عام. وهذا الموقف الخاص في تفسير النص لم ينبع من النص نفسه، وإنما نتج عن إِعتياد ذهني على صورة خاصة عن النبي، وطريقة تفكير معينة فيه درج عليها الممارس، واعتاد خلالها أن ينظر إليه دائماً باعتباره مبلغاً، وانطمست أمام عينيه شخصيته الأخرى بوصفه حاكماً، وانطمست بالتالي ما تعبر به هذه الشخصية عن نفسها في النصوص المختلفة""(52).



ضرورة الذاتية أَحياناً

لمّا كانت عملية اكتشاف المذهب متوقفة على عملية الاجتهاد التي يمارسها الباحث في فهم النصوص الشرعية وتنسيقها والتوفيق بين مدلولاتها في إطراد واحد، لزم بالضرورة تعدد الصور التي يقدمها الباحثون الإسلاميون. وهي صور شرعية تصح نسبتها إلى الإسلام ـ كما تقدم ذكره ـ على سبيل الظن لا القطع، لإِمكان تصور الخطأ فيها، وابتعاد الباحث عن الواقع الإسلامي، وعدم تمكنه من إعطاء الصورة الصحيحة للمذهب الإسلامي.

كل ذلك يعني تعدد الصور ـ التي يقدمها الباحثون ـ لمذهب اِقتصادي إسلامي واحد، إذ ليس من المنطقي أن نترقب اكتشاف أكثر من مذهب اقتصادي في الإِسلام، ولذلك ارتأى السيد الصدر ضرورة التمييز بين عملية الإِجتهاد على صعيد استنباط فقه الأَحكام، وبينها ـ أي عملية الاجتهاد ـ على صعيد فقه النظريات. ويبدو الفرق بينهما في صورة التناقض ـ التي تعترض الباحث ـ بين النصوص الشرعية، حيث يحتمل تفسيره بوجهين أحدهما: أن يرد الباحثُ التناقض المذكور إلى عدم صحة بعض النصوص التي اعتمدها، فأَدَّت إلى تنافر الأحكام المستنبطة بسبب دخول هذه النصوص التشريعية الغريبة في عملية إجتهاد الباحث. وثانيهما: أن يرد هذا التنافر، إلى عدم قدرته على التوفيق بين هذه النصوص التشريعية المتضاربة، والاهتداء إلى سرّ الوحدة بينهما.

وعلى أَساس هذين التفسيرين يختلف موقف الباحث على صعيد فقه الأحكام، عن موقفه على صعيد فقه النظريات، فهو باعتباره مجتهداً يستنبط الأَحكام لا يمكنه أن يتخلى عن الأحكام التي أدى إليها اجتهاده، وإن كانت متنافرة، لاحتمال عدم قدرته على الاِهتداء إلى سرّ وحدتها والتوفيق بينها. أَما على صعيد فقه النظريات فالأَمر مختلف تبعاً لطبيعة العملية التي تحتم أن تكون الأَحكام التي اعتمدها الباحث منسجمة ومتسّعة لاِكتشاف الأُسس العامة للاِقتصاد الإِسلامي. فإذا ما وجد الباحث على هذا الصعيد تنافراً بين هذه النصوص يجب عليه بالضرورة إزالة هذه العناصر القلقة التي أنتجت هذا التناقض، واللجوء إلى اجتهاد الآخرين ليستبدلها بعناصر أكثر انسجاماً، فيكوِّن مجموعة ملفَّقة من اجتهادات عديدة يتوفر فيها الانسجام والوئام. وتبدو الذاتية في هذه الحالة ضرورية ولا مفرَّ منها، بل "" إنَّ ممارسة هذا المجال الذاتي، ومنح الممارس حقاً في هذا الاِختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة.. قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنية لعملية الاِكتشاف""(53).

إِيمان السيد الصدر هذا لم يكن لوناً من الترف والتكاسل عن تحمل أَعباء ومشاق الاِجتهاد في أحكام الشريعة، بل كان ذلك نتيجة تجربة شخصية عاشها وهو يخوض غمار البحث الفكري والفقهي للكشف عن المذهب الاِقتصادي في الإِسلام.

خداع الواقع التطبيقي

لقد تجسد المذهب الاقتصادي الإِسلامي في واقع العلاقات الاقتصادية التي كانت قائمة بين أَفراد المجتمع الإِسلامي إبان عصر النبوة وما تلاه، وهو ما يفترض ضرورة البحث عنه على هذا الصعيد التطبيقي، باعتباره مرآة تعكس ملامح الاقتصاد الإِسلامي وخصائصه.

