صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 19
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    السلفيــــــــــــــــــــــ عرض و نقد ـــــــــــــــــــــــة

    [align=justify]


    [align=center][frame="7 80"]_______________________________

    السلفيــــــــــــــــــــــــــة
    ..عرض و نقد ..

    _______________________________[/frame][/align]



    السلفية الدينية في المجال التاريخي الاسلامي .. مقاربة نقدية

    ا. نبيل علي صالح


    اولا - مقدمة ضرورية تعتبر دراسة التاريخ الاسلامي - وما فيه من احداث وافكار - بتقنية علمية وموضوعية من المسائل الشائكة والصعبة..وهي لا تتوفر الا للقلة من الباحثين نظرا لطبيعة المادة التاريخية التي قد تتشابك نصوصها، وتتضارب احداثها ووقائعها، وتتلون تحليلات الكتاب والمؤرخين حولها بمختلف الوان الاتجاهات السياسية والمذهبية المتبناة من قبل هذا المؤرخ اوذاك.

    واذا كان التاريخ الاسلامي لا يزال مصدرا اساسيا من مصادر الفكر والمعرفة الاسلامية، فان المنطق العقلي والعلمي يلزمناجميعا - كمفكرين وباحثين ومنتجين للمعرفة - ان نقوم بدراسة مواقع (ومواضع) هذا التاريخ دراسة نقدية واعية لا تكتفي بنقل مخزوننا التراثي التاريخي الهائل الحجم والاتساع كما هو الى عصرنا الراهن، ولكنها تنفذ الى عمق حركة هذا التاريخ لتبحث عن افكاره واحداثه ورموزه ومواقعه، وتقوم بتوثيقه من حيث رواته ومضامينه ومحتوياته، وتدرس امكانية انسجامها او عدم انسجامها مع حقائق الاشياء والظروف الموضوعية التي تحيط بهذه الفكرة او الواقعة او تلك الشخصية التاريخية.

    وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم في ضرورة ان نتعاطى مع التاريخ - باعتباره حركة الانسان في محيطه خلال الزمان -من موقع العبرة والدرس والعظة والاستذكار الايجابي الفعال، ليغدو - هذا التاريخ - مدرسة نعرف نتائجها في حجم التجربة، ولنصنع التاريخ في مدرسة نحرك نتائجها في المستقبل..

    يقول تعالى: (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (الانعام:55)..

    وهذا ايضا ما تؤكد عليه نصوص السنة الشريفة من خلال ضرورة «عقل الخبر عقل رعاية لا عقل رواية.. فرواة العلم كثيرون ورعاته قليلون»، كما يشير الحديث الشريف.

    ونحن عندما نتحدث تاريخيا عن فكرة او رمز او موقف تاريخي ماض، فاننا نريد لبحثنا التاريخي ان يدخل الى العمق الروحي والفكري للرمز والقيمة والمفهوم، وان نستقدم من التاريخ الماضي للشخصية التاريخية المدروسة - التي ابتعدناعنها كثيرا في حساب الزمن المادي - كل المبادئ والقيم الروحية والعملية مما كان يتحدث عنه، او يوجه اليه، او يعظ به..من خلال ما كانت تمثله من صورة مضيئة ومشرقة للاسلام كله على مستوى الفعل والقول والحركة والموقف.. وهذا يضعناامام مدخلية فكرية منهجية اراها ضرورية للبحث في اي مادة تاريخية.. وهي مسالة كيفية دراسة المادة التاريخية،والادوات الواجب استخدامها، وضبطها في سياقها الطبيعي، سواء كانت المادة فكرا ام رمزا.

    ولعل من اهم الامراض التي تصاب بها اغلب الحضارات والثقافات في فكرها وتاريخها وحركتها - والتي تفضي حتماالى تخلف الشعوب وانحطاط الامم - هو مرض التمسك الشديد لنخبها بافكار ونظريات ومبادئ ومواقف عاشت ونشات في الماضي، وتجاوزها الزمن، وسبقتها عجلة التطور، ولم يعد لها اي علاقة عملية بالوقائع الجديدة والاحداث المتتالية والمتراكمة، حتى ان العديد من هذه النخب السياسية والثقافية المتمسكة بالقديم ترى تخطئة من يغير مفاهيمه وآراءه لتتلاءم مع روح العصر، وتتكيف مع المستجدات ومنطق التطور التاريخي.. فالتخلي عن المبادئ لديها (حتى لو اثبتت التجربة والايام عقمها وفشلها، وتاثيرها السلبي على حركة الحاضر والمستقبل)، يعتبر اعلى درجات «اللااخلاقية» في العمل السياسي والفكري، ليكون - بحسب اصحاب هذا المنطق - التمسك بالمبادئ والاصول - التي لا تزعزعهاالتحديات، ولا تقهرها المتغيرات.. والراسخة رسوخ الجبال - اعلى درجات «الثورية» والنجاح، فالمهم الانتصار في اللفظ والخطابة واللغة، حتى لو خسرنا الارض والواقع والحاضر كله.. وبهذا يمكن تفسير اسباب الجمود والتخشب الفكري والعملي لدى تيارات سياسية وفكرية تفتخر بانها ثابتة على المبادئ دون الاهتمام بمدى مناسبتها للظروف السائدة،وبمدى وجود فرص حقيقية لنجاحها في الاطار العملي.

    ومن هنا تاتي فكرة «السلفية» لتكون فكرة من جملة الافكار التاريخية الدينية التي انطلقت شراراتها الاولى منذ قرون عديدة، واصبح لها انتشار وتاييد واسعين في عالم العرب والاسلام حاليا، ولا تزال رائجة ومتحركة بقوة في داخل اجتماعنا الديني والسياسي المعاصر، حتى باتت تشكل عصب التفكير الحركي للكثير من النخب والتيارات والحركات الاسلامية المعاصرة المنتشرة انتشار النار في الهشيم على امتداد مساحة مجتمعاتنا العربية والاسلامية.

    ومنذ بداية التشكل التاريخي لهذه الظاهرة (التي رفع بعض زعمائها وقادتها المحدثين شعار: الحسام البتار، والدرهم والدينار)((348)) لاحظنا كيف انطلقت الخلافات ودبت الانقسامات بين صفوف المسلمين على اختلاف مللهم وانتماءاتهم ومذاهبهم، بحيث نستطيع القول ان نشوء السلفية الدينية هو من اهم المسببات في ايجاد حدود ومداميك مذهبية ايديولوجية بين عموم ابناء الدين الواحد.. وقد تعمقت تلك الحدود والحواجز الفكرية والثقافية الدينية اكثر من تعمق الحدود الجغرافية - السياسية.

    وقبل ان نبدا بالحديث عن طبيعة الفكر السلفي، ومقوماته، وكيفية مواجهته بالنقد والتحليل، نسال هنا: كيف يمكن للمرءان يفسر بعقلانية ظهور السلفية (والاصولية) الاسلامية اليوم؟ ثم لماذا في عصر المنطق، توجد اعداد هائلة من اتباع العقلانية والتنوير والاعتدال في العالم الاسلامي قد ينجذبون ويدعمون مفهوما دينيا اصوليا في العالم، من مجموعات اصولية متطرفة على غرار القاعدة وطالبان الى منظمات اكثر نموذجية على غرار (الاخوان المسلمون) في مصر (والجماعة الاسلامية) في باكستان؟! ان الذي يبدو امامنا هو ان المسلمين الاصوليين يسيطرون فعلا على العالم الاسلامي. فاين يمكن البحث عن الاجوبة؟!!يزودنا كل من التاريخ وعلم الاجتماع، بدلا من الفلسفة الفكرية، بعدسة من اجل السعي لتخطي هذه الظاهرة الفكرية -الاجتماعية المتفاقمة.

    ثانيا - السلفية: مقدمات فكرية وخلفيات تاريخية ومذهبية لدى مراجعة كتب اللغة ككتاب لسان العرب مثلا، يتحدث ابن منظور عن السلفية قائلا: «سلف: سلف يسلف سلفاوسلوفا:

    تقدم... والسالف: المتقدم. والسلف والسليف والسلفة: الجماعة المتقدمون، وقوله تعالى: (فجعلناهم سلفا ومثلاللاخرين) (الزخرف: 56)...

    وقال الفراء: يقول جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الاخرون... ويقول الجوهري: سلف يسلف سلفا مثال طلب يطلب طلبا، اي مضى. والقوم السلاف: المتقدمون. وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع اسلاف وسلاف... والسلف ايضا: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم من فوقك في السن والفضل، واحدهم سالف... وقيل: سلف الانسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الاول من التابعين السلف الصالح((349))».

    اذن، كلمة السلف تعني لغة: الاقدمية الزمني، اي التقدم الزمني كما يقول الشيخ د. محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه(السلفية - مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي)((350)) : «كل زمن من الازمان سالف بالنسبة الى الازمنة الاتية في اعقابه وخلف بالنسبة الى الازمنة التي سبقته ومرت قبله». وقد حدد الشيخ البوطي هذه المرحلة السلفية بالقرون الثلاث الاولى من عمر التجربة الاسلامية، وقد اختلف كثيرون معه في ذلك.

    اما المراد بمذهب السلف، فيقول احمد بن حجر: «ما كان عليه الصحابة رضوان اللّه عليهم، وما كان عليه اعيان التابعين لهم باحسان، وما كان عليه اتباعهم وائمة الدين ممن شهد له بالامامة، وعرف عظيم شانه في الدين، وتلقى الناس لكلامهم خلفا عن سلف. كالائمة الاربعة، والسفيانيين، والليث بن المبارك النخعي، والبخاري، ومسلم، وسائر اصحاب السنن دون من رمي ببدعة او شهر بلقب غير مرضي مثل: الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة» ((351)).

    وهكذا لا يشير مفهوم السلف او السلفية الى فترة او مرحلة زمنية محددة اختلف المؤرخون في تحديدها، وانما يتعداه الى مصطلح ومفهوم «الخيرية» المنتزع من حديث رسول اللّه المروي في اكثر من كتاب تاريخي: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجي اقوام تسبق شهادة احدهم يمينه ويمينه شهادته».

    واذا ما اردنا التدقيق في الرؤية التاريخية السابقة التي تعتبر ان السلفية مذهب ومنهج له بداياته التاريخية منذ زمن الرسول والصحابة الاوائل ومن ثم الذين يلونهم، فانه يمكن التاكيد هنا على ان مفهوم «السلفية» لم يتمظهر تاريخيا كتيار له سمات محددة ومعايير معينة في طبيعة المفاهيم والعقائد والسلوك الا بعد ان بدا الاسلام ينتشر في العوالم المتعددة المحيطة بشبه جزيرة العرب. حيث انطلق المسلمون فاتحين بلاد العالم القديم متسلحين برؤية دينية عقائدية ايمانية محددة،واستطاعوا - خلال فترة زمنية غير طويلة نسبيا - الهيمنة الفعلية على اكبر امبراطوريات التاريخ آنذاك، وقاموا بنقل ارثهماالكبير، كما حاولوا - طيلة قرون عديدة - هضم واستيعاب ميراثهما الحضاري العريق والمتراكم.

    ونتيجة لهذا التفاعل والاحتكاك الحي المتواصل والمتراكم مع العوالم الاخرى، كان من البديهي ان يتاثر الفاتحون المسلمون بافكار ومعارف وثقافات الحضارات المتنوعة في افكارها وعاداتها وتقاليدها.. فهؤلاء المسلمون عاشوا في شبه جزيرة صحراوية، ولم يتطبعوا بطباع المدنية، بل سكنوا الخيم في ظروف مناخية بالغة القسوة والشدة، اثرت على طباعهم واخلاقهم، وعلى طبيعة نظرتهم للحياة والانسان.

    اذن، بدا التحول يظهر على حياة اولئك الفاتحين، وبدات قيم وعادات جديدة تسيطر على معيشتهم واحوالهم من حيث شكل اللباس وطريقة الاكل والمسكن، خصوصا بعد ان سكنوا المدن واختلطوا مع افراد تلك المجتمعات الجديدة في البلدان الواسعة التي فتحوها والتي اصبحت تشكل - مع مناطقهم الجغرافية - ما يسمى ب -«المجتمع الاسلامي الكبير».

    ومنذ ذاك الحين بدات وتائر الدعوات والنداءات المحذرة والمتوعدة تتصاعد من طرف بعض الناس في تنبيههم وتحذيرهم من هذا التحول ومن خطورة نتائجه، وتدعو للرجوع الى ما كان عليه الرسول ومجتمع الصحابة الاول. فامام حركة الترف والتنعم بملذات الدنيا وخيراتها (من امتلاك للمزارع الكبيرة، وبناء الدور والقصور الفخمة، واقتناء الجواري والعبيد والخدم والحشم... الخ) ظهر تيار مناهض لهذه المظاهر وندد بها((352))، داعيا للتقشف والزهد في الحياة الدنيا. على ان ذلك - كما يدعي اصحاب هذا المنطق - من صميم الدين وسيرة السلف الصالح، وهناك محاورة((353)) بين الامام الصادق( وسفيان الثوري (وكلاهما ينتسب لعصر التابعين) تظهر لنا عدم تقبل الكثير من الملتزمين بالدين الجديد -خصوصا من العرب - بعض العادات الجديدة في الملبس والماكل والمسكن. وهذا كله مما يدل على قوة تلك التحولات العميقة وردود الافعال عليها ضمن الدائرة الاسلامية.. حيث لاحظنا - مع مرور الايام وزيادة انغماس المجتمع الاسلامي اكثر فاكثر في الحياة المدنية والترف الحضاري المديني - تصاعد الدعوات الى ضرورة العودة لاقتفاء «اثر السلف الصالح»،وباتت الدعوة لتقليد السلف في ملبسهم وسلوكياتهم العامة خطا او تيارا خاصا متميزا في الوسط الاسلامي بجانب التيارات الاخرى. لكن هذه الدعوة ستاخذ ابتداء من القرن الرابع الهجري بعدا مفاهيميا (فكريا ونظريا) له رموزه وشخصياته ممن يدعون للعودة الى التزام نهج وقيم وآراء ومذاهب السلف الصالح.

    ولكننا هنا نطرح عدة اسئلة حول الزمن التاريخي المحدد الذي عاشوا فيه؟ وماهية هؤلاء السلف الصالح؟ من هم؟ ماهو تاريخهم؟ ما هو دورهم في الحياة الاسلامية؟! ما هي ابرز اعمالهم وانجازاتهم التاريخية التي لا تزال باقية حتى الان؟!وهل تنطبق مقولة السلف الصالح على كل من عاش في زمن الرسالة الاولى؟ واذا كان الامر كذلك، فهل كل من كان مع الرسول كان صالحا ومؤمنا وصادقا.. اي تنطبق عليه كل الصفات الحسنة والمحمودة؟! في الاجابة نرى انه عند العمل على تحديد هؤلاء السلف الصالح الذين يقصدهم رموز هذا الخط.. فالمسالة تبدو مبهمة احيانا ومتناقضة احايين اخرى، وغير محددة المعالم على وجه الدقة..

    اذ اننا عندما نقرا كتب التراث السلفي - اذا صح القول - نجد انفسنا امام مجموعة غير قليلة من التعاريف المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة التي تشرح وتحلل فكرة السلفية..يمكن ان نستنتج معها ان المقصود بالسلف الصالح ليس كل من رافق الرسول الكريم، او عايشه، او رافق من رافقه، وعايش من عايشه، باعتبار ان فيهم المؤمن والمنافق، الصالح والطالح، الصادق والفاسق، الملتزم والمنحرف، لا بل ان بعضهم ارتدواعلن العداوة على الملا.. وبالنتيجة نسال: هل تنطبق على كل هؤلاء مقولة «السلف الصالح»؟! بالطبع لا.

    كما اننا نعتقد ان الازمات والنكبات والتجارب الكثيرة التي مرت على عالم الاسلام والمسلمين منذ حادثة «السقيفة» -التي افترق المسلمون بعدها الى مكونين وفرقتين، لكل منهما طريقتها ومنهجها في فهم النص، ووعي رسالة الاسلام،واسلوب الدعوة - تدل دلالة اكيدة على وجوب عدم وجود نظرة واحدة او مستوى واحد في تقدير (وتقييم) كل ما يسمى بالسلف الصالح، وضرورة احترام كل ما جاؤوا به من معارف والتزامات في المستويين النظري والعملي (اذا سلمنا جدلا بان ما انتجوه من تراث ديني يشكل معرفة حقيقية بالمعنى الصحيح للكلمة).. فهم ابناء عصرهم ونتاج بيئتهم، انتجوا فكرامعينا نتيجة ظروفهم وكسبهم هم بحسب ما توصلوا اليه من خلال وعيهم وادراكهم للوجود والحياة، ولا يمكن الجزم مطلقاان تجربتهم هي افضل التجارب، او ان فهمهم للامور افضل من فهم غيرهم لها.. كما ان اختلافاتهم وخلافاتهم كثيرة وواسعة حتى انها ملات الخافقين، وتجاوزت حدود الاختلاف الفكري المحمود لتصل الى حد اباحة سفك الدماء والافتاء بالقتل ضد هذا وذاك، وتكفير الفرق لبعضها البعض، وسحق كل مناؤئ او مخالف او معارض للراي والمعتقد الخاص بهذا الطرف اوذاك ((354)). ولكن بالاجمال العام يمكن القول انه يجب ان نعذر اولئك السلف من الاباء الاوائل ((355))، بان لا ننقل تجاربهم وخلافاتهم وافكارهم المضرة الى عصرنا الحالي، وان تقتصر رؤيتنا لهم على صورة بشرية عادية وليس الهية مقدسة.

    وفي تصوري ان المنطق الذي تبني السلفية دعواها التاريخية والفكرية عليه لا يستقيم ابدا مع النظرة القائلة: ان السلف صالح وخير بالمطلق، وان ما ذهب اليه السلف هو الحق، وما دونه هو الباطل، كما هي رؤية كثير من المذاهب والتيارات والنخب الاسلامية السلفية الماضية والمعاصرة. وهذه حقيقة انتقائية فجة، ونظرة ضيقة وسطحية للامور. فليس كل من هومن السلف صالح بالضرورة، وليس كل من هو من الخلف طالح بالضرورة. التقييم والحكم هنا نسبي من حيث المعيارالحقيقي تاريخيا وواقعيا.

    ثالثا - التطبيقات العملية للفكر السلفي اننا عندما ندرس «السلفية» كمصطلح فكري، فاننا نفهم منها طريقة التفكير غير الموضوعية التي تتحدد بجملة افكارومعايير دينية يعمل اصحابها ودعاتها على استنطاق التراث بشكل قوالب جامدة وانماط شكلانية محددة غير قابلة للانفتاح على الحياة والعصر، مما يوقع المنتمين اليها في ازمة الابتعاد العملي عن الواقع، والعيش في جنة النظريات والافكار ((356)).

    واذا اردنا ان نميز ونحدد بشكل اكثر دقة اهم انماط وتطبيقات السلفية في طبيعة فهمها الجامد للنصوص والافكاروالوقائع والتواريخ، يمكننا تسجيل النقاط التالية:

    1 - دعوى امتلاك الحقيقة المطلقة:

    ادعاء الفكر السلفي امتلاك الحقيقة التاريخية ((357)) بالكامل (شخصا ام فكرا)، وعدم وجود معيار علمي موضوعي عقلاني لديه للتمحيص والتدقيق والنقد.. وهذا يؤدي على الدوام الى اثارة الفتن والبغضاء بين الفرق والمذاهب والتيارات المتعددة والمختلفة. لانك عندما تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، فلا بد ان تثير لدى الاطراف الاخرى هواجس كثيرة،وتستنفر لديها كل ما بحوزتها من مكونات المواجهة ضدك، الامر الذي يجعل من الصدامات المتبادلة قدرا لا مفر منه،وهذه هي احدى مميزات الحركة السلفية، فحيث تستعر نار الطائفية والخلافات المذهبية، تجد هناك - دون شك او ريب -عقل سلفي يؤجج هذه النار، ويمدها بالوقود كي تشتعل اكثر وتدوم. ولا شك ان من يدفع ثمن وتكلفة تلك النيران المشتعلة هم ابناء مجتمعاتنا على العموم، وبخاصة من ينتمون منهم لمذهبي السنة والشيعة تحديدا.

    ولعل المراجع لتاريخنا الاسلامي - الذي كان الفكر السلفي الديني احد عناوينه البارزة المؤثرة بقوة قي كل حركته منذبدايات الدعوة وحتى الوقت الحاضر الذي نبتت فيه حركات واحزاب السلفية الدينية - لا يمكن الا وان يلاحظ وجوداشكالية مهمة يثيرها الاسلوب المنهجي والعملي في طبيعة التعاطي مع قضايا (ورموز وشخصيات((358)) واحداث وافكار) هذا التاريخ في كثير من مفاصلة الهامة، من خلال انه ينطلق ضمن اجواء ضاغطة تتاسس على رؤية ضبابية مختنقة في الجانب الذاتي من التاريخ النظري والعملي.. فيما هو الاستغراق (المنتفخ) - اذا صح التعبير - في داخل الساحة التاريخية، والمعبا بكل ذاتيات هذا التاريخ الزاهي والمتالق، في التركيز على الصيغة التاريخية الميكانيكية الخطابية الجامدة التي لا تنتج الا الانحراف والتحريف في الفكر والممارسة، والفقر في الاغتناء المعرفي الحضاري والانساني.

    وعندما يقوم اصحاب تلك الطريقة بدراسة الظاهرة او الحدث البشري او الطبيعي - في محيطه الانساني والتاريخي - فانهم ينظرون الى انسان التاريخ (او الحدث او الفكرة) ككائن ينتمي الى بعد ذاتي واحد، ينفصل عن الزمان والمكان، ويعيش في مركزيته الشخصية بعيدا عن التاثير او التفاعل مع حركة الاحداث التي يعايشها، ويمكن ان يؤثر (او يتاثر) بها فتغتني منه، ويغتني منها.

    انها الطريقة التبسيطية التبريرية التي تواجه المشكلة او الهدف بشكل حماسي يتميز بوجود كم هائل من ركام الشعارات المنتفخة والمثيرة، والمهرجانات الصاخبة «غوغائية التقديس المفتعل» الخالية من المحتوى الفكري، والمضمون الاعتقادي الهادف والفاعل الذي يخطط للمستقبل بوعي وايمان، ويرسم حدوده وتفاصيل تحركه بكل تركيز وتخطيط وثبات.

    وقد لمسنا هذا الاتجاه في معظم الدراسات التاريخية التي تناولت حياة الرسول(ص) او الائمة(، او حتى كثير من السلف الذين عاشوا حركة الرسالة بالمعنى التاريخي لا الزمني.

    والتي تركزت جهودها الفكرية على الجانب الشخصي في امتداده التقديسي المطلق الذي يتعامل مثلا مع المعصوم كرمز مقدس مزروع في دائرته الخاصة (او في فضائه السحيق) بعيدا عن تفاصيل الحركة الحياتية والبشرية. اي عدم وجود اي منطق عقلي او واقعي، من خلال ان لكل ظاهرة او حادثة معينة اسبابها (وعلتها) الطبيعية، ومفاعيلها المتحركة في الواقع.

    اننا نعتقد ان المعيار الحقيقي والواقعي الذي يضمن تحقيق استخدام امثل وافعل للمادة التاريخية السالفة فكرا اوشخوصا هو امتلاك المقدرة الفكرية على التعامل مع التاريخ بلغته التحليلية الموضوعية في الاتجاه الذي تتحول فيه وقائع هذا التاريخ وحوادثه العامة - التي عاشها البشر في الماضي - الى فعل حي متحرك تستنبط من خلاله جملة القواعدوالسنن الالهية المهيمنة على مجريات الاحداث، والوقائع التاريخية المتنوعة، على صعيد ملاحظتها ودراستها وتحليلهاوتركيبها واكتشاف خصائصها وطبائعها الايجابية المميزة، وروابطها العلية والمعلولية، واستنتاج ضوابطها العامة الحاكمة، ثم نشر القانون وتعميم قاعدته على الحاضر والمستقبل كمرحلة من مراحل المسيرة الانسانية نحو اهدافها الكبيرة في الحياة.

    2 - الفهم الخطير لموضوع الجهاد والقتال:

    ولعل من اهم التطبيقات العملية الواضحة للفكر السلفي هي الفهم الخاطئ والملتبس لمعنى مقولة (وركن) الجهاد في الاسلام، فمفهوم الجهاد (الاكبر:جهاد العدو) اساسا يعني الدفاع الوقائي عن الذات والارض في حال تعرضهم لاعتداءخارجي داهم، اما عند السلفيين فانهم يعزلون الجهاد - بما هو فعل قتال دفاعي - عن ظرفه وملابساته ومناخاته المختلفة،فيظهر المعنى عندها حاملا لمعنى القسر والضغط والعنف والاكراه والتسلط كمفردات لتنظيم العلاقة مع الاخر.

    وقد يفاقم من حضور هذا المعنى طبيعة الجهاد نفسه في الاسلام، اي الطبيعة العقيدية للجهاد، الامر الذي قد يعني ان الجهاد انما شرع من اجل اكراه الاخرين واكراههم على الدخول في العقيدة الاسلامية. وهذه هي الصورة النمطية الوحيدة الماخوذة حاليالدى العالم كله عن الجهاد.. انها الصورة التي يقدمها السلفيون من حيث تركيزهم على معنى الجهاد في غزو الاخر واجباره على الرضوخ والخضوع الى درجة الاذلال، حتى لو كان هذا الاخر مسلما يدين بالاسلام((359)). وان الجهاد الاكبر لدى هؤلاء هو الاطاحة بالانظمة (الجاهلية) بالعنف وبالقوة المسلحة، فاعادوا من جديد احياء مذهب الخوارج، ولكن هذه المرة بطريقة مؤثرة اكثر ومكلفة اكثر.

    وطبعا لو سلمنا هنا بالفكرة السلفية القائلة بان الجهاد المسلح ضد الطواغيت والظالمين والمستكبرين واجبة وحق مشروع في كل زمان ومكان (الجهاد السلمي الحضاري افعل وانضج براينا، واكثر ديمومة عبر الزمان) نسالهم: هل هم الوحيدون المؤهلون اساسا للسير في هذا الاتجاه؟! وهل مهمة الجهاد والدفاع والقتال تقع على عاتق هذا التيار ومنوطة بذاك الحزب، ام هي وظيفة الدولة المدنية العادلة الراشدة التي لا تحصر الجهاد بمعانيه الضيقة (الكامنة اساسا في تعميم ثقافة العنف والقسر والاكراه والتعصب)، ولكنها تؤسسه على بعد انساني راسخ هو الجهاد الاصغر اي جهاد النفس، وتوسع من معانيه السامية حتى يصل الى حدود اقامة حلف عالمي لرفع الظلم والمعاناة عن الانسان اينما كان وباي دين دان؟! ان هذا الخلط العجيب الذي يظهر عند السلفيين في موضوعة الجهاد ادى الى تضييع المعنى الحقيقي لهذا الركن المرتبط اساسا بتقديم تفسير حقيقي ومنطقي وموضوعي للعقائد والمفاهيم الاسلامية ككل من حيث نظرة الاسلام للحريات ((360)) الفردية والعامة، ورؤيته لشروط التكاليف والمسؤوليات، ونظرته للصلح والسلام والامان وغيرها من الموضوعات التي تشكل الاطار الموجه والمعيار الناظم لفكرة الجهاد في الاسلام.

    3 - تحريف التاريخ الاسلامي:

    اجمع كثير من علماء السنة والجماعة على وجود تحريف كبير في نقل افكار ووقائع وعقائد الفرق والمذاهب الاسلامية قام بها زعماء السلفية ومنظروها.. وسناخذ مثالا على ذلك «شيخ الاسلام» ابن تيمية، الذي كان غير امين اطلاقافي عملية نقل آراء الخصوم والمخالفين له والاستشهاد بها، بل تعمد تحريف اقوالهم. وهذا ما يظهر من خلال الامور التالية((361)):

    ا - الكذب في الاجماع على فكرة التاويل:

    فقد حكى ابن تيمية عن السلف اقوالا حاول تقديم اجماعات وتفسيرات لهم لا وجود لها في الواقع. كما حكى عن بعض الائمة ما لم يتفوهوا، ولو قال شيئا من ذلك فاتباعهم ادرى واعلم بذلك. مثلا يقول ابن تيمية: «ان جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تاويلها، وقد طالعت التفاسير المقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت على ما شاء اللّه تعالى من الكتب الكبار والصغار اكثر من مائة تفسير. فلم اجد الى ساعتي هذه عن احدمن الصحابة انه تاول شيئا من آيات الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف» ((362)). بهذه الكلمات يدعي ابن تيمية مؤكدا ان احدا من الصحابة لم يتاول شيئا من آيات الصفات ((363))، وعندما يرجع الباحث لكتب التفسير يجدها زاخرة بنقل تاويلاتهم. فهذا الطبري الذي مدح ابن تيمية تفسيره في فتاويه بانه تفسير ليس بدعة، يقول: اختلف اهل التاويل في معنى الكرسي، فقال بعضهم هو علم اللّه تعالى ذكره . ((364)) كما ويؤكد الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه عن السلفية ((365)) خلافا لما جاء به ابن تيمية فيقول:«ليس صحيحا انه لا يوجد في السلف من جنح في تفسير آيات الصفات او بعض منها الى التاويل التفصيلي. ففي السلف من جنح للتاويل التفصيلي ولم يكتف بالاجمال فقط.

    من ذلك ما صح من تاويل الامام احمد كلمة جاء في قوله تعالى(وجاء ربك والملك صفا صفا) بمعنى وجاء امر ربك، كما قال تعالى: (او ياتي امر ربك). وقد اورد البوطي بعضا من اسماءالسلف، الذين اولوا الصفات. كما ذهب الى ان ابن تيمية نفسه سقط في التاويل عندما قال بان الوجه الوارد في الاية ليس من الصفات.

    ب - تضعيف الاحاديث النبوية المخالفة لاتباع السلفية:

    وهذا ما ظهر بشكل واضح عند ابن تيمية الذي كان يرفض الاخذ باي حديث شريف يتعارض مع قناعاته الفقهية والعقائدية حتى لو كان الحديث صحيحا وقوي الاسناد، وكان يعمد الى التشكيك به وتضعيفه.. وقد عبر الحافظ الذهبي عن ذلك اصدق تعبير في قوله الذي يوجهه لابن تيمية: «يا ليت احاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليهابالتضعيف والاهدار، او التاويل والانكار» ((366)).

    ولم يكن لدى ابن تيمية من حجة في رفض الاحاديث التي لا تعبر عن معتقده ووجهة نظره سوى جراته في التشكيك بها، بحيث يخال المرء ان «الشيخ الاكبر» لديه من الحجج والادلة القوية ما يدعم وجهة نظره تلك.

    ج - انتقاء الاحاديث الموافقة فقط:

    وقد اعتمد ابن تيمية هذا الاسلوب في انتقاء الاحاديث التي تتوافق مع عقيدته ورؤيته، واستبعاد تلك التي تتعارض مع توجهه. وقد تحدث الدكتور البوطي ((367)) نقلا عن ابن حجر انه «رفض هذا التصرف الذي لا مسوغ له مع انه من المعتدلين في تقويم افكاره وبين فئتي المتعصبين له والمتعصبين ضده».

    د - عدم وجود فهم حقيقي عميق لافكار وطروحات المخالفين:

    وتجلى هذا العمل مع الصوفية والشيعة بالخصوص، وادى الى استنتاجات وتقريرات خاطئة وفي غير محلها عقلياوتاريخيا، لا تتوافق مع اصحاب اهل المذاهب ذاتها.

    ومن هذه الصور المضحكة التي تنقلها كتب التراث في هذا الشان عن ابن تيمية، ان تجد شابا داخل مسجد ما يعلن امام الملا بانه يشهد بان لا اله الا اللّه وان محمدا رسول اللّه، وانه يؤمن بكل ما جاء في القرآن، ويعتقد بكل شرائع الاسلام.

    لكن شابا او جماعة اخرى يردون عليه بانه كافر مرتد، لان «شيخ الاسلام» ((368)) حكم بكفر الشيعة وارتدادهم، او انك جهمي معطل (اي منزه)، والجهمي كافر.. او انك تعتقد في الاولياء وتستشفع بهم، ومن يفعل ذلك فهو مشرك ومرتد عن دين محمدوكافر بالاسلام، حلال الدم والمال.

    ه - - غلبة الكذب الصريح على خصومهم ومخالفيهم في الراي والمعتقد:

    وقد ورد في هذا الشان كثير من الاحاديث والروايات التاريخية الموثقة في كتب اهل السلفية، وبحوثهم، ومتونهم وخصوصا الحنابلة (اتباع احمد ابن حنبل).. واول ما يصادفنا في هذا السياق ونحن ننقب حول هذه الجذور، اطلاق الامام السبكي مصطلح «الخطابية» على الحنابلة. حيث نقل ان كلتا الفرقتين ترى جواز الكذب على من خالفهم في العقيدة((369)).

    ويبدو ان هذه الطريقة في التحريف والطعن بالخصوم وتجويز الكذب الواضح عليهم، ساهمت بفعالية منقطعة النظير في التاسيس اللاحق لكل افكار التكفير الممنهج للخصوم، والباسهم لبوس الضلال والانحراف في العقيدة. حتى نكاد نقول ان تاريخنا الاسلامي عموما هو تاريخ التكفير والكذب والانتحال.

    و - الطعن في السند، والتحريف في النص التاريخي:

    وهذا واضح في كتبهم حيث نجد ان اغلب علماء الجرح والتعديل كانوا من الحنابلة او ممن يتعاطفون مع معتقداتهم وآرائهم((370)) . حيث تراهم يضعفون سند كل الاحاديث التي تتعارض مع معتقداتهم ويضعون حولها الشكوك والظنون والاحتمالات المختلفة التي لا علاقة لها باصل الفكرة، وهذا التشكيك والطعن وادعاء الحرص على دقة السند يزداد اكثرمع الخصوم الشيعة خصوصا عندما يرتكز هؤلاء في دعم افكارهم وآرائهم الفقهية على احاديث ومرويات تصب في خانة تاييد خطهم الامامي، حتى لو كان لها سندها المعتبر في كتب السنن والصحاح المعروفة عند اهل السنة والسلفية.

    وفي هذا الاتجاه لا يجد بعض ائمة السلف حرجا في تحريف نصوص واقوال علماء الاسلام اما بالحذف او التحوير اوالاضافة او التعديل .((371))

    4 - تحديد فهم القرآن (والنص الديني عموما) في عصر ورجال وتفاسير بعينها:

    يرى الفكر السلفي ان الرجوع الى الخلف يعني المشي الى الامام. وان فهم القرآن فهما حقيقيا واضحا وصريحا لايتحقق الا كلما كان المفسر اقرب زمنيا الى عصر الخلافة الاولى، اي كلما غاص اكثر في مغارة الماضي البعيد، فالاقرب للماضي اقرب للفهم الصحيح.. وهكذا فتفسير الطبري افضل من القاسمي، وتفسير القرطبي افضل من رشيد رضا((372)) .

    ومقتل الفكر السلفي في هذا المجال هو في انه يحدد فهم القرآن في عصر معين ورجال وتفاسير محددين دون غيرهم.بينما المنطق الفعلي والحقيقي يقول ان التفسير ليس في العصر والرجال، بل في آيات الافاق والانفس. وهو مرجع القرآن.والقرآن طلب بذاته السير خارج القرآن فقال: (قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدا الخلق) (العنكبوت: 20).

    وقال:(يتدبرون.. يعقلون... يتفكروا..).


    [/align]





  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي السلفية الدينية في المجال التاريخي الاسلامي .. مقاربة نقدية ..ا. نبيل علي صالح

    [align=justify]وهذا السير والتدبر والنظر والتامل هو قاعدة التفكير والاجتهاد الحقيقي الذي اصبحنا بحاجة ماسة الى فتح بابه بكل عناوينه وعناصره، واجراء مراجعة علمية صارمة لا هوادة فيها له، والا فلن يخرج هذا الفكر ابدا من المازق الخطير الذي يتخبط فيه حاليا.

