[align=center]الحوار منطلقنا نحو البناء[/align]

ما من أحد في العالم الإسلامي إلا ويستشعر الفرقة والتمزق، التي ابتليت بها أمتنا اليوم، وكيف أصبحنا نخرب بيوتنا بأيدينا ،وكيف تكتلنا على شكل جماعات صغيرة متناحرة فيما بينها متناسين الوحدة والتعاون التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) لذا ونحن على ما نحن عليه من الفرقة أصبحنا في أمس الحاجة إلى ما يعيد قوتنا وعزتنا وتراحمنا، وكرامتنا المضاعة وهو الحوار، العملة النادرة في مجتمعنا ليس على النطاق العام فحسب بل حتى على المستوى الضيق كالبيت الواحد والجماعة الواحدة.
ولو أردنا أن نحسب الوقت الذي نصرفه، ونهدره من أجل هدم بعضنا، وتوسيع دائرة الشقة بيننا ، لتجسد أمامنا آلاف الساعات غير المستفادة، وفي المقابل لو أردنا أن نحصي ما نستثمره في سبيل الوفاق نجدها قليلة جداً، بل لا تكاد تذكر.
الحوار ليس لحل الخلاف فقط
ومن الأخطاء الشائعة إن حاجتنا إلى الحوار تقتصر على مواطن الخلاف فقط، وبمعنى آخر: أن أهمية الحوار تكمن بين المتنافرين والمتباينين، وهذا خطأ فاحش إذ إن ضرورة الحوار مرادةٌ في شتى أبعاد الحياة حتى بين الزوج وزوجته، والجماعة الواحدة، فهو يزكي الأفكار وينميها، ويقرب بين القلوب ويصفيها، بل هو الوقود والبوابة التي ندخل منها إلى بوتقة هذه الدنيا المليئة بالمتنافرات والمتغيرات.
ولكن يأتي السؤال: هل يكفي مجرد الحوار لنتجاوز كل الخلافات العالقة بيننا، وتذويبها؟ أم لابد من أمرٍ آخر لا يكون للحوار ثمرة وقيمة إلا به؟ إذ كم من المتحاورين لا يزيدهم حوارهم إلا بعداً وعداوة، وكم من متحاورين يتحول حوارهم إلى جدل عقيم لا ينجب إلا أحقاداً وضغينة، فالحوار المراد هو النقاش الإيجابي القائم على أسس صحيحة وسليمة معتمدة على أصول الحوار وفنونه.
أصول الحوار
أولاً: اختيار الجو المناسب للحوار
التهيؤ للنقاش واختيار الوقت المناسب من العناصر المهمة لنجاح عملية الحوار، وضمان تفاعل الطرف الآخر، والانتهاء بنتيجة مقبولة ، فلا بد من الهدوء، والابتعاد عن الأجواء الجماعية، والغوغائية التي تشتت الذهن وتؤدي إلى عدم التركيز ، كما ينبغي مراعاة الظرف النفسي والاجتماعي للطرف الآخر، بأن لا يكون مرهقاً أو يعاني من مشاكل أسرية، أو اجتماعية فكلها تفضي إلى فشل الحوار ونهايته بنهاية غير سعيدة .
ثانياً: الفصل بين الفكرة وصاحبها
من الأمور الشنيعة والسائدة في الوسط الاجتماعي هو الخلط من الشخص، والفكر الذي يحمله، فمن كان يختلف معنا في الرأي فكل حسناته سيئات، ومن يتفق معنا في الفكر نحيل كل سيئاته حسنات ، لذا لا نجد من الخطأ كيل التهم والشتائم والتشهير، وتتبع العثرات هذا إن لم تصل المسألة إلى حد الكذب، والافتراء لكل من ناوأنا في رأي من دون تورع، أو تريث وذلك مصداق حديث أمير المؤمنين عليه السلام: ((إذا أقبلت الدنيا على أحدٍ أعارته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عن أحدٍ سلبته محاسن نفسه)).
فمن الأمور اللازمة لاستمرار الحياة على الوجه الأكمل أن لا نخلط الأوراق، وأن لا نفسد علاقاتنا وتراحمنا من أجل أفكار قابلة للصحة، والخطأ فكما جاء في المقولة المشهورة : ((اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية)).
ثالثاً: حسن الاستماع
قيل إن كل متحدث بارع هو مستمع بارع، فلابد للمحاور الناجح أن يتقن فن الاستماع بالقدر ذاته الذي يتقن فيه فن الحديث، فإتاحة الكلام للطرف الآخر وإبداء رأيه هو أصدق دليل على اهتمامك بما يقول، وأنك تنشد الحقيقة بروح مرنه، وليس الحوار من حق طرف واحد يستأثر فيه بالكلام دون محاوره، وهو ما يعرف بإقصاء الطرف الآخر، فهناك فرق بين النقاش وتبادل الآراء، وبين الاستبداد بالرأي الذي هو إجهاض للحوار في المهد.
رابعاً: احترام الطرف الآخر
ومما ينبغي للمحاور أن يتحلى به في ثنايا حديثه، احترام الطرف الآخر بالتأدب والتقدير، وانتقاء الكلمات التي يتلفظ بها بأن لا تكون جارحة أو نابية، وأن يتجنب الاستهزاء به والسخرية منه عن طريق الازدراء، أو التبسم أو الضحك والغمز، واللمز؛ لأنها من صفات الحمقى والمغفلين، والمتعالين على الناس، ومن أهم عناصر هدم الحوار الهادف البناء المرجو من الإنسان المؤمن.
بل ينبغي للمحاور أن يتسم حديثه بالحب المتبادل، وكلمات الإخاء، والتعبير الصادق، وذلك بغض النظر عن نوع الأفكار التي يحملها الطرف المقابل سواء كانت حقاً أم باطلاً إذ احترام الشخص شيء، واحترام ما يؤمن به شيء آخر يجب التفريق بينهما.
خامساً: البحث عن النقاط المشتركة
مما لا خلاف فيه أنه بين كل اثنين نقاط مشتركة يتفقان عليها ويؤمنان بها، والمحاور الذكي الناجح هو من يجعل موقع الاتفاق منطلقاً للولوج في صلب الموضوع، لما يحدثه هذا الأسلوب من تضييق فجوة الخلاف بينهما، و تقريب وجهات النظر، وبناء جسرٍ من التفاهم إلى الأمر محل النقاش والخلاف.
ثم إذا فكرنا عن الهدف المرجو من الحوار، أليس هو القضاء على الشقة بين الطرفين، وتوحيد الرؤى من أجل بناء مجتمع يسوده المحبة والإخاء. وهذا ليس بالمطلب الجديد إذ الإسلام سعى من أجله حتى مع الكفار يقول تعالى: (( قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا بينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً)) [آل عمران: آية 64] فإذ كان الإسلام يبحث عن عناصر الالتقاء مع المشركين بالأولى أن تكون داخل المجتمع الإسلامي الواحد والعقيدة الواحدة .
بقلم
مـحمد علي الحرز