وهنا تنشأ المشكلة التي تواجه الباحث الإسلامي، فيكون لزاماً عليه حينئذٍ التمييز بين دراسته للمذهب الاِقتصادي في النصوص التشريعية، ودراسته له في إِطار الواقع التطبيقي، إذ أنَّ "" النصوص التشريعية للنظرية أَقدر على تصوير المذهب من الواقع التطبيقي، لأنَّ التطبيق نص تشريعي في ظرف معين قد لا يستطيع أن يعكس المضمون الضخم لذلك النص، ولا أن يصوِّر مغزاه الاجتماعي كاملاً، فيختلف إلهام التطبيق ومعطاه التصوري للنظرية عن المعطى الفكري للنصوص التشريعية نفسها. ومرد هذا الاختلاف إلى خداع التطبيق لحواس الممارس الاِكتشافية، نتيجة لاِرتباط التطبيق بظروف موضوعية خاصة""(54).

ويقدم السيد الصدر أمثلة على خداع الواقع التطبيقي، وضرورة الحذر والحيطة، وتجنب الانزلاق في متاهات هذا الواقع المخادع. ومن هذه الأمثلة: ما يستشعره الباحث من حرية اقتصادية كان يتمتع بها إنسان عصر التشريع، حيث لا قيود تحد حريته وتكبل نشاطه الفكري، فهو حر في عملية استغلال ثروات الطبيعة ومعادنها وخيراتها، وهو ما يوحي إلى البعض بالطابع الرأسمالي. ولو اكتفى الباحث بالتعويل على دراسة هذا الواقع دون الرجوع إلى النصوص الشرعية لانطلى عليه خداعه، بيد أنه قادر على التخلص منه بالعودة إلى النصوص الشرعية التي تعبِّر بتفوق وجدارة عن خصائص الاقتصاد الإسلامي وملامحه، حيث تمنع هذه النصوص عن تملك مصادر الثروات الطبيعية، واستغلالها بما يزيد عن حاجة المنتفع، وشرط أن يباشر الفرد استغلالها بنفسه. وبذلك ينكشف له زيف الواقع التطبيقي وخداعه، وتظهر المفارقة بين النظرية والتطبيق، والتي يرجع سببها إلى ""الظروف التي كان إِنسان عصر التطبيق يعيشها، ونوع الإِمكانات التي يملكها، فان المضمون اللارأسمالي للنظرية في الاقتصاد الإسلامي، كان مختفياً في مجال التطبيق إلى حد ما، بقدر ما كانت إِمكانات الإِنسان وقدرته على الطبيعة ضئيلة، ويبرز المضمون اللارأسمالي باطراد، ويتضح في مجال التطبيق الأَمين للإسلام، بقدر ما ترتفع تلك الإِمكانات وتتسع تلك القدرة""(55).

صفات الاِقتصاد الإِسلامي

للاِقتصاد الإسلامي صفتان أساسيتان، تبدوان في غاياته، ووسائله لتحقيقها

وهما: الواقعية والأَخلاقية.

أَما الواقعية فهو:

"" اِقتصاد واقعي في غاياته لأنه يستهدف في أنظمته وقوانينه الغايات التي تنسجم مع واقع الإنسانية، بطبيعتها ونوازعها وخصائصها العامة، ويحاول دائماً أن لا يرهق الإِنسانية في حسابه التشريعي، ولا يحلِّق بها في أَجواء خيالية عالية فوق طاقاتها وإِمكاناتها… وإِنما يقيم مخططه الاِقتصادي دائماً على أساس النظرة الواقعية للإِنسان، ويتوخى الغايات الواقعية التي تتفق مع تلك النظرة""(56). فيسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وحماية الإِنسان من ألوان الفقر والفاقة، بل ويسعى إلى خلق الظروف المناسبة لحياته وضمان كرامته وإنسانيته، وبذلك يتميز عن النظام الرأسمالي الذي يزعم وجود قانون طبيعي ـ وتلقائي ـ وراء تحريك الحياة الاِقتصادية، ليبرر ألوان الجشع والاِستغلال، ويضفي المشروعية على هذه الأَوضاع الفاسدة. وكذلك يختلف عن النظام الشيوعي الذي يغرق الإنسان في رومانسيته وخيالاته اللامحدودة، وهو يبشره بخلق ذلك المجتمع المعصوم، وتلك الحياة الإِنسانية الرفيعة والفردوس الأَرضي.

