الحداثة التربوية في فلسفة...
العلامة الشهيد آية الله محمد باقر الصدر
الجزء الثالث

رسالتنا :
((هي أن ندعو المسلمين إلى الله مولاهم الحق ، ونفتح أعينهم على واقعهم السيئ وأسباب ترديه ، ونرسم لهم سبيل النهوض من كبوتهم بشرح مبادئ الإسلام لهم ، ورائدنا في كل ذلك قوله تعالى :
(( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ))
( آل عمران / 104 )
الشهيد الصدر الأول
الباحث
جواد المنتفجي




أسباب الدراسة:- في مقدمة موسوعة (( رسالتنا )) للمرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر لجماعة العلماء في النجف والتي جاءت فيها :- (( إن العظماء ورجال الفكر ورواد الثقافة يشكلون دوما – بما ينتجون من فكر وثقافة ونظريات – منعطفات ومسارات تاريخية في حياة البشرية، ويفتحون صفحة جديدة في تاريخها .. وان ما شهده الإنسان من تحولات وتطور وارتقاء في مجال الفكر والسياسة والحضارة والمجتمع والتطور العلمي والمدني .. إن هو إلا نتاج جهود العباقرة والنوابغ ورجال الفكر والثقافة من أبناء الإنسانية .. يحق لنا القول أن الشهيد السيد محمد باقر الصدر واحد من الأفذاذ ورواد العلم والحضارات والتجديد في العالم الإسلامي )) . ومن هذه المقدمة حاولنا صياغة مشكلة دراستنا هذه وبجزئها الثالث للتعرف على ما تعرضت أليه عملية التعليم والتعلم من هدم في بنيتها التحتية والتي نتيجة للسياسات الخاطئة من قبل الأنظمة التي تعاقبت على قيادة العملية التربوية وانطلاقا لما جاء في المصدر (( أن الشرط الأساسي لنهضة الأمة – أي أمة كانت - أن يتوفر لديها المبدأ الصالح الذي يحدد أهدافها وغاياتها ويضع لها مثلها العليا ويرسم اتجاهها في الحياة )) / رسالتنا / الشرط الأساسي لنهضة الأمة / ص15 .. ومن خلال متابعتنا المحاور التالية أمكننا التعرف على الآتي :-
أولا :- التعرف على المشاكل الناجمة من الأساليب التي كانت ولا زالت متبعة في تدريس المناهج التعليمية والخطط الدراسية في المؤسسات التربوية.
ثانيا:- بيان اثر هذه السياسة على المناهج والخطط التي أثرت بصورة مباشرة على العناصر التالية طيلة العقود المنصرمة في الجوانب التالية:-
1- المنهج : وعناصره وتشخيص جوانب الضعف والقوة فيه ، واهم المؤثرات التي أدت إلى هبوط المستوى التعليمي .
2- الخطط الدراسية : وأسباب إخفاقها أو عدم تطبيقها من خلال المنهج الدراسي اليومي
3- المعلم :- والأسباب التي أدت إلى إخفاقه في رسم خططه اليومية - أو الشهرية و السنوية - والأنشطة اللاصفية .
4- التلميذ:- وبيان العوامل التي آدت إلى هبوط مستواه التعليمي .
5- الوسائل التعليمية :- وهي الأدوات والتجهيزات والوسائل التي يستخدمها المعلم في تطبيقاته لتنفيذ نشاطاته الصفية- واللاصفية أثناء تدريسه للمادة داخل الصف أو قي النشاطات المدرسية ، وأثر ذلك على إيصال المادة إلى ذهن التلاميذ .
ثالثا / التجارب:-
في مقدمة جاءت في موسوعة رسالتنا / رسالتنا والدعاة / وفي ص19 والتي استنبطنا منها الجانب العملي في قول الشهيد الصدر الأول .. (( إن للرسالة الإسلامية خصائص ومميزات في كل الحقول والميادين تبرهن على أنها اكفأ الرسالات وأجدرها بالدعوة والنجاح والخلود ومن تلك الميادين التي تبرز فيها خصائص الرسالة الإسلامية قوية رائعة ، الميدان العملي )) .. ومن هذه المنطلقات الفكرية تمكنا من الاطلاع على تجربتين داخل حدود محافظة ذي قار لتكن مبدأ عمل ومقارنة في المحاور التي أسلفنا ذكرها مع باقي المؤسسات التربوية لاستخلاص ما يهمنا وليمكننا من الوصول في نهاية الأمر من النهوض لحين إرساء عملية التعليم والتعليم وإصدار المناهج الجديد التي ننشدها لتلاميذنا وطلبتنا الأعزاء وهي كل من
1- تجربة مبرة الأيتام للتضامن الإسلامي .
2- تجربة ثانوية المرتضى للوقف الشيعي .