    والسلفية عموما التي دائما ما يحتكم اليها العقل التقليدي السلفي - المكون من قوالب ثابتة، ونصوص جامدة، ومفسرين محددين، وانماط تفكيرية واحدية - تجعل كل المستجدات العصرية محكمة (بفتح الكاف) من قبل هذا العقل بما يتماشى مع تقليديته وسلفيته.. فاي متغير جديد، او مستجد او طارئ او قضية جديدة خرجت على المجتمع بحكم تبدل التاريخ وتغير المعطيات والمواقع والادوار، فانها لا بد من ان تمر على محكمة العقل التقليدي (نص يفسره شخص عاش في الماضي، وقوله فصل)، فان توافقت مع ما تعود عليه هذا العقل فان مصير القضية الى القبول، وان لم تتوافق فمصيرها الى الرد بعد عمليات التفسيق والتضليل والتبديع((373)) .

    لقد كانت - ولا تزال - المرجعية ا لتي يعتمد عليها الخطاب الديني التقليدي ماضوية الطابع والتفكير والمعيار، فالاحتكام كان ماضويا لكل ما هو عصري ومستجد، ومن هنا يصبح الخطاب الديني واقعا في ازمة الماضوية حتى لو حاول التلبس بالعصرية، فهو تلبس شكلي لا يدخل في صميم الذهنية حتى يعيد تكوينها من جديد والواقع الذي هي منخرطة فيه لامحالة. فالقشرة الذهنية عصرية الشكل لكن الروح الفكرية ما تزال في عصور سابقة على العصر الحديث بمئات السنين، ومن هنا تاتي الازمة العصرية الحقيقية في الخطاب الديني السلفي التقليدي.

    ولان الخطاب الديني السلفي يفتقد الى الاقناع (حيث ان ادواته المعروفة هي: القسر والضغط والترهيب والتخويف) في عصر التعددية الفكرية والانطلاقة الحضارية المتجددة، فانه يحاول التمسك بالديني بقدر المستطاع ويوظفه في لغته التقليدية ويجيره لصالحه في اكثر الاحوال عن طريق تفسيرات حرفية الطابع دون الفهم الدلالي للنصوص الدينية عامة((374))، وبهذا يضمن انسياق العام تجاهه ودحض كل ما عدا ذلك، في حين ان الموقف لم يكن مستلزما كل هذاالتعنت الفكري والتحايل التقليدي على حساب المعاصرة التي ربما كان هو المستفيد الاكبر لو فهم سياقات الموقف.

    وتبعا لذلك نؤكد ان الخطاب الديني التقليدي في مازق حقيقي حين لا يحاول ان يطور من ادواته التعبيرية قبل الفكرية،واذا اراد ان يكون خطابا مقنعا فان تمثل العصرية (والانفتاح الفكري والعملي) بمنطقها هو ما يمكن الاعتماد عليه لو ارادذلك، لكن هو ادرى بمثل هذه العصرية كونها تفتح عليه ابوابا فكرية يعجز فيما بعد عن الاجابة عنها فضلا عن اقفالها.

    وهذا الامر يفرض على الباحثين المسلمين الدعوة الى انسنة القراءة التفسيرية.. اي الى قراءة النص الديني من منظورانساني مع كامل الاحترام المفترض للنص الديني. والمقصود بالمفهوم الانساني ان يكون هناك تمييز واضح وقاطع بين النص المقدس ذاته، وتاريخه سواء الزمني او الموضوعي. وما وجود ما يسمى بالاسرائيليات في كتب تفسير القرآن الكريم سوى دليل قاطع على هذا التمييز الذي يرفض المسلمون الاعتراف به.

    فالتفسير الذي يقدمه المفسر يختلف عن النص الديني ذاته، ذلك ان النص المفسر يتضمن العديد من التفسيرات الانسانية القائمة على مدى فهم واستيعاب المفسر للنص،وايضا المصادر التي استخدمها في التفسير.

    وللاسف فان كل الكتب التراثية الدينية الاسلامية سواء في التفسير او التاريخ او غيرها من موضوعات لا تذكر لناالمصادر العلمية التي تم الرجوع اليها، وذلك بسبب غلبة المصادر الشفهية على المصادر التحريرية((375)) . وبلغة البحث العلمي الحديث فانه يفترض انعدام القيمة العلمية لكثير من المؤلفات التراثية الدينية لخلوها من المصادر.

    وحيث ان هذه الكتب ذات طابع انساني تعتمد الفكر الانساني في الشرح والتحليل للنص الديني، فمن المنطق والعقل ان نقبل المفهوم الانساني عند دراسة النص الديني، دون حرج او اتهام بالتكفير او طعن في النوايا. ولماذا يحل للاقدمين ما لايحل للمتاخرين في مجال فهم النص الديني؟ من جانب آخر يجب ان يتوقف دعاة الفكر السلفي عن اتهام الاخرين بما ليس فيهم حين الكتابة او الحديث عن النص الديني، خاصة ان الجهل وقلة العلم منتشران في شعوب تتفشى فيها الامية (يضم العالم العربي لوحده ما لا يقل عن 68مليون اءمي!)، ومن ثم ليس من حق اءمثال هؤلاء الجهلة الخوض في مثل هذه الموضوعات العلمية المتصلة بدراسة النصوص الدينية. ودليل جهلهم البين ما نراه من شتم وتعريض شخصي غير مؤدب للكتاب المتنورين، مع التجنب التام،بسبب الجهل للموضوع.

    وحيث ان فضيلة الحوار العقلاني لا وجود لها في كثير من مفاصل تراثنا الاسلامي، حيث تسود لغة التكفير والارهاب الفكري قبل لغة التفهم والتفاهم، فمن الطبيعي ان لا تزدهر الدراسات الدينية المقارنة كما هو موجود في الغرب.

    لهذه الاسباب ندعو - ولو بعد خراب البصرة - الى التعامل مع النصوص الدينية بعيون انسانية مفتوحة، تعتمد العقل في المقام الاول، وهو ما لا يمكن حدوثه لدى العرب والمسلمين ما داموا يرتعون في مناخ التخلف والجهل راضين بالعيش في جنة «الشيخ الاكبر» او غيره.

    5- انفكاك النص عن الواقع (اعتبار النص اصلا ):

    تظهر افكار السلفيين في حالة صدام شبه دائم مع المجتمعات حتى الاسلامية منها، التي لا يخلو فيها مجتمع من الازمات الكارثية التي تسبب بها اتباع هذا المنهج التكفيري اللاعقلاني لابناء بلدانهم والبلدان الاخرى التي هاجروا اليهاوتربوا وتعلموا فيها. وهذا الامر ناتج عن تحجر وجمود تفكير هؤلاء، واستغراقهم الاعمى في المرويات والنصوص التاريخية القديمة، وعيشهم في جنة احلامهم الوردية البعيدة عن واقع الحركة والتطور الحياتي المتواصل، وابتعادهم عن ملامسة حركة الفكرة في الواقع، وضرورة التواصل مع المستجدات، والتكيف مع الاحوال والمواقع والتطورات، وهذا لايمكن ان يتم الا باعادة قراءة النص من خلال العقل والواقع العملي لحركة التغير والتراكم البشري، حيث ان الكلام لا يمكن ان يرسخ وينمو بدون جدلية تفاعل النص مع الواقع.

    والمنطق يقول: انه عند الدخول على اي حقل معرفي لا بد من معرفة الادوات المعرفية كمدخل لفهم حركة النص،ووعي دلالاته ومتحركاته. ولفهم النص القرآني لا بد من استخدام العلوم الانسانية المساعدة الحديثة. فلا يمكن فهم القرآن بتفسير ابن كثير كما لا يمكن فتح جمجمة اليوم بادوات فرعونية عفاها الزمان. وهذا ليس انتقاصا من جراحي الفراعنة اوابن كثير، لانهم اولاد عصرهم ونتاج بيئتهم. ولذا يجب تسليط جراحة فكرية جديدة مثل اشعة ليزر لمعالجة النصوص كمايعالج قصر البصر اليوم فيستغنون عن النظارات.

    من هنا، علينا - في هذا الاطار - ان نعيد الاعتبار لدور العقل في فهم النص كما ذكرنا، وان يكون الفقيه والمثقف متحررامن اي قيد معرفي او مزاجي في دراسة النص، وان تكون الحرية هدفه ومنطلقه في ذلك، وهذا ما سيؤدي عبر التجربة وتراكم الفعل الانساني المسؤول والواعي الى تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الاجتماعي في مجالنا الاسلامي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى تاخذ التعددية في السياسة والتعبير موقعها الاساس في تنظيم الخلافات والصراعات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي والوطني وتعميق موجبات العدل والمساواة والحرية.

    ان الفكر الاسلامي الحقيقي لا يمكن ان يعيش ويتطور ويتكامل الا بالتفاعل الصريح والواضح مع الواقع المعاش، وان بقاءالنص غائبا (او مغيبا) عن الواقع سيقلص مساحة الحرية اكثر فاكثر في داخل اجتماعنا الديني والاجتماعي.

    فعلا اننا باشد الحاجة لعنصر الحرية من اجل تطور ونمو وتصاعد مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لتتنفس الحرية في الهواءالطلق بعيدا عن مناخات القهر والاستعباد والاستبداد التي تقبع في داخل سجونها، وتكبل مواهب وقدرات ابنائها عن العمل والنهوض الفعال لبناء حاضرها ومستقبلها.. اننا نقولها بالفم الملان كما قالها واعلنها احد المثقفين الاسلاميين المعتدلين:نحن بحاجة الى ان نقتحم فضاء الحرية، ونكشف المضمون الثري لهذا الفضاء في قيم الاسلام ومثله. اذ ان هذا الاقتحام سيقدم للفكر الانساني ابعادا ومضامين جديدة، ويزيد من امكانية المسلمين للتفاعل مع العصر وقضاياه الكبرى، ويساهم في خلق شروط الحرية الفعلية والتداول السلمي للسلطة ((376)) واحترام حقوق الانسان. فالافكار التي تنمو في الخفاءوالظلام، بعيدا عن العلم واهله ستكون خطرة وهدامة. اما الافكار التي تنمو في جو الحرية وفي العلن وتناقش ويتم الحوارحولها، فان ولادتها الاجتماعية ستكون يسيرة، وستكون هذه الافكار في مسار البناء لا الهدم. ولهذا شرط اولي هوالانصات الواعي الى تحديات واسئلة الواقع القائم، كي تكون افكارنا وممارساتنا متوازنة ومنسجمة مع قوانين التطورالحياتي ومنطق التاريخ الانساني. بما يؤدي الى جعل خياراتنا واستراتيجيات عملنا واضحة وناضجة وسليمة في المقدمة والنتيجة.

    ان فتح عقولنا على الحياة والعصر وعلى كل الافاق التي يتيحها امامنا هذا الوجود الانساني هو الذي يصقل تجربتنا،وينوع في خياراتنا وسبل حركتنا، وبالتالي يزيد من قدرتنا وامكانياتنا على طريق انجاز البناء الحضاري المطلوب لامتناورسالتنا في مختلف مناحي التنمية والعمران الحضاري.

    وبالنتيجة ليس لنا من خيار في سبيل الانتقال من الواقع الفكري والسياسي والاجتماعي القائم حاليا في عالمنا العربي والاسلامي - والمرتكز على وجود ثقافة سلفية شديدة التمركز والانغلاق لاسباب كثيرة ذاتية وموضوعية لا مجال لذكرهاالان - سوى عبر تطوير اساليب وطرائق العمل المدني - السلمي، وتربية المجتمع وتدريبه عمليا على فهم وممارسة ثقافة الحرية والمسؤولية والديمقراطية، وتعميقها شيئا فشيئا داخل البنية الروحية والمفاهيمية لمجتمعاتنا، حتى يتم التحول النوعي في هذه العلاقة بعد تراكم البناء والعمل المتواصل في توطيد اركان المجتمع المدني ومؤسسات الدولة العادلة والمقتدرة والقادرة - في الوقت نفسه - عن الاجابة العملية عن حسابات وتحديات اسئلة الزمن الصعب الذي نعيش في قلبه حاليا. وفي هذا الطريق علينا الا ننجرف وراء الاوهام((377))، وانما ان نحاول ان نبني خياراتنا وقناعاتنا ومواقفنااستنادا الى الحقائق والوقائع القائمة وليس المتخيلة، وذلك ليس من اجل الانحباس فيها او الخضوع الى السيئ منها، وانمالكي تكون حركتنا عاقلة وهادفة ومنسجمة.

    وطالما اننا نتحدث عن ضرورة الانخراط في الميدان والواقع، والانفتاح على الحياة والعصر، لا بد لنا من طرح سؤال حول اولوية العقل والنص في سياق اقتناع الخطاب السلفي بالاولوية المطلقة للنص (قرآنا وسنة) على العقل، فهل العقل اولى بالاتباع ام النص؟! اصلا كيف ننخرط بالواقع ونستفيد من تطورات الحياة وتقدم العصور ونحن - في عالمنا العربي والاسلامي - نعيش تحت هيمنة ثقافة قديمة ونصوص دينية قيلت في ماضي الزمان في ظروف مختلفة وبيئة مختلفة ايضا؟! اليس العقل هو الفيصل في الحكم وتقدير مدى الوعي وحجم الاستفادة؟! فالعقل الانساني توصل الى كل مانشاهده ونراه حاليا من منجزات وصناعات وتقنيات وتطورات هائلة على كل المستويات والاصعدة، ونحن كمسلمين نستثمر ونستفيد من كل تلك المنجزات والاختراعات؟! حتى ان اتباع الفكر السلفي انفسهم يستغلون منجزات الحضارة الغربية لشن حروبهم وبث خطاباتهم ضد مجتمعات تلك الحضارة بذريعة هدايتهم واسلمتهم وما الى ذلك؟! طبعا هذا الكلام لا يعني ان الاسلام يناقض العقل، لان التخلف الذي نعاني فكريا هو التخلف المرتبط اصلا باللاعقلانية.وبالنظرة السحرية الى العالم والاشياء. بالنظرة اللاسببية. لذلك فان تحقيق تنمية في الفكر العربي والاسلامي المعاصريتطلب رؤية وفلسفة. اي يتطلب طرحا عقلانيا لكل قضايا الفكر والحياة والعصر.

    وباعتقادي ان علاقة الاسلام بالعقل كانت وطيدة ابان العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الاسلامية. وبالتالي فلايمكن باي شكل القول ان الاسلام ضد العقل، والدليل على ذلك هو ان كبار مفكري المسيحية الاوروبية كانوا تلامذة لفلاسفة المسلمين الكبار. نضرب عليهم مثلا القديس توما الاكويني في الجهة المسيحية، وابن ميمون في الجهة اليهودية وآخرين عديدين.. فهؤلاء لم يستطيعوا التوصل الى الفلسفة اليونانية الا بفضل العرب. كلهم كانوا تلامذة لابن رشد وابن سينا والفارابي وابن الطفيل وابن باجة الخ... ولولا الترجمات التي مولها خلفاء المسلمين المستنيرين في بغداد والاندلس لضاعت الفلسفة الاغريقية، ولما حصلت النهضة الاوروبية لاحقا.

    ولكن ماساة المسلمين هي انهم تخلوا عن العلم والفلسفة بعد الدخول في عصر الانحطاط اي بعد موت ابن رشد مباشرة عام 1198، عندئذ انتهى العصر الذهبي عندنا، وانتقلت الحضارة الى اوروبا. ويرى مالك شبل ان سقوط الاندلس عام 1492 ادى الى نهاية المشروع الاسلامي المبني على العقلانية ((378)). فبعد ذلك التاريخ لم يعد المسلمون يهتمون باكتشاف الطبيعة كما كانوا يفعلون سابقا.. ومات لديهم الفضول العلمي والفلسفي واخذوا يجترون المقولات الفقهية القديمة وخرجوا من التاريخ كليا. وعندئذ حلت محلهم اوروبا التي ظلت العقلانية لديها متصاعدة دون انقطاع حتى وصلت الى ماوصلت اليه اليوم من تقدم وازدهار.

    وقد كان العقل شعار المعتزلة وشغلهم الشاغل، وقد حاولوا عقلنة الايمان قبل المسيحيين بكثير. ولكنهم هزموا في نهاية المطاف للاسف الشديد، ولم تقم لهم قائمة بعد الدخول في عصر الانحطاط والتكرار والاجترار. بل وحتى الفقه الاسلامي لم يتشكل الا بناء على القياسات العقلية المعروفة..

    وبالتالي نستطيع الجزم هنا بان المسلمين الاوائل كانوا يهتمون بالعقل على عكس المسلمين الاواخر. ويمكن القول ان موسوعة اخوان الصفاء ساهمت في تقدم العلوم الطبيعية والكيميائية والرياضيات الخ.. ولكن يبقى صحيحا القول ان العلوم العقلية وكذلك الفلسفة انهارت في العالم العربي والاسلامي بعد القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر.

    وربما لهذاالسبب توهم البعض ان الاسلام لا علاقة له بالفلسفة والعقل. فمن كثرة ما حصل الطلاق بين الطرفين توهمنا بانها لم توجدقط! وهذا خطا يقع فيه الكثيرون للاسف الشديد((379)) . يضاف الى ذلك ان الفلسفة حتى في اوجها كانت علما هامشيا في المجتمع العربي الاسلامي ((380)).

    من هنا، نحن نؤكد دعوتنا مرة اخرى للاهتمام الكبير بالعلوم العقلية والانسانية لا النقلية فقط، في داخل الجامعات العربية والاسلامية لكي 1356المتاخرين عنها. كما اننا ندعو - مع من يدعومن المفكرين والمثقفين - الى بلورة لاهوت جديد غير اللاهوت التقليدي الطائفي (فقه السلاطين والتكايا) الذي يسيطرعلينا منذ مئات السنين. وهذا اللاهوت الجديد او التفسير الجديد للدين هو وحده القادر على تجاوز الانقسامات والتعقيدات الطائفية والمذهبية التي لا تزال تشعل الحروب بين اتباع الاديان التوحيدية الثلاثة، وتمنع حوار الحضارات والاديان.

    وهذا اللاهوت الجديد الذي نريده ونسعى له ليحل محل اللاهوت القديم ((381)) هو لاهوت منفتح، متسامح، يرفض الانغلاق والتعصب وادعاء ملكية الحقيقة من اية جهة جاء.

    كما انه لاهوت منفتح على كل العلوم الانسانية والمعرفة البشرية.. انه لاهوت الحداثة او ما بعد الحداثة.

    6 - اتباع اسلوب العنف ((382)) والترهيب لتحقيق الغايات والمطالب، ورفض النقد الذاتي:

    يستوقفني بقوة نمط من اشكال هذا الخطاب الديني السلفي الطاغي حاليا على معظم ساحات واتجاهات العمل في عالمناالعربي والاسلامي، وهذا النمط هو ما ينتهجه الخطاب السلفي المتطرف من اساليب الترهيب والتخويف والتكفير والرجم بالغيب، لا بل ان منهم من نصب نفسه حاكما يحاكم الناس بمظاهرهم، وكانه يعلم ما في قلوبهم وضمائرهم ونواياهم، كي يقيس على ضوء ذلك ايمانهم ويحاكمهم بما في صدورهم. ومنهم من اتخذ نفسه منبرا يصدر فتاوى الحلال والحرام، ويضع الخطوط الحمراء والخضراء، ويصرح بالفتاوى لسفك دم هذا وذاك. وان كنت لا افهم ما الفائدة التي ينتهجها الداعية اوالخطيب نفسه من ممارسة هذا الشكل غير الانساني في الخطاب الديني، مع ان القاعدة الفقهية تقول: الاصل في الاشياءالاباحة ما لم يرد دليل او نص شرعي من القرآن والسنة.

    ونحن في عالمنا الاسلامي لم نستطع بعد ان نخرج من عصر الانحطاط والعنف والتكفير((383)) الذي يلفنا، ولم تنتصرعندنا قوى العقلانية والاعتدال والتنوير بعد.. وهذه حقيقة بديهية لا يفيد في شي ان نخفيها. وبالتالي نحن عندما ننتقد هذاالمناخ القاتم المسيطر علينا فلا يعني ابدا ان كل انتقاداتنا - او حتى انتقادات غيرنا - للخطابات الاسلامية خاطئة، بل ربماافادت المسلمين ودفعتهم لكي يفتحوا اعينهم، ويروا الحقائق امامهم، ويقوموا بالنقد الذاتي لانفسهم كما فعل الاوروبيون بدءا من عصر النهضة ثم بالاخص بدءا من عصر التنوير في القرن الثامن عشر. هذه حقيقة اصبحت بديهية لكل من يرى ويسمع.

    وقضايا مثل النهضة والتطور والحداثة المطلوبة لعالمنا العربي اصبحت الان في قلب الاهتمام العالمي، وعلى راس جدول الدول الكبرى التي ادركت مؤخرا ان امنها وازدهار حضارتها يرتبط ارتباطا مباشرا بضرورة النظر الايجابي لمشاكل وهواجس المنطقة، واصبح يتاثر سلبا باستمرار وجود مجتمعات متاخرة في اي جزء من العالم الذي يزداد ترابطا.

    لكن الذي حدث - ولا يزال - هو ان كثيرا من نخبنا (المثقفة!!) لم تدرك بعد حجم التحولات الدولية، ومخاطر سياسة رفض الاندراج في العصر الحديث والبقاء على تخوم جبال الوهم والتنظير الكلامي، فلا النقد الحقيقي مورس الا ما ندر،ولا المراجعة الجدية لمفاهيمها القديمة - التي لم تعد صالحة للاستخدام في هذا العصر - انطلقت، بل بقينا اسرى اشتراطات ونصوص مفاهيمية جامدة، فبقيت الوطنية تقاس بمدى العداء للشيطان الاكبر والاصغر، وبمدى رفض الهيمنة الامبريالية ومواجهة مخططات ونظريات المؤامرة ((384))، كما بقي الدين محكوما بهواجس الهوية المهددة بالاندثار في زحمة العولمة والحداثة، وو.. الخ.

    وفي تصوري ان كل العراقيل التي توضع في طريق التقدم والتنمية لا يمكن ان تقرا الا كمحاولة قوى الاعاقة من مثقفي السلطة ووعاظ السلاطين للهروب من استحقاقات التغيير ومقتضيات الاصلاح والتنمية.

    ان تلك القوى تعمل باستمرار على مواجهة ورفض كل ما هو جديد وحديث تحت ذريعة انتهاكه للهوية والتراث، كماانها لا تزال تشتغل على استيلاد الظروف وتعميق الاسباب التي ساهمت في تعزيز وجودها وهيمنة خطابها الديماغوجي على واقعنا الديني والثقافي عموما.. وهي: افتقادنا للديمقراطية والتعددية السياسية، وشيوع الاستبداد والفساد، وانعدام فرص العمل لاجيال الشباب، وانتشار التخلف الفكري والفقر والجهل وعدم التوجه لحل المشكلات القائمة والصراعات العبثية التي هدرت كثيرا من مواهب وطاقات اهل المنطقة.

    والطاقة الاهم هي تفعيل وعي وارادة شبابنا العربي المسلم والاستخدام الفعال لمواهبهم في طريق العمل الصالح والنافع لمجتمعهم ككل، ام ما يحدث على الارض فهو عكس ذلك تماما، اذ نلاحظ كيف يهجر كثير من شبابنا بلدانهم واوطانهم الحقيقية ويرتمون في حضن اوطان وهمية.. وحتى الان لا يزال هناك سؤال لم نعثر له على جواب بعد، وباسلوب ومنهجية علمية، وهو: لماذا يتحول هذا الشاب البري الفرح، المتفائل الوديع المؤدب، المقبل على الحياة، المحب لمدرسته واسرته واترابه، الى ارهابي او مشروع ارهابي متوحش، يكره الحياة، ويعشق الدم والدمار، وصناعة الموت، ولا يبالي في مواجهته،بل يتطلع اليه عبر بدعة سموها «زفة الشهيد»؟! هذا السؤال والاجابة عنه، يمثلان البداية للانتصار على الارهاب كظاهرة اجتماعية.

    في الحقيقة لا تزال الثقافة التي يتلقاها شبابنا تقليدية جامدة غير قادرة على تقديم اجابات شافية لهم عن واقع الحياة والعصر، وتجري عندنا باستمرار عملية غسل دماغ حقيقية تجري لهذا الشاب على نطاق واسع يقوم بها كثير من رموزونخب ثقافتنا الاسلامية تتمحور حول استراتيجية تجنيدية اغرائية يتلقاها بشكل يومي هذا الفرد، وهنا مصدر القلق المتواصل..

    اولا: انه في وجود سيل متدفق من الافكار الدينية المختلفة ونوع من التربية الاسلامية التي يعمل اصحابها على قضاياالتنشئة الاجتماعية لجيل الاطفال، ممهدين السبيل ل - «الصائدين» لسهولة الاقناع، والتجنيد، والتجييش، وبالشحن العاطفي والنفسي، وغسيل الادمغة، وبث السموم الفكرية.

    وثانيا: نحن لم نسع جديا وبطريقة علمية الى التعرف على الاساس الفكري والاجتماعي الذي ينتج هذه الشرائح في المجتمع، وبالتالي لا نتوفر - حتى الان - على مناهج تتضمن وسائل مضادة، تحول دون ان يتحول طفل مسالم له وجوده وطموحه واحلامه ودنياه الخاصة، الى مشروع عنف وارهاب في المستقبل، يملك القدرة على تدمير حياته وحياة الاخرين بقسوة، هكذا بكل برود، ودون تردد! وقد نجح هذا الخطاب السلفي المتطرف في جذب انتباه الشباب وشدهم اليه، لانه بقي «الوحيد» في الساحة، اذ لم يجدالشاب امامه خطابا دعويا جذابا، صادرا من المؤسسة الدينية الراسخة، يمكن ان يقدم له اجابات شافية وواعية، متوازنة راشدة، تهديه لموقعه ودوره الطبيعي كانسان في الكون والحياة، يكون اكثر استجابة لحيرته في المسائل الكبرى التي تواجهه كشاب، يدلف الى اعتاب الالفية الثالثة! في حين كان خطاب القيادات الشبابية الدعوية المتشددة سريعا ومبادرا في اعطاء هؤلاء الشباب ما يعينهم على فهم ما يدور حولهم من احداث، فذاع صيتهم على حساب المرجعيات الدينية العاقلة والواعية المعروفة، التي بقي خطابها محصورا في قضايا الدين البعيدة عن الحزبية والتنظيمية، وقليلا ما يتطرق لقضايااجتماعية وسياسية كبرى الا توجيها وارشادا ومن دون الاستغراق فيهما، مما افقد تلك المرجعيات الدينية قدرتهاالتوجيهية الارشادية على الشباب، وحتى شعبيتها المعتادة، وتوارت عن الانظار.

    رابعا - خاتمة البحث العقل والحرية والتنمية في مواجهة الخطاب السلفي يعيش العرب والمسلمون في عصرنا الراهن - كما اسلفنا - اوضاعا مصيرية صعبة لا يحسدون عليها، وهذا ما يظهر لناعند التامل والتدقيق في ارقام واحصائيات ومؤشرات ضعف عملية التنمية البشرية في العالم العربي استنادا الى معظم، ان لم يكن كل، مؤشرات هذه العملية.

    والجزء الظاهر من هذه المشكلة يتمثل في الفقر واللامساواة، لكن الفقر في الحقيقة ليس سوى جزء من المشكلة. فالى جانبه هناك مؤشرات كثيرة على:

    -ضعف مستوى الرعاية الصحية.

    -وثمة انحسار واضح في فرص التعليم الجيد.

    -وهناك غياب كامل او ضعف مزمن في سياسات الامان الاجتماعي او غيابه بالكامل.

    -اما الحرمان واللامساواة في القدرات والفرص، فهما اكثر استشراء من فقر الدخل او اللامساواة الاقتصادية، اذ تشيرالاحصاءات الى ان نسبة الحرمان، بمعايير التنمية الانسانية الاساسية، تبلغ حوالي 32.4% من اجمالي السكان في العالم العربي((385)) .

    ولا شك في ان هذه الصورة الاجمالية للدول العربية تخفي التفاوت الكبير بين اوضاعها وتقدمها نحو تحقيق الاهداف الانمائية للالفية الثالثة .((386)) وهكذا، فان التنمية الشاملة هي المفتاح الحقيقي للحصول على القوة والسلطة، واساس هذه القوة حرية الفرد والمجتمعات،وبالتالي للوصول الى اي مستقبل فاعل او مثمر يمكن ان يكون بانتظار العرب خلال العقدين المقبلين، ودون الشروع في اتخاذ خطوات واثقة في طريق التنمية (وبناء صرح الحرية الكبير)، فانه من المؤكد ان مستقبل العرب لن يكون افضل من حاضرهم.

    ولكن كيف يمكن للتنمية الشاملة ان تنطلق في عالمنا العربي والاسلامي في ظل وجود عاملين ضاغطين للغاية:

    الاول: داخلي، وهو سيطرة خطابين وواقعين مازومين، خطاب السلطة الرسمية المستبدة القامعة لكل ما ومن يؤثر على امتيازاتها وسلطانها وهيمنتها وطغيانها، وخطاب تعبوي شعبوي (ثقافوي) ديني سلفي متشدد، يستعدي العالم ضده،هاجسه الاساسي والجوهري تقسيم هذا العالم الى فسطاطين، وتكفير (وربما الحكم بالموت) باقي الملل والمذاهب والحركات التي تعارضه في معتقده الديني او رايه السياسي او الفكري.

    والثاني: خارجي، ويتمثل في جملة التحديات المصيرية التي تحيط بعالمنا حاليا. وهي من الضخامة والهول ما لا يستطيع احد ان يقف في وجهها تماما كالسيل الجارف، ولا بد له من الانفتاح عليها والتكيف معها، على عكس ما نعمل عليه نحن العرب والمسلمون، حيث نواجه تلك المتغيرات الكبيرة بادوات قديمة ووسائل شبه بدائية نعيد من خلالها انتاج الهزيمة والازمات على النحو الاسوا والافدح. لاننا غالبا لا نحسن ادارة مشاكلنا، وسوس خلافاتنا بعقلية مدنية تداولية متوازنة.

    اننا نعتقد ان جذر العطالة فيما هو واقع حاليا - في كل هذه المساحة الكبيرة من العجز والاحباط والتردي والتفكك المسيطرة في عالمنا العربي والاسلامي - يعود الى النمط الثقافي المهيمن، واعني به مرجعيات المعنى وانماط الرؤية السائدة المنتجة للفكر والثقافة التي تخطط لحياة الناس والمجتمعات.

    فالفكر عندنا له قوالبه ومسبقاته وقواعده واحكامه واستراتيجياته، ولكنه فكر يولد مزيدا من العجز والخواء والجهل والتسلط والاستبداد، لاننا اساسا نتعامل مع الفكر والتفكير - الذي كان من المفترض ان نمارس عبره علاقة ايجابية خصبة، منتجة وفعالة، مثمرة ومتطورة، مع الذات ومع الاخر - بصورة متحجرة ومنغلقة احادية وحتمية وخيالية وفردوسية،نادرا ما تجد فيها شيئا حيا من الواقع.

    وواقع (بل وفكر) هو على تلك الصورة غير المنتجة، بل المتكلة، سينتج كوارث وازمات متتالية. ولا يكفي ان نقول:

    ان الاقدار هي السبب الدائم والمصدر الحقيقي لتلك الكوارث، كما يصور اصحاب ورموز تلك المرجعيات السلفية.. بل هي ازمات من انتاجنا، صنعناها بعقولنا ومقولاتنا وتصنيفاتنا ومرجعياتنا المهيمنة على واقعنا الثقافي منذ قرون عديدة، والتي لا تزال تتحكم في الخطابات ليس لتبدع وتنتج وتطور وتحسن، ولكن لكي تعيق وتلغم وتضع العراقيل والعوائق((387)) في وجه اي فكر او معرفة او مشروع حضاري انساني مدني يعلي من شان الانسان فردا ومحورا اساسيا للكون والحياة.

    طبعا، نحن عندما ننقد التراث والخطاب السلفي بفكره ودعاته، ونظهر عجزه عن العيش المنتج والفعال في العصر الحديث،وعدم قدرته على بناء معرفة مستقبلية حقيقية نافعة للانسان والحياة، ان ذلك لا ينبغي ان يحجم تفكيرنا النقدي عن الوجه الاخر للداعية التراثي السلفي، وهو المثقف الحداثي العربي الذي بقي يتعاطى وينتج مفاهيم الحداثة والتطور والحرية والاستنارة والتقدم من موقع المتلقي والمتاثر ومن دون ان يطورها ويبتكر صيغ جديدة تتعدى محيطه الجغرافي.

    لانه اساسا لم يشتغل في المعرفة الحديثة من موقع الخلق والابتكار، وانما من موقع المبشر والمخلص والمروج والمقلد.

    الامرالذي جعله (اي المثقف الحداثي العربي) متعبدا لنصوص الحداثة من غير طول تفكير، ومؤلها لافكارها وهويتها من دون تجربة ومعاناة وتامل.

    وهذا النقد - حقيقة - لا ينطبق على مجموع مثقفينا ومفكرينا الحداثيين، حيث ان فيهم المبدع المطور والمنتج في شتى ميادين وحقول المعرفة والثقافة والفنون. ولكن هذه الفئة قليلة وضعيفة وغير مؤثرة حتى الان، على عكس الكثرة الغالبة من اولئك الوعاظ عبدة النصوص والاوثان الفكرية الذين يسيطرون على الفضاء والهواء والسلطة التي باتت مضطرة في الاونة ان تقربهم منها وتفتح مجالات العمل (والانتاج!) امامهم ليمارسوا من خلال ذلك افظع فنون التضليل والتزييف والشعوذة الثقافية والتعمية الايديولوجية والتهويل الديني.

    بناء عليه فان المشكلة تحددت، وهي في الاساس ثقافية معرفية، ولكن تجلياتها الواقعية يمكن اجمالها في الاتي:

    ؟ مجتمعات عربية واسلامية ممزقة، وتعيش صراعا وتدافعا مريرا حول الحكم والسيادة، لا تقترب فيه ابدا من تحكيم لغة الحوار، ومنطق التراضي والتدافع السلمي.

    ؟ فشل ذريع للسلطات السياسية الرسمية الحاكمة في ادارة قضايا الوطن المحلية (تحقيق التنمية الشاملة، توفيرالحريات، القضاء على الفقر والبطالة.. الخ)، اضافة الى فشلها في قضايا الوطن الخارجية مثل قضية فلسطين.

    ؟ وجود بون شاسع وانقطاع واسع بين حاكم غير شرعي (فرض نفسه بالقوة والقهر، واعتبر ان السلطة حق طبيعي له ولذريته وحاشيته) وبين محكوم مستضعف (مطارد وملاحق وعاجز عن تحقيق الحد الادنى من متطلبات وجوده الانساني الطبيعي)، فقد الثقة في نظمه واجهزته الحاكمة، لانها لم تقم لخياره وزنا، وتجاوزت حدود العدل في الحكم والقسط.

    ؟ خوف تلك القيادات الدائم من شعوبها، مما يجعلها تتحسب للثورات في كل وقت.. او بتعبير معاوية نفسه: «فان نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري اتكون لنا الدائرة ام علينا».. اي سيادة ثقافة الخوف والخوف المتبادل.

    ؟ سيادة العلاقات النفاقية والتملقية - اذا صح التعبير - بين الحاكم والمحكوم، واظهار كل منهما للاخر غير ما يبطن،نظرا لانسداد ابواب التعاون الحر، وانعدام التناصح النزيه.

    ولعلنا لا نغالي كثيرا عندما نؤكد على ان مشهد الخوف والاحباط والياس والظلم والاستضعاف هو من المشاهد الاكثرحضورا وتاثيرا على حركة الانسان العربي الذي مارست بحقه الدولة العربية الحديثة افظع انواع القسوة والعنف الموزع ماديا ورمزيا على معظم امتدادات وكتل هذه الامة البشرية والطبيعية.. بحيث باتت منافذ التغيير شبه معدومة في ظل هيمنة وسيطرة تلك النخب التابعة والعاجزة كل العجز عن ادارة شؤونه.