هذا على صعيد الغايات والأَهداف، أما في طريقته فهو واقعي أيضاً "" فكما يستهدف غايات واقعية ممكنة التحقق، كذلك يضمن تحقيق هذه الغايات ضماناً واقعياً مادياً، ولا يكتفي بضمان النصح والتوجيه، التي يقدمها الوعاظ والمرشدون، لأنه يريد أن يُخرج تلك الأَهداف إلى حيز التنفيذ، فلا يقنع بإِيكالها إلى رحمة الصدف والتقادير. فحين يستهدف مثلاً إيجاد التكافل العام في المجتمع، لا يتوسل إليه بأساليب التوجيه واستثارة العواطف بحسب، وإنما يسنده بضمان تشريعي، يجعله ضروري التحقيق على كل حال""(57).

والصفة الثانية للاقتصاد الإسلامي هي الصفة الأَخلاقية والتي بدورها تشع ليس فقط في غاياته فحسب، بل في طريقته أيضاً.

والصفة الأَخلاقية "" تعني ـ من ناحية الغاية ـ أنَّ الإسلام لا يستمد غاياته التي يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية، من ظروف مادية وشروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه، كما تستوحي الماركسية غاياتها من وضع القوى المنتجة وظروفها.. وإنما ينظر إلى تلك الغايات بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من ناحية خلقية. فحين يقرر ضمان حياة العامل مثلاً، لا يؤمن بأنَّ هذا الضمان الاجتماعي الذي وضعه، نابع من الظروف المادية للإنتاج مثلاً، وإنما يعتبره ممثلاً لقيمة عملية يجب تحقيقها""(58).

وتتجلى الصفة الأَخلاقية ـ من ناحية الطريقة ـ في إيمان الإسلام بضرورة خلق شروط نفسية وذاتية في عملية تحقيق غايات الاقتصاد الإِسلامي وأَهدافه، ولذلك فإنَّ ""الإسلام يهتم بالعامل النفسي، خلال الطريقة التي يضعها لتحقيق أَهدافه وغاياته. فهو في الطريقة التي يصنعها لذلك، لا يهتم بالجانب الموضوعي فحسب ـ وهو أن تتحقق تلك الغايات ـ وإنما يعنى بوجه خاص بمزج العامل النفسي والذاتي بالطريقة التي تحقق تلك الغايات""(59)، ولذلك لا يكتفي الإسلام بأخذ المال من الغني لحساب الفقير، وإنما يتصدى لخلق الدافع الخلقي وعامل الخير في نفس الغني نفسه، ويجعل من هذه العملية عبادة شرعية لا تختلف عن العبادات الأخرى ـ من ناحية مفهوم العبادة والتقرب لله تعالى ـ مما يؤدي إلى تخفيف ظاهرة التهرب من دفع الضرائب وأَداء التكاليف المالية.

الاقتصاد الإِسلامي جزءٌ من كل

يعبّر الاِقتصاد الإِسلامي عن رؤية إسلامية، لتنظيم الحياة الاِقتصادية، لا تنفصل عن مجموع الرؤى الإِسلامية المتعددة التي تنظم المجالات الأخرى من حياة الإِنسان. وتمثل هذه الرؤى بمجموعها الصيغة الإِسلامية العامة التي تهدف إلى تنظيم شتى نواحي الحياة الإنسانية، فهي متجانسة ومتسقة، ويكمل بعضها البعض الآخر، ويعتبر تعطيل أي جزء من هذه الصيغة العامة وعزله عن مسرح الحياة، محاولة لاغتيال فرص النجاح في عمل الصيغ الإِسلامية الأخرى، وإعاقة لعملها، ومنعها من أنْ تؤتي ثمارها ومردودها المنتظر. وانطلاقاً من هذه الحقيقة نبّه السيد الصدر على الدور المهم الذي تلعبه الصيغ العامة للمذاهب الاجتماعية في تقدير مخططاتها الاقتصادية، ولذلك اعتبر من الخطأ بمكان أن لا نعير الصيغة الإسلامية العامة الاهتمام، وأن لا ندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أَجزاء المذهب، والتأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام(60).

الصيغة الإسلامية العامة هي الأخرى لا تنفصل عن أَرضيتها الخاصة التي أُعدت لها، وهيأت لها كل عناصر البقاء والقوة. وإذا كانت الصيغة العامة هي عبارة عن مجموع الصيغ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإسلام، فإنَّ الأَرضية المعدَّة لهذه الصيغ ـ كما يحددها السيد الصدر ـ هي عبارة عن العناصر التالية:

أولاً: العقيدة، وهي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسية إلى الكون بصورة عامة.

ثانياً: المفاهيم التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء، على ضوء النظرة العامة التي تبلورها العقيدة.

