شبكة العراق الثقافية  


العودة   شبكة العراق الثقافية > واحة الحوار العام

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 22-05-2004, 20:57
الصورة الرمزية العقيلي
عضو
 
تاريخ التسجيل: Nov 2002
المشاركات: 4,151
افتراضي رشيد خيون: عِزّ الدَّين سليم الرئيس القادم من بلدة الهوير

عِزّ الدَّين سليم الرئيس القادم من بلدة الهوير
رشيد الخيُّون


الهوير تصغير للهور، بلدة شاخصة بجداولها ونخيلها بين أهوار القرنة وأهوار الجبايش، أي حسب تعبير مصطفى جمال الدين "من لبة المعدان". لا يأنف من التسمية رئيس مجلس الحكم عِزّ الدَّين سليم ولا الشاعر جمال الدين ولا القاص فهد الأسدي ولا الفيزياوي عبد الجبار عبد الله ولا رئيس بنك الرافدين ضياء الخيُّون، ولا الشيخ القادم من دست ميسان الحسن البصري، ولا زميله في الأسر مفسر الأحلام محمد بن سيرين، ولا كاتبها الفذ ابن بحر الجاحظ ولا شيخه أبو الهذيل العلاف وهما من زنوجها على الأرجح، كل هؤلاء لم يأنفوا من تسمية المعدان. تلك التسمية التي حيرت اللغويين وأتعبت الأثاريين، بحثاً عن أصلها.

لكن ما لا يختلف عليه أنهم قوم لا يزالون ومنذ الدهور الخوالي يقطنون الجنوب وأهواره، فيهم ملامح من السومريين، ويُعاب عليهم أنهم مغرمون بأكل السمك اليابس المسموط بالماء المغلي، وهو عند أهله ألذ طعام في الدنيا، ذلك ما سماه الجاحظ بالسمك المشنوق، أي المجفف على الحبال تحت شمس البصرة التي أعدها الله لانضاج التمور، وتمليح وجوه بناتها. أعيا أهل الأهوار والهوير طرف منها غبن تاريخي، رغم أنهم علموا العرب أكل التمن (الأرز لغير العراقيين)، هذا ماجاء بشهادة ياقوت الحموي، وهو رومي وليس عراقي جنوبي حتى يُطعن بشهادته. فبعد استحسان العرب تمرها، وهو جماهر من جواهر، خافوا تمنها المخزون في العنابر، فظنوه سماً تركه لهم البصريون لهم بعد إنكسارهم، وبعد تجريبه في الحصان الذي ازداد نشاطاً به فضلوه على حيسهم وثريدهم.

اسم البصرة القديم تردم، وهو اسم آرامي يعني بوابة البحر، ثم قُلبت الحروف فأصبحت تدمر. أما اسم تدمر الشام، بعيداً عن تكهنات اللغويين واشتقاقاتهم الخاطئة، فهو اسم عبري يعني كثرة التمر (معجم الكتاب المقدس 1894)، ولكثرة تمرها أطلق عليها الاسكندر المقدوني اسم بالميرا، أي مدينة النخل. لقد أصبح واضحاً الآن لماذا سميت البصرة بتدمر؟ علاقة بالتمر لا بالتدمير، الذي لم يبقها غير شبح مدينة، كان آخر قتلاها من قبل فاتح جديد، قيل انتحاري سوري، هو ابنها رئيس مجلس الحكم، وهو أول منصب مرتفع يصله أحد أبنائها. أما اسم البصرة الآرامي الآخر، الذي ظلت عليه فهو "بصرياثا"، ومع ذلك هناك مَنْ يعتقد أن لا وجود للبصرة قبل دخول العرب بقيادة عتبة بن غزوان. فقد نحتوا اسمها من حجارتها الغليظة البيضاء. كانت الهوير وهي ناحية من نواحي البصرة مصنعاً للقوارب (المشاحيف)، تجد انتشار الورشات على جانبي نهيراتها. أخذ أهلها هذه الحرفة عن الصابئة المندائيين، يوم كانت البصرة بكاملها على دينهم. كان مقام الهوير بين أهل الماء مقام مدن صناعة السيارات والقطارات لأهل البر. بذلك أول صناعة وتجارة تأثرت سلباً بتجفيف الأهوار هي صناعة وتجارة أهل الهوير.