    ويبدو لنا هنا ان تعميق ثقافة الخوف والرعب والقلق السلبي - الممتدة افقيا وعموديا في جسم الامة منذ بداية ازمة الخلافة والحكم الاسلامي الاول - كان من الاهداف الرئيسة التي كانت تسعى دول الاستقلال الاولى (الوريثة الشرعية لانظمة القمع والطغيان التاريخية) - وكل النظم السياسية (سلطات الهزيمة) التي جاءت بعدها، والتي ارتكزت سياساتهاجميعا على ثلاثية:

    القمع والافقار والتجهيل - الى تحقيقها بالقوة على ارض الواقع المعاش.. فكانت النتيجة النهائية لكل تلك المقدمات المازومة ان نظمنا السياسية المتلاحقة لم تتفرغ لشي كما تفرغت للتحكم بموارد الامة، ونهبها بالكامل،والسيطرة على مفاصل السلطة والثروة والقوة والمعرفة في كل مواقعها، محتكرين بذلك كل الراسمال المادي والمعنوي المتبقي لافراد المجتمع والامة.. فكان ان وقع الافقار المقصود على الشعب.

    لان الفقير لا يجرؤ دائما على رفع راسه (اصلا هو لا يستطيع فعل ذلك)، كما ان الجائع لا يعرف السياسة، ولا وقت عنده للحديث والاستماع للسياسة والسياسيين، حيث انه مشغول كليا بتحصيل لقمة العيش وكفاف اليوم (اللهم اعطنا خبزناكفاف يومنا).. وهكذا يبدا هذا الفقير الجائع والمحروم - مع مرور الايام - بفقدان انسانيته، ونسيان ذاته وفاعليته الوجودية،ويختصر الى جملة من الغرائز والمكبوتات، بما يؤدي لاحقا الى تدمير القيم السامية والاخلاق الحميدة والمثل العليا التي طالما تفاخر بها، واعتز بانتمائه اليها.. وهكذا كانت النتيجة ايضا ان وصلنا الى حافة الهاوية على كل المستويات والاصعدة الاخلاقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

    وفي ظل هذا الوضع لا يمكن للفرد المصاب بالوهن النفسي والضعف الذاتي العضوي تحقيق الاستشفاء الذاتي لوحده، بل انه بحاجة ماسة لمن ياخذ بيده قبل كل شي، وبالمثل لا يمكن لبلادنا النهوض بدون مساعدة عاجلة وسريعة من الحضارات الاخرى.

    اننا نعتقد ان شعوبنا العربية والاسلامية تواقة للاصلاح والتغيير بالدرجة التي قد تفرض عليها ان تغض النظر عن مصدرالتغيير وآلياته واساليبه.. ويبدو ان انعدام التغيير الداخلي وفقدان الثقة بالنظم والحكومات القائمة في العالمين العربي والاسلامي - وكذلك ان كل مبادرات الاصلاح الداخلية (ان وجدت اصلا) تتم وتبنى في غرف مظلمة وقوالب جامدة بعيداعن هموم الناس وتطلعاتهم وارادتهم - هو الذي يدفع تلك الشعوب باتجاه قبول التغيير الخارجي حتى لو جاء بيد عمرو(الغرب وامريكا).

    والواضح امامنا - في هذا الاتجاه - ان هناك حقيقتين يعايشهما الناس في مجتمعاتنا، وقد انتقلت تاثيراتهما الى البلدان الاخرى:

    الاولى: وصول حال العرب والمسلمين الى هذه الدرجة المتدنية من الانحطاط والتخلف بمختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وو..الخ، نتيجة السياسات الفوقية الظالمة التي طبقتها النخب السياسية والاقتصادية العربية والاسلامية الفاسدة عبر العقود الاربعة الماضية، والتي كانت تحظ ى - حتى عهد قريب - برضى المصالح والسياسات الدولية المتفصلة مع نظيرتها المحلية.

    الثانية: نمو حركات العنف والتدمير الدينية السلفية في مناخ الترهل والفساد والاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اجتماعنا السياسي والديني، والناتج اساسا عن هيمنة ثقافة عربية واسلامية نصية متعصبة تؤمن بالعنف كخيار اوحد للوصول الى مصالحها وغاياتها((388))، وتضفي طابع القدسية على فكرها ومنظومتها المعرفية، وتلغي اي حلول وسط مع اي كان، كان من ابرز انجازاتها سابقا قتل وتدمير معظم افكار ورموز الخير والسلام والعدالة في تاريخنا الاسلامي.. حيث انه - وبعد عصر الرسول(ص) - تعمقت ثقافة العصبية والقبلية، وترسخت انماط تقليدية عصبوية في طبيعة الحكم السياسي كالحكم الوراثي، وخلافة الحق الالهي المقدس.. اي تحول الاسلام - على ايدي زعامات الانحراف والجور - الى ملك سلطوي عضوض .

    ولا شك ان ضغط هاتين الحقيقتين سيدفع العالم العربي والدولي كله نحو تبني خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية محلية وعالمية يمكن ان تضع حدا لاستشراء مظاهر العنف والفوضى، ونمو الارهاب والجريمة الدولية والتطرف الفكري والعملي في المشهد المعاصر.. من اجل تحقيق مجتمع:

    -تسوده قيم الحوار والعقل والعدل.

    -يحترم فيه الانسان من حيث انه خليفة اللّه في الارض.

    -مجتمع يتحمل الناس فيه بعضهم البعض، وتسوده وجهات نظر متعددة ومختلفة.

    -مجتمع يشعر فيه الانسان عمليا بانه سيد نفسه، ولا فرق بينه وبين قيادته الا بتوزيع الادوار وتعدد واختلاف المسؤوليات.

    -مجتمع يتبنى النقد والمحاسبة الذاتية الحضارية عنوانا لحركته وتطوره.

    ونحن نعتقد ان انجاز تلك القيم الرائعة لن يتحقق الا بعد مواجهة افكار ورموز اقليات التخلف والاستبداد (القابضة بقوة الحديد والنار على عروش السلطة والسياسة والاقتصاد في عالمنا العربي والاسلامي) واقامة حكم تعددي وديمقراطي صالح وعادل منتخب مباشرة من قبل الشعب، وبارادة هذا الشعب الحرة.. بعيدا عن سيطرة مظاهر وثقافة التطرف والتزمت والغاء الاخر من خلال بناء مجتمع معرفي، وتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية امام كل افراد المجتمع.

    طبعا، هذه كلها توصيفات للمطلوب من اجل الخروج من المازق، ولكن مناخ وفضاء تلك التطلعات والاهداف الكبرى،واطارها وقاعدتها الاساسية تكمن في ضرورة تغيير طبيعة المعنى المعرفي لمهمتنا الوجودية بما فيها تغيير كثير من ادواتناوعدتنا المفاهيمية المعرفية المسيطرة حاليا. بما يؤدي الى تغيير الطريقة والوجهة السائدة حاليا التي اثبت الزمن والتاريخ والممارسة العملية عقمها وفشلها مما جعلنا نعيش على الهامش الدولي والوجودي((389)) .

    ويجب ان يكون واضحا للجميع هنا ان النقد الذي نمارسه ليس جلدا للذات او تجريحا للنفس - كما نؤكد دائما - بمقدارما هو محاولة جدية فاعلة للوقوف المتامل امام المشكلة كما هي على الارض، لكي يتوفر لدينا عنصري الوعي والقدرة على اجتراح الحلول، وبناء القدرات وفتح مغاليق الفكر والواقع. خصوصا بعد ان اتخمتنا مشاريع التنمية والتحديث العربية والاسلامية - من اقصى اليمين الى اقصى اليسار - بنضالاتها الفاشلة ودفاعاتها العقيمة التي الحقت بنا العديد من الضرروالخسائر اكثر بكثير مما تسببت به للخصوم والاعداء.

    ان احوج ما تحتاجه بلادنا - في مواجهة متغيرات وتحديات العالم كله، وقد اصبح المتغير هو الثابت الوحيد فيه - هوالعمل على ادارة هوياتنا وافكارنا وثرواتنا وعلاقاتنا بالعالم بابتكار الجديد من الصيغ والمهام او الطرق والوسائل والسبل((390)) .

    اما ثقافة التطرف والعنف والتعصب والكره والخوف والعداء والصدام والقتل والانشداد الى الوراء وعبادة الاسماء والافكار، فملها عربيا او عالميا تفخيخ العلاقات بين البشر، والانتقال من مازق الى سواه، ومن صدمة الى اخرى،ومن خسارة الى خسارة اكثر فداحة.
    [/align]





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]

    مذاهب اهل السنة والجماعة.. دور احمد بن حنبل في الاصلاح

    والتغيير الشيخ رسول جعفريان

    المدخل :

    يبدو ان اختلاف الاراء في المجالات العقائدية والفقهية والتاريخية قد ظهر في القرن الهجري الاول، حيث نشات الفرق المذهبية بصورة تدريجية، وكنتيجة للن - زاعات السياسية، وما رافقها من خلافات عقائدية وفقهية وتاريخية، ادت بمرورالزمن الى الانقسام المذهبي للمسلمين طبقا لمدنهم في اول الامر، ثم سرى ذلك الى داخل المدن على نحو يتناسب والصراعات المحلية الطائفية.

    لقد تبلورت هذه الخلافات في القرن الثاني الى حد بعيد، لكنها وقبل بلوغها درجة الفرق المذهبية، ظلت تدور في فلك عقائد افراد معينين امثال: ابو حنيفة، غيلان الدمشقي، جهم بن صفوان، وغيرهم، من الذين يمكن اعتبارهم اءصولا للن -زاع العقائدي.

    بيد ان التمايز البين والواضح بين الفرق لم يظهر الا في زمن المامون، الذي عرف بحرصه وشدته في فرض معتقداته الخاصة على الناس، وبميله الى جانب المعتزلة، وعدم اهتمامه باهل الحديث مع ما كانت لهم من من -زلة بين عموم الناس.

    وهكذا نشات المذاهب المتعددة على نحو تدريجي في ظل تاثير الظروف التاريخية والثقافية والاجتماعية المختلفة، ممااتاح للمذهب الواحد وفي غضون برهة من الزمن ان يصبح عرضة للتغيير والتبديل، متاثرا بموقعه التاريخي واعدائه وحتى رؤسائه، بحيث يمكن ان يتبدل ويظهر باطوار مختلفة فيما بينها، والى حد قد يؤدي احيانا الى انقسام المذهب الواحد الى عدد من الفرق المختلفة.

    ان الامر الاهم الذي يجب معرفته، هو الحصول على مسار تطور تيار مذهبي ما وقع اسيرا للافراط والتفريط عبر تاريخه الطويل، مما قد يجعله في بعض الاحيان مغايرا لصورته الاولى التي على هيئتها نشا.

    فمثلا مذهب اهل السنة الذي كان اساسه الاحداث في عهد الشيخين، او ما حدث من التغييرات في زمن عثمان، وموقف الامام امير المومنين(ع) منها، واهم من ذلك كله هو الصيغة التي اكتسبها في عصر الامويين، قد اختلفت عما جاء فيما بعدتحت اسم اهل الحديث او مذهب العثمانية.

    فقد تم اصلاح جزء مهم من هذا الاتجاه المذهبي - الذي لم يكن يسمح او يجيز لامير المؤمنين على بن ابي طالب(ع) ان يمنح سمة الخليفة الشرعي - بفض ما بذله احمد بن حنبل من جهود ساعدت على اتخاذ موقف انسب تجاه الامام على(ع).

    وفي اواسط القرن الرابع ادخل ابو الحسن الاشعري على هذا المذهب كثيرا من التغييرات في المسائل العقائدية، ثم بعدذلك وعلى اثر نشوء التصوف ظهرت صورة جديدة للمذهب.

    من البديهي ان يكون منشا كل ذلك هو التسامح في نظرية التمسك باحاديث الرسول(ص)، وسيرة السلف الصالح، وقدنرى -وبسبب العمل ببعض الاحاديث وترك البعض الاخر او التغيير في مرجعية السلف الصالح من واحد لاخر - ان صورة المسالة الواحدة قد تتغير الى حد بعيد، هذا على فرض عدم مجي افراد كابن تيمية او محمد بن عبدالوهاب بعدسبعة او اثني عشر قرنا، وطرحهم مسائل جديدة يدعون انها عقيدة السلف، وينسبونها الى السلف الصالح.

    وعلى اية حال، فان العامة من الناس في القرنين الاول والثاني هم اتباع المذهب الحاكم، الذي لم يكن يمثل سوى ما روج له الامويون وبعض الصحابة والتابعين من عقائد، وربما وقع التعارض في مسائلهم في بعض الاحيان، لكن سطوة الامويين وسلطتهم على المجتمع، جعلت كثيرا من العلماء والمحدثين ينقادون لخدمتهم، ويروجون لافكارهم وعقائدهم.

    ان سائر الناس في العصر الاموي هم «عثمانية»، هذا المذهب الذي كان مشربه عائشة وطلحة والزبير، وهو مذهب البصرة بشكل عام من جهة، والامويون من جهة اخرى. ويجمع كلا الفريقين عداؤهم للامام امير المومنين(ع)، فمن الطبيعي ان يكون هذا البحث متعلقا بالبحوث السياسية - العقائدية. واما البحوث العقائدية البحتة، فيمكن شمولها ايضا لاتجاهات -خاصة في المدينة والشام والبصرة والكوفة - تختلف مع بعضها البعض، وتدور في فلك عقائد اشخاص معينين كما اشرناسابقا، وقد تتدخل فيها الدولة احيانا، ولكن ثمة تدخل مهم للدولة لا يتم الا اذا اقتضت المصلحة السياسية بذلك، وكمثال على ذلك فقد اتهم بعض الخلفاء الامويين باتباع القدرية او المعتزلة، وربما ذهب بعضهم ابعد من ذلك، فقد قتل هشام((402))بعض رؤوس المذاهب من امثال غيلان الدمشقي او بيان بن سمعان.

    وفي العصر العباسي نجد ان التدخل في المسائل العقائدية والفقهية قد اصبح على نطاق اوسع، وابرز تدخل في هذاالمضمار هو ما قام به المامون بصفته نصيرا للمذهب المعتزلي، ولجوئه الى القوة والاكراه، وسعيه لغرض عقائده على العلماءوالمحدثين.

    ان عامة الناس في هذه الحقبة الزمنية كانت ما تزال متابعة لتيارات هي من الوجهة العقائدية امتداد للمذهب العثماني،وهم يتبعون افرادا معروفين في المدن فيما يخص المسائل الفقهية. وفي الواقع، وفيما عدا الشيعة والخوارج الذين وضعوالانفسهم حدودا فيما بينهم وبين الاخرين، فان عموم الناس ليس لديهم ن -زعات مذهبية واضحة.

    وشيئا فشيئا ظهر بحث المرجئة، والذي لم يتجاوز البحث عن تعريف الايمان، وكذلك المعتزلة في اواخر العصر الاموي وشطرا من العصر العباسي، حيث وضعوا - الى حد ما - تعريفا لفكرهم المذهبي، اما عامة الناس او ما يسمى بالمسلمين على نحو عام فكانوا يسمون «عثمانية» تبعا لعقائدهم المذهبية والسياسية، ولا توجد لديهم حدود عقائدية وفقهية واضحة،واما لفظة «عثماني» فمن وجهة النظر التاريخية قد وضعت في مقابل لفظة «شيعي»، ويرجع تاريخها الى واقعة صفين.

    وفي اوائل القرن الثالث، كان مذهب العامة من الناس هو ما كان يسمى بالعثمانية، واهم شاهد عليه هو كتاب العثمانية للجاحظ، والذي دافع فيه عن عقائد العامة ضد مخالفيهم وبخاصة الشيعة. وفي هذا الكتاب لم يرد ذكر وافر لعثمان، بل اكثرما فيه كان دفاعا عن الاراء التاريخية والسياسية للعثمانية، والتي بدورها شكلت جزءا مهما من اعتقادات السنة فيما بعد.والجاحظ بالطبع لم يكن يؤمن او يعتقد بكل ما يكتب او يحرر من كتب ورسائل، فقد كان شخصا مذبذبا من الناحية العقائدية، وما كان يبغيه من كتاباته غالبا هو اثباته حقيقة وجود هذه التيارات العقائدية فحسب، واما مذهبه فقد كان معروفا كمعتزلي عثماني المذهب.

    وقد جاءت اكثر البحوث في مقالة «العثمانية» في الغالب في ذكر مناقب ابي بكر، واثبات افضليته على سائر الصحابة،ورده على بعض الانتقادات الموجهة اليه. فالجاحظ في هذا الكتاب قد توسع في الكلام حول مسالة تفضيل ابي بكر على الامام على(ع)، واعتبره اشجع وازهد من الامام على(ع)، وهناك فصول مهمة من الكتاب في الرد على انتقادات الشيعة لابي بكر، وفصول اخر في الرد على ادلة الشيعة في تفضيل الامام على(ع) او اثبات امامته.

    ونجد في هذه الرسالة انه نادرا ما يرد اسم عثمان، وحتى خلافة عمر لم تذكر الا بنحو يسير، وانما جاءت الرسالة اساسالتحدد رؤية المذهب العثماني من ابي بكر وخلافته ووضعها في مقابل راي الشيعة.

    بالطبع لم يكن راي الجاحظ في الامام على(ع) مطابقا لراي العثمانية، فهو قد كتب رسالته هذه في نفس الفترة التي قامت العثمانية - تحت لواء احمد بن حنبل - باصلاح عقائدها السالفة في الامام على(ع).

    والجاحظ، في الواقع، قد وضع حدا بين العثمانية والسفيانية، فنجده قد رفض - في رسالة اخرى له بعنوان «رسالة الحكمين وتصويب على بن ابي طالب في فعله» - آراء السفيانية في معاوية، ويظهر من اواخر هذه الرسالة ان الجاحظ كان مستاء من معاوية، وفي رسالة «فضل هاشم على عبد شمس» نراه ايضا يرفض تفضيل الامويين على الهاشميين((403)).

    وربما تكون الفرقة السفيانية هي بنفسها النابتة، والتي تضم لونا من العثمانيين المتعصبين، وتشير اليها الشيعة باسم الناصبة او المذهب الناصبي.

    والجاحظ في رسالة «النابتة»، وبعد ذكره للاحداث الواقعة من حين وفاة النبى(ص) وحتى زمن يزيد، وتاكيده على استحقاق يزيد للعن، قام ببيان عقائد النابتة في زمانه، فهو يقول: ان هؤلاء يقولون: ان سب ولاة الامر فتنة، وان لعن الظالم بدعة حتى لو كانوا ارتكبوا ظلما، كما يعتبر الجاحظ كفر النابتة اشنع من كفر يزيد، ويصرح بان النابتة هم من المجسمة الذين يشبهون اللّه بالبشر، وهذه عقيدة اهل الحديث في القرن الثاني والثالث الهجري.

    ونراه ايضا - باعتباره معتزلي الن -زعة - يشن هجوما قاسيا على عقيدة النابتة في الجبر والتشبيه، ومسالة قدم القرآن،ويصرح بانهم من اتباع احمد بن حنبل، ويرى ان هذا لم ياخذ عقيدة قدم القرآن من السلف، وانما هي من بنات افكاره الخاصة((404)) .

    ان هذه الرسالة تبرز مدى ما يمتلكه اهل الحديث من اعتقادات خلال هذه الفترة من الوجهة التاريخية والعقائدية.

    تدوين الردود وتاليف العقائديات في مطلع القرن الثالث، سعى زعماء المذاهب في بغداد - والذين كانوا في الغالب من اهل الحديث - الى وضع وتدوين الرسائل في حقل العقائد لتحديد الفروق فيما بينها، ولتمييز الصحيحة منها من الفاسدة.

    وقد ادى تدوين هذا اللون من الرسائل الى نوع من التجلي الذاتي للفرق، واذا اخذنا بنظر الاعتبار مسائل التكفيروالتفسيق -والتي كانت على نطاق واسع - حينئذ يمكن لاتباع اى فرقة ان يشكلوا مجتمعا مستقلا له عقائده وآدابه وتعاليمه الخاصة، وهذه المسالة قد ادت في كثير من المدن الى تقسيم محلات المدينة الواحدة على الفرق المختلفة، وقدكان لهذا الامر نظير في الماضي ايضا.

    ومن الضروري ان نعطي هنا توضيحا اكثر عن اهل الحديث، وهو التيار المذهبي السائد في بغداد.

    لقد كانت المرجعية لمحلية في القرن الثاني تشكل في الاساس اتجاهين مختلفين: الاول، اصحاب الحديث واكثرهم من اهل المدينة، الثاني، اصحاب الراي، وهم العراقيون في الاصل ثم صار لهم اتباع في بعض مدن ايران ايضا.

    والظاهر ان الاصطلاح الشائع فيما يقابل «اهل الحديث»، هو عبارة: «اهل الكلام» ((405)) او «اهل الراي»، ويمكن القول بان جميع المذاهب المخالفة لاهل الحديث تقريبا قد نشات في العراق وايران، ومع ذلك فان نفوذ اهل الحديث قد اتسع يومابعد آخر في العراق وايران ايضا، واستطاع شيئا فشيئا ان يصبح الممثل الرسمي لاهل السنة او التسنن في موازاة الفرق الاخر، هذا مع اننا قد نجد اعدادا هائلة من الناس الذين لم ينتسبوا الى المعتزلة او المرجئة او اصحاب الراي، الا انهم لم يتقبلوا عقائد اهل الحديث، وهؤلاء لم تكن لهم فرقة خاصة ايضا، بل كانوا جماعة متميزة من السنة.

    والجدير قوله ان كلمة «سني» قد بدا استعمالها في هذه الفترة، يعني منتصف القرن الثاني، ثم شاع استعمالها فيما بعد في القرنين الثالث والرابع، وقبل ذلك كان اطلاق لفظة «عثماني» على الاشخاص الذين يعتقدون بخلافة الخلفاء الثلاثة هوالشائع آنذاك.

    يمكن القول ان اهل الحديث قد ظهروا في البداية كفرقة واحدة لها اعتقاداتها الخاصة، ثم اصبحوا في القرن الثاني مجموعة من الفرق التي تختلف فيما بينها اختلافا يسيرا، حيث اطلق عليهم فيما بعد مذهب السنة.

    ان الافراد الذين احدثوا هذا التيار هم مجموعة من المحدثين، الذين عاشوا على الاغلب في بغداد في منتصف القرنين الهجريين الثاني والثالث، واهم هذه الشخصيات عبارة عن: عبداللّه بن مبارك (ت / 181هـ)، نعيم بن حماد المروزي (ت /228هـ)، اسحاق بن راهويه (ت / 238هـ)، عثمان بن سعيد الدارمي (ت / 280هـ)، واهمهم كان احمد بن حنبل (164- 241هـ).

    ان اكثر آثار هؤلاء كانت في الرد على مخالفيهم، وفي الواقع كان الصراع مع المخالفين قد عزز من شعورهم باستقلال فرقهم. واهم الاثار التي خلفها هؤلاء كانت في الرد على القدرية، الجهمية، المرجئة، والزنادقة. وكمثال على ذلك فقد كتب احمد ابن حنبل، والدارمي، وعبداللّه بن محمد الجعفي (ت /229هـ) رسائل في الرد على الجهمية، ومقصودهم من الجهمية هم المعتزلة والقدرية، او بتعبير آخر الاشخاص الذين ينكرون روايات التشبيه، فهم يسعون الى اثبات التن -زيه في حقه تعالى، وربما ابتلوا ايضا بالتعصب شيئا ما.

    لقد بدا تدوين الرسائل العقائدية في وقت كان فيه العمل على كتابة الردود متواصلا. فهم ومن اجل تبيين حدود العقائدالصحيحة قاموا بتاليف رسائلهم العقائدية، وغالبا ما تكون عناوين هذه الرسائل مشتملة على لفظة «السنة» والتي اشتق منها«اهل السنة» بنحو تدريجي.

    ان مصطلح «السنة» هو ما يوازي تماما «البدعة»، وفي رايهم جميع الفرق الاخر هم اهل بدعة. ونشير هنا الى عدد من الذين دونوا هذه الاثار، وهم: عبداللّه بن حنبل (ت / 290هـ)، ابو بكر احمد بن عمرو الشيباني (ت / 277هـ)، ابو علي حنبل بن اسحاق (ت / 273هـ)، ابو بكر احمد بن محمد الاشرم (ت / 273هـ)، ابو بكر بن ابي شيبة (ت / 225هـ)، ابن ابي عاصم (ت / 287هـ)، وابو منصور الاصفهاني ((406))، كذلك نسب ابن النديم كتبا لمحمد بن عمير الواقدي ايضا، منها:السنة والجماعة وذم الهوى وترك الخروج((407)) .

    واليك مواصفات بعض هذه الاثار:

    1 - عبداللّه بن احمد بن حنبل (ت / 290هـ)، وكتابه: السنة، مجلدان، تحقيق: محمد بن سعيد بن سالم القحطاني،الدمام، 1994.

    2 - البربهاري، ابو محمد حسن بن علي بن خلف (ت / 329هـ)، وكتابه: شرح السنة، تحقيق: ابو ياسر خالد بن قاسم،المدينة المنورة، مكتبة الغرباء الاثرية، 1993.

    3 - الخلال، ابو بكر احمد بن محمد بن هارون (ت / 311هـ)، وكتابه: السنة، خمسة مجلدات، تحقيق: عطية الزهراني،الرياض، دار الراية، 1994.

    4 - ابن ابي عاصم، ابو بكر عمرو بن ابي عاصم الضحاك الشيباني (ت / 287هـ)، وكتابه: السنة، مجلدان، تحقيق: محمدناصر الدين الالباني، بيروت، المكتب الاسلامي، 1993.

    5 - اللالكائي، ابو القاسم هبة اللّه بن الحسن بن منصور الطبري (ت / 418هـ)، وكتابه: شرح اصول اعتقاد اهل السنة والجماعة، تسعة مجلدات، تحقيق: احمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الرياض، دار طيبة، 1994.

    6 - ابن بطة، ابو عبداللّه عبيداللّه بن محمد بن بطة العكبري (ت / 387هـ)، وكتابه: الابانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، مجلدان، تحقيق رضا نعسان معطي، الرياض، دار الراية، 1994.

    7 - الطبري، محمد بن جرير (ت / 310هـ)، وكتابه: صريح السنة، تحقيق بدر ابن يوسف المعتوق، الكويت، دار الخلفاءللكتاب الاسلامي. وقد ذكر الذهبي نماذج عديدة من الاقوال والاراء المذهبية في الحقول المختلف عليها في كتابه «سيراعلام النبلاء» اثناء شرحه لاحوال علماء الحنابلة واهل الحديث في بغداد والمدن الاخر.

    وقد جمع جمال الدين بن احمد بن بشربادي اخيرا جل هذه الاقوال والتعابير في كتاب: الاثار الواردة عن ائمة السنة في ابواب الاعتقاد (مجلدان، الرياض، دار الوطن، 1416هـ).

    نواحي اختلاف الاراء اشرنا بان الاختلاف في الاراء كان بارزا في ثلاث نواح:


    الصفحة السابقة
    الصفحة التالية


    الاولى: في الناحية العقائدية، والتي تشمل البحوث المهمة في علم الكلام، مثل البحث عن صفات اللّه ومسالة الايمان والكفر.

    وفي هذا المضمار تم التركيز على احاديث خاصة، اهمها:

    حديث رؤية اللّه، وحديث جلوس النبي جنب اللّه على عرشه.

    وفي حقل الايمان والكفر كان الن - زاع بنحو اساسي مع ابي حنيفة. وقد وردت اقوال كثيرة عن السلف تنقض اقواله خصوصا في مسالة الزيادة والنقص في الايمان، حيث تم عرض شواهد من الاحاديث والاثار.

    الثانية: في الناحية الفقهية، فمن الطبيعي ان توجد هنا اختلافات جزئية كثيرة، الا ان بعضا منها فقط قد اصبح سمة مميزة لبعض الفرق عن غيرها، فلم يتم الاعتماد على مسالة خاصة في الرسائل الاعتقادية المتوفرة في هذا المضمار.

    الثالثة: في الناحية التاريخية، وهو عبارة عن خصوص اعتقاد الفرق فيما يخص الخلفاء والصحابة والتابعين، ففي هذاالمجال، يعتبر الاعتقاد بعدد من الخلفاء الاوائل اصلا اعتقاديا من الناحية العملية. فبالنسبة للصحابة، تعتبر مسالة الايمان بعدالتهم ووثاقتهم جميعا اصلا اعتقاديا ثابتا. وفيما يخص التابعين كذلك، نجد قضية تجاهل بعض الشخصيات التاريخية المرموقة كان بمثابة عقيدة ثابتة لبعض الفرق، كما في قضية انكار ابي حنيفة وتكفيره، فقد كانت بمثابة العقيدة الرسمية لاهل الحديث في القرن الثالث والتي كان لها حديثا خاصا في الكتب.

    كيفية الاعتقاد الصحيح بالخلفاء عند اهل الحديث لقد وقع الخلاف حول الخلفاء في المرحلة الاولى بين الشيعة وعامة المسلمين، فقد رفض الشيعة - خلافا لعامة المسلمين - خلافة الخلفاء الاوائل، ولو ان المعتزلة ايضا كان لديهم انتقادات للخلفاء، لكن ما هو مطروح هنا ليس هو مسالة الاعتراف بالخلفاء فحسب، بل جعل ما يشبه العصمة لهم، وعدم تحمل اي نقد لهم، فالطعن وتوجيه النقد للخلفاء يعتبر دليلاعلى الن -زعة الرافضية.

    وقد دار البحث حول الخلفاء من زوايا مختلفة تتضمن كيفية انتخاب الخليفة، بيعته، طاعته، وشروط الخلافة. هذا وفيماعدا هذه المطالب التي قد تعني كل خليفة، فان هناك ثمة اعتقاد خاص حول خلفاء العصر الاول، والذي يسميهم السنة بالراشدين، فالمسلم اذا كان سنيا وجب عليه ان يعترف بخلافة هؤلاء الثلاثة او الاربعة اشخاص والا فهو من اهل البدعة ويكون خارجا عن التسنن. وطبقا لهذه النظرة، فمن غير الممكن للسني ان يكون معتقدا بالقرآن والحديث فحسب، وهذاالتعبير يصدق على الشيعة ايضا باعتبار الائمة.

    ان مسالة عدد الخلفاء كانت هي الاخرى من مسائل الخلاف بين المسلمين. فعامة المسلمين - عدا الشيعة الامامية وبعض الزيدية - يعتقدون بالخليفتين الاول والثاني، لكن بعضا من السنة - في القرن الاول الهجري وحتى القرن الثاني -يرفض عثمان، وان كان هؤلاء الافراد قد اتهموا عند شرح احوالهم بالتشيع، غير انهم من الناحية الاصولية ينفصلون عن الشيعة تماما فيما يخص الفقه والعقائد.

    فكثير من اهل العراق - وعلى الاخص اهل الكوفة وواسط - قد رفضوا عثمان وشايعوا عليا بدلا منه، وقد يعتبرون علياافضل حتى من الخليفتين الاول والثاني، وفي المقابل نجد اهل الحديث والعثمانيي المذهب قد بالغوا في اعتقادهم بعثمان،ولم يسمحوا في الفصل بينه وبين الخليفتين. فبناء على هذا الاعتقاد، يجب على المسلم - بالنسبة لمسالة الخلافة - ان يكون معتقدا بالخلفاء الثلاثة: ابو بكر، وعمر وعثمان، وترتيبهم من حيث الافضلية كترتيبهم التاريخي تماما، فالاول افضل من الثاني والثاني افضل من الثالث وهؤلاء افضل الصحابة، وهذا الاتجاهـ من الناحية العقائدية - لا يتقبل الا هؤلاءالثلاثة، ولا يوجد موضع للخليفة الرابع.

    ان نظرة في كتاب «السنة» لابي بكر الخلال (ت / 311هـ) تبين نطاق الاصول الاعتقادية لاهل الحديث في مجال عددالخلفاء وما قيل فيهم من نظريات.

    لقد اوضح هذا الكتاب - اكثر من غيره من كتب السنة - عقيدة السنة فيما ينبغي ان نعرفه او نعتقد به حول الخلفاء، وامتدالبحث في هذا الموضوع الى الصفحة خمسمئة من هذا الكتاب او اكثر قليلا، وبعدها صار البحث حول مسالة الجبروالاختيار والايمان والكفر. لهذا السبب يمكن اعتبار هذا الاثر اثرا سياسيا اكثر منه اعتقاديا وكلاميا بالمعنى الاصطلاحي،حيث تتوافر فيه المادة الاولية لكثير من المسائل التي تخص السياسة الدينية من الزاوية الفقهية، وفي الواقع لقد تم في هذاالكتاب عرض النظرة التاريخية للمسلمين السنة لمسالة الخلافة.

    وقد عمد المؤلف - في كل جزء من الكتاب - الى نقل احاديث عن رسول اللّه (، واقولا مختلفة عن اكابر الصحابة والتابعين والسلف، تحدد ابعاد الاعتقاد الصحيح، وفيما يلي قسما من ابواب الكتاب: طاعة الامام وترك الخروج عليه، الائمة من قريش، اماراته ومباحثه، احكام الخارجين على الامام، البحوث الكلية للخلافة، خلافة ابي بكر وعمر وعثمان وعلى، بحث تقديم الخلفاء على احدهم الاخر، ذكر الروافض، ذكر الفتن من بني امية وغيرهم.

    وما نحن بصدده ليس هو البحوث السياسية بنحو عام، وانما هو مسالة اعتقاد اهل الحديث بالخلفاء الاوائل، وبخاصة نظرتهم الى مكانة الامام على بن ابي طالب(ع).

    عقيدة اهل الحديث في الخلفاء ان افضل الخلفاء والصحابة بعد الرسول اللّه(ص)، من وجهة نظر اهل الحديث، هم: ابو بكر وعمر، وقد جاء هذا الاعتقادطبقا لمنظارهم السياسي، باعتبارهما توليا الخلافة في عهد كان المسلمون مجتمعين فيه، ينعمون بالوحدة والاستقرار، اوبتعبير آخر لم يواجهوا حالة من الاختلاف والفرقة. اما فيما يخص الخليفة الثالث، فان انعقاد خلافتهـ في راي اهل الحديث - كان باجماع من الامة، وليس هناك شك او ترديد في هذا الموضوع((408))، وقد ظهر الخلاف في النصف الثاني من خلافته على نحو تدريجي ادى في نهاية المطاف الى الثورة عليه ومقتله، ومع ذلك كانت النظرة السياسية لاهل الحديث لهذه الثورة نظرة سلبية تماما، وهو عندهم لونا من الخروج والعصيان النادر، والذي قد ينطبق عليه عنوان الخروج على الامام.

    ان تحليل اهل الحديث لهذه الاوضاع، هو بعينه دفاع عن شرعية خلافة عثمان، حيث عبروا عما حدث بعدها:

    «جاءالاختلاف والبدع وصار الناس احزابا وصاروا فرقا»((409))، ولم يثبت بعدها على الحق الا القليل. وطبقا لمنظار اهل الحديث، فان مصطلح «الجماعة» قد ظهر في زمن معاوية وما بعده، ويعني الاستقرار على الحق اي الدولة الاموية، فبناءعلى هذا كان عهد الامام على(ع) عهد اختلاف وفرقة، ولم يكن تحليل اهل الحديث لخروج طلحة والزبير وعائشة على الامام على(ع) - والذي كان دفاعا عن عثمان ايضا - امرا سهلا، فنرى اهل الحديث وعلى مدى تاريخ عدائهم للامام على(ع)، اقصى ما يستدلون به هو ذهاب دم طلحة والزبير سدى في حالة الاعتراف بشرعية خلافة الامام.

    فالرؤية العثمانية لا يمكن ان ترضى بهذا الامر مطلقا، ولهذا السبب نراهم قد التزموا الصمت حيال حرب الامام على(ع) مع هذه الطائفة ((410)).

    واستشهد الامام على(ع) في عام اربعين للهجرة، وخسرت الشيعة، وحكم الامويون بعدها تسعين عاما، جعلوا فيهاالمذهب العثماني هو المذهب السائد في دنيا الاسلام، هذا المذهب الذي لم يعط بالمرة مكانة للامام على(ع)، بل حاول بصعوبة تثبيت عثمان، حيث اهملوا تماما ثورة اهل المدينة على عثمان وقتله، او رفض اهل العراق عثمان في زمن حكومة الامام على(ع)، وانما اعتبروا مثل هذه الامور بدعة في مقابل السنة.