ثالثاً: العواطف والأَحاسيس التي يتبنى الإسلام بثها وتنميتها، إلى صف تلك المفاهيم، لأنَّ المفهوم ـ بصفته فكرة إسلامية عن واقع معين ـ يفجر في نفس المسلم شعوراً خاصاً تجاه ذلك الواقع، ويحدد اتجاهه العاطفي نحوه. فالعواطف الإسلامية وليدة المفاهيم الإسلامية، وهي بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الإسلامية.

هذه العلاقة، والتأثير المتبادل بين الأَرضية والصيغة الإسلامية العامة، ثم الترابط الصارم بين عناصر هذه الصيغة، يمثل الشرط الأَساس في نجاح المذهب الاِجتماعي الإسلامي، إذ "" عندما يستكمل المجتمع الإسلامي تربته وصيغته العامة، عندئذٍ فقط نستطيع أن نترقب من الاِقتصاد الإسلامي. أن يقوم برسالته الفذة في الحياة الاِقتصادية، وأن يضمن للمجتمع أسباب السعادة والرفاه، وأن نقطف منه أعظم الثمار""(61). ويبدو إعمال جزء من الصيغة الإسلامية العامة وإطلاق سراحه في عملية بناء المجتمع الإسلامي، والحجر على أجزاء أخرى مكوّنة لهذه الصيغة العامة، ليس حجراً لهذه الأجزاء فحسب بقدر ما تمثله هذه العملية من تكبيل لهذا الجزء (المطلق السراح) وهو يدور في حلقة مفرغة، تشل عمله وتزيف نتائجه.

وذلك لأن "" الإسلام اشترع نهجه الخاص به، وجعل منه الأَداة الكاملة لإسعاد البشرية على أن يطبق هذا النهج الإسلامي العظيم في بيئة إسلامية، قد صبغت على أَساس الإسلام في وجودها وأفكارها وكيانها كله، وأن يطبق كاملاً غير منقوص يشد بعضه بعضاً. فعزل كل جزء من النهج الإسلامي عن بيئته ـ وعن سائر الأجزاء ـ معناه عزله عن شروطه التي يتاح له في ظلها تحقيق هدفه الأَسمى""(62).

بيد أن ذلك لا يعني ـ بالطبع ـ الامتناع عن الأَخذ بالحلول الإسلامية ـ ولو جزئياً ـ لحل مشكلات الإنسان، بقدر ما يؤكد على الترابط العضوي لأجزاء الصيغة الإسلامية العامة، وضرورة الحفاظ على هذه العلاقة، لضمان نتائج طيبة، ومردود أَفضل، وسريع، وهو ما لا يمكن ترقبه في حالات التطبيق الجزئي لهذه الصيغ المترابطة، حيث يؤدي بالتأكيد إلى ضمور نتائج، واختفاء مردود أكبر.
__________________
رد مع اقتباس
  #4 (permalink)  
قديم 20-07-2008, 20:11
الصورة الرمزية سيد مرحوم
عضو
 
تاريخ التسجيل: Feb 2003
المشاركات: 7,409
افتراضي

الهيكل العام للاقتصاد الإِسلامي
يحدد السيد الصدر أَركان رئيسية ثلاثة للاقتصاد الإسلامي، تحدد محتواه المذهبي وتميزه عن المذاهب الاقتصادية الأخرى وهي:

الركن الأول: مبدأ الملكية المزدوجة.

الركن الثاني: مبدأ الحرية الاقتصادية في نطاق محدود.

الركن الثالث: مبدأ العدالة الاجتماعية.

الركن الأول: مبدأ الملكية المزدوجة

من الأَركان الرئيسية التي يرتكز عليها المذهب الرأسمالي هو مبدأ الملكية الخاصة، وامتداد حق تملك الفرد إلى كل مجالات وميادين الثروة، وعليه "" فالمجتمع الرأسمالي يؤمن بالشكل الخاص الفردي للملكية، أي الملكية الخاصة، كقاعدة عامة، فهو يسمح للأفراد بالملكية الخاصة لمختلف أنواع الثروة في البلاد تبعاً لنشاطاتهم وظروفهم، ولا يعترف بالملكية العامة إلاّ حين تفرض الضرورة الاجتماعية وتبرهن التجربة على وجوب تأميم هذا المرفق أو ذاك، فتكون هذه الضرورة حالة استثنائية، يضطر المجتمع الرأسمالي ـ على أساسها ـ إلى الخروج عن مبدأ الملكية الخاصة، واستثناء مرفق أو ثروة معينة من مجالها""(63). ويختلف الحال في ظل المذهب الاشتراكي فتبدو الملكية الخاصة بركان الشر، ومصدر التناقضات الطبقية، يجب القضاء عليها، وإزالتها لتخليص المجتمع من شرورها وآثامها، ولتبقى ""الملكية الاشتراكية فيه هي المبدأ العام الذي يطبق على كل أَنواع الثروة في البلاد. وليست الملكية الخاصة لبعض الثروات في نظره إلا شذوذاً واستثناءً، قد يعترف به أَحياناً بحكم ضرورة اجتماعية قاهرة""(64).