رابعا/ الاستنتاجات والحلول والمقترحات
المقدمة:-
المناهج ..أو المنهج الدراسي، وكما يعبر عنه خبراء التربية بأنه الركيزة الأساسية للمادة الدراسية الذي تضعه المؤسسات التربوية المعنية لتسيير العمل المدرسي ، أي هو محور العمليات التربوية التي تترجم أهدافها أفعال المعلم وما يقوم بتزويده من المعلومات للمتلقي والذي يتمثل بالتلميذ داخل المحيط المدرسي ، وذلك عن طريق قيام المعلم بتنفيذه لمجموعة من الأنشطة والفعاليات المترابطة والمتماسكة فيما بينها كوحدة لا تتجزأ ، وهذه تتمثل عادة بربط المواد الدراسية النظرية بالعملية من اجل ترسيخها في ذهنية التلميذ أو الطالب وذلك عن طريق استخدام الوسائل التعليمية والتجهيزات والأدوات التي توفرها القنوات المعنية في وزارة التربية كلا حسب اختصاصاتها وهذا ما نوه عنه الشهيد الصدر الأول في منطلقاته الفكرية .. (( أنها الوحدة التي تترك للفرد مجاله وشخصيته وتهيئ له جميع وسائل النمو والإبداع والتفتح وتوازن بين طاقاته فلا تغلب فيه طاقة على طاقة ولا استعداد على استعداد )) / رسالتنا يجب أن تكون قاعدة للوحدة / ص42 ، ونظرا لما للتخطيط من الأهمية في تنظيم تلك العمليات من قبل الإدارة المدرسية- والهيئات التعليمية- والتلميذ ، ومن اجل الكشف عن السبل الكفيلة للنهوض بمستوى هذه المناهج التي أصابها نوعا من الهبوط أو الركود بسبب عدم مواكبتها لتطورات العصر الحديث مما يشكل هذا عقبة في التقدم العلمي المنشود للخطط التنموية الاجتماعية- والاقتصادية لعراقنا الجديد ، وتماشيا مع تزايد حاجاتنا الماسة إلى تطوير مناهجنا البالية ، والتي مرت عليها اكثر من ثلاثة عقود نتيجة للسياسات التعليمية الخاطئة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على السلطات والتي لم تضطلع بمسؤولياتها الصميمية اتجاه سد حاجات أفراد المجتمع وخصوصا التعليمية والتربوية منها والتي هي حق من حقوق المواطن كما شرعه الدستور العراقي القديم... (من حق العراقي ذكر أو أنثى ومن الذين يبلغون السادسة من العمر القراءة والكتابة) ، لذا كان من الواجب علينا تشخيص الأسباب والعوامل التي سببت استفحال هذه العقبات والتي أثرت بشكل مباشر على المستوى التعليمي في مدارسنا مما أدت بفعلها هذا إلى هبوط وتدني المستويات العلمية لدى التلاميذ والطلبة على حد سواء بعد الاطلاع على تلك المشاكل ميدانيا والاستفسار من ذوي الخبرات الطويلة والمتمثلة ببعض الزملاء من أعضاء الهيئات التعليمية والتدريسية وبناء على ما جاء بالتفسيرات الفلسفية في فكر الشهيد الصدر الأول حيث نوه عنها بقوله (لان الإسلام لا يريد المفاهيم والأفكار بمعزل عن العمل والتطبيق ، وإنما يريدها قوى دافعة لبناء حياة كاملة في إطارها وضمن حدودها ) / رسالتنا / المشاعر والأفكار / ص26 ..، ومن اجل أزالتها أو التقليل من أثارها السلبية في الوقت الحاضر كان علينا دارسة ما يلي:-
1- صياغة الخطط الكفيلة التي تسير المناهج في مدارسنا مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التركيز على تلك التي تعني بتوجيه وتربية الناشئة من التلاميذ والساعية إلى تنمية مداركهم ، وانفعالاتهم النفسية ، وتزويدهم بالمعارف الموجهة والمناسبة لعادات وتقاليد وأعراف مجتمعنا، والتي ستتيح لهم الفرصة لتطوير صفاتهم الشخصية الوطنية والدينية والثقافية والاجتماعية والبدنية والعقلية السليمة والتي من شان جميع تلك الصفات تنمية شعورهم وحبهم لشعبهم ووطنهم وهذا ما عززه الشهيد الصدر الأول في فلسفته عندما عبر... ( إذا اتخذنا الإسلام قاعدة للتنظيم والتشريع في مختلف شؤون الحياة الروحية والاجتماعية فأننا بذلك نبني حياتنا كلها على أساس قاعدة واحدة وهي الإسلام ، بدلا من قاعدتين متنافرتين )/ بحوث إسلامية / النظام الإسلامي مقارنا بالنظام الرأسمالي والماركسي /ص148 .
2- من الضروري العمل كل ومن موقعه مع وزارة التربية والمؤسسات التربوية ذات العلاقة، والمشرفة أو المساهمة في المحيط المدرسي ، والتي تمتلك مصدر القوة والحق في تجديد المناهج والخطط الدراسية العامة عند النظر فيها لإعادة تقيمها أو تغييرها بضرورة استدعاء شريحة كبيرة من خارج نطاق المجتمع التربوي والمتمثلة بالعلماء من رجال الفكر والباحثين والمعنيين بالتربية والتعليم بما فيهم المشرفين على المؤسسات التربوية الدينية ، وكافة أطياف الشعب من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني من اجل المساهمة الفعالة والمناقشة المستفيضة في وضع ورسم أهداف هذه المناهج وخططها المستقبلية حسبما جاء في تفسيرات الشهيد الصدر الأول بقوله ... ( فلا بد أذن لكي يكون التنظيم الاجتماعي على مستوى حل المشكلة والحد من الدوافع الخاصة وحماية المصالح الموضوعية للمجتمع أن يربط بجهة قدرة على تكييف الدوافع الخاصة وتطويرها بشكل يتفق مع المصلحة الاجتماعية ) / بحوث إسلامية / النظام الإسلامي مقارنا بالنظام الرأسمالي والماركسي / ص138، إذ ومن الواضح في وضع نظريات الفكر والتربية وفي عراق ما بعد سقوط الطاغية هي مهمة ومسؤولية الجميع وليست مهمة وزارة التربية وحدها أو مؤسسة دون أخرى ، فما تحمله تلك الفئات من أراء وتطلعات فكرية وتربوية وخطط ونظريات علمية أو منهجية أو ثقافة ديمقراطية لا يمكن الاستغناء عنها عند النظر في إعادة ترتيب العملية التربوية بمنظار واحد ، إذ إن ومن شان هذه القنوات مجتمعة إن تدفع بعجلة التربية والتعليم أشواطا طويلة وبسرعة لردم هوة ما خلفته الأنظمة البائدة على حياة مجتمعنا، وكذلك لمجاراة الرياح التي أحدثها التغيير المفاجئ في حياتنا الجديدة فيما بعد حرب التحرير وخصوصا بعد أن اطلع مجتمعنا على مجالات التطور بعدما ولج الإنترنت والفضائيات لعالمنا وبصورة مفاجئة، فان لم نخطو تلك الخطوات، وان لم نستعن بأفكار كل أولئك الرجال العظام سنجد أنفسنا يوما ما بأننا لازلنا متخلفين بالمنهج الذي أعددناه من دون مؤازرتهم ومشاركتهم الفعلية في وضع تلك المناهج والخطط ، خلافا لما كان يفعله النظام السابق يوم كان يصدر قراراته مستندا في دكتاتوريته على الانفراد بالاعتماد على رأي وفكر الحزب الواحد في وضع كافة القوانين والأنظمة التربوية أو المناهج والخطط التعليمية، بالإضافة إلى ما كانت تشرعه بما تسمى مؤتمراته القطرية، وهذا ما نوهنا عن خطورته في القسم الثاني من دراستنا والموسومة (السياسة التعليمية في آراء وفكر المرجع الشهيد السعيد محمد باقر الصدر (( قدس)) والخاصة بتطبيق قانون التعليم الإلزامي للمدارس الابتدائية) حيث كنا قد اقترحنا فيها وعند قيام الجهات ذات العلاقة بوضع الأنظمة والقوانين من انه ومن الضرورة التمعن جيدا بكل العمليات التي ستنظم حياة التلميذ مجددا في المدرسة، وهذا ما سيضطرنا أو سيرغم المعنيين وأصحاب الرأي في مؤسساتنا التربوية بالعمل على ما يأتي:-