    في مثل هذه الظروف نشا اعتقاد اهل الحديث بالخلفاء، وكان اساسه النظرة العثمانية، وصار منذ تمرد معاوية على الامام على(ع) وما بعدها عقيدة ثابتة لدرجة ان العباسيين لم يستطيعوا تغييرها بشكل كبير، ربما لشعورهم بان تغيير هذه العقيدة ليس من صالحهم، خصوصا بعد اصطدامهم مع العلويين في عهد المنصور وما بعده، فقد اصر المامون على رفض عثمان -طبعا ليس علنا - وتثبيت موقع الامام على(ع)، وموقفه هذا انما اتخذه في فترة تشدده على اهل الحديث، وادى الى ايجادموجة من الخلاف ضده، وقد عادت العقيدة العثمانية الى وضعها السابق بعد المعتصم (ت / 227هـ) مباشرة وغلبة اهل الحديث.

    لقد كان واضحا ان العثمانيين او السنة الجدد لم يكونوا الجماعة الوحيدة التي كانت تعيش في بغداد او العراق او سائر مدن ايران والشام ومصر، انما كان الى جنبها المعتزلة، والمرجئة او اصحاب ابي حنيفة، وايضا الشيعة وهم بدورهم يشكلون مجتمعا كبيرا.

    ان الحجر الاساس في نشوء عقائد اهل السنة انما هو تيار اهل الحديث الذي اتجهـ في بداية العقد الثالث من القرن الثالث وما بعدهـ بهدوء نحو الاصلاح ليتمكن من الوقوف بسهولة امام المخالفين، ومن اهم فصول هذا الاصلاح هو القبول بالامام على باعتباره الخليفة الرابع، وهذا يعني تغيير عقيدة اهل الحديث حول الخلافة والشخص الذي رصدوا له العداءبالامس - لدرجة يمكن معها القول ان العقيدة العثمانية قد نشات في تضاد معهـ قد اصبح اليوم خليفة في عقيدة اهل الحديث، تماما كما في عصرنا الحالي، حيث نرى الخوارج في عمان وشمال الجزائر يقدسون الامام عليا(ع)، وينكرون ماكانوا يعتقدونه في الماضي، والذي كان مبنيا اساسا على العداء للامام على(ع).

    «السنة» لابي بكر الخلال والعقيدة الصحيحة في الخلافة ان المطالب التي ذكرها الخلال في الفصول المتعلقة بالخلافة، كانت عبارة عن نصوص طويلة وقصيرة نقلها عدد من الافراد بشكل روايات عن النبي الاكرم (، او اقوال صادرة عن الصحابة والتابعين، والتي ايا منها كان يثير مسالة خاصة،واكثر روايات هذا الباب هي بلا شك من صنع العهد المتاخر، ونذكر هنا بالترتيب مقتطفات من هذه الاخبار، والتي يمثل كل منها زاوية من العقيدة الصحيحة لاهل الحديث، فيما يتعلق بخلافة الخلفاء الاوائل.

    الخبر الاول: رواية يوم الخميس، اي خبر طلب رسول اللّه (ص)اتيانه بالكتف والدواة، ورفضهم الطلب واتهامهم النبي بالهجر. وهذه الرواية هي رواية صحيحة من دون ترديد طبقا لما صرح به المصحح في الهامش (ص 271) .((411)) وفي خبر آخر: انكار عائشة لمسالة نص النبى(ص)على الخلافة، اذ تقول: لو كان مستخلفا احدا لاستخلف ابا بكر او عمر(ص 272).

    وفي خبر آخر: جاء عن الامام على(ع) قوله: وجدنا النبى(ص)قدم ابا بكر في الصلاة فقدمنا ابا بكر (ص 274)، وهذاالخبر واضح البطلان ومختلق، ومواقف الامام على(ع) في مطلع خلافة ابي بكر خير شاهد على بطلانه.

    وفي خبر آخر: جاء عن ابن ابي حازم انه كان يقول: رايت عمر في آخر ايام خلافة ابي بكر بيده عصا وهو يجلس الناس ويقول:

    «اسمعوا لقول خليفة رسو اللّه(ص)، وكان هذا وصية ابي بكر لعمر بالخلافة من بعده (ص 277).

    بعدها تحدث عن شورى عمر ونصوص حول فضائل ابي عبيدة بن الجراح، حيث قال عمر: «من استخلف؟ لو كان ابوعبيدة بن الجراح...» (ص 279). كما تحدث عن كعب الاحبار الذي اشاع بان معاوية سيلي الخلافة (ص 281). وربما نجدهذا المطلب مذكورا بعنوانه في الكتب القديمة.

    وقد تم نقل عبارات كثيرة على لسان الامام على(ع) في الثناء على الخليفتين الاول والثاني، لابعاد اى شائبة اختلاف فيمابينهم، فقد نقل عنه قوله: «خير هذه الامة ابو بكر ثم عمر» (ص 289، 293)، وهذا يعني عقيدة اهل الحديث ليس الا.

    وقال محارب بن دثار: بغض ابي بكر وعمر نفاق (ص 290). وهذا القول هو مضمون رواية النبى(ص)في الامام على(ع)وهي متواترة، وقد جاءت هنا معكوسة، وكذا قال محمد بن الحنفية:

    خير الامة ابو بكر وعمر، وعندما سئل عن ابيه، قال:«رجل من المسلمين» (ص 291).

    واورد ايضا رواية مفصلة عن عبداللّه بن عمر حول موت ابيه، ومن يتولى الخلافة من بعده (ص 294 - 297).

    وفي مستهل الجزء الثاني من الكتاب، تم ايضا عرض اخبار حول خلافة ابي بكر، ففي اول عبارة اعتبر تعيين ابي بكرللصلاة في حياة النبى(ص)بمثابة تعيينه للخلافة (ص 301 - 302)، وقد جاءت عدة اقوال في هذا الصدد على لسان انصاره وجميعهم في موضع اتهام، واحيانا - لاجل اثبات صحة هذه الاقوال - ياتون بنصوص على لسان الامام على(ع) -والذي قطعا لم يبايع ابا بكر حتى وفاة السيدة فاطمة ( - تتضمن الثناء على ابي بكر وعمر، وجعلهم في رتبة المعصومين،وهي كثيرة منها: «ابو بكر وعمر خير اهل السماء وخير اهل الارض وخير الاولين وخير الاخرين الا النبيين والمرسلين»(ص 307).

    وقد اضاف فصلا في خلافة عمر طغى فيه الثناء والمدح لعمر (ص 311 وبعدها)، كما اورد بعده فصلا في خلافة عثمان(ص 319)، وهنا ايضا نقل فضائل لعثمان، ونص يؤكد بان خلافة عثمان قد تمت باجماع من الامة (ص 320)، وقد اوردكذلك اعتراضا على شخص كان يفضل عليا على عثمان، بانه لم تكن هناك بيعة اصح ولا اوثق من بيعة عثمان (ص 321)،لماذا؟ لانها كانت بمشورة ستة من اهل بدر (ص 322).

    وحول طلب الثوار منه ان يخلع نفسه، جاءوا بنص ان الخلافة رداء اللّه كساه اياه، ولا يجوز له خلعه (ص 321، 329).وطبعا - وبسبب شكوك شيعة اهل الكوفة في خلافة عثمان - سعى اهل الحديث في رواية فضائل اكثر لعثمان، والاهم من ذلك، ولاجل الانكار على ثورة الناس عليه حاولوا خلق تبريرات لذلك، منها:

    ان قتل عثمان هو اول «فتنة»، وان آخر فتنة هي فتنة المسيح (ص 335).

    الى هنا، فان عقيدة اهل السنة في صحة الخلافة كانت امرا مفروغا منه، وقد جاء وصفها في بعض الاخبار من هذا الكتاب بعبارة «خلافة النبوة» (ص 284، 334) .((412)) اهل الحديث وترتيب تفضيل الخلفاء لقد مر علينا سابقا ان خلافة الامام(ع) لم يعترف بها رسميا عند المذهب العثماني وهم السلف من اهل الحديث، وتعودخلفية ذلك الى دور الامويين في نشاة وظهور مذهب العثمانية، الذي كان منتشرا في البصرة والشام، بينما كان محاربا في الكوفة، اما اهل المدينة فكانوا على الحياد منه، وفي سائر البلدان مثل مدن ايران فنجد ايضا - وعلى مقولة : الحق لمن غلب - شيوع هذه العقيدة على امتداد العصر الاموي.

    وهناك شواهد كثيرة تؤكد ان اهل الحديث - في مجال اصل عقيدتهم حول الخلافة - كانوا يقولون: انه يكفي الاعتقادبصحة خلافة الخلفاء الثلاثة الاوائل، في حين نرى شيعة الكوفة والذين اكثرهم لم يكونوا شيعة امامية او زيدية، وانما هم - من وجهة نظر اهل الحديث العثمانيي المذهب - شيعة، لانهم كانوا يقدمون الامام عليا) على عثمان، وفي الوقت ذاته نراهم في القرن الثاني يعترفون بالخلفاء الاربعة، وكانوا يقدمون عليا في الرتبة على عثمان.

    اما اصحاب الحديث في البصرة فقد اصلحوا من امرهم قليلا في اواخر القرن الثاني، فاعترفوا بالخلفاء الاربعة، واما اهل بغداد فلم يرضوا - في ذروة تعصبهم - الا بالخلفاء الثلاثة.

    وقد جاء هذا التقسيم في كتاب (مسائل الامامة) الذي تم تدوينه في القرن الثالث كالتالي: اهل الحديث في الكوفة نظيروكيع بن الجراح، وفضل بن دكين هكذا يتصورون: «ان افضل الناس بعد النبي (ص)ابو بكر، ثم عمر، ثم على، ثم عثمان يقدمون عليا على عثمان، وهذا تشيع اصحاب الحديث من الكوفيين ويثبتون امامة على». وفي مقابل هذه الرؤية، كانت عقيدة اصحاب الحديث البصريين وهي «افضل الامة بعد النبى(ص)ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على، ثم يسوون بين بقية الشورى». هذا في الوقت الذي ينكر فيه مشايخ اهل الحديث في بغداد اساسا خلافة الامام على(ع): «واما مشايخ اصحاب الحديث من البغداديين فانهم لا يثبتون امامة على، منهم: ابن معين وابو خيثمة واحمد بن حنبل، فكانوا يحذفون عليا من الامامة، ويزعمون ان ولايته كانت فتنة!» ((413)).

    وقد جاء في كتاب السنة للخلال عنوانا في هذا الموضوع هو:

    «السنة في التفضيل»، اي ما هو الاعتقاد الصحيح في تفضيل الخلفاء بعضهم على بعض. ولدينا هنا شواهد كثيرة تدل على ان اهل الحديث الاوائل - وهم سلف التيار السني في دنياالاسلام - كانوا حتى اوائل القرن الثاني واحيانا اواسطه ينكرون خلافة الامام على(ع).

    وقد اورد الخلال في هذا الفصل اخبارا منقولة كثيرة تفتقد الى الترتيب المنطقي، لكنها تمثل - على اية حال - الرؤية العقائدية لاهل الحديث في مسالة التفضيل بين الخلفاء.

    ففي الخبر الاول: سال صالح بن احمد بن حنبل اباه، عمن لا يفضل ابا بكر وعمر على غيرهما؟ قال: السنة عندنا في التفضيل ما قال ابن عمر: كنا نعد ورسو اللّه(ص) حي: ابو بكر وعمر وعثمان ونسكت (ص 371).

    ويظهر من الخبر الاخر: ان عقيدة الكوفيين كانت على خلاف ذلك، لانهم كانوا يعتقدون بالامام على(ع)، واما اهل المدينة فكانوا لا يفضلون احدا على احد (ص 371).

    وفي باب التفضيل، يوجد اشخاص لا يبدون رايهم الا في ابي بكر وعمر ويسكتوا، واحمد بن حنبل كان يرى ذلك ليس من تمام عقيدة السنة، اي انه يجب اضافة اسماء الاخرين (ص 372)، واحمد كان يعتقد اذا توقف احد بعد هذين فهو ليس من اهل السنة (ص 373).

    وكان يحيى بن سعيد القطان، وهو من التابعين البارزين من اتباع سفيان الثوري يتوقف بعد اسم عمر، وقد احتج عليه بان مذهب اهل البصرة ليس كذلك (ص 372 و373) ((414)).

    ونجد سفيان بن عيينة ايضا في اعتقاداته لا يذكر سوى ابو بكر وعمر ((415)).

    والشافعي الذي كان متهما بالتشيع، كان رايه في ترتيب التفضيل في القرن الثاني - حيث لا يزال اهل الحديث يرفضون الامام عليا(ع) - ان ترتيب الخلافة من ابي بكر الى ((416))، وهناك الكثير من عامة المسلمين الذين لم على(ع) ينضمواالى طائفة اهل الحديث، لكننا نجدهم ومنذ القرن الاول والثاني يضعون عليا في عداد الثلاثة الاخرين.

    ان عقيدة الكوفيين كانت العقبة الكؤود في طريق الن -زعة الفكرية لاهل الحديث، حيث ان الكوفيين لا يرضون بعلى فحسب، بل يفضلونه على عثمان ايضا، والشيعة الامامية الاثني عشرية منهم يفضلونه حتى على ابي بكر((417))، وهذا مادفع ابا بكر الخلال الى ان يضيف عنونا آخر هو «الانكار على من قدم عليا على ابي بكر ومن بعده» ((418)).

    واول خبر كان عن ابن حنبل، حيث يقول: «من قدم عليا على ابي بكر فقد طعن على الرسول اللّه(ص)، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسواللّه(ص)وعلى ابي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على ابي بكر وعلى عمر وعلى اهل الشورى وعلى المهاجرين والانصار» (ص 374).

    وقال سفيان الثوري: «من قدم عليا على ابي بكر وعمر فقد ازرى على اثني عشر الفا من اصحاب الرسول اللّه(ص)» (ص 375).

    وربما ولمواجهة هذا التصور - والذي هو مذكور في الكتب الحديثية لاهل الحديث بنحو موفور - قد جاءوا بهذا الخبرعن الامام على(ع)، وادعوا قوله: «ابو بكر وعمر افضل الناس»((419)) .

    وقال احمد بن حنبل: «من زعم ان عليا افضل من ابي بكر فهو رجل سوء لا نخالطه ولا نجالسه» (ص 377).

    وميمون بن مهران ايضا، قد غضب على شخص كان يقدم عليا على الشيخين، وقال: «الشيخان راس الاسلام وراس الجماعة» (ص 379).

    وكان عنوان الباب التالي في كتاب الخلال، هو «الانكار على من قدم عليا على عثمان»، وقد وصف ابن حنبل صاحب هذاالاعتقاد بانه رجل سوء ايضا (ص 378)، وقد سئل احمد بن حنبل عمن يقدم عليا على عثمان هو عندك مبتدع؟ قال:

    هذااهل ان يبدع. اصحاب رسول اللّه (ص)قدموا عثمان بالتفضيل (ص 380).

    ثم قام الخلال بنقل ادلة تقديم عثمان على الامام على(ع)، وفي هذا المجال اورد عبارات عن ابن مسعود، وعبداللّه بن عمر. اما الخبر المنقول عن عبداللّه بن عمر فهو بدون شك كذب محض، وقد استندوا اليه كثيرا، وهو: «كنا في زمن النبى(ص)لا نعدل بابي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نترك فلا نفاضل بينهم». (ص 384، 396، 398، 399) ((420)).

    وكان يزيد بن هارون يقول: لا فرق لدينا اذا قدمنا عليا على عثمان او بالعكس، وقال ابن حنبل في هذا الصدد: لا اعلم اذاكان يزيد بن هارون على هذه العقيدة او لا، واما «عامة اهل واسطي تشيعون» (ص 394)، اي كانوا يفضلون عليا على عثمان، وفي خبر آخر جاء عن احمد: «اهل الكوفة كلهم يفضلون [عليا على عثمان رضي اللّه عنه وعلى جميع الصحابة]»(ص 395)، وقال هو ايضا: لو وجدت بين اهل الكوفة سنيا فانه معروف قطعا: «كان يفوق الناس» (ص 395)، لان اهل الكوفة جميعا يقدمون عليا على عثمان، وحتى على سائر الصحابة، فاذا كان هناك مخالف كان معروفا، وفي خبر آخرجاءت عبارة «كوفي سني» بدل عبارة «كوفي عاقل متدين»، وانه «قد فاق الناس» وهو في رايه من اصحاب القرآن(ص 396)، وعلى هذا ففي راي احمد بن حنبل ان السني الواقعي هو من لا يقدم عليا باي حال من الاحوال على الخلفاءوحتى على عثمان.

    لقد كان اساس التسنن هو انكار خلافة الامام على(ع)، وقد وضع ابو بكر الخلال بابا تحت هذا العنوان واتى باخباركثيرة، فقد نقل عن ابن عمر قوله: «كنا نعد ورسول اللّه (ص)حي فنقول: ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت» (ص 396)،وهذا الحديث يعتبر حديثا صحيحا عند اهل الحديث، وهو عندهم اساس الاعتقاد الصحيح للسني، وهم دائما يستشهدوابه، فهذا احمد بن حنبل نفسه يقول: «نحن نقول: ابو بكر وعمر وعثمان ونسكت على حديث ابن عمر». (ص 397).

    ان احمد بن حنبل - وخلافا لسائر اهل الحديث - كان يضيف اسم الامام على(ع) الى اسماء الخلفاء الثلاثة الاوائل، وان كان يصرح بان من يعترف بالخلفاء الثلاثة فلا شائبة في سنيته، وعندما سالوه عن التفضيل قال: «السنة هي ان ابا بكر،وعمر، وعثمان، وعليا من الخلفاء، وان نفضلهم على الاخرين».

    وجاء في خبر آخر انه ساله سائل: هل ان الاعتقاد بهذا الترتيب، ابو بكر، عمر، علي وعثمان صحيحا ام لا؟ قال: اني لست مسرورا بهذا. قال السائل: يقولون: من كان يعتقد هكذا فهو مبتدع. قال احمد: هذه البدعة ليست شيئا، قال السائل: اذاقالوا: ابو بكر، عمر، وعلي، وسكتوا. قال احمد: لست مسرورا بهذا القول، قال السائل: هل من يعتقد بذلك مبتدع؟ قال احمد: لست مسرورا بهذه النسبة ايضا. واضاف احمد: كان البعض من الصحابة يقدم عثمان. فهذا ابن مسعود كان يقول في عثمان: «خير من بقي».

    [قالها عند وصول خبر بيعة عثمان الى الكوفة (ص 391) .] وعائشة كانت تقول ايضا: «اصبح عثمان خيرا من على» (ص 378 و379)، مع علمنا بما كان ينسب الى هذين من الاقوال في ذم عثمان، ولو ان عائشة بعد مقتل عثمان قد ابدت ندمها على ما قالت.

    ان هذا الخبر يثبت ان احمد لم يكن متشددا كثيرا في الترتيب بعد الشيخين. تجدر الاشارة الى ان هناك اخبارا على خلاف ذلك، سوف نشير اليها فيما بعد، وفي الوقت نفسه سنرى ان احمد كان يسعى جهده لاضافة اسم على الى لائحة الخلفاء، والسني الواقعي في رايه هو من يعتقد بتفضيل هؤلاء الاربعة حسب ترتيبهم. والغريب في احمد انه مع هذا كان ايضا لا يرى غبارا في حذف اسم الامام على(ع).

    قال هارون الديك: سمعت احمد يقول: من قال: ابو بكر وعمر وعثمان فهو صاحب سنة ومن قال: ابو بكر وعمر وعلى وعثمان فهو رافضي، او قال: مبتدع (ص 381).

    لقد كان احمد بن حنبل - قبل شهرته وشيوع اسمهـ يروج لعقيدة اهل الحديث السالفة التي تقول: يكفي الاعتقاد الخلفاءالثلاثة، وبهذا كان يؤمن حتى آخر عمره بان من كانت هذه عقيدته فهو يكفيه، لكنه لا باس لو اضفنا اليهم ايضا اسم الامام على(ع)، ولهذا السبب يمكن احيانا ان تنقل عنه اقوال تبدو متناقضة فيما بينها، فمثلا كان يحيى بن معين يعتبر الاعتقادباولئك الثلاثة يكفي، وربما ليس لديه ضرورة اعتقادية لاضافة اسم الامام على(ع)، وقد قيل له: ان احمد بن حنبل يقول:من قال: ابو بكر وعمر وعثمان وعلى لم اعنفه، فقال يحيى: خلوت باحمد فسالته ما تقول؟ فقال: «اقول: ابو بكر وعمروعثمان لا اقول: على» (ص 397) ((421)).

    وبعدها مباشرة نقل الخلال عن يحيى قوله: «انا اقول ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» (ص 398، 404)، والعجيب ما جاء في كتاب آخر عن يحيى بن معين قوله: «خير الامة بعد نبيها ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على، هذا قولنا ومذهبنا»، وقد اكدالراوي سماعه هذا القول منه مرارا ((422)).

    كان سليمان بن حرب يقول: بعد وفاة رسول اللّه (ص)كان افضل الناس ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ونحن نسكت بعدهؤلاء الثلاثة (ص 402)، اما يزيد بن زريع فكان يقول ايضا: «خير هذه الامة بعد رسول اللّه (ص)ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نقف» (ص 403).

    وكذا موسى بن اسماعيل التنبوذكي كان يقول: هكذا تعلمنا - يعني ترتيب الخلفاء الثلاثة - ونبتت عليه لحومنا وادركناالناس عليه:

    «تقديم ابي بكر وعمر وعثمان ثم السكوت». (ص 403).

    وكان بشر بن الحارث يقول عن التفضيل: «ابو بكر، عمر وعثمان» (ص 403). وقال ايوب السختياني: دخلت المدينة والناس متوافرون القاسم بن محمد وغيره، فما رايت احدا يختلف في تقديم ابي بكر وعمر وعثمان (ص 403).

    وقد كتب قتيبة بن سعيد (ت / 240هـ) - احد ائمة اهل الحديث - في رسالته العقائدية الموجزة: «وافضل هذه الامة بعدنبيها ابو بكر، ثم عمر، ثم عثمان والكف عن مساوئ اصحاب محمد...» . ((423)) وبالنظر لتاريخ وفاته، يمكن القول: انه لم يتاثر بمقالة احمد بن حنبل، بل مضى على النهج القديم لاصحاب الحديث.






    [/align]





  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي مذاهب اهل السنة والجماعة، دور احمد بن حنبل في الاصلاح و التغيير..الشيخ رسول جعفريان

    [align=justify]

    احمد بن حنبل وعقيدة التربيع

    نحاول هنا ان نوضح دور احمد بن حنبل في مسالة «التربيع».

    ومن المفيد ان نذكر بدوره البارز في نشاة وتكوين مذهب اهل السنة، وقد اضطلع بهذا الدور لما له من نفوذ واسع في اوساط اهل الحديث، فنراه قد قاوم المامون بعزم في مسالة القرآن، ولم يتراجع عن عقيدته ويعترف بخلق القرآن، حتى مع اصرار الخليفة المعتزلي، ولاجل هذه القضية صارت له مكانة مرموقة بعده عند المتوكل.

    وفي عهد المتوكل الذي قرب اهل الحديث، صار لاحمد بن حنبل - والذي كان يعد رئيسهم - سلطة واسعة، مع ان احمدبن حنبل قد عرف من القرن الخامس والسادس وما بعده كفقيه، واصبح ينسب اليه المذهب الحنبلي، لكنه قبل ذلك في القرن الثلاث الى الخامس كان معروفا كزعيم مذهب، حيث كان يرجع اليه الحنابلة في المسائل العقائدية المختلفة.

    وفي اكثر كتب السنة التي تم تدوينها في القرن الثالث وما بعده كانوا يرجعون في اكثر الابواب الى كلام احمد بن حنبل،ويعتبرون قوله القول الفصل في البحوث المختلف عليها، وقد تم وضع فهرسا في نظرياته الموجودة في آثار عديدة من بينها كتاب السنة لابنه عبداللّه، ثم جمعت في كتاب اختص قسم منه بالخلافة((424)) .

    وقد اكد الخلال في مواضع عديدة من كتابه، على لسانه او لسان الاخرين، على ضرورة اتباع احمد في المسائل العقائدية.وقد جاء في رسالة تتضمن ردا على احد علماء ترمذ، وقد ذكرت في هذا الكتاب، وفي الواقع هي رد عليه لانكاره حديث جلوس النبي على العرش الى جنب اللّه، اذ كان لا ينفك من تكرار هذا القول لمرات عديدة: «اعاذنا اللّه واياكم من مضلات الفتن، وسلمنا واياكم من الاهواء المضلة بمنه وقدرته، وثبتنا واياكما على السنة والجماعة واتباع الشيخ ابي عبداللّه رحمة اللّه عليه ورضوانه» (ص 227).

    وقد ورد هنا وجوب اتباع احمد بن حنبل مباشرة بعد وجوب الثبات على مذهب السنة والجماعة، وقال بعد عدة صفحات من كلام علي بن داود القنطري: «اما بعد، فعليكم بالتمسك بهدي ابي عبداللّه احمد بن حنبل رضي اللّه عنه فانه امام المتقين لمن بعده» (ص 234).

    وجاء ايضا في نهاية هذه الرسالة: «اسال اللّه ان يمن علينا وعليكم بلزوم السنة، والاقتداء بالسلف الصالح ابي عبداللّهرضي اللّه عنه، فانه اوضح الامور المحدثات ما هو كفاية لمن اقتدى به» (ص 236).

    وجاء تكرار مثل هذه العبارات في مواضع اخر (ص 243).

    وفي نهاية البحث عن حديث الجلوس الذي ورد في ذيل الاية (عسى اءن يبعثك ربك مقاما محمودا). قال اءبو الفضل عباس الدوري: «ونحن نقول في هذه الاحاديث ما قاله اءحمد بن حنبل متبعين له ولاثاره في ذلك» (ص 258).

    ان هذه التاكيدات تظهر مدى تاثير احمد بن حنبل في نشاة عقائد اهل الحديث. وما يلفت النظر ان محمد بن جريرالطبري - والذي لا يعتبر احمد فقيها - قد استشهد في مواضع متعددة من رسالته صريح السنة - والتي هي رسالته العقائدية - باقوال احمد بن حنبل، ويقول احيانا بعد نقله لكلام احمد بن حنبل: «هذا الكلام يكفينا، وفي الوقت نفسه هوينكر حديث جلوس النبي، ولهذا تعرض بشدة لهجوم الحنابلة المتعصبين في بغداد» . ((425)) ان القسم المهم من هذا التاثير يختص باصلاح راي اهل الحديث في الامام على(ع)، ان اهل الحديث الذين هم استمرارلتيار العثمانية كانوا يكنون العداء للامام على(ع)، فهم لا يعتبرونه خليفة، ولا يرون له اية مزية تميزه عن سائر الصحابة،وكما ذكر ابن قتيبة ان اهل الحديث وبسبب حقدهم على الروافض، فقد انكروا ايضا اشهر فضائله كحديث الغديروالمن -زلة ((426)).

    ان احمد بن حنبل قد حطم هذا الطوق، فنجده قد نقل في مسنده او آثاره الاخر روايات كثيرة في فضائل الامام على(ع)،وقد تحدث في كتابه فضائل الصحابة((427)) - مطبوع في مجلدين - حول فضائل واخبار الصحابة وبدا با لترتيب من ابي بكر (ص 65 - 243)، وبعده تحدث عن عمر (ص 244 - 502)، ثم عن عثمان (ص 503 - 527)، ثم عن فضائل اميرالمومنين(ع)ص 528 - 727)، وبعدها الى ص 990 تحدث ايضا عن عدد آخر من الصحابة.

    ان تخصيصه لما يقارب من مئتي صفحة ((428)) لفضائل الامام على(ع) في هذا الكتاب وجميع الروايات جاء نقلها عن طريق احمد بن حنبل يثبت الى اي مدى ذهب في كسر طوق اهل الحديث العثمانيي المذهب.

    وجاء في هذه المئتي صفحة كثير من المسائل المتعلقة بحياة الامام وفضائله التي من جملتها: حديث الغدير (ص 569)،المن -زلة، سدوا الابواب (ص 582)، الثقلين، نزول آية التطهير في اهل البيت (ص)(588)، اول من اسلم (ص 590)،المؤاخاة (ص 598) واكثر فضائله ومناقبه.

    وقد ينقل احمد فضائل لامير المؤمنين قد تكون مثارا للدهشة احيانا ((429)).

    ان مسالة نقل مناقب الامام على(ع) قد توسعت بمرور الزمن بين اهل الحديث، ونظرة الى كتاب السنة لابن ابي عاصم تظهر مدى اتساع هذه الظاهرة في كتب اهل الحديث. فقد ذكرت كثير من فضائل الامام على(ع) البارزة في هذا الكتاب،والتي من جملتها حديث الغدير، وقد افرد اللالكائي فصلا خاصا لروايات فضائل الامام على(ع) ((430))، ومنها حديث جابر بن عبداللّه حيث قال: «ما كنا نعرف منافقينا معشر الانصار الا ببغضهم على بن ابي طالب» ((431)).

    قد راينا حتى الان ان اهل الحديث كانوا يصرون على ان الاعتقاد بالخلفاء الثلاثة هو كاف للسني الواقعي في حصيلة اعتقاداته، لذا كانت جهود احمد بن حنبل منصبة في اتجاه جعله مسالة تربيع الخلافة بالامام على(ع) امر لا ضير فيه.

    يقول عبداللّه بن احمد بن حنبل: سمعت من ابي انه قال في مسالة التفضيل: «ابو بكر، عمر وعثمان»، ثم اضاف: «ولا نعيب من ربع بعلى لقرابته وصهره واسلامه القديم وعدله»((432)) (ص 404).

    وقد نقل جماعة من الافراد عن احمد انه قال في مسالة التفضيل: ابو بكر، عمر وعثمان، ولا عيب على من اضاف على[بن ابي طالب) ]ص 406).

    وقال في خبر آخر: «ارجو ان لا يكون به باس» (ص 406).

    واكد احمد في نص آخر: ان كلا التعبيرين كان صحيحا، اي اذا قلنا ابو بكر، عمر وعثمان وسكتنا، او نضيف اليهم عليا،واما المخطئ فهو الذي يقدم عليا على عثمان (ص 407).

    ويبدو ان احمد كان يراعي اهل الحديث، وكان يخشى ان يثير اصراره على عقيدة التربيع غضب الاخرين ووقوفهم ضده،ويمكن اثبات هذا المدعى من بعض النصوص المنقولة، حيث كان يسعى بجد الى نقل فضائل امير المومنين(ع)، فقد جاءفي احد النصوص ان شخصا ساله: ماذا عمن قال: ابو بكر، عمر، عثمان وعلى، في رايك ليس بسني؟ قال احمد: هو سني،لماذا، لانه جاء عن على من الفضائل ما تقشعر منه الجلود، مثل: «انت مني بمن -زلة هارون من موسى» (ص 407).

    وقال هارون بن سفيان: قلت لاحمد: هل صحيح اذا قال احد:

    ابو بكر وعمر وعثمان؟ قال: هذه مقولة عبداللّه بن عمر،ونحن نقبلها. قلت: كيف اذا قال: ابو بكر وعمر وعثمان وعلى؟ قال:

    صاحب سنة، قلت: اذا قال: ابو بكر وعمر؟ قال: هذاقول سفيان الثوري وشعبة ومالك بن انس. قلت: اذا قال: ابو بكر وعمر وعلى؟ قال: هذا الان شديد (ص 408).

    ويمكن ادراك حال احمد بن حنبل وما كان يحذره من السنة العثمانيي المذهب من النص الاتي: قد سئل احمد في مدينة حمص المعروفة بعثمانيتها عن مسالة التفضيل فكان رايه ان العقيدة الصحيحة هي الاعتقاد بالثلاثة الاوائل فقط، وعندماسالوا يحيى بن معين عن قول احمد هذا قال: «صدق ابو عبداللّه، هو مذهبي» (ص 408).

    هذا وفي الوقت نفسه نراه قد اظهر اعتقاده الصريح في مواضع اخر، فهذا حامد ابن يحيى البلخي كان يقول: «كان احمد بن حنبل يذهب في التفضيل: ابو بكر وعمر وعثمان وعلى» (ص 409).

    ومع هذه الصراحة نرى ابا بكر الخلال قد اوضح مباشرة بعد هذا النص مسائل قد تلفت النظر، حيث يقول: ان القول المشهور لاحمد في مسالة التفضيل هو: «ابو بكر وعمر وعثمان»، لكنه كان يقول لعاصم وابي عبيد: «لست ادفع قولكم في التربيع بعلى». وربما كان هذان الشخصان هما اصل عقيدة التربيع.

    بعد ذلك نقل عنه جماعة من اكابر الزعماء المعاصرين له انه قال: من كان معتقدا بعلى فهو سني، وكذلك نقل عنه احمد بن ابي الحواري انه كان معتقدا بعلى ايضا، واضاف الخلال:

    «وعندي انه لم يحب ان ياخذ عنه اهل الشام ما يتقلدونه عنه في ذلك، لانه امام الناس كلهم في زمانهـ لم ينكر ذلك احد من الناس - فلم يحب ان يؤخذ عنه الا التوسط من القول، لان اهل الشام يغالون في عثمان كما يغالي اهل الكوفة في على. وقد كان من سفيان الثوري ( نحو هذا لما قدم اليمن قال: في اي شي هم مشتهرون به؟ قيل في النبيذ وفي على، فلم يحدث في ذلك بحديث الى ان خرج من اليمن، فالعلماء لها بصيرة في الاشياء وتختار ما تراه صوابا للعامة» (ص 410).

    وفي نص آخر يظهر ايضا مسالة جدال المخالفين مع احمد واجاباته التي يكتنفها الغموض، وكان كالتالي: قال ابو حاتم الرازي: سمعت من احمد بن ابي الحواري قوله: جاءنا احمد بن حنبل (لعله في مدينة حمص نفسها) فذهبت اليه وسالته عن اعتقاده في مسالة التفضيل، وقلت: «ما هي عقيدتك في التفضيل؟» قال: «ما يطابق حديث سفينة في مسالة التفضيل والخلافة» (ص 409). وكان حديث سفينة هو حديث:

    ان الخلافة بعد رسول اللّه (ص)ثلاثون عاما ثم تصبح ملكا.

    ان احمد بن حنبل قد التجا الى لون آخر من الايهام في قضية ادخال الامام على(ع) ضمن دائرة عقائد اهل السنة، ولئلايكون مظنه للاتهام، فنراه قد وضع فرقا بين الاعتقاد بالتفضيل، والاعتقاد بشرعية الخلافة.

    فقد جاء في خبر عنه انه في مسالة التفضيل قد ذكر اسماء الخلفاء الثلاثة فقط، اما في مسالة الخلافة فذكر الخلفاء الاربعة جميعهم .((433)) وكان دليله في التفضيل هو القول المنسوب لعبداللّه بن عمر، اما في مسالة الخلافة فحديث سفينة (ص 412) ((434)).

    وطبقا للحديث المنسوب للنبي ( والذى جاء فيه: «الخلافة ثلاثون عاما»، وبما ان خلافة الخلفاء جميعهم تكون ثلاثون عاما، فيجب ان تكون خلافة الامام على(ع) خلافة صحيحة وشرعية ايضا. وفي خبر آخر عنه انه اعتبر حديث سفينة هوالدليل على صحة خلافة الامام على(ع) من الناحية الشرعية، وهذه المسالة هي جزء من عقائد اهل السنة ايضا، اي ان السني الواقعي يجب ان يعتقد بها، وقد جاء في تتمة هذا الخبر قول عن احمد فيه:

    «على(ع) امام عادل» (ص 412)، وقداضطر احمد لدعم قوله هذا بالادلة والبراهين، ليكون مقبولا عند اهل الحديث، الذين كانوا في طريق التغيير والاصلاح من مذهبهم العثماني نحو التسنن.

    ان الشي المسلم به، هو ان احمد ربما لم يؤكد بنحو قاطع على عقيدة التربيع، ذلك لانه كان يراعي اهل الشام في تلك النواحي، لكنه وبشكل عام سعى جاهدا لتثبيت مكانة الامام على(ع) عند اهل الحديث، ولتثبيت عقيدة التربيع ايضا والتي ربما تكون من وضع بعض اهل الحديث المتشيعين.

    وقد تطرق احمد في اقوال اخر الى مسالة التمييز بين التفضيل والخلافة، فقد نقل عنه قوله: «اقول: ابو بكر وعمر وعثمان في التقديم وفي الخلافة على عندنا من الخلفاء» (ص 413)، وفي الواقع ان العثمانيين الذين تربوا في العصر الاموي لم يعتبروا خلافة الامام على(ع) خلافة شرعية اساسا، ففي كلام منقول عن احمد - اراد به اثبات شرعية خلافة الامام على(ع) - قال: كان اصحاب رسول اللّه (ص)راضين بخلافة على، اجتمعوا حوله.