لقد رفض النظام الاشتراكي الملكية الخاصة، لأنها ولاّدة لألوان الفقر والحاجة والفاقة والتسكع، وتشجع الرأسماليين وتضطرهم إلى ممارسة الاِستعمار، لامتلاك أسواق وخيرات جديدة في الخارج، بعد أن تضيق بهم أَسواقهم الداخلية وخيراتهم عن تلبية رغباتهم وتحقيق طموحاتهم.

يقول السيد تفنيداً لهذه المزاعم: "" إِنَّ مبدأ الملكية الخاصة ليس هو الذي نشأت عنه آثام الرأسمالية المطلقة، التي زعزعت سعادة العالم وهناءه، فلا هو الذي يفرض تعطيل الملايين من العمال في سبيل استثمار آلة جديدة تقضي على صناعاتهم، كما حدث في فجر الانقلاب الصناعي، ولا هو الذي يفرض التحكم في أجور الأجير وجهوده بلا حساب، ولا هو الذي يفرض على الرأسمالي أن يتلف كميات كبيرة من منتوجاته، تحفظاً على ثمن السلعة وتفضيلاً للتبذير على توفير حاجات الفقراء بها، ولا هو الذي يدعوه إلى جعل ثروته رأس مال كاسب يضاعفه بالربا، وامتصاص جهود المدينين بلا إنتاج ولا عمل، ولا هو الذي يدفعه إلى شراء جميع البضائع الاستهلاكية من الأسواق ليحتكرها ويرفع بذلك من أَثمانها، ولا هو الذي يفرض عليه فتح أَسواق جديدة، وإن انتهكت بذلك حريات الأمم وحقوقها وضاعت كرامتها وحريتها.. كل هذه المآسي المروعة لم تنشأ من الملكية الخاصة، وإنما هي وليدة المصلحة المادية الشخصية التي جعلت مقياساً للحياة في النظام الرأسمالي، والمبرر المطلق لجميع التصرفات والمعاملات. فالمجتمع حين تقام أسسه على هذا المقياس الفردي والمبرر الذاتي لا يمكن أن ينتظر منه غير ما وقع، فإنَّ من طبيعة هذا المقياس تنبثق تلك اللعنات والويلات على الإنسانية كلها، لا من مبدأ الملكية الخاصة. فلو أُبدل المقياس ووضعت للحياة غاية جديدة مهذبة تنسجم مع طبيعة الإنسان.. لتحقق بذلك العلاج الحقيقي للمشكلة الإنسانية الكبرى""(65).

إذن ليست الملكية الخاصة ـ كما توهمتها الماركسية ـ مصدراً لهذه الآثام وكل هذه الجرائم، إذ أن "" الحاجة والفاقة وألوان الفقر والتسكع لم تنشأ عن السماح بالملكية الخاصة لوسيلة الإنتاج، وإنما نشأت عن الإطار الرأسمالي لهذه الملكية""(66). الإِطار الذي يأذن للإنسان أن يبتلع أَخاه الإنسان، ويسمح له بتدميره، وباستعاضة هذا الإطار بإطار آخر ينظم حقوق الفرد والمجتمع، على أساس العدل والمساواة، تسترجع الملكية الخاصة عافيتها، وتنفض عن نفسها أَدران النظام الرأسمالي وموبقاته. وأَما ظاهرة الاستعمار التي يخيل للماركسيين أنها نشأت من رحم الملكية الخاصة، حين عجزت الخيرات والأَسواق الداخلية عن تمشية مصالح الطبقة الرأسمالية، فهي لم تنشأ من رحمها (الملكية الخاصة) وإنما هي التعبير العملي للمقاييس المادية التي خلقها الإطار الرأسمالي نفسه. وهو ما يفسر نشوء هذه الظاهرة متزامناً مع بداية الرأسمالية ووجودها التاريخي في المجتمعات الأُوربية. وما تدعيه الماركسية من أنها (ظاهرة الاستعمار) المرحلة العليا للرأسمالية، وهمٌ يكذبه الواقع التاريخي حيث سارعت الدول الأوربية في ظل الرأسمالية إلى اقتسام الدول الضعيفة، ولم تنتظر بلوغها تلك المرحلة العليا المزعومة(67).