قلنا هوير عِزّ الدَّين ناحية من نواحي البصرة، فإذا كانت البصرة لا تحلم أن يتوزر لها وزير فالعجب كل العجب أن يتولى ابن الهوير رئاسة مجلس الحكم العراقي. ومَنْ يدري فربما أسفرت جهود الإبراهيمي والأمريكان أن يكون ابن الهوير رئيساً؟ لذلك عدَّ قتله حلالاً. بعد إشكالية انحدار عِزّ الدَّين تأتي إشكالية اسمه فهو بعد تجريده من الاسم الحركي اسمه عبد الزهرة عثمان، والأول منبوذ عند متشددي السنَّة والثاني منبوذ عند متشددي الشيعة، فلم يبق لعبد الزهرة إلا التمويه للمقاربة بين الطائفتين فكان عِزّ الدَّين سليم، حتى ظنه البعض قطباً مخفياً من أقطاب الأنبار.

لم يحظ عِزّ الدَّين أو عبد الزهرة - نسبة لفاطمة الزهراء بنت النبي محمد لا كوكب الزهرة كي لا يعد من عبدة الكواكب والأجرام- بتشييع مثل تشييع موظف قناة الجزيرة، القناة التي تحصد تغنيها بالإرهاب ونفخها في صورة مقتدى الصدر لحد التضخم، وبثها لعمليات إرهابية وهمية غرضها التدريب على القتل والتفجير والتمرين على الموت انتحاراً. لم يحظ موت عِزّ الدَّين وهو بمثابة رئيس للبلاد بمنزلة حفيد صدام، ولا حتى بلجوء رغد إلى الأردن. مشهد حزين أن يعامل قتل رئيس مجلس الحكم العراقي من قبل الجامعة العربية ورئيسها عمرو موسى بهذا البرود، ولذر الرماد في العيون صرح ابن موسى أنه حزين، فهو يعلم بتشجيعه لحارث بن سليمان الضاري عند استقباله بالقاهره وبثنائه على المقاومة، التي تمكنت من تفجير عِزّ الدَّين بعد اكتشاف اسمه الحقيقي عبد الزهرة، والتعرف على انحداره غير المشرف لآل الضاري أو الزوبعيين، فتفريخ المتفجرات لا زال يركن في حي من أحياء الفلوجة. وإلا ما سر توقف التفجيرات واختفاء شراة الجنة من الانتحاريين عند حصار الفلوجة، أو الفلاليج حسب تسمية الطبري والبلدانيين.

أول مرة في تاريخ العراق يظهر رئيس البلاد متواضعاً في الحياة والممات. لقد ضاق صدري عبرة وسالت دمعتي وأنا أرى ابن أخيه، الذي لم يبلغ الخامسة عشر، يبحث عن محل لتكبير صورة لعمّه من أجل إحياء مأتماً له. إنها خيبة من خيباتنا أن نقتل ببرود، ونعتاد على مشهد الموت يومياً دون أن تهتز لمصدري الإرهاب والداعين إليه قصبة، فلا أدري كيف يجوز لرئيس جامعة الدول العربية أن ينفذ سمه في عرق وطننا بهذه الطريقة، ألا دققت الدولة المنضوية تحت رئاسته فيما جرى بينه وبين حارث الضاري بالقاهرة؟ ألا دققت دولة قطر، ممثلة بأميرها ووزير خارجيتها، فيما تفعله الجزيرة، ولمن يوجه مذيعوها برامجهم؟ واستضافتهم لتجار الإرهاب، ألا يكفي تجارة بدمائنا؟

عِزّ الدَّين أو عبد الزهرة واحد من بقايا أمير الكوفة عمار بن ياسر، ففقر الأخير لم يسمح له، حتى وإن تسنم منصب الإمارة، أن يتخذ خادماً وداية لأولاده، ولم يترك مالاً وجاهاً غير متطلب يومه، لذا أزاله الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن أكثر مهاجرو قريش إلى الكوفة من شكايته إلى الخليفة، فلم يطمئنوا لأمير يحمل عليقته في السوق، ولم يطمئنوا لأمير لم يغلق باب داره بوجوههم بحاجب وثلة حرس. ماهي النتيجة سادتي لو قارنتم بين قسوة صدام حسين وسرقته لثروة العراق وبين لين وأمانة عِزّ الدَّين؟ لو قارنتم بين شرِّ علي حسن المجيد وبين خير عِزّ الدَّين؟ لو قارنتم بين الملايين التي حملها حسين كامل بما في بيت عِزّ الدَّين من فضلة دقيق؟ لو قارنتم سادتي بين ما نام عليه كتاب عرب مثل أمير اسكندر وفؤاد مطر من ثروة عراقية وبين أوجاع عِزّ الدَّين وأولاده لوجدتم العجب العجاب، ولعرفتم لماذا أوصل فؤاد مطر الفلوجة العراقية بالفالوجة الفلسطينية، وتراه يهزأ بالبلدتين، لأن مَنْ يسخر قلمه لفضائل خير الله الطلفاح و(الكاهنة) صبحة، ويتشرف بصداقة برزان لا مبدأ له.