أ- وجوب النظر وبعين واحدة وعن كثب وإمعان عند وضع مثل تلك المناهج وبصورة علمية دقيقة تواكب ما نمر به من تطور الذي حل بآفاقه الواسعة على عالمنا المتطور علميا وتكنولوجيا، وما سيتعلمه التلميذ الذي دخلت حياته معارف غريبة من المحيط الخارجي والتي كان محروما منها طيلة خمس وثلاثين عاما من التخبط والضياع ، إذ أن سقوط النظام وممارسة مجتمعنا لكافة حرياته الفكرية ونتيجة لاقتحام الفضائيات لحياته اليومية الاعتيادية فجأة وهي تحمل بين ظهرانية برامجها جرعات من السموم والتي لا تتناسب وقيمنا ومفاهيمنا الدينية والاجتماعية والحضارية وهذه إحدى المخاطر هي التي حذر منها الشهيد الصدر الأول في منطلقاته الفكرية بقوله ...( غير أن الإنسان آمن منذ البدء بان الحرية المطلقة لا يمكن أن توفر للفرد الاعتيادي الذي يعيش ضمن مجتمع مترابط ، لان الحرية المطلقة لكل فرد في المجتمع تصطدم بحريات الآخرين ، وبالتالي يستقطب التناقض في الجهاز الاجتماعي ، حتى يتفسخ ) / بحوث إسلامية / الحرية في القران / ص39.
ب- التوفيق في التوازن بين ما سيدرسه التلميذ أو الطالب ومع ما سيطالعه من كتب وصحف يومية ربما كانت بعيدة عن متناول يده ،أو كذلك ما سيزوده به عالم الإنترنت الذي دخل علينا من أبوابه الفسيحة بعد إن حرم منه طيلة الأنظمة السابقة وتجسيدا لما جاء في تذكير الشهيد الصدر الأول ... ( وأذن فمن الضروري لإصلاح الحياة الإنسانية وتهذيبها أن يتناول الإصلاح الإنسان وان يعاد تكوينه من الداخل على نحو يجعله متجاوبا ومنسجما مع فطرته ومع أهدافه العليا ومع واقعه) / رسالتنا / رسالتنا فكرية وانقلابية /ص72 .
ج- وبالنظر لما تقدم ، وتمهيدا لفصول هذه الدراسة ، وبناء على ما تأتى في المنطلقات الفكرية للشهيد الصدر الأول ... (( فما هو العمل الإنساني الجدير بالإعجاب والاحترام ؟ ، أو ما هي المقاييس التي يجب اتباعها في سبيل الكشف عن قيمة هذا العمل أو ذاك ، ومدى أهميته ودرجة احترامه من الناحية الخلقية والمعنوية)) / بحوث إسلامية / العمل الصالح في القران / ص29 .. وجب علينا أن نطرح على أنفسنا الأسئلة التالية للوصول إلى المشاكل التي كانت عبارة عن عوائق لتنفيذ الخطط والمناهج الدراسية:-
س1:- ما هي الأسباب الجوهرية التي أدت إلى إخفاق المؤسسات المعنية في وزارة التربية في العقود السابقة والتي كان من اختصاصاتها وضع المناهج والتي لم ترتقي يوما ما بمستويات التلاميذ أو الطلبة العلمية بينما كان الهدر للمال العام في اتجاهات أخرى سخر اغلبه بما كان يعرف بالتصنيع العسكري وأسلحة الدمار الشامل ؟ وكيف نرتقي بتلك المؤسسات حسبما جاءت في آراء الشهيد الصدر الأول... ( ومن الضروري أيضا لإصلاح الحياة التي يمارس الإنسان في أطرها أن يطور هذه المؤسسات نحو الأفضل ، نحو المستوى الذي يتيح للإنسان أقصى قدر من السعادة في هذه الدنيا ، وحين يتم هذا وذاك نضمن ألا ينحرف الإنسان بالمؤسسات الاجتماعية نحو الشر والفساد ، ونضمن ألا تسهم المؤسسات الاجتماعية في إفساد الإنسان وبعثه إلى صنع الشر وممارسته) / رسالتنا / رسالتنا فكرية انقلابية .
س2 : ما هي مصدر تلك المشاكل التي ظلت تواجه المعلم من جراء استخدام تلك السياسات لأساليبها ألا تربوية ، والتي جعلته يقصر في أداء صلب أعماله الملقاة على عاتقه في إيصال المادة الدراسية إلى ذهنية التلميذ أو الطالب مما جعله هذا يدور في دوامة نتيجة لذلك الفراغ الحاصل الذي فرض نفسه في الجدول الدراسي لليوم الواحد نتيجة لقرارات المجحفة لم تكن في صالح العملية التربوية؟
س3 :-ما هي مقرراتنا كتربويين ، أو موجهين ، أو متلقيين في حال عدم عثورنا على الحلول الآنية الناجعة التي يجب أن توصلنا إلى أيجاد الأهداف المرجوة في رسم اتجاهات التخطيط للمناهج الجديدة؟
س4 :- جاء في الفلسفات الفكرية للشهيد الصدر الأول بعض من التحذيرات التي كانت تصر على أن ...( ما دامت القاعدة خطا فما استنبط منها خطا أيضا ) / رسالتنا / رسالتنا يجب أن تكون قاعدة فكرية للمجتمع / ص38 . ومن هنا كان علينا أن نطرح السؤال التالي على المعنيين في الوقت الحاضر للخروج من هذه الأزمة تعاني منها جميع أطراف العملية التربوية ... كيف نعالج المشاكل التي نجمت ثم تراكمت من مخلفات الأنظمة السابقة والمركونة حاليا على رفوف مديرية المناهج في وزارة التربية، والتي كانت معنية بإدارة الجوانب الفنية والإدارية منذ إن دأبت وعلى طيلة ثلاثين عاما في وضعها للمناهج والخطط التربوية بمعايير مزدوجة مهمشة من كل تطور منشود والذي عانت منه مسيرتنا التربوية والتي كانت ولا زالت تحبو في اتجاهين مختلفين يتمثلان في
الاتجاه الأول :-
هناك الأغلبية الساحقة من فئات المجتمع ومن المغيبين والذين فاتتهم فرص التعليم بسبب الهجرة الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية والذين لم تعد أعمارهم تتناسب والقوانين التربوية الموجودة حاليا في الأنظمة التي حددت المراحل الدراسية بالسنين بعدما تعرضت عوائلهم إلى التهجير القسري من مناطقهم أو بسبب طلب الرزق سوى أن كان ذلك بسبب تجفيف الأنهار أو الاهوار، وإن هناك فئات كبيرة تعرضت للتشريد من المناطق الجنوبية والمتمثلة بالآلاف من العوائل بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة، ولم تسنح لأولادهم فرصة التعليم أو التعلم لعدم توفر مدارس في مناطق سكناهم الجديدة عند عودتهم بعد سقوط النظام، وهولاء هم بحاجة إلى خطط ونوع جديد من المناهج ترتقي بمستوى طموحاتهم ليواكبوا الآخرين ممن سبقوهم في تعلم الكثير من داخل مجتمعنا ،وهذا ما تم شرحه ببحثنا المستفيض وبقسمه الأول والموسوم (التعلم حق من حقوق الإنسان).