    وقد اقام على الحدود بحضور جمع منهم ولم يخالفوا، وكانوا يعدونه خليفة، يخطب فيهم ويقسم الغنائم فلم ينكروا عليه.

    يقول حنبل ابن اخي احمد: قلت لاحمد: «خلافة على ثابتة؟!ك» قال احمد: «سبحان اللّه! يقيم على(ع) الحدود، ويقطع،وياخذ الصدقة ويقسمها بلا حق، وجب له؟! اعوذ باللّه من هذه المقالة. نعم، خليفة رضيه اصحاب رسول اللّه (ص)وصلواخلفه، وغزوا معه، وجاهدوا وحجوا، وكانوا يسمونه امير المؤمنين راضين بذلك غير منكرين فنحن تبع لهم، ونحن نرجوامن اللّه الثواب باتباعنا لهم».

    ثم قام حنبل بشرح عقيدة احمد في ترتيب التفضيل بين الاربعة فاضاف قائلا: وعلى(ع) امام عدل بعد هؤلاء، امامته ثابتة واحكامه نافذة وامره جائز، كان احق الناس بها بعد عثمان، فهؤلاء الائمة ائمة الهدى (رحمهم اللّه) (ص 413).

    وقد اورد الخلال فيما بعد اخبارا حول عدد من احكام الامام على (ع) وتقسيم الغنائم والفي، وقد اتى بها لاجل اظهاراستقرار وثبات السلطة للامام، وفي الواقع ان الدليل الاساسي للامامة في نظر احمد واهل الحديث، هو رضى الصحابة،الذين كانوا ينادونه يا امير المومنين(ع)(ص 414).

    قال احمد: قد سماه عمار وابن مسعود امير المؤمنين (ص 415) والجدير بالذكر ان ابن مسعود لم يدرك خلافة الامام على(ع).

    ثم اتى الخلال برواية مفصلة عن محمد بن الحنفية، تتضمن وصفا لكيفية وصول الامام على(ع) للخلافة واستقبال الناس له، كما ذكر بيعة المهاجرين والانصار له في هذه الاخبار (ص 415 - 417).

    وقد نقل الخلال اخبارا اخر لاثبات صحة خلافة الامام كانت موثقة احيانا من بعض المحدثين، ومن بينها خبر ابي سعيدالخدري، حيث قال: كنت مع على في حربه مع الخوارج، وشهدت قتل ذي الثدية، والتمسه في القتلى فاتي به على النعت الذي نعت الرسول اللّه(ص)، واشهد لسمعت هذا من الرسول اللّه(ص). ثم نقل عن احمد بن حنبل قول -ه: ليس شي عندي في تثبيت خلافة على اثبت من حديث ابي سعيد الخدري هذا (ص 418)((435))، وهذا يثبت ان احمد كان يبحث بجد عن ادلة تعزز من مكانة الامام على(ع)، وقد جاء في تتمة هذا الخبر مطلب حول جهود احمد لتعديل رواة هذا الحديث، وقداورده الخلال دعما لموقف احمد بن حنبل ايضا.

    وفي سياق الكلام، وقع بحث حول حديث سفينة: «الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك ملك»، فقد سال سائل من احمدقال له: ان يحيى القطان كان يتكلم في سعيد بن جهمان، فاجاب احمد مغضبا وقد ادرك جيدا بان هذا الطعن انما جاء لاجل انكار خلافة الامام على(ع)، ولهذا السبب قال: هذا باطل، ما سمعت يحيى يتكلم فيه، قد روى عن سعيد بن جهمان غيرواحد، وقال: ابو بكر وعمر وعثمان وعلى هؤلاء ائمة العدل. لقد بلغ من عدل على انه قسم الرمان والابزار، واقام الحدود،وكان اصحاب رسول اللّه (ص)يقولون: يا امير المؤمنين. وجعل ابو عبداللّه يفحش على من لم يقل انه خليفة.

    وقال:اصحاب رسول اللّه (ص)يسمونه امير المؤمنين، وهؤلاء لا يثبتون خلافته. هذا يعني تكذيب اصحاب رسول اللّه(ص)(ص 419).

    وقد دافع في خبر آخر عن حماد بن سلمة، الذي نقل رواية سفينه عن سعيد ابن جهمان، واكد انه يزداد بصيرة يوما بعدآخر على صحة هذه الرواية (ص 420 و421).

    تجدر الاشارة الى ان حديث سفينه هو غير حديث سفينة المعروف في فضائل اهل البيت، والمراد منه هنا حديث:«الخلافة ثلاثون سنة ثم يكون بعد ذلك الملك»، او «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي اللّه ملكه من يشاء». وراوي هذا الخبرهو ابو عبدالرحمن من موالي رسول اللّه، ويقال كان اسمه مهران. وقد نقل عن رسو اللّه(ص) كما مر: «الخلافة بعدي ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك». فطبقا لهذا الحديث اعتبر احمد عهد الخلافة حتى نهاية خلافة امير المؤمنين، وعلى هذا الاساس شيد اسس عقيدته في التربيع.

    والخبر المذكور لم يروه عن سفينة الا راويا واحدا وهو سعيد بن جهمان، وعندما سئل: اين لقيت سفينة؟ قال: في بطن نخلة في زمن الحجاج (ص 421) ((436)).

    على اية حال فقد تشبث احمد بهذا الحديث بقوة، وحاول الدفاع عن رواته، وما يطرح حولهم من اسئلة (ص 421 -423).

    ولمعرفة ما قام به احمد من دور في هذا المضمار، نورد هذا الخبر الملفت للنظر:

    قال صالح بن احمد: سالت من ابي: في هذه المسالة، فان قال قائل: فينبغي لمن ثبت الخلافة على على ان يربع به؟ قال:انما نتبع ما جاء، وما قولنا نحن؟ك! وعلى عندي خليفة قد سمى نفسه امير المؤمنين، وسماه اصحاب رسول اللّه (ص)اميرالمؤمنين، واهل بدر متوافرون يسمونه امير المؤمنين، قلت: فان قال قائل: نجد الخارجي يخرج فيتسمى بامير المؤمنين ويسميه الناس امير المؤمنين؟ قال: هذا قول سوء خبيث، يقاس على الى رجل خارجي، ويقاس اصحاب رسول اللّه(ص)الى سائر الناس، هذا قول ردي، افيقول انما كان على خارجيا؟ اذا، بئس القول هذا (ص 424).

    ثم قد وقع هنا بعض الاختلاف في الراي ايضا عند محاسبة الثلاثين سنة، ففي حساب احمد بن حنبل او سعيد بن جهمان هكذا: ابو بكر سنتين وشي، وعمر عشر، وعثمان اثنتا عشرة وعلى ست (ص 424) .((437)) (الجدير ذكره ان خلافة الامام على كانت اربع سنين وسبعة اشهر) وجاء في الحساب الدقيق للمسعودي هكذا: ابو بكرسنتان وثلاثة اشهر وثمانية ايام، عمر عشر سنين وستة اشهر، عثمان احدى عشرة سنة واحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما،على(ع) اربع سنين وسبعة اشهر الا اياما، والحسن ثمانية اشهر وعشرة ايام، ومجموع هذا تمام الثلاثين عاما ((438)).

    وجاء في خبر آخر ان عبداللّه بن احمد قال: قلت لابي: ان قوما يقولون: انه (عليا) ليس بخليفة، قال: هذا قول سوء ردي، وقال اصحاب رسول اللّه (ص)يقولون له يا امير المؤمنين افنكذبهم وقد حج بالناس، وقطع، ورجم، فيكون هذا الا خليفة؟ قال عبداللّه: قلت لابي من احتج بحديث عبيدة (بن عمرو السلماني) انه قال لعلي: رايك في الجماعة احب الى من رايك في الفرقة، (كلام هذا معناه)، وقال ابي: انما اراد امير المؤمنين بذلك ان يضع من نفسه، يتواضع. قوله: خبطتنا فتنة، تواضع بذلك. [لا انه لم تحصل الجماعة].(ص 425) . ((439)) ان هذه القضايا كانت تطرح في وقت كان فيه غالبية اهل الحديث ترفض خلافة الامام على(ع)، وكانوا يعتقدون من يقول ان عليا امام عادل فقد اهدر دم طلحة والزبير، واجاب بعضهم بان الذي قتل طلحة هو مروان بن الحكم قتله بعثمان، واماالزبير فقد قتله ابن جرموز، وبناء على هذا فان عليا(ع) لا يد له في هذا العمل (ص 425).

    لقد كان موقف احمد بن حنبل جديدا تماما، وقد راينا انه ليس اهل الحديث وحدهم الذين واجهوا صعوبات لتبرير هذه القضية، بل ابنه ايضا عانى الكثير في هذا السبيل.

    وجاء في خبر آخر ان عبدالملك الميموني قال لاحمد: انا وبعض اخوتي نعجب منك في ادخالك عليا في الخلافة.

    قال لي: فايش اصنع وايش اقول بقول على انا امير المؤمنين، ويقال له: يا امير المؤمنين، ويحج بالناس والموسم وتلك الاحكام والصلاة بالناس؟ قلت: فما تصنع وما تقول في قتال طلحة والزبير اياه وتلك الدماء؟ قال: ما لنا نحن وما لطلحة والزبير؟(ص 427).

    وفي خبر آخر، قال محمد بن حسان: قلت لاحمد: «كان على اماما؟» قال: «نعم، كان اماما عدلا. وكان عمه حاضرا، فقال لي عمه بحضرة ابي عبداللّه ـ وابو عبداللّه يسمع هؤلاء الفساق الفجار الذين لا يثبتون امامة على - : رجل كان يقسم الفي، ويرجم، ويقيم الحدود، ويسمى امير المؤمنين فكان خارجي يكذب؟ واصحاب رسول اللّه يكذبون؟» وابو عبداللّهساكت يتبسم. (ص 427).

    ثم اورد بعده خبرا آخر دافع فيه احمد عن سعيد بن جهمان، وفي رده على شخص ساله: «ما رايك في من يرى ان خلافة على غير ثابتة؟»، قال: «قول غير صحيح»، فقال ذلك الشخص: «هل هو سني؟»، قال احمد: «انا لا اعتبره خارجا عن اهل السنة، فهذا شخص تاول فاخطا».

    ال المعترض: «ان احمد بن حسن قال في حديث ابن مسعود، والذي جاء فيه: (تدور رحى الاسلام بخمس وثلاثين).قال: ان المراد بالخمس والثلاثين من بداية هجرة النبى(ص)، وعلى هذا لا تكون شاملة لخلافة على(ع)».

    قال احمد: «ان هذا لا معنى له ان يكون مراد النبي من الخمس والثلاثين سنة شمولها لسنوات حياته انما المراد الاعوام التي بعد حياته» فساله مرة اخرى: «هل لدينا شيئا عن النبى(ص)يثبت خلافة على»، اجاب احمد: «من لا يثبت خلافة على فقد اعتبر الصحابة من اهل الفتنة والضلال وان عملهم كان باطلا».

    لقد سعى احمد متبعا شتى السبل من اجل نشر عقيدة التربيع في اوساط اهل الحديث، مع ما كان يبديه من تساهل احيانافي هذا المضمار، فنراه يقول: «لا نعيب من ربع بعلى» (ص 404)، لكنه في مواضع اخر يبدو اكثر تعنتا مع المخالف، حيث يقول:

    «من لم يربع بعلى فهو اضل من حمار اهله ((440))».

    قال الخلال: لو تدبر الناس كلام احمد بن حنبل في كل شي وعقلوا معاني ما يتكلم به، لعلموا انه لم يكن في الدنيا مثله في زمانه اتبع منه للحديث، ولا اعلم منه بمعانيه وبكل شي، ثم قام بتوضيح امثلة، منها ما كان في اثبات خلافة على بن ابي طالب، وكيف كان يستدل بالاحاديث وانكاره على المخالفين، وجوابه لهم في مسالة ما كانوا يقولونه في طلحة والزبير،وما كان يبديه من الردود في النصيحة والشفقة للمسلمين والدعوة الى طريق الحق (ص 430).

    وبعد احمد نجد راي «اهل الجماعة» قد استقر على قبول الخلفاء الاربعة على الرغم من بقاء الاقوال المخالفة في الكتب،فابو نعيم الاصفهاني (336 - 430هـ) قد ذكر في مستهل كتاب الامامة بان بعضا كان يعتبر افضلهم: ابو بكر، عمر وعلى، والبعض الاخر: ابو بكر، عمر وعثمان ويتوقف. وآخرين قالوا: ابو بكر وعمر الافضل ويتوقفون عند عثمان وعلى، ويصرح بان راي اهل الجماعة هو ان الاربعة هم الافضل بالترتيب ((441)).

    ان كتاب الامامة لابي نعيم هو ايضا يشبه الفصول التي خصصت في كتب اهل الحديث، لبحث مسالة الخلافة من الوجهة العقائدية، فنراه 443في عدد من الفصول قد اورد على الترتيب احاديث مشابهة لتلك الاحاديث والاثار حول خلافة الخلفاء، والفرق بين هذا الكتاب والكتب الحديثية في القرن الثالث واوائل القرن الرابع، هو ان المؤلف مضافا لنقله الاحاديث والاثار، قام بالبحث والنقد، وبالاخص كان لغرض رده على ادلة وحجج الشيعة - حيث كان لهم قدرة كبيرة في زمن ابي نعيم ((442)) - في ابطال خلافة الخلفاء، واثبات خلافة الامام على(ع)، ولهذا السبب اختص قسم كبير من الكتاب لاثبات خلافة الخلفاء الثلاثة الاوائل، والرد على اعتراضات الامامية حول شرعية خلافتهم.

    لقد بدا البحث حول خلافة الامام على(ع) من الصفحة 358، وكان اول حديث هو رواية سفينة التي استدل بها اهل الحديث بعد احمد، لاجل اثبات عقيدة التربيع، فابو نعيم وتحت تاثير الاجواء الجديدة بعد اصلاح مذهب اهل السنة، نراه قد اعتبر خلافة الامام على(ع) صحيحة على الرغم من حرب الامام(ع) مع عدد كبير من الصحابة وعلى راسهم عائشة وطلحة والزبير:

    «فتولى امر المسلمين عادلا زاهدا آخذا في سيرته بمنهاج الرسول عليه الصلاة والسلام واصحابه رضي اللّهعنهم حتى قبضه اللّه عز وجل شهيدا هاديا مهديا، سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم» ((443)).

    ثم صرح بان خروج المخالفين لم يبطل خلافته، وما كان ردهم على سؤال: فما هو اذن حكم الن -زاع بين الصحابة؟ الا ان قالوا:

    هذا الاختلاف رحمة وما ينبغي ان نتحدث عنه، وقد اورد ابو نعيم اجوبة اخر ايضا تظهر مدى اضطرابه في الرد على هذا الاشكال المهم.((444))
    [/align]





  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]
    البراديغم السلفي، ازمة فهم النص القرآني

    ا. عبد العالي العبدوني



    تمهيد محاولة التعاطي مع موضوع الفكر السلفي وارتكازاته المعرفية هي محاولة صعبة الى حد ما، لانها تستلزم اجراء دراسة جردية لمجموع ما خطه اعلام هذا الفكر، والقيام بحصر المرتكزات على اكثر من مستوى، وطبعا الورقة التي نحن بصددوضعها لا يمكنها القيام بهكذا قراءة وجرد، لذلك هي تحاول ان تتحيز في جنبة معينة، وهي جنبة فهم النص الديني.محاولين تجاوز المعضلات التصديقية التي يخلقها هكذا فهم.

    وسوف نعتمد الفهم القرآني بوصفه مناط الاعضال عند هذا البراديغم، لكن قبل ذلك لا باس من تحديد ماذا نقصدبالبراديغم السلفي (عنوان اول)؟ قبل ان نعمل على تعقب تشخصاته في فهم النص القرآني، مجرين في نفس الان نقدامعرفيا له (العنوان الثاني)، منهين البحث بمعطى آفاقي.

    العنوان الاول: ماهية البراديغم السلفي ومدماكيته البراديغم هو المنطق الداخلي المتفق على حدوده ومحدداته في زمان ما ومكان ما، ويركن اليه في الغالب بدون وعي به لرسوخه في الانفس كما العقيدة آج تا ، لانه طريق اليقين المبحوث عنه او على الاقل هكذا يتصور، وهو على هذاالاساس يشكل الارضية التحتية للبت بخصوص نقطة ما، لذلك كثيرا ما يتم وصفه على انه الانموذج ب ت چ ث الكفيل بحل جميع المعضلات المعرفية على ضوئه.

    وهو على هذا الاساس، يتحول الى عقل مركزي حاكم على مجموع الانتاجات الفكرية وعلى جميع المستويات، متحكم في العقول الجهوية والفردية دون ان تعي هذه العقول بانها تعمل داخل صواميل عملاقة حددت سلفا.

    قد يكون هذا الطرح يتفق في عدة جوانب مع النسقية الفوكالدية، لكن هذا ليس عيبا ما دامت الاعمال الفوكالدية الصابة مبدئيا في نفس الاتجاه قد قدمت الادلة الكافية على صحة وجود نسق كبير متحكم في مجموع العطاءات الفكرية، بل حتى في الممارسات الاكثر حميمية.

    لكن المدماكية لا تتجلى فقط في تحديد المعالم الكبرى للعقول الجهوية والفردية، بل تذهب الى حدود تطويع هذه العقول والعطاءات بشكل يجعلها غير قادرة على التفكير خارجه، ربما هذا الكلام فيه كثير من التشيي للعقل الانساني ولا تنقصه السوداوية، لكن لو صرحنا بان البراديغم في حد ذاته اي بما هو هو ليس عيبا، لانه موجود معرفي لا بد منه في تاثيث المشهد الفكري في عالم الشهادة قد ترتفع هذه السوداوية، وخصوصا ان المعضلة هي في المحمول لا في الموضوع، اي ان العيوب المعرفية تهم مضمون البراديغم لا قالبه، والذي يظل في جميع الاحوال حياديا وحيويا في نفس الان.

    وما دمنا اوضحنا بان المعضلة تهم المحمول فانه يكون من المناسب محاولة ايجاد فهم ولو كبروي لهذا المحمول وهوالمنظور السلفي. صراحة لا يمكن لاي باحث ان يجد تعريفا موحدا لمفهوم السلفية وحدوده، لان هذه المفاهيم كما الكثيرمن المفاهيم تعرف تمظهرات كثيرة وتحديدات متناسلة يلغي بعضها البعض.

    فهي عند الشيخ ابن تيمية تهم فئة معينة من الناس وهم «السابقون الاولون من المهاجرين والانصار، والذين اتبعوهم باحسان، وما قاله ائمة الهدى بعد هؤلاء الذين اجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم» ((249))، وبالتالي يكون المنظورالسلفي هو الاستناد الى اقوال السابقين الاولين من المهاجرين والانصار، والذين اتبعوهم باحسان، وما قاله ائمة الهدى بعدهؤلاء الذين اجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. وبالتالي فاننا نكون شهودا على تقطيع شخصي للسلف الصالح، والتي تشكل آراءهم المنظور الديني الصحيح، ونحن وبغض النظر عن الاشكالات التي يمكن ان يخلقها هذا التعريف فيما يخص التشخيص الصحيح لائمة الهدى المجمع على هدايتهم ودرايتهم، لاستحالة تحقق ذلك في التاريخ الاسلامي..

    نقول: بغض النظر عن هذه الازمة التطبيقية، نكون امام معضلة وهي تسلسل السلف الصالح، وبالتالي تسلسل اصول المعرفة الدينية، وهذا يناقض اصل الطرح.

    ذلك انه وعلى اساس التعريف التيمي، السلف الصالح لا زالوا يعايشون الزمن الحديث، وبالتالي فان باب اصول المعرفة الدينية لا زالت مفتوحة على مصراعيها، مما يجعل من الموضوع غير قادر على استيعاب المحمول.

    مبدئيا نفس التعريف نجده عند الشيخ احمد بن حجر العسقلاني وان باختلاف تشخيصي للسلف بالمعنى الاصطلاحي «ماكان عليه الصحابة رضوان اللّه عليهم وما كان عليه اعيان التابعين لهم باحسان وما كان عليه اتباعهم وائمة الدين ممن شهدله بالامامة. وعرف عظيم شانه في الدين وتلقى الناس لكلامهم خلفا عن سلف. كالائمة الاربعة والسفيانيين والليث بن سعد وابن المبارك النخعي، والبخاري ومسلم وسائر اصحاب السنن دون من رمي ببدعة او شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والخبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة» ((250)).

    فما يمكن ان نلاحظه بخصوص هذا التعريف ان ابن حجر العسقلاني وسع من المشخص وازاح ما يمكن ان يخالطهم في التوصيف الزمني، حاصرا اياهم بائمة المذاهب الاربعة وبعض المحدثين والمشايخ الذين لم تترسخ مذهبيتم في التاريخ الاسلامي.

    وهذا التعريف، كما هو واضح، يتخلص من معضلتين:

    اولاهما: وقف تسلسل السلف الصالح الى تاريخه والذي سبق ان اشكلنا به على ابن تيمية.

    وثانيهما: انه اخرج بعض الفرق من السلف الصالح والذي يظل قائما في تعريف ابن تيمية.

    فهذان التعريفان يشكلان العمدة في تعريف المحمول اي السلفية، فهناك من يرى بعض العلماء المتاخرين سلفا صالحا،وهناك من يرى بانهم علماء اجلاء لا يرتفعون الى درجة السلف الصالح.

    وفقا لهذه التعاريف، والتي لها المرجعية، نكون امام سقف معرفي معين ومشخص على الاقل في عمومياته هو الذي يحددمعالم الفكر الديني الصحيح. لكنه وامام تكثر الاراء الفقهية والعقدية عند الرعيل الاول في الاسلام يجعل هكذا حاكمية معرفية تتهاوى، لانها تحمل في ذاتها بذور موتها، فكيف نستطيع ان نحل اشكاليات التعارض الفقهي والعقدي عند الاوائل؟هل نعتمد على المعيار الكمي او المعيار الكيفي؟ وهل اذا اعتمدنا المعيار الكيفي الا نكون نحن الخلف قد اسقطنا بعض السلف من الصالحية ؟ وان تيسر مثل هذا الطرح، فكيف يستقيم القول بوجود سلف صالح، نعمل على رد آرائه ان بالجملة وان على الجملة؟ هي تساؤلات كثيرة عانى منها علماء الامة وخصوصا ان بعض من اعتبروا سلفا طعنوا في عقيدة البعض الاخر، بل حتى انهم فسقوهم، مما دفع الى تكون تيارين كبيرين، احدهما ارثدوكسي قضى على هذه الاشكاليات بالانتصار لجهة في مقابل جهة اخرى، وتيار معتدل عمد الى اجراء استقراء علمي للاراء مصوبا هذا على مستوى ما، ورادا رايه على مستوى آخر، مما دفعه الى ان يرى في السلف الصالح مرحلة تاريخية مباركة ليس الا ((251)).

    طبعا التيار المعتدل وان كان سلفيا على العموم، الا انه لا يمتاز بصفاء الانتماء كما عند التيار الارثدوكسي، لذلك نجدبعض العلماء الاعلام يتخصصون في علم الكلام والفلسفة وغيرها من العلوم العقلية بخلاف اتباع التوجه الارثدوكسي السلفي، الذين يرون هكذا علوم هي من باب الترف، بل حتى انهم ينزلوها لدرجة الفسقيات.

    ونحن على هذا الاساس نوضح بان المقصود من البراديغم السلفي هو هذا التوجه الفكري الذي يحيل او على الاقل يدعي بانه يحيل على فئة معينة من السلف الصالح دون الغير الذي لا يخدم تصوره، ليكون هكذا انموذج نقلي انتقائي، نقلي لانه يعتمد آراء سابقيه في الحكم على الاشكالات الفكرية الدينية التي يتصدى للحسم فيها، وانتقائي لانه لا يعتمد الاراءبالجملة، بل يرجع لما يخدم غرضه ضاربا صفحا عن غيرها من الاراء.

    وخير تعريف يوضح هذا الغرض هو ما قاله الشيخ زهير شاويش عندما حرص على تشخيص من هم السلفيون قائلا:«وتسمية (السلفية) لا بد لها من سلف يسبقها تنتهي اليه، وهي تكون خلفا لسلف. وكان هذا السلف من تابعي التابعين. وقدتبع كل السلفيين وغيرهم من المذاهب من كل الفرق. بعضا من التابعين. حتى اصبح الفقه، بل والعقيدة، وحتى الاخلاق،انواعا كثيرة جدا. وفي بعضها اختلاف ظاهر من اتباع الاثر، او التمسك بالنص والدليل، او الجنوح الى الراي ....والسلفيون ينكرون التاويل اللفظ ي والباطني. وقل على مثل ذلك كان هؤلاء السلفيون، مع ان كل المذاهب والفرق الباطنية. وحتى عندالديانات المنحرفة. وما اوجد الناس من احزاب مخترعة.

    ولا بد من صرف النظر عما كان من فرقة واختلافات بعد الصحابة الكرام رضي اللّه عنهم اجمعين. وما ترسب بين المسلمين من اقوال وفرق في مسائل الحكم، والعقائد، والفقه. وكان منهم عدد كبير من مختلف الفرق. وكان منهم من سمي:(السلفيون).

    اذن، فالسلفية: طريقة في المعتقد والفقه، مفادها: الرجوع الى ما كان عليه الجيل الاول - السلف الصالح - في العقيدة،والعبادة، والاخلاق، والسلوك...... والسلفية معتمدة على الصحيح الواضح من الكتاب والسنة، والوقوف عند اتفاق الصحابة.وما تتابع بعد ذلك بعمل وفهم التابعين من القرون الثلاثة التي شهد لها سيدنا محمد(ص) بالخيرية، وتتابعت بعد ذلك باقوال اهل العلم، والمعتقد، والحديث، والدعوة» .((252)) فالسلفية سلفيات الا ان افضلها التي رفضت التاويل بالجملة، اما غيرها فباطلة.

    طبعا، هذا التعريف يوضح لنا بما لا يدع مجالا للشك بان السلفية عندما تطلق فانه يراد منها التي تفهم الدين فهما بدون تاويل، والتي تعتمد اتفاق الصحابة في الاستدلال، اي ان الاختلاف لا يكون موطن نقاش.

    لكن ما اغفله الشيخ شاويش هو ان السلفية لا ترى ان ثمة اختلاف معرفي عند الصحابة، بل ترى الاتفاق هو الاصل، واذاما صادفت اختلافا رمته بالشذوذ، لتسقطه من الاعتبار، لان التوجه السلفي واقعا لا يمكنه بتاتا ان يقف على مقتضى فكري ديني واحد ليس فيه اختلاف، لذلك تعمد الى جبر الاختلاف بعدم الاستناد للراي المخالف والذي يشكل نقصا عدديا ليس الا.

    مما يجعل من عملية التكميم وحشد الاراء راس المسالة الاستنباطية عند التوجه السلفي الارثدوكسي.

    لكن ثمة اشكال يطرح بقوة، وهو هل وصلنا مجموع آراء الصحابة؟ طبعا، الجواب يكون بالنفي، مما يدفعنا لسؤال معرفي آخر، اذا لم يصلنا مجموع الطروحات، فكيف لنا ان نحكم بشذوذ راي ما، لانه قد يكون قليل العدد فيما وصل الينا ولكنه بالضرورة ليس كذلك واقعا؟ حقيقة الطرح السلفي لا يجيب عن هكذا اسئلة، لذلك كثيرا ما نجد اقوال اعلام التوجه السلفي الارثدوكسي يشيرون الى الكثرة دون دليل معتبر، بل يتحدثون عن وقوع اجماع في قضية ما دون ان يتم اثبات هكذا اجماع، اي ان الاحالة تكون من باب المسلمات لا من باب القضايا الواجبة الاثبات اصلا.

    بل، حتى ان بعض الافكار الدينية المعتمدة عند التوجه السلفي نفسه، تكون مناقضة لطروحات سابقيه رغم قطعيته بسلفيتهم، ودائما وفق الاحالة المجهولة الوجهة، مما يجعلنا نخلص الى ان البراديغم السلفي هو نقلي انتقائي ظاهري، ذلك انه ما دام نقليا فهو بالضرورة يكون ظاهريا لا يؤمن بالتاويل، مما يدفعه الى التطهر من التوجهات الفكرية المختلفة عنه،فمثلا في مقام تبيان الجهة نجد الشيخ ابن تيمية حيث اثبت - حسب مدعاه - ان اللّه سبحانه وتعالى فوق ولا يمكن ان يكون في كل مكان، لانه مستوي على العرش حقيقة على اساس: «كتاب اللّه من اوله الى آخره، وسنة رسوله (ص) من اولها الى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الائمة، مملوء بما هو اما نص واما ظاهر في ان اللّه سبحانه وتعالى هو العلي الاعلى، وهو فوق كل شي، وهو على كل شي، وانه فوق العرش، وانه فوق السماء» ((253)). مؤكدا ان هذه العقيدة هي عقيدة جمع السلف الصالح، ذلك ان الباحث لن يجد خلاف ما تبناه الفقيه ابن تيمية ف - : «ليس في كتاب اللّه،ولا في سنة رسوله (ص)، ولا عن احد من سلف الامة - لا من الصحابة ولا من التابعين لهم باحسان، ولا عن الائمة الذين ادركوا زمن الاهواء والاختلاف - حرف واحد يخالف ذلك، لا نصا ولا ظاهرا» ((254)).

    وان المخالفين لعقيدة الفوقية والجهة والمعتمدين لما سماه التعطيل والتاويل، هم على ثلاثة اضراب الا انهم في جميع الاحوال آخذين عن «تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن - بل نفس عاقل - ان ياخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم او الضالين، ويدع سبيل الذين انعم اللّه عليهم من النبيين، والصديقى -ن، والشه -داء،والصالحى -ن؟((255))».

    فهناك اهل التخييل وهم المتفلسفة، ومن سار على دربهم من متكلم ومتصوف ومتفقه، وهناك اهل التاويل الذين حملواالخطاب على المجاز، حيث يجب التنزيه (لاحظوا ان هذا اصل العقيدة الاشعرية)، وهناك اهل التجهيل وهم كثير من المنتسبين للسنة واهل السلف، حيث يصفون الرسول عليه الصلاة وآله والسلام بالجهل بمعاني الصفات.

    وطبعا، جميع هذه الاضراب ضالة عن الحق، بل ان الفقيه يصف --ه -م بال -م --لاح --دة ((256))، وخصوصا اهل التاويل وهم المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن سار على دربهم.

    صحيح ان ابن تيمية اراد الاستعانة ببعض تصريحات المفكرين الاسلاميين الكبار للذب عن طرحه من بينهم ابي الحسن الاشعري، الا ان الاستعانة بهذا المتكلم العظيم جاء من جهة التحريف لاقوال هذا الاخير، كما سوف يتبين لنا اكثر عندنقاش هذه النقطة بالذات.

    خلاصة الموضوع ان الترسيمة العقدية والتي اخترنا فقط منها فرع الفوقية واثبات الجهة عند ابن تيمية هي تطهرية، بمعنى انها تضلل باقي الفرق الكلامية والتي تخالفها الطرح، بل انها تصف متبعيها بالملاحدة، هذا دون ان ننسى ان بعض هؤلاءالملاحدة مؤولين وهم من السلفية المعتدلة ايضا.

    فعلى هذا المستوى نستطيع ان نعاين بان المنظور السلفي الارثدوكسي هو منظور تطهري حتما.

    الخلاصة اذا، هي ان واقعة ان الطابع النقلي الظاهري والانتقائي يؤدي بالضرورة الى التطهر من الاراء المخالفة. وهذا الكلام يناقض بالجملة تصريحات الشيخ زهير شاويش الذي حاول ان يلمع الصورة.

    على اي نرى الاكتفاء بهذا القدر والذي كان ضروريا لمحاولة رسم خطاطة ولو مبدئية للتصور السلفي الذي راينا تحديده في هذا الموضوع. والانتقال الى بحث عملية فهم النص القرآني وفق هذا البراديغم.

    العنوان الثاني: فهم النص القرآني وفق البراديغم السلفي قراءة النص، اي نص، يعتمد مقاربتين اصيلتين ومقاربة عرضية توليفية تعتمدهما معا في نفس الان، احدى المقاربات الاصيلة جوانية والاخرى برانية. والمقاربة الجوانية هي تلك المقاربة التي تعتمد الداخل الفكري الديني بلحاظ العلوم الالية، والتي تساعد على التعاطي مع الخطاب باوسع تصوراته من داخله وليس من خارجه، وعند العجز عن استقراء النص من الداخل يتم اعتماد الاقوال المعرفية الجوانية المتحوزة للحمولة القدسية.

    اما المقاربة البرانية فهي تلك المقاربة التي تعتمد الخارج الفكري الديني بلحاظ تناسق المعرفة البشرية مع الوجودالايماني، وبالتالي فهي تعتمد القراءة الخارجية والباردة للشان الفكري الديني.

    وهناك المقاربة التوليفية، وهي مقاربة تجمع بين الاستقراء الداخل الديني والاستناد للمعارف البشرية الخارج دينية في محاولة لفهم النص الديني، عند تعذر الارتكاز والاكتفاء بهكذا معارف حصرية جوانية.

    المنظور السلفي كما نوهنا الى بعض حدوده بما هو انظومة معرفية لا يرى لزوم الاستناد الى المقاربة الخارجية، بل نجده شن حربا لا هوادة فيها على هكذا قراءات مشيرا الى ان فهم السلف الصالح هو اكمل الافهام وان كل فهم غير مستند لهم لايمكن الا ان يكون خاطئا. وعلى هذا الاساس، فعمدة الفهم في هذا البراديغم هو النقل السليم لاراء السلف، لكن وفي مقام خفاء السند النقلي يتم الاجتهاد باعتماد الراي الشخصي، وهذا الراي ينتقل بدوره من فهم انساني اجتهادي الى راي سلفي مقدس واجب الاعتماد من جهة راسية قائله ضمن هرم الفيض المعرفي السلفي، لينقلب بدوره الى اصح الافهام والتي لايستقيم تجاوزها الا بفهم اكمل راجع الى راسية اعلى متراخية في الزمن، وطبعا الراسية العليا المتحدث عنها لا تحدد الامن قبل الاتباع بالمعنى الكمي للتابعية لا النوعي، بدون حاجة الى تعقب الراي الاصوب في اطار المصداق الخارجي.

    في احد اهم التفاسير السلفية والتي غدت انموذجا يتبع، نجد ابن كثير يعرف منهجيته في فهم النص القرآني، موضحا ذلك في مقدمة تفسيره الموسوم ب - (تفسير القرآن العظيم):

    «ان اصح الطرق في ذلك ان يفسر القرآن بالقرآن، فما اجمل في مكان فانه قد بسط في موضع آخر، فان اعياك ذلك فعليك بالسنة فانها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال ابو عبد اللّه محمد بن ادريس الشافعي، رحمه اللّه : كل ما حكم به رسول اللّه (ص)فهو مما فهمه من القرآن ...

    والغرض انك تطلب تفسير القرآن منه، فان لم تجده فمن السنة، كما قال رسول اللّه (ص)لمعاذ حين بعثه الى اليمن:

    «بم تحكم»؟ قال: بكتاب اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: بسنة رسول اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: اجتهد برايي.

    فضرب رسول اللّه (ص)في صدره، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه عليه لما يرضي رسول اللّه». وهذاالحديث في المساند والسنن باسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه.

    وحينئذ اذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك الى اقوال الصحابة، فانهم ادرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والاحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم،كالائمة الاربعة والخلفاء الراشدين، والائمة المهديين، وعبد اللّه بن مسعود، رضي اللّه عنهم».