إنَّ إلغاء الملكية الخاصة واستبدالها بالملكية العامة فحسب لا يحل المشكلة ولا يخلص المجتمع من الفقر والفاقة، ولا ينجيه من سيطرة طبقة معينة على رقاب أبناء المجتمع. فالنظام الاشتراكي وإن صادر ملكيات الطبقة الرأسمالية، لا يقطع الطريق على نشوء طبقة أخرى تتمتع بمزايا الطبقة الرأسمالية ذاتها، بل تكرس الطبقية والاستغلال بحكم القانون وبالقيم الماركسية نفسها، وبأبشع صورها وأَقسى درجاتها، حيث تقرر دكتاتورية البروليتاريا ممثلة بالحزب الشيوعي، حزبها الطليعي الذي يمسك بالأمور وبمنتهى الصرامة وأَشدها، وبأعلى درجات الإدارة المركزية. فالواقع لم يتغير حيث أن ""الثروة التي تسيطر عليها الفئة الرأسمالية في ظل الاقتصاد المطلق والحريات الفردية، وتتصرف فيها بعقليتها المادية، تسلم ـ عند تأميم الدولة لجميع الثروات وإلغاء الملكية الخاصة ـ إلى نفس جهاز الدولة، المكون من جماعة تسيطر عليهم نفس المفاهيم المادية عن الحياة، والتي تفرض عليهم تقديم المصالح الشخصية بحكم غريزة حب الذات، وهي تأبى أن يتنازل الإنسان عن لذة ومصلحة بلا عوض. وما دامت المصلحة المادية هي القوة المسيطرة، بحكم مفاهيم الحياة المادية، فسوف تستأنف من جديد ميادين للصراع والتنافس، وسوف يعرض المجتمع لأشكال من الخطر والاستغلال""(68). فالمذهب الماركسي والرأسمالي متحدان في الفشل وللسبب ذاته، ألا وهو النظرة المادية والنزعة الفردية التي يحملها كلا المذهبين، ويفتحان الطريق واسعاً لنشوء الصراع والتنافس ويعرضان المجتمع لأشكال من الخطر والاستغلال وإن اختلفت صورهما وأشكالهما في كل من المذهبين تبعاً لطبيعتهما المختلفة من نواح أخرى.

لقد اختفت النزعة الفردية من المذهب الماركسي وراء شعارات براقة إدعت حماية المجتمع وذوبان الفرد في كيانه، فشاع بين الكثيرين نعت المذهب الرأسمالي بالطابع الفردي، بينما اعتبر المذهب الماركسي اجتماعياً يفني الفرد في المجتمع.

شهادة البراءة التي منحت المذهب الماركسي لا أساس لها من الصحة، ويأباها الواقع، إذ "" الواقع: أن كلا المذهبين يرتكز على نظرة فردية، ويعتمد على الدوافع الذاتية والأنانية، فالرأسمالية تحترم في الفرد السعيد الحظ أنانيته، فتضمن له حرية الاستغلال والنشاط في مختلف الميادين، مستهترة بما سوف يصيب الآخرين من حيف وظلم نتيجة لتلك الحرية التي أَطلقها لذلك الفرد ما دام الآخرون يتمتعون بالحرية مبدئياً، كما يتمتع بها الفرد المستغل. وبينما توفر الرأسمالية للمحظوظين إِشباع دوافعهم الذاتية، وتنمي نزعتهم الفردية.. تتجه الماركسية إلى غيرهم من الأَفراد الذين لم تتهيأ لهم تلك الفرص، فتركز دعوتها المذهبية على أساس إثارة الدوافع الذاتية والأنانية فيهم، والتأكيد على ضرورة إِشباعها. وتسعى بمختلف الأساليب إلى تنمية هذه الدوافع، بوصفها القوة التي يستخدمها التاريخ في تطوير نفسه، حتى تتمكن من تفجيرها تفجيراً ثورياً. وتشرح لأولئك الذين تتصل بهم: أن الآخرين يسرقون جهودهم وثروتهم، فلا يمكن لهم أن يقروا هذه السرقة، لأنها اعتداء صارخ على كيانهم الخاص""(69).

المذهب الماركسي لا يلغي الصراع الطبقي، بل يخلق صراعاً من نوع آخر لا يقل ضراوة وفتكاً ـ على أقل تقدير ـ عن الصراع الطبقي في ظل الرأسمالية، وإن اختلفت خصائصه وتنوعت صوره. فهو صراع اقتصادي يرتدي الزي السياسي، ويتجلى في عمليات التطهير المعتادة في تاريخ الأنظمة الاشتراكية صراعاً على السلطة والنفوذ، وخير شاهد على ذلك ما آلت إليه الأَوضاع هناك في الأيام الأخيرة وما انتهت إليه من سقوط هذه الأنظمة.