الاتجاه الثاني :-
وهو ما استنتجناه من خلال التجارب التي أجريناها في دراستنا الموسومة بقسمها الثاني (السياسة التعليمية في فكر أراء المرجع الشهيد آية الله العظمى السيد ( محمد باقر الصدر ) ( قده) والتي خصصت لمناقشة (تطبيق قانون التعليم الإلزامي المرقم 118 لسنة 1976) ذلك القانون والذي كان من المؤمل أن يأمن حاجات المتعلمين ممن شرع لأجلهم، إلا انه اخفق في هذا نتيجة للأسباب التي تم شرحها في الدراسة المذكورة ، كما انه لم يجني ثمرات الآفاق المستقبلية المرجوة منه بسبب إن الذين كانوا مكلفين بتطبيقه ومن الجهات الذات العلاقة لم يضطلعوا أصلا بالمسؤوليات الملقاة عل عاتقهم من اجل تطوير هذه التجربة الرائدة التي طبقت في جميع البلدان المتطورة وفقا لمعايير الأسس العلمية والتي كان من المفروض على وزارة التربية والمشرفين الاختصاص والتربويين ، وإدارات المدارس والهيئات التعليمية الأخذ بيد تطوير تلك العملية بين فترة وأخرى عن طريق اجتماعات مجالس الأباء والمعلمين التي كان تشكيلها بصورة تقليدية بعدما قصرت بواجباتها في هذا المضمار، وكذلك تلك المؤتمرات التربوية التي كانت تجري وقائع اجتماعاتها في قاعات وزارة التربية ، بالرغم من صرف الأموال الطائلة عليها من اجل تقديم الحلول واعتماد خلاصة مقترحات بحوثها ودراساتها في الوصول إلى حلول مناسبة لتطوير الجانب التربوي ، والتي ظلت تنادي بوجوب إعادة النظر بين فترة دراسية وأخرى بالأنظمة والتشريعات والمناهج والخطط ، وتعديل مواد ذلك القانون بما يتناسب وحجم كل رقعة جغرافية تم تطبيق إلزامية التعليم فيها للارتقاء بالمستوى العلمي الذي لم ينهض يوما وإنما بقي حبرا على ورق بسبب أن النظام السابق كان مشغولا باتجاهاته العسكرية نتيجة لحروبه التي فرضها على الدول المجاورة والتي لم تخلف سوى الدمار، وهي من الأسباب الرئيسية التي دمرت البنية التحتية لكافة المؤسسات وفي مقدمتها التربية والتعليم ، وهذه ملاحظة كنا قد أشرنا أليها في دراستنا السابقة بقسمها الأول والموسومة ( السياسية التعليمية وخطورة توجهاتها) على التلاميذ والطلبة الذين كانوا ينتقلون إلى المراحل التالية من التعليم، وبمعنى آخر أن بعض الفئات من المتعلمين لازالوا يراوحون في مكاناهم الدراسية بالرغم من تسلقهم الدرجات العلمية اللاحقة، وهذا ما يشهد به كل من كان يعمل موجها أو متلقيا في الماضي وعلى مرور أجيال متعاقبة من أن ما تعلموه وعبر ثلاثين عام في مؤسساتنا التربوية لم يعد صالحا للتلميذ الذي سيدخل سني مراحله الأولى من التعليم في عراق جديد والذي هو في طريقه إلى التحولات الديمقراطية ، وهذا ما توضح لنا من خلال مستويات نتائج الامتحانات العامة للدراسة الابتدائية للأعوام الدراسية والتي كانت وزارة التربية قد رفعت بها معدلات السعي السنوي عن التلاميذ إلا أن هذه الوزارة قررت وبعد سقوط النظام إلى إعادة النظر بالعمل على ضرورة العمل بالتعليمات الامتحانية القديمة وذلك باعتماد السعي السنوي للتلاميذ الذين سيؤدون الامتحانات العامة ( البكالوريا) وهي ظاهرة صحية تشكر عليها القيادات التربوية في الوزارة، وتأسيسا على ما مر ذكره في أعلاه استنتجنا من انه:-
1-وجوب إعادة النظر في نوعية المناهج والمواد والأنشطة التي سيتلقاها التلاميذ في المدرسة الواحدة.
2-العمل على اكتشاف طرائق تدريس جديدة يتم فيها توجيه المعلم والتلميذ على حد سواء في ضوء التغييرات الجديد الذي ستتناسب وتطوير المنهج.
3- لا يخفى وعلى الجميع من انه ومن الضرورة العمل على إدخال جميع التربويين المعنيين بالتعليم بداء بالمشرفين وانتهاء بالمعلمين ، وإشراكهم بالدورات التعليمية والتدريبية الحديثة عملا بمبدأ (التعليم المستمر) لتزويدهم بالمواد العلمية المتطورة والتي ستمكنهم من وضع خططهم السنوية الشهرية والأسبوعية واليومية وكذلك الأنشطة الصفية واللاصفية .