    فبرجوعنا الى المنهجية التي رسمها الشيخ ابن كثير يمكن لنا ان نبدي عليها هنا ملاحظات اربع:

    اولاها: ان شرح القرآن بالقرآن ظلت منهجية - على صحتها مبدئيا - الى حد ما غامضة، فالاطار المعرفي العام الذي يمكننا ان نحاكمها في ضوئه ظل مغيبا، ولا يمكن تصويبها من عدمه الا بالرجوع الى الراي الاعلى. والحال ان هكذامنهجية هي دوران في الفراغ، ذلك ان العقل الكلي بوصفه حاكما على المنهجية هو مهمش في مقام العرض والمقاربة والقراءة، فاقصى ما يراه القوم من دور للعقل هو في حده الادنى، اي ذلك العقل المشترك بين الجميع (الطرح العقلائي للمسالة).

    وطبعا هكذا حدية في العقل تجعل منه غير متمكن من آلية شرح القرآن بالقرآن، لان العقل الوحيد القادر على القيام بهذه المهمة هو العقل الصلب المتنزه عن المشترك الانساني.. العقل القطعي، مما يجعل القارئ العقلائي لا يمكنه الا ان يكون موازنا بين الاراء لا اقل ولا اكثر، دون ان يجري عليها قراءة نقدية عقلية للخلوص لصحة التفسير من عدمه.

    وهذا ما حدث بالفعل، فاي قارئ عندما يريد ان يفهم آية كريمة يعود الى هذه التفاسير رجوعا تعبديا((257)) ، غير قادرعلى نقضها ولو انه عقلا لا يقبلها، ذلك انه يكفيه ان يكون المفسر هو الشيخ الفلاني المشهود له بالعلمية وربما الاعلمية اوان راس الهرم المعرفي السلفي يقرر بانه اصلب التفاسير. لكي يتقبلها قبول المسلمات، مما يؤدي الى وجود تراتبية في التفاسير ينقض اعلاها ادناها، فعند الاستشكال يجب الرجوع الى الاصلب في المقام المرجعي دون حتى ان ينتبه الى موطن الخلل في الفهم.

    انها حاكمية المشهود له بالتمكن من الصنعة دون لحاظ انه قد يخطئ في تفسير آية ما، وان التفسير الادنى منه في الهرمية هو المصيب، فالاحالة تكون كلية لا موضعية.

    ثانيها: ان التحدث عن تفسير القرآن بالقرآن راسا هو اهمال خطير لعملية الظهور العرفي للقرآن الكريم سواء على المستوى اللغوي الدلالي او المستوى الملاكي الحكمي((258)) ، والحال ان هناك آيات كثيرة تتحدث عن تيسره للفهم.

    واغفال بهذا الثقل ليشكل نقيصة جد حساسة، ويظل غير مقبول، ذلك ان حتى عرض القرآن بعضه على بعض يقف على تشخيص الرابط وهكذا تشخيص لا يتحقق الا بالفهم العرفي للايات الكريمة، فيكون المنهج كما تم ايضاحه من قبل الشيخ ابن كثير مقلوبا، صحيح انه اعقب الاشارة بالمجمل والمفسر الا ان هكذا ضميمة في الجملة لا تفي بالغرض، لان الاجمال والتفسير تستلزم الظهور العرفي لاحدهما وخصوصا الاية الكريمة المستند اليها لرفع الاجمال، والحال ان الاشارة الى الفهم الشخصي للقرآن الكريم هي مغفلة في التعريف.

    صحيح ان ابن كثير على مستوى التفسير اشار الى الفهم الشخصي ثم عضده بالروايات، الا ان ذلك كان معكوسا بحيث انه كان يتبنى الراي الوارد في الروايات المعتبرة لديه على المستوى الاول، ثم يضع ما كون من خلاله قناعته في الاول قبل ان يورد الروايات، وكان الفهم المتبادر من الاية الكريمة يتفق مع فهم السلف الصالح، وهي لعبة جد مكشوفة، لانه لا ينفك ان يورد الروايات المعتبرة عنده في المقام الاول، ثم يورد الروايات المردودة مسبقا على المستوى الثاني مع نوع من الاشارة التهوينية اليها، مما يجعله يجهز القارئ لقبول رايه، كما لو انه من الفهم المتبادر والمعضد بالروايات المعتبرة في المقام.

    فتعريفه للطريق السليم للتفسير وايراد منهجية تفسير القرآن بالقرآن ثم بعدها بالسنة فروايات الصحابة وعلماء الامة دون ان يورد ولو الماحة للفهم الشخصي ينقض ما يحاول جبره في تفسيره عمليا، وهذه ايضا من مصاديق انكشاف اللعبة المخاتلة.

    بقيت الاشارة الى ان رفع الاجمال على الاقل وفق الظاهر من التعريف هو بالرجوع الى الاية المفسرة، وطبعا هكذا تفسيرلا يتاتى الا بالروايات مما يجعل ان المجمل من القرآن على الاقل عند الشيخ ابن كثير غير وارد فيه لا السنة النبوية ولاقول الصحابة، وهذا ينقض اصل منهجيته، لانه عندما يتحدث بالعرض يشير لزوما الى السنة، والا كيف يفسر منهجه التفسير بالماثور، فيجبر هكذا نقيصة بمورد آيوي آخر مشبع بالرواية او راي الصحابة، وهو لعمري انقلاب موردي؟ فاما نقول بان العمدة في عرض القرآن على القرآن هو الظهور العرفي للاية الكريمة وتعذرها في مقام آخر، عندها نقول بان المنهجية هي استقراء الايات القرآنية بمصداق الفهم اللغوي والعقلي. واما نقول بان العرض يكون على اساس السندالروائي، في هذه الحالة لا نقول بان القرآن يفسر بعضه بعضا، بل نقول باننا نحتج بمورد روائي في آية قرآنية ونسقطها على آية قرآنية اخرى غير مفسرة روائيا، فتكون العملية عبارة عن انعكاس شرطي لا يؤدي الغرض بقدر ما يثير الكثير من الغموض على الايات القرآنية، ولهذا نجد واقعا بان التفسير بالماثور متكثر ومختلف رغم حصول اجماع المفسرين على جسم روائي واحد، الا انهم يختلفون كثيرا في فهم الاية القرآنية.

    وحتى ندلل على الانعكاس الشرطي والذي لا يمكن الا ان يتحقق خلال عملية الفهم، نعود الى مقدمة التفسير حيث نجدبان الشيخ ابن كثير احتج في مقام اعتماد راي الصحابة على الحديث الاتي: كما قال رسول اللّه (ص)لمعاذ حين بعثه الى اليمن: «بم تحكم»؟ قال: بكتاب اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: بسنة رسول اللّه. قال: «فان لم تجد»؟ قال: اجتهد برايي.فضرب رسول اللّه (ص)في صدره، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه».

    فالقارئ العادي لهذا النص الروائي يعلم جيدا - وبغض النظر عن صحته من عدمه - بان الموضوع يهم القضاء بين الناس في المسائل الشرعية ولا مدخلية له بفهم القرآن الكريم. فهذا النص على وضوحه والذي لا علقة له بفهم النص القرآني،انقلب دليلا للقول بصحة فهم الصحابة للقرآن الكريم وعمدتهم في هذا المقام عند تغيب السنة. لا احد يعلم كيف تم التوسع في مدارك هذا النص النقلي، ولا ما هي المداخل الفهمية التي تم اعتمادها. ولهي احالة تجعل المرء يتخوف من الان من الطريقة التي يرتضيها الشيخ في الاحالة في مقام فهم القرآن، لان من عجز عن فهم النص الروائي ومناطه هو اعجز عن تطبيقه في فهم آية قرآنية.

    كما ان اصل هذا النقل اذا ما جارينا الشيخ ابن كثير بخصوصه فسوف نجده ينقض اصل عملية العرض، فهل هو قائل بالمضمن يعني بان هناك بعض الايات لا تفهم ولو بمصداق منهجية العرض؟ لذلك نبحث لها عن حديث الرسول عليه الصلاة وآله، فان لم نجد - وهذه طامة - نعود لراي الصحابة، لان المنهجية اذا عجزت عن تحقيق التكاملية هي منهجية ساقطة، بمعنى انها لم تثرنا ولم تكفنا مؤونة البحث وتاسيس منهجية اخرى فانها تسقط كمنهجية.

    ثالثها: ان الاحالة على الصحابة كمنهجية داخل في الاجتهاد في الفهم، والحال ان هذه الاحالة تظل منقوضة ولا علقة لهابالاجتهاد في الفهم، وهنا اللعبة التي يريد ان يلعبها الشيخ ابن كثير، وهي افهام القارئ بان الاجتهاد الشخصي لا يعدو ان يكون رجوعا لراي الصحابة.

    كما ان النص المحتج به ينقض كلامه والخلاصة التي وصل اليها، وهي ازمة تطبيقية اخرى تنضاف الى سابقتها، ذلك ان الحديث مضمنه بان الاجتهاد الشخصي مكفول للمرء بوصفه انسانا عالما، وليس للصحابة خصوصا، لانه يمكن ومن خلال نفس المنطق ان لا اجد في روايات الصحابة شيئا، عندها اقول بانني اجتهد ولا آلو، الا ان الشيخ ابن كثير يرفض هكذاخلاصة حتى لا تتفلت ناصية الفهم والافهام من الصحابة، فجعل الاجتهاد محصورا في الصحابة ومن اتبعهم باحسان من الائمة المهديين، فالقارئ يظل متلقيا من اول الخط الى آخره اسناديا بامتياز، لا يجتهد حتى يصل مقام التقليد الكلي للسلف الصالح، ويتحقق الاشباع من افكارهم كما وصلته من الطرقية الاسنادية والتي لا تختلف بالضرورة، مما يجعل اي تفكير يظل خاضعا للسياج الفكري السلفي، وهو عين ما اسميناه البراديغم، ويجب ان يظل الفهم الجزئي مرتهنا بفهم جزئي سلفي سابق والا سقط كفهم معتبر.

    رابعها: انه وعلى مستوى المصداق لهذا المنهج كثيرا ما نجد آراء حبر الامة عبد اللّه بن عباس لا تعتبر في مقام التفسير،عندما تناقض رايا فكريا او فقهيا مجمعا عليه بين الاتباع.

    ذلك لو ان المنظور الفقهي او الفكري الديني المعتمد عند علماء المذهب السلفي تناقض مع راي عبد اللّه بن عباس رمي هذا الاخير بالشذوذ، وهي طريقة تجعل من صدقية اعتماد راي الصحابة في المحك، والادلة على ذلك كثيرة جدا.

    فالمنظور في الحقيقة تنازلي وليس تصاعديا، اي ان التصور يكون جاهزا عند المفسر السلفي، ثم يطفق بتعضيده بالروايات ولا باس ان يرد راي بعضهم بدعوى الشذوذ، لانها وببساطة لا تتفق مع التصور المجمع عليه داخل البراديغم السلفي.

    طبعا هذا النقد لا يتحوز نية قدحية في المجهود التفسيري لشيخ كابن كثير، بل بالعكس اهميته هي التي شكلت حافزالتصويب المنظور بخصوصه حتى يتسنى معاينة باقي التفاسير والموازنة بينها، واراءة باقي المناهج التفسيرية للوقوف على مواطن القوة والضعف، لتحقيق التكامل والوصول الى اقوى المناهج وتحقيق القراءة الامثل للنص القرآني.

    لذا ارتاينا محاولة اراءة المنهج التفسيري عند فطاحلة العلم القرآني في القرن العشرين وهو العلامة محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، اذ سوف يعاين القارئ مواطن التكامل في المنهجية، وكيف تيسر تجاوز بعض المطبات المعرفية المتحققة في المنهج السابق.

    قراءة آفاقية: الطباطبائي انموذجا في مقام تبيان المرجعية العلمية الصلبة لفهم كتاب اللّه نجد العلامة محمد حسين الطباطبائي في مقدمة تفسيره (الميزان في تفسير القرآن) يصرح بالاتي:

    «وهذا هو الذي دعى الناس ان لا يقتصروا على الفهم العادي والمصداق المانوس به الذهن في فهم معاني الايات، كما كان غرض الاجتناب عن الخطا والحصول على النتائج المجهولة هو الذي دعى الانسان الى ان يتمسك بذيل البحث العلمي،واجاز ذلك للبحث ان يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصده العالية، وذلك على احد وجهين:

    احدهما: ان نبحث بحثا علميا او فلسفيا او غير ذلك عن مسالة من المسائل التي تتعرض (لها) الاية حتى نقف على الحق في المسالة، ثم ناتي بالاية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظري، غير ان القرآن لا يرتضيها كما عرفت.

    وثانيهما: ان نفسر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب اليه في نفس القرآن، ونشخص المصاديق ونتعرفها بالخواص التي تعطيها الايات...

    وقد قال النبى(ص): «فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فانه شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله امامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة،فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب ويخلص من نشب، فان التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنيرفي الظلمات بالنور، يحسن التخلص ويقل التربص».

    وقال على(ع) (يصف القرآن على ما في النهج): «ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض...».

    هذا هو الطريق المستقيم والصراط السوي الذي سلكه معلمو القرآن وهداته صلوات اللّه عليهم».

    بعد ان صرح العلامة بان الفهم المتبادر العرفي لا يسعف في جميع الاحوال، اوضح بان النهج السليم هو شرح القرآن بالقرآن، وهو نفس المنهج الذي اوضحه الشيخ ابن كثير، لكن مع اختلاف كبير ذلك ان الشيخ ابن كثير لا يرتضي الفهم الاولي من الاساس، بل حتى انه يراه متفلتا يجب عقله بالماثور، بخلاف منظور العلامة الطباطبائي الذي يقر بحجيته وان بدويا غير مفيد للقطع فقطيكفل الاطمئنان للمعنى.

    كما ان منهجية العلامة الطباطبائي في تفسير القرآن بالقرآن راجعة الى استيضاح معنى الاية من نظيرتها بالتدبر المندوب اليه في نفس القرآن، وتشخيص المصاديق والتعرف بالخواص، اي خصوصية كل آية على حدة.

    فالظهور العرفي يظل هو الحاكم اولا، ثم ياتي التدبر العقلي في الايات القرآنية لتحديد المصداق ومعاينة الخصوصية حتى يتم تفسير القرآن بالقرآن، ولعل مقالة على ابن ابي طالب المشار اليها في موطن الاحتجاج توضح بشكل جيد هذه المسلكية، فبعضه ينطق ببعض يعني انه ينسف الفهم المتبادر وهو ما صرحنا بانه الفهم البدوي، فيكون القرآن مفسرا نفسه بنفسه بالمصداق القائم في الدرجة الاولى، وذلك بعد تحقق التدبر العقلي في مجمل القرآن، ويشهد بعضه على بعض بمعنى ان القرآن يصحح الفهم المتبادر من آية قرآنية بية قرآنية اخرى، فمدار التدبر العقلي متحقق في الجنبتين معا، جنبة النطق وجنبة الشهادة.

    وطبعا هكذا منهجية لا يتيسر استيعابها الا اذا علمنا بان كتاب اللّه «له ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم» فمناط فهم الباطن هو العلم بما هو علم.

    بعد هذه المنهجية الصلبة تاتي الروايات والنقولات لتوضيح المعنى في اجلى صوره، والتي تشكل دليلا او تاييدا على الخلاصة الفهمية والتي تكون في الغالب الاعم موافقة للعقل القطعي.

    كما ان من موجبات منهجه انه يفرق بين المفهوم والمصداق، وبالتالي لم يكن يخلط بين التفسير والتطبيق، بخلاف التفسيربالماثور والذي يظل خاضعا لازمة التفسير والتطبيق المجتمعين، فلو وقف على رواية تبين اسباب نزول الاية الكريمة فانه مع الاشارة الى حقيقة الجري، يرتفع الى اعلى ليفسر الاية الكريمة بمعناها الجامع ومفهومها الكلي، والا بقينا امام التطبيق دون التفسير وهو من المطبات الكثيرة التي يقع فيها التفسير بالماثور، فتضيع الحكمة الالهية من مناسبة النزول لتضحى الواقعة هي الحاكمة على الفهم للنص القرآني.

    فالعلامة يعتبر تنزيل القرآن الكريم بنحو التجلي لا التجافي، لذا كان شخص معارفه الطولية ويجعل كلا منها في رتبته الخاصة، ولم ير ايا منها مانعا من الحمل على الظاهر وحجيته واعتباره.

    وكان يعطي الاصالة في التفسير للظاهر ولا يعتبرالباطن اصلا في تفسير الاية المفهومي، بل كان يدخل الباطن عن طريق حفظ وحجية ظاهرها ويسلك من ذلك الباطن الى باطن آخر.

    اما فيما يخص التاويل وكيف يعتمد السيد الطباطبائي فهو رهين بالفهم الطولي للاية الكريمة محافظا على ظهورها دون ان يتم تجاوزها الى النقيض، فعملية التاويل عنده تعميق نظر وابصار في الحكم العميق لها ((259)).

    وقد المح الاستاذ حيدر حب اللّه الى هذه النكتة عندما اشار الى ان «العلامة لم يحضر النص في بحثه التفسيري، بل تعامل بروح اكاديمية صرفة مع تفسير النص مخضعا عمله لقواعد التفسير نفسها، وعندما كان ياتي للبحث الروائي الذي كان يعقده في اواخر كل فصل تفسيري كان يكتفي بمجرد عرض النصوص دون ان يوحي لنا بانه يركز نظره عليها كثيرا ما لم تكن القضية من حيث اساسها روائية، وانطلاقا من ذلك لم يكن الطباطبائي ليخشى النص الروائي، بل كان يتعامل معه بروح فوقية - بالمعنى الغير السلبي للكلمة - ، اي انه كان يرى هذا النص في درجة تالية منهجيا لما كان قد فرغ منه في تفسيرالايات سلفا، ولهذا لم يكن ليتحفظ عن الاسراع في استبعاد نص روائي احيانا او تجاهل آخر احيانا اخرى مبررا ذلك بانه لا يتوافق مع ما تقدم في تفسير الاية، ولم يكن لينظر الى سند النصوص وتقييم تعارضها وغير ذلك، والشاهد الاهم هوفصل النص الروائي التفسيري عن القسم التفسيري نفسه، وهذا يدلل منهجيا على تاخر رتبي للنص الروائي، والا لكان من الضروري استحضاره لدى تفسير النص نفسه»((260)) .

    غير انه لدينا بعض الملاحظات بخصوص هذا التصريح، وهو ان الاشارة الى النص الروائي بعد تفسير الاية الكريمة لم يكن من باب التوالي الرتبي بقدر ما كان ركون العلامة الى حاكمية ظاهر الاية الكريمة والتي لا يرى معها ضرورة للتوضيح الروائي، لان اعمال النص الروائي وخصوصا فيما يخص اسباب النزول وجعلها راس الفهم للاية الكريمة، كان العلامة يعتبره تطبيقا وليس تفسيرا، وطبعا هكذا اعتماد ينسف اصل مشروع التفسير الذي ارتضاه العلامة، غير انه وفي جميع الاحوال يترك لنفسه وللقارئ الكريم فرصة اجراء قراءة تطبيقية للاية الكريمة وذلك بمنحه الادلة النقلية التي يمكن ان يستعين بها ليطبق الاية الكريمة على الواقع والتي تظل في جميع الاحوال خارج مهمة التفسير التي اوضحها العلامة في مقدمة كتابه.

    كما ان الدافع الثاني والاساسي هو ان الادلة النقلية على اهميتها تظل في العموم ظنية الورود تحمل نسبة من عدم صدورها عن المعصوم (، وهذه النسبة قد تكبر وقد تتضاءل، فلم يكن ليعول عليها في مقام تفسير القرآن الكريم، مصداقاللقاعدة الكبروية التي اوضحها العلامة وهي اصالة البيان في القرآن، وحاكميته على النص الروائي مما يجعل من ظواهرالقرآن مقومة للنص الروائي، وبالتالي لا يمكن ان تكون كاشفة للمعنى بالاولى الا من جهة التعضيد لا من جهة التاسيس للفهم.

    ف - «للعلامة الطباطبائي في خصوص ظواهر القرآن الكريم راي خاص، يقضي باعتبارها حجة وكاشفا عن الواقع، ما لم تقم قرينة قطعية على خلافها، كما هو الحال في معالجته مثلا، لبداية الخلقة الانسانية ورد نظرية داروين، والسبب في ذلك،اي امتياز الظواهر القرآنية عن مداليل الروايات، وحجية هذه الظواهر حتى في المجال العقدي والتكويني، يمكن ان يرجع

    اولا: الى اصالة النص القرآني ومرجعيته العامة حتى في تقويم الروايات وتمييز صحيحها من سقيمها.

    ثانيا: الى مبدا الوضوح القرآني، وان هذا الكتاب في نفسه بيان ومبين وواضح في دلالته ومعانيه، اي مبدا تفسير القرآن بالقرآن.

    وثالثا: وجود احتمال النقل بالمعنى في كثير من الروايات او اغلبها، مما يفسح المجال لاحتمال تسرب وعي الناقل وثقافته ومحيطه الفكري وطاقاته الذهنية الى داخل النص المنقول، مما يحدث فيه تصرفا في الالفاظ والعبارات، على خلاف الحال في النص القرآني، اذ لا ريب في انها عين الالفاظ التي اعلمها المولى سبحانه لنبيه الكريم.

    ورابعا: يقينية صدور النص الكتابي في مقابل ظنية صدور الروايات، وهو ما يحتمل ان تكون له علاقة ايضا».

    لكن الظهور المتحدث عنه عند العلامة الطباطبائي لا يشمل فقط البعد اللغوي الدلالي للكلمة، بل ايضا البعد الملاكي الحكمي وهي جنبة معرفية تهتم كثيرا بمحاولة استيعاب الحكمة من النص القرآني بمعاينة قواعد التفسير والتاويل مرتبطابالاتصال اللغوي واطرافه وشروطه وقواعده وآثاره والدلالات الاستعمالية، والكل مرتبطة بالتضمينات النظرية والمجال المعرفي الذي تتم فيه عملية التثوير والاكتناز، ودائما وفق المعول اللغوي بتوسع مجالي اكبر من المقام الدلالي الصرف،وهو ما اسماه الباحث مصطفوي بالافهوم القرآني((261)). والكل يبقى في اطار العنوان الكبروي المسمى التفسير، مع ضرورة الاشارة الى اهمية العقل في هذا المقام.

    ف - «انطلاقا من البرهانية التي اكسبته اياها الفلسفة سيما المتعالية، فقد اعتبر السيد الطباطبائي ان ثمة خللا منهجيا في التعاطي مع النصوص العقلية، وهذا الخلل يكمن في ان حجية النص وقيمته متفرعة عن العقل، وبالتالي فلا معنى لان تكون النصوص حاكمة على العقل ونشاطه، ومن اعتبر الطباطبائي ان تقييد البحث الكلامي بموافقة الشرع تسبب في منع البحث الحر وطريقة التفكير الاستدلالي» ((262)). بل ان هكذا نهج هو وقوع في الدور، ذلك «ان العقيدة التي يراد الاستدلال عليهالا تتبع في ثبوتها الاستدلال، لانها شرط في ممارسة الاستدلال واسباغ الشرعية عليه، فهي اذا ثابتة في المرتبة الاولى والا لما كان يصلح ان تكون قيدا لغيرها» ((263)) فتنقلب الامور فيصير «الاستدلال تابع للعقيدة في صحته»، والحال ان العكس هو الواجب.

    وطبعا التركيز على البعد الافهومي في القرآن الكريم هو عين ما اشار اليه العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني بالمعاني الكلية للالفاظ، حيث صرح: «ومن خصائص هذا التفسير ايضا، رعاية المعاني الكلية للالفاظ الموضوعة، وليس خصوص المعاني الجزئية الطبيعية والمادية المانوسة لذهن الانسان، وايضا تحديد موارد الجري والانطباق وفصلها عن متن المدلول المطابقي للايات» ((264)).

    وحتى نلملم الموضوع جيدا لا باس من اظهار الخطوط العريضة لمنهجية التفسير عند العلامة، ذلك انه يعمد في اطارتفسيره للاية الى سوق كل ما يتصل بها من آيات، مع بيان السورة والرقم لكل آية، ثم يستخلص المعنى الظاهر الذي دلت عليه مجموع الايات، كما لو كانت في سياق واحد، لان المفروض ان مصدر القرآن واحد، وانه يعتمد القرائن المنفصلة تماما كالمتصلة. ثم يعزز المعنى الظاهر، ويدعمه بمنطق العقل، ان كان من الموضوعات العقلية، والا اقام الدليل على انه لايتعارض مع العقل في شي، فاذا تم هذا انتقل بالمعنى القرآني الى حياة المجتمع، وقارن بينه وبين عقائد الناس وافعالهم وعاداتهم، على اختلاف اديانهم ومذاهبهم، واثبت ان من خالف القرآن في شي من ذلك فقد تنكر لانسانيته وتجافى عن الحياة الكريمة التي تتضمن له ولمجتمعه السعادة والهناء، ثم يلحق المؤلف بكل فصل من فصول الكتاب بابا مستقلا يوردفيه طرفا من احاديث الرسول واهل بيته((265))، فالانتقال من الظهور العرفي الدلالي الى الافهوم القرآني الكريم من جهة الاحاطة بالمعارف الكلية بشاهدية القرآن على بعضه البعض. هذا كان ايضاحا لمنهجية التفسير.

    اما على مستوى التاويل بما هو تعميق نظر في الحكمة الالهية، فان العلامة يكون ملزما باعتماد النص الروائي الى جانب المدركات العقلية والاثباتات الشهودية، لانه يرى بان بطون القرآن يساعد على تاييد ظواهره ((266)). وبالتالي لا تناقض في التفسير مع التاويل بقدر ما هو تعميق للنظر واستيعاب اقوى واعمق للثمار المعرفية والمعنوية الموجودة في ثناياالايات الكريمة. ولعل هذا من مصاديق الرتبية، لان العلامة لم يكن ينتقل للتاويل الا بعد المرور من التفسير، فلو تيسرللاستاذ حيدر حب اللّه توضيح ذلك لما وجد نفسه ملزما باقحام جملة «بالمعنى الغير السلبي للكلمة» في موطن بيان المنهج.

    فكما سوف يلاحظ القارئ الكريم بان عمدة هذه المنهجية هي نفس النقيصة التي سبق واوضحناها عند قراءتنا لمنهج الشيخ ابن كثير، اي جنبة التدبر العقلي التي ظلت مغيبة من الاول الى الاخر، وحاكمية الرواية على النص القرآني وخصوصا ان الرجوع الى آراء السلف الصالح والتي قد تتناقض لا تشكل الا اجتهادا بشريا في المقام، تجعل من مهمة المفسر - والذي هو مطبق بالضرورة - يوازن ويميل لما يعتقده سليما، فتكون المحصلة ادراج الفهم الشخصي للمفسر/المطبق واقعا وادعاء الماثور ظاهرا، هذا بغض النظر على ان الماثور متنازع كثيرا في صحة وروده، فالباحث عن حال الراوي من الطبقة الثانية والثالثة فما فوق يكاد لا يقف على راو واحد لم يطعن فيه.

    كما ان الاجتهاد المرهون بفهم الصحابة يجعل من التفاسير القرآنية التي اتت فيما بعد لا موجب لها، لان الرؤية الاسنادية واحدة، وهو كلام يجر الى الجمود في فهم كتاب اللّه، بخلاف المنهجية الافاقية التي اوضحناها بخفة في هذا المقام.

    زبدة الكلام ان فهم الكتاب لا يمكن ان يتحقق الا باجراء تدبر عقلي معتبر يهم مقام الظهور الاولي لكلام اللّه، بعدها ننتقل لاجراء قراءة كلية للقرآن الكريم من جهة ان بعضه ناطق بالبعض وان بعضه شاهد على بعض، فبهكذا منهجية يستمر الفتح المعرفي في اقدس النصوص واقوى النصوص واهم النصوص وهو نص الحياة العبادية الى آخر الزمان، ويظل الوحي عائش فينا ونحن عائشون به.




    [/align]





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]

    المنهج السلفي في تفسير القرآن.. نقد وتعليق

    د. عودة عبد عودة عبد اللّه

    القرآن الكريم مصدر الاسلام الاول، ودستوره الخالد، ولا ريب ان فهمه بشكل سليم هو غاية كل مسلم، وهو الثمرة العلمية المرجوة من تدبره، بغية الوصول الى الالتزام باحكامه وتوجيهاته ايمانا وعملا ودعوة.

    ويظهر في غير موضع من كتاب اللّه، ان اللّه سبحانه وتعالى حثنا على النظر في كتابه، وتدبر معانيه، واستنباط احكامه وحكمه. ولا شك ان الامر الذي يساعد على الفهم السوي السليم للقرآن هو «حسن تفسيره بما يبين مقاصده ويوضح معانيه، ويكشف اللثام عما فيه من كنوز واسرار، ويفتح مغاليقه للعقول والقلوب» ((391)).

    ومن هنا، فاننا لا نستغرب ان السلف كان لهم هذا الانكباب والاقبال المنقطع النظير على تفسير كتاب اللّه. فقد تركوا لناهذا الكم الهائل من التراث التفسيري، والذي ما تزال مكتباتنا تزخر به في هذه الايام.

    ويلحظ للوهلة الاولى، ان المفسرين تعددت مشاربهم، وتنوعت مناهجهم، في طريقة تناولهم لتفسير كتاب اللّه تعالى.فمنهم من غلب عليه جانب التفسير بالاثر كالطبري وابن كثير، او جانب التفسير البياني كالزمخشري وابو السعود، اوالتفسير الفقهي كالقرطبي والجصاص، ونحو ذلك. فغنى عن البيان، ان اكثر التفاسير القديمة، صرفت عنايتها الى ناحية معينة، كالنظر في اساليب القرآن، وما اشتمل عليه من انواع البلاغة، او التوسع في بيان وجوه الاعراب ومدلولات الالفاظ واستعمالاتها، او تتبع القصص من غير تفريق ولا تنقيح، او استنباط الاحكام الفقهية، او القول في اصول العقائد ومقارعة اهل الزيف والضلال، ونحو ذلك من الاتجاهات الخاصة التي يعد التوغل فيها والانصراف اليها مدعاة للخروج عن المقصودمن الكتاب الالهي.

    ولا شك ان هذا التراث الذي تركه المفسرون يعد ثروة علمية، لا يمكن الاستغناء عنها، ولا بد لكل مطلع على تفسيركتاب اللّه، ان ينظر فيها ويستخرج كنوزها، لان ذلك معين على حسن الفهم، وسعة الادراك، وبعد النظر.

    ولكن على الرغم من حاجتنا الماسة لكل هذه التفاسير، فان الامر يتطلب وقفة لمراجعة وتهذيب الكثير منها، لما داخلهامن غث، ولما شابها من كدر. فحقيق على مفسري كتاب اللّه، الذي تعهد اللّه بحفظه، ان يتجاوبوا مع هذه الحقيقة، فيجنبواتفاسيرهم كل ما فيها من ريبة، ويطرحوا عنها كل ما شوه جمالها وانقص بهاءها.

    والدعوة الى تنقية كتب التفسير ليست دعوة الى بدعة او ضلالة، لان تهذيب كتب التفسير بتنقيتها من الاسرائيليات،مطلب مهم من مطالب التعامل مع التراث، وذلك «لاننا بحاجة الى ان يكون التعامل مع القرآن، دونما هذا العازل الردي،الذي تدخل بين القارئ وبين النص المقدس ...

    وهو العازل المتمثل في الاسرائيليات» ((392)).

    يضاف الى ذلك، ان التفاسير دخل فيها كثير من القصص التي كانت تعد لونا من الوان الوعظ، ولكن هذه القصص بعد مروروقت من الزمن، تحولت الى حقائق ثابتة في نظر بعض الناس، مما يؤكد الجهد الواجب بذله في تحقيق هذه الكتابات.

    ولعل ادراك ابن تيمية لهذه الحقيقة هو ما جعله يرسم لنفسه منهجا خاصا في التفسير، يقوم على اساس الدراسة النقدية لكتب التفسير، والتمييز في المنقول والمعقول بين الحق والباطل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الاقاويل، فكان يقول:

    «وربما اطلعت على الاية الواحدة في نحو مائة تفسير، ثم اسال اللّه تعالى الفهم» ((393)).

    ويقول: «ان الكتب المصنفة في التفسير مشحونة بالغث والسمين، والباطل الواضح والحق المبين. والعلم اما نقل مصدق عن معصوم، واما قول عليه دليل معلوم، وما سوى ذلك اما مزيف مردود، واما موقوف لا يعلم انه بهرج ولا منقود». ((394)) فقد تسرب الى تراثنا التفسيري الكثير من الروايات التي شوهت وجهه وكدرت صفاءه، بما تحمل من خرافات واباطيل راجت بضاعتها بين اليهود والنصارى، ثم ارادوا ترويجها بين المسلمين. وكان اليهودية حين منيت امام دعوة الاسلام بالهزيمة العسكرية، ارادت ان تقاوم الاسلام بسلاح آخر يعوضها عن هزيمتها، وذلك هو الغزو الثقافي، فدست اسرائيلياتهاالمنكرة، في غفلة من الزمن، فلم تمض برهة حتى غصت بها كتب المسلمين.

    والامثلة على الروايات السقيمة التي حشيت بها كتب التفسير كثيرة، لا يكاد يخلو منها تفسير من هذه التفاسير. فمن غريب هذه الاسرائيليات وعجيبها، ما نقراه في كثير من كتب التفسير عند النظر في بعض آيات سورة ص مما يترفع القلم عن تدوينه((395)) .

    وهناك روايات اخرى ضعيفة كان الاجدر ان ين -زه عنها كتاب اللّه، ولا بد ان تطرح من كتب التفسير. فهناك رواية لاحمد في مسنده نقلها ابن كثير في تفسيره، جاء فيها: عن زر، قال لي ابى بن كعب: «كم تقرؤون سورة الاحزاب؟ فقلت:بضعا وسبعين آية. قال: لقد قراتها مع رسول اللّه (ص)مثل البقرة او اكثر منها، وان فيها آية الرجم ((396))».

    قال الغزالي معلقا على هذه الرواية: «وهذا كلام سقيم، فان اللّه لا ين -زل وحيا يملا اربعين صفحة، ثم ينسخه او يحذف منه اربعا وثلاثين ويستبقي ست صفحات وحسب» ((397)).

    ومن جانب آخر، فانه بالرغم من تقديرنا لهذه التفاسير، وعظيم احترامنا لجهود علمائنا فيها، الا انه يجب علينا الا نتخذهاقوالب جاهزة جامدة، ونتناسى بذلك روح العصر الذي نعيش فيه، فان اللّه سبحانه وتعالى تعبدنا بالفاظ كتابه الكريم ولم يتعبدنا بالفاظ المفسرين واقوالهم. لذلك فانه لا بد لنا ان نتعلم فن الجمع بين الاصالة والمعاصرة، لانهما امران متلازمان،«فان من ينشد الاصالة بدون المعاصرة، كمن ينشد المعاصرة بدون الاصالة، الاول مقلد والثاني تابع، بل كلاهما تابع ومقلد» ((398)).

    فمن آيات اعجاز القرآن وخلوده، اننا نستمد منه في كل عصر ما يمكننا من مواجهة الاراء المستحدثة والقضاياالمستجدة، فالقرآن كتاب كل زمان وكل مكان. لذلك فانه يجب علينا ان لا نتوقف عند ما كتبه السابقون، بل لا بد من امعان النظر في كتاب اللّه واعمال الفكر فيه في كل عصر، لانه كتاب حى لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد.

    وهذه حقيقة اقرها الامام الرازي من قبل، حيث يقول عند تفسيره لقوله تعالى: (فان خفتم الا تعدلوا فواحدة)(النساء:3): «اءثبت في اصول الفقه، اءن المتقدمين اذا ذكروا وجها في تفسير الاية، فذلك لا يمنع المتاخرين من استخراج وجه آخر في تفسيرها. ولولا ذلك لصارت الدقائق التي استنبطها المتاخرون في التفسير مردودة باطلة، وذلك لا يقوله الا مقلدخلف» ((399)).