كم سيشعر عِزّ الدَّين أو عبد الزهرة بالغربة لو كُتب له وحضر مؤتمر القمة العربية بتونس! فمثله قد لا يحسن المجاملات، فلا روحه ولا جسده يتحملان ألقاب الفخامة ومقتضيات الزعامة.

كانت الزعامة عندنا ولا زالت موروثاً مناطقياً وطبقياً، قال لي أحدهم: حاكم العراق يجب أن يكون من أرث الفتوحات؟ ومعلوم مَنْ اسمه عبد الزهرة هو بالضروة من المفتوحين لا الفاتحين. لقد أخشى بردي وقصب البصرة، والهوير إحدى نواحيها، عتبة بن غزوان، فقال لفرسانه: هذه ليست من منازل العرب. فتأمل كيف يكون ابن الهوير، وبلدته ليست من منازل العرب، رئيساً لمجلس الحكم!

العراق في مخيلة دعاة الإرهاب والمحتلين مبني على خصومة سَّنية وشيعية، عربية وكردية، تركمانية وآثورية. أقول العراق ليس هذا أبداً، ولا هو مبني على المجاملات الكاذبة بين هيئة علماء المسلمين وجيش المهدي! هو واحد متنوع أرضه عامرة بالأديان والمذاهب والقوميات. حكى لي الأديب مير بصري أن الحاج عبد الفتاح، صاحب الدار التي يسكن فيها، جعله يصرف النظر عن شراء داراً، فقد أقام بداره أكثر من خمسة وعشرين عاماً لا يراه فيها غير مرة كل عام يسلمه فيها بدل إيجار الدار، وكان كل مرة يقول له: يا أستاذ مير الدار أصبحت دارك، فيكفي تدفع لي بدل الإيجار! فما قيل عن خصومة بين يهود ومسلمي العراق لا صحة له، والتخطيط للفرهود ليس من صنعهم، كما بينا في مقال سابق. كذلك كان العين الشيعي محمد الصدر حاضراً في أزمات الدولة ذات المذهب الرسمي السنَّي. وربما لم يعرف العراق مذهب ودين جاره طالما جاوره لسنوات، ومثل هذا السؤال لم يعد مقبولاً عند الكثيرين من العراقيين. ولما استعد مثقفوا عراق العشرينيات لتكريم الأب أنستاس الكرملي قال شاعرهم:

وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا ...جوامعنا في جنبهنَّ الكنائس
وسوف يعيش الشعب في وحدة له...عمائمنا في جنبهنَّ القلانس

أحدث مثال على التعاهد العراقي وصلت لندن قبل أيام فرقة مقام وغناء بغدادية، تتباين مواليد أعضائها بين الستينيات والسبعينيات أول ما بحثوا عن الباحث في المقام حسيقل قوجمان اليهودي وعن قارئ المقام حامد السعدي، فوجدوا صداقة وطيدة بين الباحث اليهودي الماركسي وبين القارئ المسلم المتدين، والفرقة بكاملها تنتمي لكيان اسمه العراق، فهي "أنغام اررافدين". هذه الأمثلة رغم بساطتها عامرة بالمغزى، فمثلما تعاهد العراقيون في الثقافة والفن كذلك تعاهدوا في السوق ومحلات السكن والأحزاب.

فما هو يا ترى الخطب العظيم الذي جعل عبد الزهرة يستبدل اسمه بعِزّ الدَّين، وقاطن محلة الدورة الكردي الفيلي يلقب اسمه بالدوري خشية من التهجير! إنه الضرب على وتر الطائفة والدين والقومية أن تبارك زوبع السنَّية جيش المهدي الشيعي، وأن يمجد مَنْ اعتبر محمد محمد صادق الصدر عميلاً ولده مقتدى، أنها أكاذيب سيذهب ضحيتها العراق. فمَنْ اختلق الخصومة بين ضريحي الإمامين أبي حنيفة النعمان وموسى الكاظم، وهما متجاوران عبر دجلة، لا يعرف علم هذا ولا يدرك فقه ذلك.
__________________
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ


رد مع اقتباس
  #2 (permalink)  
قديم 22-05-2004, 23:22
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 159
افتراضي

مقال رائع، غني ومعبّر بشكل كبير.
original ويستحق القراءة عدة مرات!
__________________
كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكاً، وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيماً
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة
الانتقال السريع


الساعة الآن 04:19.


Powered by vBulletin® Version 3.7.4, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0