4- - ضرورة أن يلتزم الجميع باحترام عامل الزمن الذي غيبته القيادات التربوية السالفة نتيجة لوضعها برامج لا علاقة لها بالتربية أو التعليم وخصوصا تلك التي اعتبرتها استثنائية عندما بدأت فيها تقرع طبول الحرب منذ تسلمها القيادة حتى سقوطها مما أدى هذا إلى حدوث فراغات قاتلة في تنفيذ المناهج الدراسية السابقة من خلال جدول الدروس الأسبوعي الذي ازدحمت مواده بالرغم من أن الطامة الكبرى التي فرضتها عوامل الظروف والزمن ألا وهي قلة توجه وزارة التربية في بناء المدارس نتيجة للزيادات الضخمة في تزايد الولادات وكذلك لازدواج الدوام الثنائي والثلاثي في مدارسنا والتي لم تعد تستوعب الأعداد الهائلة من التلاميذ والطلبة.
5- كما أن تقليص مادة على لدن مادة أخرى بسبب اعتبار يوم السبت عطلة رسمية أدت إلى تزاحم المواد في جدول الدروس الأسبوعي وهذا ما حصل عندما قلصت حصص مادتي التربية الرياضية والفنية بسبب ازدحام المواد الأخرى في جدول الدروس ، وبهذا يكون التلميذ قد حرم من التزويد بالمعارف والمهارات الأساسية التي تحتويها تلك المادتين والتي هو أساسا بحاجة أليها لممارستها في داخل المدرسة لتنمية مواهبه التي لا يمكن تطويرها خارج المؤسسات التربوية لغياب أو قلة مراكز الشباب والأندية وخصوصا في الأقضية والنواحي والمناطق الشعبية في مراكز المدن مما أدى ذلك إلى الهبوط بالمستويات الرياضية والفنية.
6- وتأسيسا على ما جاء في المنطلقات الفلسفية للشهيد الصدر الأول ... (_ وما يطرأ على مظاهر الحياة الإنسانية من تغير تارة يمس الطبيعة المادية التي تحيط بالإنسان وأخرى يمس النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه الحياة ) / رسالتنا / رسالتنا خالدة ومتطورة / ص52 ، فأن هذه التغييرات التي ننادي بها جميعا هي بحاجة أساسية إلى عنصر ثالث ومهم إلا وهو وجوب العمل على توفير كل ما يحتاجه التلميذ أو الطالب من أدوات الدراسة مجانا وبأعداد تتناسب مع مجامع التلاميذ والطلبة وعلى مستوى جميع المحافظات ومنها وعلى سبيل المثال تزويدهم بالكتب والقرطاسية ، ووسائل التعليم بدء من مرحلة رياض الأطفال حتى تخرج الطالب من كليته على أن يشمل ذلك الدراسات المسائية أيضا.
7- كلنا نعلم جيدا أن الإنسان عندما يولد يتأثر بالمعرفة التي يتزود بها من الأفراد المحيطين به سوى أن كان ذلك من عائلته ، أو أصدقائه ، أو جيرانه وانتهاء بالمجتمع الذي ينتمي أليه، والذي يقوم هو بالأخير بتزويد كافة أفراده بالتجارب التي سيعتمدونها أساسا في حياتهم اليومية، ومن المعلوم أيضا أن المجتمع تسيره الأنظمة المطروحة في قوانين وتشريعات الدولة التي ينظمّ أليها، لذا ومن الضروري التأكيد وخصوصا عند تشريع مثل تلك القوانين أن يؤخذ بنظر الاعتبار عدم التفريق في غاياتها بين فئات المجتمع وعلى كافة مستوياته، كما كان يسعى به النظام السابق حيث عمل من خلال سياساته إلى الفصل ما بين طبقات المجتمع ، أو بين فئة وأخرى أو من مدينة وأخرى، وذلك عندما كانت ينتهج في سياساته تأسيس مدارس أو مؤسسات تربوية خصوصية متميزة راحت تعني أساسا بأولاد المسؤولين أو من ذوي الطبقات الراقية بعد أن وفرت لهم جاهدة كافة المستلزمات الدراسية من قاعات دراسية مكيفة ، وسيارات النقل ، وتدريس اللغات الأجنبية على أيدي أساتذة متخصصين في هذه المجالات مثل (كلية بغداد) و (الثانويات المطورة) في مراكز المحافظات وغيرها ومن شروط التسجيل فيها هو قبول الطلبة الذين يحصلون على معدلات عالية ، وهذا ما عبر عنه الشهيد الصدر الأول ...( ففي المجتمعات الرأسمالية نجد المجتمع موحدا في الظاهر ولكن الوحدة فيه تقوم على وحدة المصالح الشخصية والحزبية أو الطبقية ، فإذا حدث ما يهدد مصلحة من هذه المصالح حدث الانشقاق والتصدع وتبين أن الوحدة الظاهرة كانت سرابا خادعا ) / رسالتنا / رسالتنا يجب أن تكون قاعدة للوحدة / ص42 . وهذه الظاهرة التي كان معمول بها سببت لنا مشكلة كبيرة في تدني المستويات ، حيث ألحقت مثل هذه الإجراءات الغبن بفئات كبيرة وخصوصا الفقيرة منها في مجتمعنا الحضري أو الريفي ، فكم من أبناء المحافظات البعيدة عن بغداد والذين كانوا مؤهلين علميا لدخول مثل تلك المدارس التي افتقرت أليها مراكز ألا قضية والنواحي؟ ومن هذا استلخصنا المخرجات التالية:-
1-أن تلك المناهج والخطط الدراسية التي انتهجتها تلك الأنظمة لم تطبق بصورتها الطبيعية على جميع أفراد المجتمع مما جعل هذا التفريق حاصل من تفوق فئة على أخرى في داخل المجتمع الواحد وبهذا أثرت هذه الفرو قات الفردية على أفراد المجتمع العراقي الموحد.
2- بينما اعتمدت تدريس أبناء الطبقات الفقيرة على مناهج الدولة المطروحة والمستهلكة بالإضافة إلى حرمانهم من فرص الدراسات العليا داخل القطر وخارجه.