    وممن دان بهذا الراي، ودعا الى تجديد التفسير القرآني، واعادة النظر في مقاصده البعيدة السامية، الشيخ محمد عبده، الذي يقول: «قد يدعي بعض اهل العصر، انه لا حاجة الى التفسير والنظر في القرآن، لان الائمة السابقين نظروا في الكتاب والسنة واستنبطوا الاحكام منها، فما علينا الا ان ننظر في كتبهم ونستغني بها، وهكذا زعم بعضهم. ولو صح هذا الزعم لكان طلب التفسير عبثا يضيع به الوقت سدى ... خاطب اللّه بالقرآن من كان في زمن التن -زيل، ولم يوجه الخطاب لهم لخصوصية في اشخاصهم، بل لانهم من افراد النوع الانساني الذي اءنزل القرآن لهدايته. يقول تعالى: (يا اءيها الناس اتقوا ربكم) (الحج:1)، فهل يعقل ان يرضى منا بان لا نفهم قوله هذا، ونكتفي بالنظر في قول ناظر فيه، ولم ياتنا وحى من اللّه بوجوب اتباعه لا جملة ولا تفصيلا؟ كلا، انه يجب على كل واحد من الناس ان يفهم آيات الكتاب بقدر طاقته» ((400)).

    ولكن على من يدعي التجديد، ان يدرك المنهج الامثل في تفسير القرآن، والذي يقوم على اصول راسخة، وقواعد شامخة،تتمثل في خطوات معلومة، ومعالم مرسومة، وضوابط بينة يجب مراعاتها والالتزام بها، حتى تتضح للمفسر الغاية، وتستقيم له الطريق. فلا بد للمفسر ان يجمع بين الرواية والدراية، فيفسر القرآن بالقرآن، وبصحيح السنة، وينظر في اقوال الصحابة والتابعين، ولا ينسى مراعاة السياق واسباب الن -زول، وعليه قبل كل ذلك ان يكون عالما باللغة التي نزل بها القرآن.

    ومما تجدر الاشارة اليه هنا، ان فكر السلف في التفسير لم يكن بمناى عن الصراعات الفكرية التي كانت تدور في عصركل مفسر. وكثيرا ما كان هذا المفسر او ذاك يمثل اتجاها معينا، فهو بالتالي كان ناصرا ومؤيدا لفكرته واتجاهه، ونرى ان ذلك انعكس بشكل واضح وملموس على تفسيره، حتى دخلت الى التفسير بعض التاويلات الفاسدة الباطلة التي ما جاءت الا لتساند فكرة ما. حتى قال بعض الشيعة في تفسير قوله تعالى:

    (تبت يدا ابي لهب وتب) (المسد: 1): هما ابو بكر وعمر.كما اعتمد الجبرية على مثل قوله تعالى: (واللّه خلقكم وما تعملون) (الصافات: 96) في اعتبار الانسان مسيرا لا ارادة له ولا اختيار، وانه كريشة في مهب الريح تحركها الاقدار كيف تشاء. وحتى الزمخشري صاحب الفكر المعتزلي، لم يخل تفسيره من بعض الشطحات الاعتزالية. وهناك تفسيرات ا خرى غريبة للقاديانية والبهائية وغيرهما.

    لذلك فانه لا بد لنا من ان نعي هذه الحقيقة المهمة، حتى ندرك مرامى كل مفسر عندما نتعامل مع تفسيره، فلا نتعامل مع مفسر دون ان نحيط ولو لماما بطبيعة الصراعات الفكرية التي عايشها، حتى نجعل من عقولنا ميزانا نقوم به ما يصدر عنه.

    نستنتج مما سبق، ان التراث التفسيري الذي تركه لنا السلف، من الاهمية بمكان، بحيث لا يستغني عنه طالب علم، اوراغب في الغوص الى معاني القرآن الكريم. الا ان ذلك لا يبرر لنا الجمود على هذا التراث، بل لا بد من تحقيقه وتنقيته من الشوائب والانحرافات. ثم لا بد لنا من الابداع والتجديد، وذلك بان ننظر في القرآن بنظرة العصر الذي نعيش فيه، والواقع الذي نحياه، فان لكل زمن ظروفه الخاصة، التي تميزه عن غيره، والقرآن كتاب اللّه للناس كافة، منذ نزوله على سيدنامحمد(ص) وحتى قيام الساعة.







    [/align]





  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]
    السلفية ونظرية الصفات الالهية

    د. يحيى محمد

    ليست هناك قضية اشتد حولها الخلاف بين علماء اهل السنة اشد من نظرية الصفات الالهية، اذ كانت محورا للنزاع لا فقط بين اصحاب الدائرتين العقلية والبيانية (النقلية)، بل كذلك بين اصحاب الدائرة البيانية انفسهم. ومع ان هناك من يدعي ان للسلف موقفا موحدا ازاء هذه النظرية كالذي نظر اليه ابن تيمية فيما بعد، لكن حقيقة الحال ان علماء السلف - طيلة القرون الثلاثة للهجرة - كانوا مختلفين حولها اختلافا شديدا، حيث انقسموا الى ثلاثة او اربعة اتجاهات متباينة قد تتداخل فيمابينها احيانا.

    فالاتجاه الاول ابقى معنى الظواهر اللفظية للصفات على ما هو عليه من التجسيم والتشبيه مع المخلوق، وبعضهم استرسل في ذلك وجعل يعدد اعضاء الاله عضوا عضوا. ويضم هذا الاتجاه الكثير من الرجال كالذي يتبين من كتب الفرق والتفسيروالسنة والتوحيد. وقد ذكر ابو الحسن الاشعري في مقالاته ان هناك ستة عشر مذهبا يدعو الى التجسيم، ونقل من بينها ماقاله داود الجواربي ومقاتل بن سليمان من ان اللّه جسم، وانه جثة على صورة انسان، له جوارح واعضاء من يد ورجل ولسان وراس وعينين، كما له لحم ودم وشعر وعظم، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه الغير، وحكي عن الجواربي انه كان يقول: اجوف ما فيه الى صدره، ومصمت ما سوى ذلك((267)) . كما ذكر ابن تيمية بان مقالة المشبهة الذين يقولون يدكيدي وقدم كقدمي وبصر كبصري هي مقالة معروفة، وقد نقلها الائمة، كيزيد بن هارون واحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه وغيرهم وانكروها وذموها ونسبوها الى مثل داود الجواربي البصري وامثاله((268)) .

    اما الاتجاه الثاني، فقد اخذ يمارس التاويل احيانا مثلما فعل اصحاب الدائرة العقلية وان اقتصر على حالات محدودة.

    في حين مال الاتجاه الثالث الى التفويض، وقد اختلف معناه لدى المتاخرين، فبعضهم راى ان تفويضهم يتعلق بفهم المعنى بعد نفي الظاهر، وبعض آخر راى انه لم يكن بصدد المعنى والتفسير، بل بصدد الحقيقة الخارجية، حيث ان اللّه (ليس كمثله شي) (الشورى: 11).

    ويبدو ان كلا المعنيين للتفويض ورد عن السلف، مثلما ورد عنهم التاويل ايضا، بل قد تجد الواحد منهم يعمل بالتاويل في صفة ما من الصفات، وبتفويض المعنى في غيرها، او بتفويض الحقيقة دون المعنى. لكن الشي الثابت هو ان التاويل قد سبق التفويض زمانا، وان الصحابة لم يؤثر عنهم التفويض بخلاف التاويل، ومن ذلك ما روي عن ابن عباس وغيره في تاويله لنصوص الاتيان في ظلل من الغمام والكشف عن الساق والكرسي والدنو الوارد في حديث الاسراء وغيرها ((269)).

    ولم يظهر التفويض الا متاخرا خلال القرن الثاني للهجرة، حيث عول عليه العلماء باشكال شتى.

    فبعضهم كان يامر بالقراءة والسكوت، مثلما عبر عنه سفيان بن عيينة بقوله: كلما وصف اللّه من نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه .((270)) وبعض آخر كان يؤمن بالصفات كما جاءت ويمنع تفسيرها، مثلما عبر عن ذلك ابو عبيد القاسم بن سلام ووكيع واسماعيل بن ابي خالد وسفيان وسليمان وغيرهم ((271)).

    وبعض ثالث كان يقر بها ويامر بامرارها كما جاءت مع منع الكيف والسؤال، كالذي روي عن عدد من السلف مثل مالك والثوري والليث بن سعد والاوزاعي وسفيان بن عيينة وغيرهم . ((272))


    وقد تلتبس عبارات السلف بالمراد من التفويض ان كان القصد منه المعنى كله او الحقيقة فحسب، وكلا الاحتمالين وارد.كما يلاحظ وجود تعددية في الموقف حتى لدى الرجل الواحد.

    فمثلا كان الامام مالك يثبت صفة الاستواء على العرش من غير تكييف، وفي الوقت ذاته يؤول صفة النزول الى نزول امره او رحمته او ملائكته، ولا ياخذ بظاهر الاحاديث التي تضمنته، معللا ذلك بان اللّه دائم لا يزول((273)) . كذلك فانه كان ينفي بعض الصفات في الاحاديث المنقولة رغم انها عدت فيما بعد من الصحاح، مثل حديث (خلق اللّه آدم على صورته) وحديث الكشف عن الساق ((274)).

    وكذا كان احمد بن حنبل يقر بالظاهر اللفظ ي للصفات ويفوض حقيقتها، لكنه في الوقت ذاته كان يمارس التاويل احيانا،مثل تاويله للمعية والمجي والاتيان والذكر المحدث الخاص بالكلام الالهي وغيرها. فقد نقل عنه انه تاول عددا من آيات المعية والقرب الى معنى العلم، مثل قوله تعالى: (نحن اقرب اليه من حبل الوريد) (ق: 16)، وقوله: (وهو معكم اينما كنتم)(الحديد/4)، وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم) الى قوله: (هو معهم اين ما كانوا) (الحديد/5)، معللا ذلك بان اللّه تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان((275)) .

    ومن الطريف ان الكثير من السلف يؤولون آيات المعية، في حين يتقبل الجهمية ظاهرها، حيث يقولون بان اللّه في كل مكان،ويستشهدون بقوله تعالى: (وهو معكم اينما كنتم)((276)).

    كما نقل ابن الجوزي عن ابن حنبل انه اعتبر الاتيان في قوله تعالى: (هل ينظرون الا ان ياتيهم اللّه في ظلل من الغمام)(البقرة/210)، هو بمعنى قدرته وامره، مثلما هو موضح في قوله تعالى: (او ياتي امر ربك) (النحل/33)، وكذا فان معنى المجي في قوله تعالى: (وجاء ربك) (الفجر/ 22)، هو قدرته((277)) . وفي رواية اخرى عن ابن حنبل ان المقصود بالاية هوجاء ثوابه ((278)).

    كما روي انه سئل عن بعض الاحاديث التي تتضمن ان سورة البقرة تجي يوم القيامة، وكذا مجي سورة تبارك، فاجاب ان معنى ذلك هو الثواب، واستشهد عليه بتاويله لقوله تعالى:

    (وجاء ربك)، حيث اعتبر ان معناه هو اتيان قدرته، وزاد على ذلك بقوله: انما القرآن امثال ومواعظ. لذا استدل الحافظ البيهقي بان احمد بن حنبل كان لا يعتقد بالمجي الوارد في القرآن،ولا بالنزول الوارد في السنة، بمعنى الانتقال من مكان الى مكان، كمجي ذوات الاجسام ونزولها، وانما هو عبارة عن ظهورآيات قدرته ((279)) .

    كذلك روي انه لم يتقبل ظاهر الحديث القائل: «ما خلق اللّه من سماء ولا ارض اعظم من آية الكرسي»، بل ولم يرض ان يحدث به احدا ايام محنته المعروفة حول خلق القرآن، وقال في تاويله للحديث: ان الخلق واقع ها هنا على السماءوالارض وهذه الاشياء، لا على القرآن ((280)).

    وكذا روى البيهقي ان ابن حنبل اجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث الااستمعوه وهم يلعبون) (الانبياء/2) فقال: يحتمل ان يكون تنزيله الينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعنه انه قال ايضا: يحتمل ان يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول اللّه (ص)او وعظه اياهم ((281)). وبعض ما احتمله ابن حنبل لتفسير الاية هو ذاته المنقول عن هشام بن عبيد اللّه الرازي (المتوفى سنة 221هـ)، حيث سئل كيف يكون القرآن غير مخلوق واللّه يقول: (ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث)؟ فرد على ذلك بانه محدث الينا وليس عند اللّه بمحدث،وعلق عليه الحافظ الذهبي بقوله: لانه من علم اللّه وعلم اللّه لا يوصف بالحدث ((282)).

    مع هذا يظل ان المسلك العام للسلف هو الابتعاد عن تحديد معنى الصفات وامرارها كما جاءت دون بحث وتنقيب،كالذي اشار اليه الذهبي في عدد من الموارد ((283)).

    لكن تحضرنا بعض الملاحظات بهذا الخصوص كالاتي:

    1 - ان التفويض لدى السلف تارة يحمل على المعنى الكلي مع استبعاد الظاهر، واخرى يحمل على الحقيقة فحسب.

    2 - ان المتاخرين الذين نظروا لمذهب السلف لم يلتزموا بخصوصية الامرار الذي كانوا عليه، بل بحثوا ونقبوا لاثبات ماعليه الظاهر ولو مع نفي التكييف والتشبيه، كالذي مارسه ابن تيمية واتباعه.

    3 - ان الخلاف الذي لحظناه عند السلف ازاء الصفات قد انعكس على رؤى المتاخرين من اصحاب البيان، حيث تباينت مواقفهم حول هذه الصفات الى اتجاهات ثلاثة: مشبهة، ومؤولة، ومفوضة، والغالب في التفويض لدى المتاخرين هوتفويض الحقيقة لا المعنى والتفسير، وابرز من ذهب الى ذلك ابن تيمية واتباعه، ومن قبله اغلب الحنابلة.

    ومن تجليات هذا التباين ما ظهر من نزاع بين المؤولة من جهة، وبين المشبهة والمفوضة القائلين بتفويض الحقيقة لاالمعنى من جهة ثانية. فقد لجا المؤولة من البيانيين الى اساليب عديدة للرد على المشبهة ومن على شاكلتهم من القائلين بتفويض الحقيقة لا المعنى. وكان من بين هذه الاساليب اللجوء الى البيان اللغوي والاعتبارات العقلية في الرد على الاخذين بالظاهر اللفظ ي، وكذا الاستنجاد بما فعله بعض الصحابة والسلف من التاويل، واضيف الى ذلك الاستعانة بالمتاخرين من البيانيين الذين مارسوا التاويل، بل والاستعانة احيانا باصحاب الدائرة العقلية في ممارستهم للعملية التاويلية. كما ان البعض ابدى قبول التفويض دون التفسير والتاويل مع نفي الظاهر اللفظ ي للصفات.

    فنحن هنا امام عدد من الاتجاهات البيانية للمتاخرين. احدها اخذ بالظاهر اللفظ ي والتشبيه، كالذي يظهره الكثير من الحنابلة المجسمين. وثانيها اخذ بهذا الظاهر مع دعوى عدم التشبيه والتكييف، ناسبا ذلك الى السلف. وهو الاتجاه الذي يمثله تيار ابن تيمية والكثير من الحنابلة. وثالثها اعتمد على البيان الديني بوصفه بيانا تاما وكاملا لا يحتاج الى سلف،وبالتالي فقد اجتهد في تاويل الفاظ الصفات والرد على خصومه من البيانيين المكيفين وغير المكيفين، وان اعتمد بدوره على ما كان سائغا في الاستخدام اللغوي ومنه ما سبق اليه السلف، كالذي عليه اتجاه ابن حزم الاندلسي. ورابعها نازع من ادعى ان مذهب السلف هو الاخذ بالظاهر اللفظ ي من الصفات، حتى مع القول بعدم التشبيه والتكييف، معتبرا ان السلف كانوا ينفون الظاهر اللفظ ي للصفات، سواء بالتاويل او التفويض الكلي. ومن ابرز من يمثل هذا الاتجاه الحافظ الحنبلي ابوالفرج بن الجوزي كما في كتابه (دفع شبه التشبيه). وقد ظهر وسط هذا الاتجاه جماعة اخذوا على عاتقهم نقل ما يروى عن السلف ومن اتبعهم من تاويلات، كما استعان بعضهم بما قدمه غيرهم من اصحاب الدائرة العقلية من اساليب تاويلية،كالذي سلكه الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني.

    وبالتالي فقد ظهر لدى المؤولة من اصحاب الدائرة البيانية نمطان من انماط التوظيف المستخدم لغرض التاويل والرد على نظرائهم من البيانيين، كالذي يتبين مما ياتي:

    1- التوظيف الفلسفي للتاويل يعود هذا التوظيف الى ابن حزم (المتوفى سنة 456هـ). واول ما تبدا به نظريته هو الاعتراض على لفظ الصفات، اذ يرى ان اطلاق هذا اللفظ على اللّه محال، لانه تعالى لم ينص قط في كلامه المنزل على هذا اللفظ، ولا على لفظ الصفة، ولا حفظ عن النبى(ص)بان للّه تعالى صفة او صفات، بل ولا جاء ذلك عن احد من الصحابة ولا عن احد من خيار التابعين ولا حتى من خيار تابعي التابعين. واعتبر ان المسؤولية في اختراع لفظ الصفات تقع على عاتق المعتزلة وهشام بن الحكم ومن شاكلهم ممن سلكوا مسلك الكلام بعيدا عن طريقة السلف. وعد اللفظ المذكور بدعة منكرة لا يحل لاحد النطق به((284)).

    ثم انه نقد الطوائف التي اخذت على عاتقها اثبات الصفات حسب الظواهر اللفظية. فذكر انه ذهبت طائفة الى ان اللّه تعالى جسم مثلما جاء في الصفات التي وردت في القرآن والحديث، ففي القرآن مثل اليد واليدين والايدي والعين والوجه والجنب، وكذا مجي الرب مع الملائكة واتيانه في ظلل من الغمام وتجليه على الجبل، اما في الحديث فمثل القدم واليمين والرجل والاصابع والنزول.

    وقد اعتبر ابن حزم ان لجميع هذه النصوص وجوها ظاهرة بينة بخلاف ما ظنته مثل هذه الطائفة. ومع ان ما تراه ان اللّهجسم لا كالاجسام امتثالا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي(، الا انه اعتبر ذلك من السفسطة، حيث معنى الجسم في اللغة هوالطويل العريض العميق المحتمل للقسمة ذي الجهات الست، وهي الفوق والتحت والوراء والامام واليمين والشمال، فكيف على هذا يقال انه جسم لا كالاجسام، وهو يتصف بهذه الصفات؟ واعتبر ذلك يختلف عن القول بان اللّه حي لا كالاحياء،وعليم لا كالعلماء، وقادر لا كالقادرين، وشي لا كالاشياء، اذ وردت هذه الالفاظ في النص بخلاف لفظ الجسم، والوقوف عند النص فرض. مع هذا فابن حزم لا يعد مثل هذه الطائفة من المشبهة، بل اعتبرها ممن الحد في اسماء اللّه تعالى، اذسموه بما لم يسم به نفسه ((285)) .

    هكذا وافق ابن حزم العقليين في ان الصفات التشبيهية من الوجه واليد والعين وغيرها لا يراد بها ما هو ظاهر اللفظ المفرد،خلافا لمن وصفهم بالمجسمة الذين جعلوا للّه وجها ويدين وعينين وسائر الصفات التشبيهية. واعتبر ان وجه اللّه انما يرادبه اللّه تعالى مثلما يقول اصحاب الاتجاه العقلي، وقد استدل بالنصوص القرآنية ذاتها من ان الوجه لا يراد به غير اللّه،وذلك بقوله تعالى: (انما نطعمكم لوجه اللّه( (الانسان/9)، حيث من الواضح ان القائلين بذلك لم يقصدوا غير اللّه تعالى.ومثله قوله تعالى: (اين ما تولوا فثم وجه اللّه( (البقرة/115)، اي فثم اللّه. واعتبر ذلك يصدق ايضا على ما جاء من ان للّهيدا وايدي، وكذا عينا واعينا، فكل هذا يقصد به اللّه تعالى، ولا يقصد به ما هو ظاهر اللفظ، ومنع القول ان للّه عينين حيث لم يرد بذلك نص ولا خبر((286)) ، كما منع تفسير الايدي باليدين، ومثله تفسير الاعين بالعينين، وعد ذلك مدخلا في قول المجسمة، واعتبر ان للّه يدا ويدين وايدي وعينا واعينا كما جاء في النص، وكل ذلك لا يراد به غير اللّه كما هو واضح من السياق، وليس في النص ما يقول ان للّه يدا لا تعرف ذاتها، ولا ان للّه وجها لا تعرف حقيقته، فالظاهر لا يدل على ذلك.ومثله ما جاء عن النبي من ان كلتا يديه يمين، فهو كقوله تعالى: (وما ملكت ايمانكم( (النساء/36)، اي وما ملكتم، حيث لما كانت اليمين في لغة العرب يراد بها الحظ للافضل، فان معنى (كلتا يديه يمين) اي كل ما يكون منه تعالى من الفضل فهوالاعلى((287)).

    كما اجرى ابن حزم التاويل في عدد من آيات الصفات، ومن ذلك صفة المعية والمكان، مثل قوله تعالى: (ونحن اقرب اليه من حبل الوريد) (ق/16) وقوله: (ونحن اقرب اليه منكم) (الواقعة/85) وقوله: (ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم((المجادلة/7) معتبرا معنى هذه الايات يفيد التدبير والاحاطة دون الصفة المكانية، باعتبار ان ذلك يفضي الى القول بالجسمية، اذ ما كان في مكان فانه متناه بتناهي مكانه، وذلك من صفات الجسم. وقد عارض ابن حزم الذين قالوا بان اللّهفي كل مكان، كما عارض من قال انه في جهة ما من الامكنة ((288)) ، ورد عليهم بما استشهد به من قوله تعالى: (الا انه بكل شي محيط( (فصلت/54)، حيث ان مفهوم الاية يوجب ضرورة ان اللّه لا في مكان، اذ لو كان في المكان لكان المكان محيطا به من جهة ما او من جهات، وهو منتف بحق اللّه حسب الاية المذكورة، حيث المكان شي، ومن المحال ان يكون فيه شي آخر محيط بالاول (المكان) ((289)).

    وعلى هذه الشاكلة قام ابن حزم بتاويل آية الاستواء على العرش لينفي البعد المكاني والجسمي عن اللّه تعالى، معتبرا ان معنى قوله تعالى: (على العرش استو) (طه/5) هو ان اللّه فعل فعله في العرش، وهو انتهاء خلقه اليه، فليس بعد العرش شي،مستدلا على ذلك بما جاء عن النبي من ذكر الجنات، حيث قال (:

    فاسالوا اللّه الفردوس الاعلى فانه وسط الجنة واعلى الجنة وفوق ذلك عرش الرحمن، مما يدل انه ليس وراء العرش خلق، وانه نهاية جرم المخلوقات الذي ليس خلفه خلاءولا ملاء.. كما استدل بان معنى الاستواء في اللغة هو ان يقع على الانتهاء مثلما جاء في قوله تعالى: (فلما بلغ اشده واستوى آتيناه حكما وعلما) (يوسف/22)، اي فلما انتهى الى القوة والخير، وكذا قوله تعالى: (ثم استوى الى السماء وهي دخان( (فصلت/11)، اي ان خلقه وفعله انتهى الى السماء بعد ان رتب الارض على ما هي عليه ((290)).

    مع هذا فقد توقف ابن حزم عند معنى قوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية( (الحاقة/17)، مفوضا معناه الى علم اللّه، وان احتمل ان المقصود بذلك هو السماوات السبع والكرسي، فهي ثمانية اجرام، كما قد يكون المعنى هوثمانية ملائكة حسب ظاهر النص، معتبرا كل ذلك من الغيب الذي لم يصح فيه خبر عن النبي حتى يقال فيه شي، سوى القول: (آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران/7) .((291)) كذلك قام ابن حزم بتاويل آيات السمع والبصر، وهو ان المقصود منها علمه تعالى، لا ان له سمعا وبصرا مثلما هو الحال في الشاهد، خاصة وانه لم يرد في النص ان له سمعا وبصرا، بل ورد انه سميع بصير، وحيث انه ليس كمثله شي فهو سميع بصير بذاته، بل ان معنى كونه سميعا بصيرا هو انه عليم، وان معنى (اسمع وار) (طه/46) هو اطلاق له على كل شي على عمومه، وهو بالتالي مفاد العلم. ومثله ما روي عن السيدة عائشة انها قالت: «الحمد للّه الذي وسع سمعه الاصوات»، حيث اعتبر سمعه بمعنى علمه ((292)).

    كما اعتبر ان العلم الالهي هو ليس غير اللّه، وكذا قدرته وقوته، وذلك على شاكلة ما ذهبت اليه بعض الاتجاهات العقلية في ردها للصفات الى الذات الالهية. لكن ابن حزم استدل على هذا الامر بالنص القرآني، وهو قوله تعالى: (ليس كمثله شي(، حيث دل النص على ان اللّه خلاف خلقه من كل وجه، اذ لا يكون مثل هذا الخلاف المطلق الا عند اعتبار علمه وسائر اسمائه هي ليست غيره. فكونه سميعا بصيرا عليما حكيما لا يقتضي ان يكون له سمع وبصر وعلم وحكمة كما هوفي الشاهد، ناهيك عن النفي الخاص بالصفات التشبيهية كاليد والوجه والعين وما اليها. فلولا النص لما جاز اطلاق تلك الاسماء عليه ((293)) .

    وقد اضطر ابن حزم احيانا الى ان يخرج عن السياق السابق من تاويل بعض الاسماء الى العلم، كالبصر مثلا، ففي الحديث المصحح جاء عن النبي قوله: «ما بينهم وبين ان يروه الا رداء الكبرياء على وجهه لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره»، اعتبر ابن حزم ان معنى البصر قد يستعمل في اللغة بمعنى الحفظ، كما يقول النابغة:

    رايتك ت -رعاني بعين بصيرة وتبعث حراسا على وناظرا فمعنى الحديث هو انه لو كشف تعالى الستر الذي جعل دون سطوته لاحرقت عظمته ما انتهى اليه حفظه ورعايته من خلقه.

    ومنع ان يكون معنى البصر هو الظاهر باعتباره ذا نهاية، وكل ذي نهاية محدود، وكل محدود محدث ((294)) .

    وعلى هذه الشاكلة احضر ابن حزم جملة من النصوص التشبيهية لتاويلها، كالنصوص الخاصة بالساق والقدم والاصابع والمجي والاتيان والنزول والصورة وغيرها.

    اخيرا يمكن القول ان كل ما فعله ابن حزم من تاويل انما هو بايعاز (فلسفي) للاية القرآنية (ليس كمثله شي(. فقد اخذمعنى الاية على ظاهرها، وهو ان اللّه ليس له مثل من جميع الوجوه، وعليه فكل ما يتبادر انه معارض لظاهر هذه الاية لابد من تاويله، سواء كان ذلك بفعل الاساليب اللغوية والنقلية، او بفعل الممارسات العقلية كالمنطقية والفلسفية وما اليها. وهومع كل هذا وذاك متاثر بالمقولات الفلسفية للنظام الوجودي، وذلك باعتباره يقول كما يرى الفلاسفة ان اللّه له ماهية هي عين انيته او وجوده، وذلك بخلاف غيره من الكائنات التي تمتاز بخصوصية اختلاف الانية عن الماهية .((295)) 2- التوظيف النقلي للتاويل يعد ابو الفرج بن الجوزي ( المتوفى سنة 597هـ) اهم شخصية بيانية للرد على البيانيين الذين تقبلوا الظواهر اللفظية من الصفات الالهية مع قيد (ليس كمثله شي). ذلك انه زيف هذا الجمع المفتعل بين الامرين كالذي عليه طريقة اغلب الحنابلة التي انتصر لها ابن تيمية - فيما بعد - وادعى ان السلف كانوا يذهبون اليها دون خلاف. فعلى العكس من ذلك نفى ابن الجوزي ان تكون طريقة السلف - بما فيها طريقة احمد بن حنبل - كما تصورها المتاخرون من الحنابلة، وايد ذلك ما نقله من الاثار التي تشير الى انهم لم يتقبلوا الظواهر اللفظية للصفات، بل اجروا عليها شتى انواع التاويل، وان كان اغلبهم امربامرارها دون تاويل ولا تفسير.

    لقد الف ابن الجوزي كتابه (دفع شبه التشبيه) ردا على اصحابه من اتباع الامام احمد بن حنبل، فذكر في ديباجته انه راى من اصحابه من تكلم في الاصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة، هم ابو عبد اللّه بن حامد البغدادي (المتوفى سنة 403هـ)، وصاحبه القاضي ابو يعلى الحنبلي (المتوفى سنة 458هـ)، وابن الزاغوني (المتوفى سنة 527هـ)، ووصفهم انهم صنفوا كتبا شانوا بها المذهب، اذ حملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا ان اللّه تعالى خلق آدم على صورته،فاثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما ولهوات واضراسا واضواء لوجهه هي السبحات ويدين واصابع وكفاوخنصرا وابهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الراس، كما قالوا: يجوز ان يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم انه يتنفس ايضا، لكنهم مع ذلك يستدركون ويقولون ان هذه الصفات لا كما يعقل ويتصور، وانهاصفات ذات لا فعل.

    ومع انهم حملوا النصوص على ظواهرها اللفظية لكنهم يتحرجون من التشبيه، مع ان كلامهم كما يقول ابن الجوزي صريح في التشبيه والتجسيم المفرط، وان ذلك صار مدعاة لتهمة من كان حنبليا. وقد عد ابن الجوزي انه لا غنى من استخدام العقل في مثل هذه الموارد، فهو اصل قد عرف به اللّه وحكم عليه بالقدم((296)) . وهو ذات التبرير الذي قدمته الدائرة العقلية في ممارستها للتاويل ورفض الظواهر اللفظية عند معارضتها للعقل.

    لذلك سعى ابن الجوزي للرد على الحنابلة الثلاثة وتاويل ما قدموه من الظواهر التشبيهية الواردة في كل من القرآن والسنة. وعول في هذا الامر على الترتيب الذي قدمه ابو يعلى الحنبلي للصفات المذكورة. وكان لذلك رد فعل من قبل بعض الحنابلة المتشددين، فقد هاجمه اسحاق بن احمد العلثي (المتوفى سنة 634هـ) برسالة طويلة شديدة اللهجة، واتهمه بالتناقض، حيث انه ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام، ثم يقدم على تفسير ما لم يره، ويقول: اذا قلناكذا ادى الى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده، وينقض عهده وقوله بقول فلان وفلان من المتاخرين .((297)) كما قام عدد من الحفاظ والبيانيين بالرد على المشبهة والاخذين بالظواهر اللفظية من الصفات، ووظفوا لذلك مقالات السلف وغيرهم من البيانيين الذين مارسوا التاويل.

    وكان من بين هؤلاء الامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني وابن دقيق العيد وغيرهم، حيث وجدوا لكل صفة تذكر، سواء في القرآن او الحديث، تاويلا او اكثر ينسب الى السلف او من جاءبعدهم من البيانيين، من امثال: القاضي عياض والخطابي وابن عقيل وابن بطال وغيرهم.

    فقد ذكر النووي ان لاهل العلم في احاديث وآيات الصفات قولين: احدهما يعود الى معظم السلف او كلهم، ومفاده انه لايصح التكلم في معناها، بل يجب الايمان بها والاعتقاد ان لها معنى يليق بجلال اللّه وعظمته، مع الاعتقاد الجازم ان اللّهتعالى ليس كمثله شي، وانه منزه عن التجسم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق. وهو قول نسبه النووي ايضا الى جماعة من المتكلمين، واعتبره اسلم القولين.

    اما الثاني فيعود الى معظم المتكلمين، ومفاده انه ينبغي ان تتاول الصفات بما يليق ويناسب مواقعها، وذلك تبعا للسان العرب واصول العلم. وهو يوصي ان يكون المؤول عارفا باللغة وقواعد الاصول والفروع، وذا رياضة في العلم ((298)) .

    كما ذكر ابن حجر العسقلاني ان الخلاف حول الصفات الموهمة للتشبيه يندرج في ثلاثة اقوال: احدها انها صفات ذات اثبتها السمع ولا يهتدي اليها العقل.

    والثاني انها تعرف بالتاويل، فالعين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود..الخ.

    اما القول الثالث فهو امرارها على ما جاءت مفوضا معناها الى اللّه تعالى. واستشهد على القول الاخير ما ذكره شهاب الدين السهروردي بان اخبر اللّه في كتابه وثبت عن رسوله الاستواء والنزول والنفس واليد والعين، فلا يتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، اذ لولا اخبار اللّه ورسوله ما تجاسر عقل ان يحوم حول ذلك الحمى. وعلق الطيبي عليه بان هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح. كما استشهد بقول غيره دون ان يسميه: انه لم ينقل عن النبى(ص)ولا عن احد من اصحابه من طريق صحيح التصريح بوجوب تاويل شي من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال ان يامر اللّه نبيه بتبليغ ما انزل اليه من ربه وينزل عليه (اليوم اكملت لكم دينكم) (المائدة/3) ثم يترك هذا الباب، فلا يميز ما يجوز نسبته اليه مما لايجوز، مع حضه على التبليغ عنه بقوله: «ليبلغ الشاهد الغائب»، حتى نقلوا اقواله وافعاله واحواله وصفاته وما فعل بحضرته،فدل على انهم اتفقوا على الايمان بها على الوجه الذي اراده اللّه منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات ((299)).

    على ان موقف ابن حجر من هذه الاقوال الثلاثة هو تقبل كلا المسلكين الاخيرين الخاصين بالتفويض والتاويل ضدالمسلك الاول المثبت للصفات حسب ظهورها اللفظ ي. وكما قال: «ان اصل ما ذكروه قياس الغائب على الشاهد، وهو اصل كل خبط، والصواب الامساك عن امثال هذه المباحث، والتفويض الى اللّه في جميعها، والاكتفاء بالايمان بكل ما اوجب اللّهفي كتابه او على لسان نبيه اثباته له، او تنزيهه عنه على طريق الاجمال.

    ولو لم يمكن في ترجيح التفويض على التاويل الاان صاحب التاويل ليس جازما بتاويله بخلاف صاحب التفويض» ((300)).

    في حين ذهب بعض المتاخرين البيانيين الى تفصيل الامر في قبول تاويل الصفات وعدمه، كالذي عليه ابن دقيق العيدالذي رجح تاويلها عندما توهم التشبيه، فكما قال: «نقول في الصفات المشكلة انها حق وصدق على المعنى الذي اراده اللّه،ومن تاولها نظرنا فان كان تاويله قريبا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وان كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا الى التصديق مع التنزيه، وما كان منها معناه ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب حملناه عليه، مثل قوله تعالى: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه)(الزمر/56)، فان المراد به في استعمالهم الشائع حق اللّه، فلا يتوقف في حمله عليه، وكذا قول النبي: «ان قلب ابن آدم بين اصبعين من اصابع الرحمن»، فان المراد به ارادة قلب ابن آدم مصرفة بقدرة اللّه وما يوقعه فيه،وكذا قوله تعالى: (فاتى اللّه بنيانهم من القواعد) (النحل/26) معناه خرب اللّه بنيانهم، وقوله: (انما نطعمكم لوجه اللّه)(الانسان/9) معناه لاجل اللّه»((301)) .

    على ذلك اهتم عدد من المتاخرين من اصحاب الدائرة البيانية بقضية تاويل الظواهر اللفظية للصفات، وكان الغرض من ذلك تفويت الفرصة على المثبتين لها، بعد ان ساد في اوساط هؤلاء نزعة التشبيه والتكييف رغم انهم يقولون انها مما لاتعقل تبعا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي(. وكان من بين ما فعله النافون للظواهر اللفظية هو نقل الاخبار التاويلية الماثورة عن السلف، كما نقلوا تاويل من جاء بعدهم من الحفاظ، واحيانا اخذوا يستنجدون ببعض من اصحاب الدائرة العقلية اوالمتاثرين بها لتاويلها. وبالتالي انه لم تذكر صفة من الصفات الموهمة للتشبيه الا ووجدوا لها شاهدا من تاويل السلف واتباعهم من المنشغلين بالقضايا البيانية، كصفة الصورة والوجه والعين واليد واليمين والقبض والاصابع والقدم والساق والمجي والاتيان والنزول والهرولة والدنو والتدلي والاستواء والعرش والكرسي والضحك والمحبة والغيرة والتردد وغيرها.

    وقد اتهم المؤولون من اصحاب الدائرة البيانية نظراءهم من المثبتين لتلك الصفات بانهم من المشبهة، حتى وان قالوا بقيدعدم التشبيه والتكييف، معتبرين ذلك مجرد دعوى كاذبة. فابن الجوزي مثلا يعد اثبات ذلك عبارة عن تشبيه وتكييف ولايفهم غير هذا المعنى.