إِنَّ إلغاء الملكية الخاصة وتأميمها لتصبح ملكاً لجميع أفراد المجتمع تبقى عملية شكلية، ويبقى حظ المجتمع في تملكه لهذه الملكيات حظاً قانونياً فحسب، إذ تستلم الطبقة الحاكمة هذه الملكيات وتفرض سيطرتها المطلقة في ظل مفاهيم دكتاتورية البروليتاريا، والتناقض الطبقي، والعنف الثوري.. ، وبذلك يهيئ المذهب الماركسي لهذه الطبقة الحاكمة فرصاً من التسلط أكبر من تلك التي هيأتها الرأسمالية، حيث تتم كل وسائل القهر والاستغلال والاستبداد تحت مظلة الشرعية وتمثيل الطبقة الكادحة.

مما تقدم يبدو أن الملكية الخاصة هي المبدأ العام في المجتمع الرأسمالي وما سواه يبقى استثناء، بينما الملكية العامة هي المبدأ في المجتمع الاشتراكي وما سواها استثناء. أما المذهب الاقتصادي الإسلامي فلا تمثل الملكية الخاصة المبدأ العام، ولا الملكية العامة بدورها تمثل المبدأ، وليست إحداهما أصلاً والأخرى إستثناءً، بل يكوّن كل منهما القاعدة والأَصل والمبدأ. فالإسلام "" يؤمن بالملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة، ويخصص لكل واحد من هذه الأشكال الثلاثة للملكية حقلاً خاصاً تعمل فيه، ولا يعتبر شيئاً منها شذوذاً واستثناءً، أو علاجاً مؤقتاً اقتضته الظروف""(70)، على خلاف النظم الاِقتصادية الأخرى إذ ""تعيش بعيداً عن مبادئها الأَساسية التي قامت عليها. فالرأسمالية على سبيل المثال انحرفت عن مبادئ المذهب الحر، إذ سمحت بتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وظهور القطاع العام فيها. والنظام الاشتراكي أَيضاً اضطر إلى التراجع عن كثير من مبادئه، فبدأ يسمح ـ على نطاق ضيق(*) ـ بالملكية الخاصة ونظام الأَسعار وذلك لافتقار اقتصاده إلى الحافز المادي الفردي (الربح) ولعجزه عن توفير المتطلبات الأَساسية (كالغذاء في الاتحاد السوفياتي) وأخيراً بتأخر قطاعه الصناعي والتقني عن مثيله في الدول الرأسمالية""(71). وبقدر ما يوحي هذا التراجع بفشل هذه الأَنظمة، يدل على صحة الموقف الإسلامي وتوازنه وانسجامه مع الطبيعة البشرية.

الركن الثاني: مبدأ الحرية في نطاق محدود

يرتكز المذهب الرأسمالي على مبدأ حرية الإنسان المطلقة في المجال الاقتصادي، باعتبارها وسيلة لتحقيق المصالح العامة، ولدورها الفعّال في تنمية الإنتاج وتفجير الطاقات والإمكانات وتجنيدها للإنتاج العام. مضافاً إلى كونها حقاً إِنسانياً أَصيلاً وتعبيراً عملياً عن الكرامة البشرية. وبذلك يرتقي مفهوم الحرية من مجرد أَداة للرفاه الاجتماعي أو تنمية الإنتاج، إلى تحقيق إنسانية الإنسان ووجوده الطبيعي الصحيح(72).
وفي الوقت الذي يسرف فيه النظام الرأسمالي بإضفاء الطابع الإنساني والقانوني والاقتصادي على هذه الحرية، يعمد المذهب الاشتراكي إلى العكس من ذلك تماماً، فيلجأ إلى مصادرة الحريات ويخضع النشاط الاقتصادي إلى إشراف ورقابة صارمتين، ومركزية شرسة تحوِّل بها النشاط الاقتصادي من عملية إنسانية حيوية إلى عملية آلية خالية من أي مضمون إنساني.

أما الاقتصاد الإسلامي فيتميز بموقف متوازن كما هو المألوف في معالجاته للمشاكل الإنسانية، بما يتفق مع الفطرة والطبيعة الإنسانية، فيسمح للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم والمثل التي تهذب الحرية وتصقلها، ويجعل منها أداة خير للإنسانية كلها.