3- أ/ أن الفرد العراقي نفسه والذي كان طبيعة المشكلة الأولى لم يتزود بشكل تام بجميع حاجاته العلمية عند دراسته لتلك المناهج وذلك بسبب عدم وجود وسائل جذب تقنيات حديثة في الخطط الموضوعة مسبقا بسبب فرض الحصار على القيادة السابقة والتي كان همها الوحيد هو توفير ما تحتاجه طبقات معينة خاصة تسمى بأولاد المسؤولين ، بالإضافة إلى إرسال أبنائهم أو أقربائهم أو أولئك الذين يمثلون عوائل الطبقات الراقية والغنية إلى الدراسات العليا خارج العراق لتلقي المعلومات المتميزة مما أدى هذا إلى حصولهم على الشهادات العليا بطريقة أو أخرى مكنتهم من تكوين طبقات راقية ثالثة وجديدة في المجتمع التربوي انبثقت من نفس العوائل البرجوازية ب / لقد سمحت تلك الظروف بظهور هذه الطبقة الجديدة والتي استحوذت بدورها على جميع منافذ الأسواق التجارية كامتهان الحرف الراقية مثل فتح العيادات الطبية أو الصيدليات أو المكاتب الهندسية والمقاولات
ج / بالإضافة إلى تسلق البعض منهم الدرجات الوظيفية العالية في الدولة، بينما ظل يعاني من ذلك ممن كانوا من أبناء الطبقات الفقيرة والذين اعتمدوا أصلا على المعلم الذي ظل يراوح في مكانه ، وهو مهموم بكيفية مواجهة الإدارة ،أو التلاميذ في الصف ، وهو الذي لم يضع حتى خطته اليومية المسبقة من اجل تعليمهم مادته؟ وهذا ما كان يؤدي في المحصلة النهائية إلى عدم تعلمهم المادة أو نسيان كل جديد تعلموه.
4- أن هناك إنجازات تربوية تحققت في مرحلة لاحقة اثر سقوط النظام البائد كتجربة بعض المؤسسات الإسلامية والتي قامت بتأسيس بعض المؤسسات التربوية مثل (مبرة الأيتام) أو مدارس الثانوية ، والتي ضاهت تلك المدارس التي فتحها النظام السابق مثل (كلية بغداد ) وغيرها ، حيث قامت هذه المؤسسات الجديدة في موجهاتها اعتماد الفئات الفقيرة من الأيتام وقد نجحت في رسم أهدافها حينما داب المعنيين فيها ومنذ وقت مبكرا لتأسيسها إلى تحديد الخطط والمناهج الملائمة لأفرادها عن طريق اختيارها للخطط العلمية المدروسة ، وكذلك في التخطيط المنهج الدراسي ، ومن ثم عملت على زجهم بعدة تجارب من خلال المنشط ، وعن طريق تنفيذ الفعاليات التي قام الطلاب بأدائها في أوقات الفراغ خلال العطل وبمعدل يومين من كل أسبوع ، وهذا ما طبق أيضا في العطل الصيفية وتحت أشراف أساتذة اختيروا بشكل موفق في تطبيق تلك الأنشطة، وقد كانت التوقعات متميزة في جذب أولئك التلاميذ والطلبة الذين حرموا مثل هذه الدراسة في النظام السابق، عندما وجدوا مربين أكفاء وضعوا خطط رائدة لتطبيق المناهج العلمية والتدريسية حيث بدأت تأثيراتها واضحة على سلوك التلاميذ بسبب اعتماد هذه المؤسسات في بناء مناهجها على أسس علمية مدروسة وموجهة وذات قيم ثابتة نابعة من صميم المجتمع الذي نود بناءه على ذلك الغرار.
5- أن هذا التوجه الجديد في بناء السياسة التربوية الحديثة بإمكانه تفعيل دور المعلم والتلميذ مع مجتمعه عن طريق ما سيقوم بنقله من المعلومات التي تعلمها أو تزود بها من خلال تجربته في مثل تلك المؤسسات التربوية إلى أفراد عائلته أو إلى المجتمع الذي يعيش فيه، وبهذا تكون مخرجات هذه العملية عكسية من التلميذ إلى المجتمع الذي اكتسب منه تلك المعلومات الجديدة التي تعلمها، وهذا ما ندعو بها المنظمات أو المؤسسات الأخرى والتي هي خارج وزارة التربية في قيامها ببناء مثل تلك المدارس وخصوصا في المناطق النائية والبعيدة على شرط أن تنتهج ما تقره أنظمة وتشريعات وزارة التربية لان من شان مثل هذه الفعاليات مساعدة الدولة إلى القضاء على محو الأمية ، إضافة إلى خدمة من فاتته فرص التعليم في المناطق التي نوهنا عنها في أعلاه.
6- يجب أن نضع نصب أعيننا على أننا بأمس الحاجة إلى أراء وأفكار أولئك المربين الذين رسموا تلك الأهداف ونجحوا بتحقيقها في تجربة ( مبرة الأيتام ))، والذين تم تكريمهم من قبل نقابة المعلمين مؤخرا بناء على الجهود المضنية في خلق جيل جديد لعراق مشرق، وكذلك يمكن الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم الناجحة والمستفيضة في تلك الميادين عن طريق إشراكهم بالعملية التربوية باستدعائهم والاستفادة من آرائهم ، عند إقامة الدروس والحلقات التدريبية ،أو في المؤتمرات العلمية كتلك التي ستخصص في وضع الخطط التربوية والمناهج الجديدة. وهذا ما سننوه عنه في التجارب التالية :-
أولا :- تجربة مبرة التضامن الإسلامي لرعاية وتأهيل الأيتام في الناصرية
في لقاء خاص من مبحثنا هذا والذي اجري مع السيد مهدي صالح لطيف مسؤول المعلمين في المبرة أوضح ألينا الأخير ما يلي :-
(( في كل مجتمع .. وفي كل مكان يوجد أفرادا لا يعنى بحياتهم العادية ، وخصوصا تلك الأسر التي تفقد معيلا أو مسؤول عنها ، وهذا مما سيؤثر عليهم سلبا ، ومن هذا المجتمعات المجتمع العراقي ، والذي كان قد تعرض إلى ويلا ت كثيرة من الحروب والدمار إضافة إلى ما تعرضت أليه اسر أخرى وخصوصا تلك التي كانت تقف حائلا بوجه سياساته التعسفية ، ونتيجة لهذه المعارضة اعدم الكثير من معيلي هذه الأسر ، وكان بالتالي ظهور لدينا أطفال بلا مستقبل .. أطفال تشردوا من بيئتهم الاجتماعية فاصبح مأوى الكثير منهم الشارع ، وظلوا فريسة للعوارض الاجتماعية السيئة ففقد الكثير منهم ، وزج ببعضهم في السجون ، ومن سلم منهم انحرف في اتجاهات عديدة من اجل جلب الرزق لأهلهم ، ولهذا السبب ولأسباب كثيرة أكد الله سبحانه وتعالى على ضرورة الرعاية والعناية باليتيم ، وهذا ما جاء في الكثير من الآيات البينات وأحاديث وخطب رسولنا ونبينا محمد ( ص ) والتي تؤكد أن اليتيم اصبح أمانة إلهية والناس مسؤولين عن تهيئة لهم افضل الظروف والإمكانيات لتربيتهم وتنشئتهم ورشدهم في كافة مجالات الحياة وقد جاء في قوله تعالى (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ) ، وروي عن الرسول ( ص) ( من سمع صوت بكاء يتيم فهداه بملاطفته يقول الله وغرتي وجلالي لأوجبن له الجنة ) . وانطلاقا لما جاء في قوله تعالى (( لن تنال البر حتى تنفقوا مما تحبون ومما تنفقوا من شيء فان الله به عليم )) وقد أصر المشرفين وأعضاء الهيئات التعليمية والتدريسية على مواصلة هذا النهج التربوي القويم ، وأصبحت هذه المهمة اشق واصعب من المرحلة السابقة ، بعد أن تطلبت المرحلة الحالية جهدا كبيرا لتوفير الإمكانيات والإعدادات ، وبالفعل تم افتتاح فرعين لهذه المؤسسة التعليمية الأول في قضاء الجبايش بتاريخ 20/ 12 /2003 والثاني في مركز مدينة الناصرية بتاريخ 2 / 1/ 2004 ، بعد أن وافقت المديرية العامة لتربية ذي قار مشكورة على افتتاح هذا المشروع الإنساني الخير والذي يهدف إلى إنقاذ ورعاية الكثيرين من فقدوا الرعاية الأبوية حيث وجدوها هناك . ولا يخفى علينا وكتربويين ومن خلال مقابلاتنا لبعض من المشرفين على منجزات هذا المشروع الفريد من نوعه في العالم أن هناك علامات مضيئة ووضاحة قد بانت افقها في سماء التربية والتعليم وذلك تأتى من خلال اطلاعنا الكثيف على المناهج والخطط الدراسية والأنشطة الصفية واللاصفية والتي عمل بها منذ تأسيس هذه المؤسسة التربوية ، بعد أن جاءت المحصلة النهائية بتفوق بعض تلاميذ هذه الفئة من المجتمع والتي أهملت وعلى مدى ثلاثة قرون .
تتصف المناهج التربوية التي تدرس في هذه المؤسسات بما يلي :-
1- أن المناهج التي تدرس هي نفس المناهج المعتمدة لدى وزارة التربية من حيث جدول الدروس ونظام توزيع الحصص .
2- أن الأنشطة الصفية واللاصفية تفوق بقدراتها تلك الفعاليات المطروحة في المدارس الابتدائية والمشابه في المراحل ذاتها من حيث :-
أ‌-الاهتمام بالجانب الترفيهي والصحي والغذائي والمهني والتربوي وتوفير جميع مستلزمات هذه العناصر المهمة في حياة التلميذ .
ب‌- توفير للتلاميذ وعلى مدى عام دراسي كامل بعد أن يقوم المحسنين بكفالة اليتيم المتقدم للدراسة في هذه المؤسسة تقدر بـ ( 250 ) ألف دينار الجوانب التالية :- الإطعام – الملابس – النقل من البيت إلى المدرسة وبالعكس – توفير الجانب الصحي بإرسال التلاميذ إلى الجهات الصحية والأشراف المباشر على صحته – التأهيل في الجوانب المهمة لحياة الفرد اليومية – إقامة الدورات خلال العطل الصيفية .
ت‌- يتكون الكادر التعليمي من (7 ) معلمين بضمنهم مسئول المعلمين وهم معلمون منسبون وعلى ملاك وزارة التربية/ المديرية العامة لتربية ذي قار
ث‌-أما بالنسبة لأعداد التلاميذ فهم ( 50 ) تلميذ موزعين على ثلاثة مراحل هي الأولى والثانية والثالثة .
3- أما جدول العمل اليومي لمنهج المبرة فهو على النحو التالي :-
أ‌-نقل التلاميذ من دورهم والى المبرة بواسطة سيارة نقل حديثة خصصت لهذا الغرض .
ب‌-بعد وصول التلاميذ يتم تقديم لهم وجبة إفطار وهي متنوعة على طيلة أيام الأسبوع الدراسي .
ت‌-بدا ساعات التدريس حيث يتوجه الزملاء أعضاء الهيئة التعليمية كل إلى صفه وحسب جدول الدروس المعلن .
ث‌- من الملاحظ أن هناك متابعات فردية تبذل فيه جهود إضافية من قبل معلم المادة ولكل تلميذ وعلى انفراد
ج‌-توفر جميع الوسائل التعليمية في الصفوف المهيأة بشكل جيد ، والتي تتيح للتلميذ استيعاب أية مادة .
ح‌- تقديم الحوافز المادية والمعنوية وعلى شكل هدايا للتلاميذ المتفوقين دراسيا وكذلك الذين يؤدون واجباتهم اليومية والتحضير والإجابة على الأسئلة التي تطرح من قبل المعلم داخل الصف
خ‌- وفي نهاية الجدول لليوم الدراسي تقدم لهم وجبة غذاء ومن ثم نقلهم إلى دورهم .