والتحديد الإسلامي للحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين:

الأَول: التحديد الذاتي الذي ينبع من أَعماق النفس، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية. وهو ""يتكون طبيعياً في ظل التربية الخاصة التي يُنشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكم الإسلام في كل مرافق حياته (المجتمع الإسلامي). فإنَّ للإِطارت الفكرية والروحية التي يصوغ الإسلام الشخصية الإسلامية ضمنها، حين يعطي فرصة مباشرة واقع الحياة وصنع التاريخ على أساسه.. إن لتلك الإطارات قوتها المعنوية الهائلة وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتياً وطبيعياً من الحرية الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلامي وتوجيهها توجيهاً مهذباً صالحاً، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حريتهم، لأن التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري، فلا يجدون فيه حداً لحرياتهم، ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديداً للحرية في الحقيقة، وإنما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحر، إنشاءاً معنوياً صالحاً، حيث تؤدي الحرية في ظله رسالتها الصحيحة""(73).

الثاني: التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية، تحد السلوك الاجتماعي وتضبطه. فقد لا تأخذ التربية الإسلامية في نفوس البعض مفعولها، ولا تجد طريقاً في ضمائرهم ووجدانهم، فتتكفل عندئذٍ القوة الخارجية بإرغامهم لاحترام القانون الإسلامي والإِذعان له. ويرى السيد الصدر أنَّ التحديد الموضوعي هذا تمَّ تنفيذه بطريقتين(74):

الأولى: حيث كفلت الشريعة في مصادرها العامة، النص على المنع عن مجموعة من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية، المعيقة في نظر الإسلام تحقيق المثل والقيم التي يتبناها الإسلام، كالربا والاحتكار وغير ذلك.

الثانية: وضعت الشريعة مبدأ إشراف ولي الأمر على النشاط العام، وتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها، بالتحديد من حريات الأفراد فيما يمارسون من أعمال. وقد كان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضرورياً لكي يضمن تحقيق مثله ومفاهيمه في العدالة الاجتماعية على مر الزمن. فإنَّ متطلبات العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها الإسلام، تختلف باختلاف الظروف الاقتصادية للمجتمع، والأوضاع المادية التي تكتنفه، فقد يكون القيام بعمل مضراً بالمجتمع وكيانه الضروري، في زمان دون زمان، فلا يمكن تفصيل ذلك في صيغ دستورية ثابتة وإنما السبيل الوحيد هو فسح المجال لولي الأمر، ليمارس وظيفته بصفة سلطة مراقبة وموجهة، ومحدّدة لحريات الأَفراد فيما يفعلون أو يتركون من الأمور المباحة في الشرع، وفقاً للمثل الإسلامية في المجتمع.

الركن الثالث: مبدأ العدالة الاجتماعية

يقول السيد الصدر: "" إنَّ الإسلام حين أدرج العدالة الاجتماعية ضمن المبادئ الأساسية التي يتكون منها مذهبه الاقتصادي لم يتبن العدالة الاجتماعية بمفهومها التجريدي العام، ولم يناد بشكل مفتوح لكل تفسير، ولا أَوكله إلى المجتمعات الإنسانية التي تختلف في نظرتها للعدالة الاجتماعية، باختلاف أَفكارها الحضارية ومفاهيمها عن الحياة… وإنما حدَّد الإسلام هذا المفهوم وبلوره، في مخطط اجتماعي معين، واستطاع - بعد ذلك - أن يجسد هذا التعميم في واقع اجتماعي حي، تنبض جميع شرايينه وأوردته بالمفهوم الإسلامي للعدالة""(75). وتتجسد هذه العدالة في مجموع العناصر والضمانات التي زود بها نظام توزيع الثروة الإسلامي بما يتكفل قدرته على تحقيق هذه العدالة. ولم يتبّن الإسلام العدالة الاجتماعية شعاراً فحسب، بل وضع تصوراته التفصيلية لهذه العدالة، وأقام مدلولها الإسلامي الخاص المميز. والصورة الإسلامية لهذه العدالة ـ كما يعتقد السيد الصدر ـ تحتوي على مبدأين عامين(76) لكل منهما خطوطه وتفصيلاته:

أحدهما: مبدأ التكافل العام:

وهو "" المبدأ الذي يفرض فيه الإسلام على المسلمين كفاية، كفالة بعضهم لبعض، ويجعل من هذه الكفالة فريضة على كل مسلم في حدود ظروفه وإمكاناته، يجب عليه أن يؤديها على أي حال، كما يؤدي سائر فرائضه""(77).

وثانيهما: مبدأ التوازن