ثانيا / تجربة ثانوية المرتضى للوقف الشيعي :-
من خلال زيارتنا الميدانية المستمرة للعام الدراسي 2004 –2005 و2005 –2006 كنا قد سجلنا ملاحظاتنا التربوية لهذا الصرح التربوي المهم الذي تأسس بعد سقوط النظام والتي تمثلت بما يلي :-
1-تأسست ثانوية المرتضى للوقف الشيعي سنة 1425 هـ والموافقة 2004 م وكانت تحتوي على شعبتين للمرحلة الأولى للمتوسط وبواقع (60 طالب ) وشعبة واحدة للمرحلة الصف الرابع العام وبواقع ( 60 طالب ) . أما حاليا فتتكون من (7 ) شعب تحتوي كل شعبة على ( 24 طالب ) مرحلة المتوسط (ا20 طالب ) تتألف من :- المرحلة الأولى شعبة واحدة – المرحلة الثانية شعبتين . إما المرحلة الإعدادية والتي هي بواقع ( 193 طالب ) فقد تألفت من :- المرحلة الرابعة شعبة- الخامس العلمي شعبة – مرحلة الخامس الأدبي شعبة
2-قبلت إدارة هذه الثانوية حسب الضوابط المعمول بها في قبول الطلاب في المدارس المماثلة .
3-اعتماد المنهج الدراسي المتبع حاليا في المدارس المتوسطة والمقر من قبل وزارة التربية .
4- تشابه طرق تدريس جميع المواد عدى تدريس مادة التربية الإسلامية حيث تمثلت فروعها بآلاتي :- (أصول الدين – فروع الدين – حث الطلاب على عدم التمييز بالمذهب الإسلامية – عدم التفرقة ونبذ الطائفية – احترام رأي الآخرين ) .
5-يتم صرف رواتب ومحاضرات المدرسين من قبل الوقف الشيعي وكذلك صرف نقل مخصصات المشرفين الذين يقومون بالزيارات الميدانية لهذه المؤسسة .
6-المشاركة والمساهمة بجميع النشاطات التي تقوم بها الجهات ذات العلاقة مثل معارض الوسائل التعليمية وأسبوع المكتبات والمعارض الفنية وجميع الأنشطة الرياضية التي يقوم بها قسم الرياضي والكشفي في المحافظة وقد حصلت هذه الثانوية على عدة جوائز تقديرية في هذه المجالات .
7-تقوم إدارة الثانوية بالتخطيط المبكر لوضع أنشطة وفعاليات للعطل الأسبوعية والصيفية
8-تتميز الدراسة في هذه الثانوية بما يلي :-
أ‌-قلة عد الطلاب في الصف الدراسي الواحد بحيث يبلغ عدد طلابه بـ ( 24 ) طالب .
ب‌-توفر الرغبة لدى الطلاب في دخول إلى هذه المؤسسة مما تتيح له تسلق الإنجازات العالية في المستوى العلمي .
ت‌-وبهذا جاءت نسب النجاح في نتائج امتحانات نصف السنة لهذا العام وكما مبينة في أدناه :-
المرحلة المتوسط 70%
المرحلة الثانوي 75%
مبادرات وأنشطة مدارس الوقف الشيعي :-
أثناء مبحثنا مع الزملاء المسؤولين في الوقف الشيعي عن ابرز الفعاليات التي قدمتها هذه المدارس ومنذ تأسيسها كنا قد سجلنا هذه الإنجازات التربوية الرائعة والمتميزة وعلى مدى عاميين دراسيين وكان أبرزها :-
1-الاشتراك مع مدارس المحافظة في معارض الوسائل والمبتكرات العلمية الحديثة وقد حققت هذه المشاركة المرتبة الثانية على صعيد المحافظة .
2-المشاركة في أسبوع المكتبات المدرسية التي أقامتها المديرية العامة للتربية وحققت المرتبة الثانية .
3-الاشتراك مع المديرية العامة حيث تم إشراك معظم مدرسي ومدرسات مدارس الوقف الشيعي في دورة ( رايز ) للحاسوب ولمدة أسبوع .
4-أقيمت في المديرية وتحت اسم ( طرائق التدريس ) دورة اشترك فيها مدرسي ومدرسات مدارس الوقف الشيعي وتعد هذه الدورة من أهم الدورات .
5-التنسيق مع الميسورين في تقديم الملابس الشتوية لتلميذات المرحلة الابتدائية وتوزيع هدايا للمتفوقات منهن لكافة المراحل .
6-إلقاء المحاضرات الخاصة بتطوير القدرات والقابليات خارج الدوام الرسمي .
7-إقامة دورة إضافية يوم السبت والذي هو عطلة رسمية للدروس العلمية وباستمرار للطلبة .
8-تنظيم حملات توعية لاستثمار التجمعات الصباحية ومجالس الأباء لنوعيتهم بمخاطر الإشاعات وأساليب دحضها وذلك أثناء مراسيم رفع العلم من كل يوم خميس
9-عقد مجالس الأباء والمدرسين وبمعدل مجلسين للعام الدراسي الواحد لكل مدرسة .
10-توزيع الهدايا وبشكل مستم للطلبة الأيتام .
11-إقامة دورات تطويرية مكثفة لمدرسي ومدرسات اللغة العربية والإسلامية لمدة ( 15 ) يوم وبواقع ( 60 ) محاضرة وقد القي محاضراتها ثلاثة اختصاصيين تربويين من المديرية العامة لتربية ذي قار ، وقد تضمنت هذه المحاضرات مواضيع في التفسير والتلاوة والأحكام والنحو الميسر والبيات والثقافة القرآنية وبأشراف مباشر من قسم التعليم الديني
12 – توزيع الملاكات بما يضمن سد الشاغر لكافة المدارس إضافة إلى توفير الكتب والقرطاسية والمستلزمات الدراسية .
الخاتمة ...
في مجموعة البحوث والتي جاءت في المصدر (( بحوث إسلامية )) جاء في منظور الشهيد السعيد وفي ص26 على أن ... ( والطريق الشائك ولاشك في ذلك ، ومن قال انه ليس بشائك وهو طريق صنع الأمة من جديد وإعادتها إلى مركزها القرآني الذي انحرفت عنه . انه طريق بناء الإنسانية كلها وتصميمها في قوالب السماء ولكن الشوك وان أدمى الأيدي التي تحاول اقتلاعه إلا انه يرضخ في النهاية للإرادة القوية والتصميم الثابت ) ...
وأخر دعوانا الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الكائنات أبى القاسم محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين المنتجبين مع شكرنا وتقديرنا لكافة الاخوة الذين ساعدونا في إنجاز الجزء الثالث من مبحثنا هذا خدمة لمسيرة تربوية جديدة ترتقي بها مدارس مدينة إبراهيم الخليل الناصرية الفيحاء التقية والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
الباحث