    [/align]





  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي السلفية ونظرية الصفات الالهية ..د. يحيى محمد

    [align=justify]وهنا نعود لنتساءل عن منهج ابن تيمية واتباعه: هل حقا ما يدعونه من ان حمل الصفات الالهية على ظاهرها لا يستلزم التشبيه والتكييف؟ واقع الامر هناك عدد من الامارات تدل على صعوبة تقبل هذا النحو من الجمع المتنافي. فالقول بالصفات السابقة وغيرهايماثل القول بصفات الانسان، عضوا عضوا، وحالة حالة.

    فمثلا ان القول بان للّه صورة وانه خلق آدم على صورته لا يفهم الا بهذا المعنى من التمثيل والتكييف. ثم ان القول بان له عينين، والتعويل في ذلك على الحديث الذي يتضمن المقارنة بين عين اللّه وعين المسيح الدجال، لا يفهم الا على نحو التشبيه والتكييف. وكذا القول ان له اصابع، وفي بعض الاحاديث المصححة نجد التمثيل على ذلك بقبضة يد النبي، ومثل ذلك ان له يدين وقبضة وقدمين وساقا وجنبا، وانه يضحك ويعجب ويستحي ويغار وينزل ويهرول ويتكلم بصوت وحرف، فكلها تدل على التشبيه.

    وعلى هذه الشاكلة القول بان للّه كرسيا هو موضع للقدمين كالذي يرويه ابن تيمية عن ابن عباس ((302)) ، وما يسلم به من ان اللّه يهبطيوم التجلي في الاخرة على كرسيه، وان الانبياء ياتون فيجلسون على منابر تحف بهذا الكرسي، اذيستشهد بقول احد ائمة المالكية، وهو محمد بن ابي زمنين، الذي عد من قول اهل السنة ما رواه عن انس من انه اذا كان يوم الجمعة في الاخرة هبط اللّه من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجي النبيون فيجلسون عليها ((303)).

    ومثله القول بان للّه عرشا استقر عليه، وقد ذكر ابن تيمية ان اللّه لو شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته، فكيف على عرش عظيم اكبر من السماوات والارض ((304)). وكذا قول ابن القيم ان اللّه اجلس نبيه على هذا العرش، مستشهدا عليه بقول جماعة كبيرة من السلف والعلماء المتقدمين، كما استشهد عليه ببعض من ابيات الشعرلابي الحسن الدارقطني ((305)). وهناك عدد من الروايات تروى عن علماء السلف بان المقام المحمود المنصوص عليه في آية الاسراء يعني اجلاس النبى(ص)على العرش، كالتي يذكرها ابن ابي يعلى الحنبلي، ومن ذلك ما اسند عن النبي وابن عباس ومجاهد في عدد من الطرق، وفي بعضها ان اللّه يجلسه معه على العرش او السرير، وهو معنى قوله تعالى: (عسى اءن يبعثك ربك مقاما محمودا) (الاسراء/ 79). وروي عن عبد اللّه بن احمد بن حنبل قوله: «انا منكر على كل من رد هذاالحديث» ((306)).

    والعجيب ان الكرسي موصوف في القرآن بانه يسع السماوات والارض، وان العرش اكبر من ذلك بما لا يعلمه الا اللّه، كماهو مقرر لدى القائلين بحقيقة الصفات المذكورة ((307))، لكنهم مع ذلك يقرون ايضا ان اللّه قد اقعد نبيه على عرشه، فاي نوع من الاقعاد هذا، والنسبة بين الطرفين معدومة من حيث الحجم والسعة؟! كما ذكر ابن القيم انه قد ورد بان السماء منفطر به تعالى، الامر الذي لم يسمح بنقله المتاخرون جبنا وضعفا، بل قاله المتقدمون ((308)) .

    ومن المؤشرات التي تؤكد معنى التشبيه في المنهج السالف الذكر، ما اضافه ابن القيم من استدراك حول بعض الصفات،فعلى رايه ان ذكر الساق والجنب لا يدل على ان للّه واحدة لكل منهما. وهو استدراك صحيح، لكن استقباحه واستشناعه ان يكون الرب عبارة عن شخص له وجه وعلى ذلك الوجه اعين كثيرة وله جنب واحد عليه ايد كثيرة وله ساق واحد كماوردت هذه الصفات في القرآن والحديث، كل ذلك يدل على ما في النفس من انه متصور كما في الشاهد، اذ ما المانع ان يكون للرب مثل هذه الصفات بلا تشبيه ولا تمثيل؟ وبعبارة اخرى، ما الذي جعل ابن القيم يعد هذه الصفات قبيحة وشنيعة لا تتناسب مع اللّه، مع انها مذكورة في القرآن والاحاديث المصححة؟ اذ ورد ان للّه اعينا وايد، وورد ان له جنبا وليس اكثرمن ذلك، كما ورد ان له ساقا ولم يرد ساقان او اكثر. فلماذا يستنكر ابن القيم الاخذ بهذه المنطوقات لولا تاثره بالشاهدوتطبيقه على الغائب؟ اذ كان الاولى به تجويز مثل هذه النتائج التي اوردها بعض اصحاب الدائرة العقلية ليظهر من خلالهاشناعة القول باثبات الظواهر اللفظية للصفات ((309)).

    وهناك من نقل عن ابن تيمية امورا لها دلا لة صريحة على التمثيل والتجسيم، لكنها تخالف ما هو معلوم من كتبه، ومن ذلك ما نقله صاحب (كشف الظنون) من ان لابن تيمية كتاب العرش ذكر فيه «ان اللّه تعالى يجلس على الكرسي وقد اخلى مكانا يقعد معه فيه رسول اللّه (ص)ذكره ابو حيان في النهر.. وقال: قرات في كتاب العرش لاحمد بن تيمية ما صورته بخطه» ((310)). ونقل عنه في بعض تصانيفه بان اللّه بقدر العرش لا اكبر ولا اصغر((311)) . كما نقل انه قال في الكلام على حديث النزول المشهور: ان اللّه ينزل الى سماء الدنيا الى مرجة خضراء وفي رجليه نعالان من ذهب ((312)). ونقل ايضا انه في يوم كان يخطب فذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين وقال كنزولي هذا((313)) .

    هذا ما ينقل عن ابن تيمية، وهو مخالف لما هو معلوم من كتبه.

    لكن لا يعني ذلك ان ما تبناه من اتجاه لا يبعث على التشبيه، بل على العكس كما راينا، وربما لهذه العلة كان السلف يامرون بامرار النصوص في الصفات التي يبدو عليهاالتشبيه دون تفسير وبحث وتنقيب، فربما كانوا يدركون ان الخوض فيها يجر الى التشبيه ولو مع قيد (ليس كمثله شي).خاصة ان بعض النصوص يعطي انطباعا مباشرا بالتشبيه دون ان يؤثر فيه قيد عدم التشبيه والتكييف، كما هو الحال مع حديث الصورة الذي مر معنا. لذلك فقد كان بعض السلف يتمنى لو ان اصحاب الحديث يتركون عشرة احاديث في الرؤية،كالذي يروى عن يحيى بن صالح، وقد علق عليه احمد بن حنبل بقوله: كانه نزع الى راي جهم ((314)) . بل كان من الحنابلة من لا يتقبل احاديث الصف ات، معتذزا بانها اخبار آحاد، كالذي عليه ابن سنينة (المتوفى سنة 610هـ)((315)).

    هكذا ان الاتجاه الذي سلكه ابن تيمية في الجدل والتدقيق ياتي على خلاف ما اوصى به علماء السلف. فحاله في هذاالموضع كحال ابي الحسن الاشعري، حيث اراد ان يدافع عن موقف الامام احمد بن حنبل وغيره من السلف بطريقة الجدل والكلام، لكنها مع ذلك لم تكن مرضية لدى اتباع هذا الامام، ربما لانهم ادركوا ان النهج الذي سلكه في الجدل الكلامي سيفضي الى تجاوز تلك النظرية، الامر الذي تحقق لدى المتاخرين من الاشاعرة، حيث اصبحت نظريتهم في الصفات بعيدة كل البعد عما كانت عليه لدى شيخهم الاشعري، مثلما هي بعيدة عما هو سائد لدى السلف، ومنهم الامام احمد.

    وكذا يمكن القول بالنسبة لطريقة ابن تيمية، ذلك انه يكثر الجدل والخوض في امر الصفات بما لم يسبق اليه ائمة السلف المعروفين، وان ذلك قد افضى به الى التشبيه. وهو امر يذكرنا بما قاله ابن هبيرة (وهو من حنابلة القرن السادس الهجري):تفكرت في اخبار الصفات، فرايت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها، مع قوة علمهم، فنظرت السبب في سكوتهم، فاذاهو قوة الهيبة للموصوف، ولان تفسيرها لا يتاتى الا بضرب الامثال للّه، وقد قال عز وجل: (فلا تضربوا للّه الامثال((النحل/ 74). لذلك راى ان الصفات لا تفسر على الحقيقة ولا على المجاز، لان حملها على الحقيقة تشبيه، وعلى المجازبدعة .((316)) فالنتائج السلبية للخوض في البيان هي كالنتائج السلبية للخوض في العقل كما عليه اهل الكلام، فاولئك اورثهم التشبيه،وهؤلاء اورثهم الشك، حتى صرح الكثير منهم بندمه او بنكوصه الى تبني عقيدة الاباء والعجائز او الاعتراف بعدم الدراية بشي او غير ذلك مما هو معلوم ومشتهر.

    تلاقي ابن تيمية مع الفلاسفة والعرفاء يوجد تشابه ملفت للنظر بين الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية وبين ما عليه طريقة العرفاء في نظريتهم حول المشاكلة((317)) . فكلاهما اتبع ذات النهج في الموقف من النص الديني تبعا للفظ الظاهر مع اعتبارات الاستخدام اللغوي ومراتب المعاني اللفظية. فقد اعتبر الفيلسوف الاشراقي صدر المتالهين ان الطريقة التي اقتبسها عن الغزالي هي ذات طريقة اهل الحديث في الاعتماد على الظاهر اللفظ ي من غير تاويل. وكما صرح بان الطريقة التي تبناها تحمل الايات والاحاديث على مدلولها الظاهري ومفهومها الاول، كما هو المعتبر عند ائمة الحديث وعلماء الاصول والفقه. وقد طبقت على الكيفية التي عليها الصفات الالهية، فاقرت هذه الصفات على ظواهرها ومفهوماتها الاصلية من غير صرف وتاويل، وكذا من غيرتشبيه ونقص وتجسيم مثلما يدعو اليه اصحاب البيان السلفي ((318)). فعلى راي صدر المتالهين انه لو لم تحمل الايات والاخبار على ظواهرها ومفهوماتها الاولى فلا فائدة في نزولها وورودها على عموم الخلق وكافة الناس، بل كان نزولهاعلى ذلك التقدير في باب «فهوم متشابهات» ((319)).

    وهو ذات التبرير الذي تقدمه الدائرة البيانية في تعويلها على الظواهراللفظية من غير تاويل وتحريف.

    كما اضاف صدر المتالهين بان هذا الابقاء لظواهر الالفاظ على معانيها الاصلية يقترن مع تحقيق هذه «المعاني وتلخيصهاعن الامور الزائدة وعدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب غلبة احكام بعض خصوصياتها على النفس واعتيادها بحصركل معنى على هيئة مخصوصة له، يتمثل ذلك المعنى بها للنفس في هذه النشاة، فلفظ الميزان مثلا موضوع لما يوزن به الشي مطلقا. فهو امر مطلق يشمل المحسوس منه والمتخيل والمعقول، فذلك المعنى الشامل روح معناه وملاكه من ان يشترط فيه تخصيصه بهيئة مخصوصة، فكل ما يقاس به الشي باي خصوصية كانت، حسية او عقلية، يتحقق فيه الميزان ويصدق عليه معنى لفظه، فالمسطرة والشاقول والكونيا والاسطرلاب والذراع، وعلم النحو وعلم العروض وعلم المنطق وجوهر العقل، كلها مقاييس وموازين توزن بها الاشياء، الا ان لكل شي ميزانا يناسبه ويجانسه((320))».

    وهذا التباين في الاستخدام اللغوي هو ذات ما تؤكد عليه الطريقة البيانية كما لدى ابن تيمية، حيث اللفظ لديه لا دلالة له في حد ذاته ما لم يستعمل. فالاستعمال يجعله قابلا لان يصير ذا معان حقيقية عديدة. فمثلا ان لفظ (راس) تاتي مقترنة في الاستعمال باشياء عديدة مختلفة، كراس الانسان وراس الطائر والدابة والماء والامر والمال والقوم، وكذا لو قلنا جناح الطائروالسفر والذل، فكل لفظ بعد الاستعمال يصبح له حقيقة من المعنى الذي يناسبه، وهو ما يبرر اعتبار صفاته تعالى المذكورة في القرآن والحديث، كمحبته ورضاه وعلمه وسمعه وكلامه واستوائه، كلها تجري مجرى الحقيقة دون المجاز، ومع ذلك فهي ليست بالصفات الشبيهة مع المخلوقين . ((321)) وذات هذا الشي ما صرح به الفلاسفة والعرفاء ممن تبنى نظرية المشاكلة، حيث بحسب هذه النظرية فان للفظ مراتب من المعنى بعضها يتشاكل مع البعض الاخر، كحال ما عليه الوجود الخارجي، حيث ان له مراتب مختلفة تتفاوت بحسب المشاكلة والسنخية. فهناك عوالم متشابهة بعضها يفوق البعض الاخر من حيث الكمال، وكل ما يذكره الخطاب الديني من اشياء كالميزان والعين واليد والتردد والاستهزاء وغير ذلك، فان لها حقائق متطابقة ومختلفة في الكمال. اذ تبعا لمنطق السنخية يستلزم ان تكون عوالم الوجود متطابقة ومتشاكلة، وبالتالي كان من السهل تفسير ما يتعلق بعالم الغيب الموصوف في النصوص الدينية تبعا لهذا التشاكل والتسانخ، فما من شي محسوس في الطبيعة يذكره النص الديني الا ويكون اشعارالما موجود في الاخرة تبعا لمشاكلات الوجود ومشابهاته. وهو الاسلوب الذي استخدمه الغزالي في (القسطاس المستقيم)، وارتضاه صدر المتالهين بالاعتراف والتاييد ((322))، فوفق في تطبيقه بحيث يرضي ما عليه اصحاب الفلسفة والذوق، وماعليه اتباع البيان السلفي، مما يفضي الى ان تكون النتيجة بين مذهب الفلاسفة العرفاء من جهة، وبين مذهب البيانيين متطابقة الى حد كبير. حيث المتفق عليه بين الجانبين هو جعل الاوصاف الدينية حقة من غير تحريف للنص او حمله على المجاز والتشبيه. فالفهم عند الطرفين قائم بحسب هذه الاوصاف الظاهرة التي يدل عليها اللفظ الحرفي. وطبقا لذلك اقرهؤلاء بان للّه تعالى الاوصاف التي تدل عليها الظواهر اللفظية، وان كانت غير معلومة الكيف تبعا لقوله تعالى: (ليس كمثله شي)، وهي التي سلم بها الكثير من علماء السلف واتباعهم كما علمنا.

    ويتعمق التوافق بين الطرفين بما اكد عليه اتباع البيان السلفي من وجود القدر المشترك في معنى اللفظ المستخدم بين مايدل عليه في المشاهد المحسوس، وما يدل عليه في الغيب غير المحسوس، كالذي قام بتبيينه ابن ابي العز، حيث ذكر بان النبي اخبر العرب بامور لم تكن معروفة لديهم، كتلك المتعلقة بالايمان باللّه وباليوم الاخر، فاخذ من اللغة الالفاظ المناسبة لتدل على القدر المشترك بين المعاني الغيبية المجهولة والمعاني الشهودية التي يعرفها العرب، وقرن بذلك من الاشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد. فاذا اخبرهم النبي عن تلك الامور من الغيب، فلا بد ان يعلموا معنى مشتركا وشبها بين مفردات تلك الالفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم. فاذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد،واراد النبي ان يشهدوه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، امكنه ذلك بان ياتي بقول يكون حكاية له وشبها، فيعلم المستمعون ان معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الامور الغائبة، ويكون ذلك عبر درجات ثلاث، اولها ادراك الانسان المعاني الحسية المشاهدة، وثانيها عقله لمعانيها الكلية، اما ثالثها فتعريف الالفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب، فاذا اخبرنا النبي عن الامور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والشبه الذي بينهما، ومن خلال تعريفنا الامور المشهودة امكننا معرفة الامور الغائبة، ولولا المعنى المشترك ما امكن ذلك قط.

    كما اشار ابن ابي العز الى ان التعريف بالامور الغيبية ياتي عن طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينها وبين معقولات الامور المشاهدة، وذلك تبعا للتشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل اقوى، كان البيان احسن والفهم اكمل ((323)) .

    وهذا الذي ذكره ابن ابي العز هو ذاته الذي اكد عليه الغزالي وغيره من العرفاء مما يطلق عليه بالاعتبار والتمثيل والمشاكلة وغير ذلك. فالمقصود بالاعتبار هو ذلك المنهج الذي يدعو الى العبور من ظاهر النص الى باطنه لقرينة مناسبة دالة على هذا الامر او منبهة عليه، فهو لا يلغي الظاهر، كما انه لا يتوقف عنده. وسمي بالاعتبار تبعا لقوله تعالى: (فاعتبروايا اولي الابصار)(الحشر/2)، او قوله: (ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار) (آل عمران/13). اما التمثيل فكما ذكر صدرالمتالهين من ان معظم آيات القرآن هي امثال تذكر للناس لتشير الى ما تتضمنه نظرية المشاكلة من اعتبارات ما للوصف الظاهر في النص من مراتب متعددة ومتكاملة في الوجود، مثل الميزان والقلم والاصبع وغيرها ((324)) . كذلك فان ما اشاراليه ابن ابي العز من وجود المشترك المعنوي للفظ الذي منه يتحول الفهم من المشاهد المحسوس الى الغائب غيرالمحسوس، هو قريب المعنى مما تراه نظرية المشاكلة، حيث انها لا تعول على ظاهر النص فحسب، بل تاخذ بعين الاعتبارما لدى هذا الظاهر من لفظ له معان متعددة ومتشاكلة يصح من خلالها اقرار الحقائق العليا من غير تاويل. فيكون الظاهرهو اللفظ المشترك العام الذي يحمل نظائر المعنى وامثالها على ما فيها من تفاوت في القوة والكمال. اما الحقيقة المرادة من هذا الظاهر فهي تلك الامثال الباطنة التي تنتزع من ذلك الظاهر العام. فسواء استخدمت الامثال بحسب ما يبدو عليها من معنى حسي، او معنى آخر صوري مجرد عن الحس الطبيعي، فان كل ذلك يعد من النظائر والامثال التي تتفاوت فيما بينهابحسب المشاكلة، لذلك فان اخذ المعنى الظاهر بحسب ما عليه الحقيقة الباطنة من المعاني الصورية المجردة لا يعد من التاويل بشي. وعلى حد قول صدر المتالهين فان حقيقة التمثيل الذي جاءت به نصوص القرآن ليس الغرض منه مجردالتاثير والوقع في النفس، بل بيان حقيقة الامر وملاكه وروحه، ففي قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب اللّه بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون) (البقرة/17)، ان الالفاظ المذكورة في الاية كالنار والاستيقادوالاضاءة والنور والظلمات وغيرها كلها محمولة على الحقيقة ومشهودة بنظر البصيرة، فهي حقيقة احوالهم الباطنة، اما تلك التي هم عليها من الاحوال والافعال الظاهرة فهي مثال لتلك الاحوال الباطنة، وذلك تبعا للمشاكلة والمسانخة، حيث ان مافي الدنيا هي امثلة لما في الاخرة، وحيث ان المماثلة لما كانت من الجانبين، فانه يجوز استعمالها في كل من الطرفين،فالمثل في اصل الكلام هو بمعنى المثل، وهو النظير ((325)) .

    فهنا نجد تشابها بين نظرية المشاكلة الوجودية للعرفاء وبين النظرية البيانية في تحديد طريقة الفهم الخاصة بالامور الغيبية وعلى راسها مسالة الصفات الالهية. فكلا النظريتين تقيمان الفهم طبقا للظاهر، كما انهما تعترفان بان معنى اللفظ يظل مشتركا وعاما يحدده السياق العام للنص، ان كان يتحدث عن امر حسي شهودي او معنوي غيبي. وكلاهما يقولان حسب ذلك الفهم بان الصفات الالهية تحمل على ظاهرها وان معناها يفهم دون تاويل، وان هذا المعنى له بعض الشبه بما عليه الشاهد المحسوس، مع بقائه محكوما بقاعدة (ليس كمثله شي).

    لكن ما يترتب على ذلك من معنى هو القول بوحدة الوجود كالذي صرح به الفلاسفة والعرفاء باتساق. ومن ذلك القول بان الوجود عبارة عن جسم له مراتب متعددة تتفاوت فيما بينها في الشدة والضعف، او الكمال والنقص، كالذي صرح به صدرالمتالهين.

    وكذا فان ما يقوله البيانيون من وجود بعض حالات الشبه بين اللّه من جهة وخلقه من جهة اخرى يتسق والقول بوحدة الوجود. وقد قيل ان القول بالجسمية مثلما عليه مذهب مقاتل بن سليمان يفضي الى القول المبطن بهذه الوحدة((326)) .ومثل ذلك ان ما يقوله اتباع الطريقة البيانية من اثبات الظواهر اللفظية للصفات كوجود الوجه والصورة والعينين واليدين والقدمين والساقين والاستواء والاستهزاء والتعجب والتردد والضحك والفرح والمجي والذهاب وما الى ذلك، كل هذا يفضي الى الاقرار المبطن بوحدة الوجود الجسمية، وهو لا ينافي قولهم بنفي التكييف مع اعترافهم بوجود شي ما من المشابهة بين العالمين. فهذا الاعتقاد هو على شاكلة ما يقوله الفلاسفة والعرفاء القائلين بنظرية المشاكلة. مع فارق ان التاسيس الذي قامت عليه نظرية المشاكلة لدى اتباع النظام الوجودي هو تاسيس قائم على النظر الى (الوجود العام)، فمن حيث الاعتمادعلى النظر الى هذا الوجود امكن للفلاسفة ان يسقطوا نظريتهم في المشاكلة على النص الديني، فاصبحت المشاكلة بين المعاني اللفظية للنص تستمد تبريرها من المشاكلة الوجودية. في حين ان التاسيس الذي نظر اليه اتباع الطريقة البيانية مستمد من النص الديني، ومن ثم تم اسقاطه على الوجود العام، حيث المعول عليه هو اللفظ المشترك الذي يحمل المعاني المتشابهة، ومنه تم تطبيقه على الوجود.

    وتظل المحصلة بين المذهبين متقاربة بهذا الخصوص.

    كما تلاقى ابن تيمية مع خصومه الفلاسفة فيما ذهب اليه من عدم وجود بداية محددة للحوادث، وهو اقرار بازلية الاشياءمن حيث النوع لا الافراد، حيث على رايه ان كل فرد حادث يسبقه فرد حادث قبله وهكذا من غير بداية محددة، وهوذات ما يقره الفلاسفة. ومع ان ما ورد في التراث ان هناك عددا محدودا من الاشياء قد سبق خلقها قبل السماوات والارض،الا انها تعد بحسب هذا الراي ليست لها بداية باطلاق، ومن ذلك العرش، حيث نقل الدواني عن ابن تيمية انه اعتقد بقدم العرش من حيث النوع ، اي ان كل عرش يسبقه عرش آخر قبله دون بداية((327)) محددة، وذلك ليثبت بان اللّه فاعل ازلاوانه مستقر من عرش الى عرش ازلا ايضا.
    وقد نسب ابن تيمية نظريته هذه الى ائمة السنة والحديث، ونقل ما يقوله بعض المتكلمين من ذهاب بعض من وصفهم بالمشبهة بانهم قائلون باثبات حوادث لا اول لها((328)) . كما نقل بعض اتباعه ما قاله عثمان بن سعيد الدارمي: «كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الاوقات معطلا عن كماله، من الكلام والارادة والفعل»((329)) .

    ويعد هذا المنقول من الشواذ، حيث لم ينقل عن غيره من السلف ما يفيد النص الصريح في اثبات حوادث لا بداية لها.

    بل ليس من البيانيين من يثبت ذلك قبل ابن تيمية بشكل واضح لا غبش فيه. فان من يعزى اليهم القول بذلك هم الفلاسفة.لذلك شنع عليه الخصوم وعدوه ممن تاثر بهم لكثرة الاهتمام بمباحثهم والرد عليهم، كالذي جرى عليه الحال مع الغزالي الذي قيل فيه انه امرضه (الشفاء)، ووصفه معاصره ابو بكر بن العربي في مقولته الشائعة (330)

    ....شيخنا ابو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم اراد ان يخرج منهم فما قدر. وهو القول الذي استعان به ابن تيمية في الرد على الغزالي ((331))، مع انه في راي المخالفين قد وقع بما وقع به سابقه ((332)). وعادة ما ينسب مثل هذا الاعتقاد الى الملاحدة، ومن ذلك ما قاله ابو يعلى الحنبلي في المعتمد: الحوادث لها اول ابتدات منه خلافا للملاحدة ((333)). وكان من ضمن ما اءحتج به على ابن تيمية انه قد ابتدع فكرة لم ترد عن اهل البيان باستثناء بعض الشذوذ، وبنظر البعض انها مخالفة للاجماع، بل وان الاجماع على تكفير من يقول بها، كالذي حكاه الشيخ عياض وغيره ((334)).

    وفي جميع الاحوال ليس في الكتاب والسنة ما يشير الى هذا المعنى الذي تحدث عنه ابن تيمية، بل جاء في بعض الاحاديث ما هو خلاف ذلك، حيث اخرج الطيالسي واحمد والترمذي وحسنه، وكذا ابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابوالشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في (الاسماء والصفات) عن الصحابي ابي رزين انه سال النبي بقوله: اين كان ربناقبل ان يخلق خلقه؟ فاجابه النبي: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء. وعلق الترمذي الذي حسن الحديث بان معنى العماء هو ليس معه شي ((335)).

    ومما يزيد في اقتراب هذا الاتجاه من النظام الوجودي للفلاسفة والعرفاء ما ذكره ابن قيم الجوزية من ان اسماء اللّهالحسنى تقتضي مسمياتها ومتعلقاتها، فحيث هناك اسماء فلابد من ظهور اثر هذه الاسماء ووجود ما يتعلق بها، فاقتضت حكمة اللّه ان يتم انزال الابوين من الجنة ليظهر مقتضى اسمائه وصفاته فيهما وفي ذريتهما، اذ لو تربت الذرية في الجنة لماظهرت آثار جملة من هذه الاسماء وتعلقاتها، والكمال الالهي يابى ذلك، فاللّه يامر وينهى ويكرم ويهين ويثيب ويعاقب ويعطي ويمنع ويعز ويذل، لذا انزل الابوين والذرية الى دار تجري عليهم هذه الاحكام ((336)). وهذا المعنى يتسق والقول بازلية الصنع والخلق، كما ويتفق من وجه مع ما يقوله العرفاء في النظام الوجودي من اقتضاء ان يكون لاسماء اللّه تبعياتها،واعتبروا ذلك من حتميات الوجود، وهو خلاف ما يذهب اليه ابن تيمية واتباعه((337)).

    كذلك اءتهم ابن تيمية بانه ابتدع فكرة اخرى يقول بها الفلاسفة والعرفاء، وقد نسبها ابن تيمية الى السلف، وهي الاعتقادبانقضاء النار وفنائها، ومن ثم القول بعدم الخلود في العذاب. ومن خصومه من نفى ان يكون احد من السلف قال ذلك، انماروي عن بعضهم كلمات تتاول كما تتاول المشكلات التي ترد وتحمل على غير ظاهرها ((338)) . وقد اورد ابن تيمية عددامن الروايات عن بعض الصحابة كيف ان اللّه يخرج في النار من فيها مثل ابن مسعود وابي هريرة وعمر وابي سعيدالخدري، ورد عليه الصنعاني واعتبر انه لا دلالة في ذلك على فناء النار، كما لا دلالة فيه على خروج المشركين منها،خاصة وان من الايات ما يشير الى البقاء الدائم، مثل قوله تعالى: (ان الذين كذبوا بياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم ابواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) (الاعراف/40). وفي الحديث يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة والنار ((339)).

    والمهم في الامر ان هذا الاعتقاد جاء موافقا لما يقوله الفلاسفة والعرفاء. وقد استدل عليه بعدد من الايات، فاعتبر بعض الايات دالة على انقطاع العذاب مثل قوله تعالى: (لابثين فيها احقابا) (النبا/ 23)، وقوله: (النار مثواكم خالدين فيها الاماشاء اللّه) (الانعام / 128). اما الايات التي تبدي الابدية والخلود فقد فسرها بقيود وشروطيجعلها دالة على الانقطاع،ومن ذلك قوله تعالى: (ومن يعص اللّه ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها ابدا) (الجن/ 23) وقوله: (خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) (البقرة/ 162).

    حيث دلل بكون ما ورد في مثل الايتين السابقتين من خلود وابدية انما مشروط ببقاء السماوات والارض، كالذي يدل عليه قوله تعالى: (واما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السماوات والارض، الا ما شاء ربك ان ربك فعال لما يريد) (هود/ 106-107)، وعليه اعتبر الابدية هي استمرار المعذبين في النار مادامت موجودة، مع ان اللّه- على رايه - لم يصرح بان النار باقية ابدا، وفرق بين الحالين كما هو واضح. يضاف الى ان التابيد قد جاء في القرآن مقيدابما لا يتنافى مع الانقطاع، كما في قوله تعالى عن اليهود: (ولن يتمنوه ابدا بما قدمت ايديهم) (البقرة/ 95)، فانما لا يتمنوه ابدا مدة حياتهم في الدنيا، والا فهم في النار يتمنون الموت حيث يقولون كما في قوله تعالى: (يا مالك ليقض علينا ربك)(الزخرف/ 77)، كذلك ما جاء في قول العرب: لا افعل هذا ابدا، ولا اتزوج ابدا «فانما يريدون بذلك مدة منقطعة هي ابدالحياة ومدة عمرهم، وهكذا الابد في العذاب كقوله تعالى:

    (له نار جهنم خالدين فيها ابدا) (الجن/23)، انما هو ابد مدة بقاءالنار ودوامها» ((340)).

    ولنا على هذه النظرية الملاحظة التالية:

    ان الايات التي وردت حول تعليق الخلود في النار على دوام السماوات والارض قد اعقبها ذات هذا التعليق فيما يخص الخلود في الجنة، وكما جاء في النص القرآني: (واما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السماوات والارض الا ماشاء ربك عطاء غير مجذوذ) (هود/108). فاذا كانت الايات السالفة الذكر تدل على انقطاع العذاب لاهل النار تبعا للتعليق الوارد الذكر، فان الحال ذاته يدل على الانقطاع بالنسبة الى اهل الجنة. الامر الذي يحتاج الى لون من التخريج والتمييز بين ما يصيب هؤلاء واولئك، ولا يكفي ما ذكر من وجود قرينتين في الاية، احداهما قوله تعالى: (ان ربك فعال لما يريد)(هود/107)، حيث وردت متصلة فقط مع قضية انقطاع العذاب، دلالة على تاكيده، ولم تقترن مع الاستثناء المتعلق بقضية الخلود في الجنة، والاخرى قوله تعالى: (عطاء غير مجذوذ) حيث جاءت عقب الاستثناء المتعلق بالخلود في الجنة، وهي بهذا توحي الى دفع توهم الاعتقاد بانقطاع السعادة ((341)). فلا شك ان وجود هاتين القرينتين لا يمحي صورة الاستثناءالتي وردت في كلا الموردين من الجنة والنار. وقد كان الزمخشري صاحب (الكشاف) يرى ان آية الاستثناء من المعضلات على ما نقل عنه السمعاني. كما ان ابن القيم راى ان الاستثناء في آية الاستثناء في اهل الجنة هو من المتشابه، وان المحكم قوله تعالى: عطاء غير مجذوذ، وظلها دائم، وما الى ذلك ((342)).

    وعادة ما يؤول العلماء الاية المتعلقة بتعليق الخلود في النار على دوام السماوات والارض، وهو انها تصدق فيما يخص العصاة من الموحدين دون المشركين، وان بعض العلماء يؤول الاية الاخرى بخصوص الجنة، وهو ان المقصود بان لاهل الجنة نعيما اجل واكبر وهو رضوان اللّه عز وجل وبقاؤه. في حين ذهب الصنعاني الى ان الاستثناء في آية الجنة من باب(حتى يلج الجمل في سم الخياط) وهو تقييد بالمحال، وان من دخل الجنة لا يخرج منها ابدا، بدليل الاجتماع المعلوم ضرورة من الدين، وبدليل قوله تعالى: (عطاء غير مجذوذ) وفي آية اهل النار محمول على ما ذكر من خروج الموحدين((343)) .

    الامور المبتدعة لقد افضت طريقة ابن تيمية الى ابتداع امور لم تكن معروفة في العهد الاول، اهمها تقسيم التوحيد الى توحيد ربوبية والوهية، حيث الاول عبارة عن الاعتراف بالخالق، وانه ليس له شريك في الخلق، وقد عد ابن تيمية ان اثبات ربين للعالم لم يذهب اليه احد من بني آدم ولا اثبت احد الهين متماثلين ولا متساويين في الصفات ولا في الافعال. اما توحيد الالهية فهو الاعتراف بعبادة الخالق وحده ودعائه والتقرب اليه دون وسائط، وهذا الصنف من التوحيد هو الذي ابتلي به الخلق،وظهر فيه الشرك باصناف مختلفة مثل عبادة الشمس والقمر والكواكب والاوثان، وكذا عبادة الانبياء والاولياء والملائكة اوتماثيلهم وما الى ذلك. وقد استدل بالايات القرآنية من ان المشركين والكافرين كانوا يعترفون بان الخالق للعالم واحد هواللّه، لكن مشكلتهم انهم جعلوا له وسائط وشركاء يشاركونه في العبادة او الخلق دونه، كالذي جاء في قوله تعالى:

    (ولئن سالتهم من خلق السماوات والارض ليقولن اللّه) (لقمان/ 25)، وقوله: (قل لمن الارض ومن فيها ان كنتم تعلمون، سيقولون للّه، قل افلا تذكرون، قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون للّه، قل افلا تتقون، قل من بيده ملكوت كل شي وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون، سيقولون للّه، قل فانى تسحرون) (المؤمنون/84-89)، وقوله:

    (ومايؤمن اكثرهم باللّه الا وهم مشركون( (يوسف/ 106). على ذلك اعتبر ان الرسل قد دعوا الخلق الى توحيد الالهية، وهويتضمن توحيد الربوبية((344)). حيث لم يكن مشركو العرب يعتقدون في الاصنام انها مشاركة للّه في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال امثالهم من مشركي الامم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون ان هذه تماثيل قوم صالحين من الانبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم الى اللّه، وهذا كان اصل شرك العرب، وجاء في حكاية عن قوم نوح قوله تعالى: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) (نوح/23). وجاء في صحيح البخاري وكتب التفسير وقصص الانبياء وغيرها عن ابن عباس وغيره من السلف ان هذه اسماء قوم صالحين في قوم نوح،فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الامد، فعبدوهم وان هذه الاصنام بعينها صارت الى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس قبيلة قبيلة ((345)).

    كما استدل ابن تيمية على مذهبه بقوله تعالى: (لو كان معه آلهة كما يقولون اذا لابتغوا الى ذي العرش سبيلا) (الاسراء/42)، حيث فيه نفي لوجود آلهة مشاركة للّه دونه، ولو كانت آلالهة موجودة لسعت الى التقرب الى اللّه. وقيل لسعت الى مغالبته، وهو على راي ابن تيمية خلاف الظاهر ((346)).

    لكن هذا شي وما نفته آلاية الاخرى في التوحيد شي آخر، وهي قوله تعالى: (ما اتخذ اللّه من ولد وما كان معه من اله اذالذهب كل اله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) (المؤمنون/91). فلو فرضنا ان الالهة المذكورة لم تكن في عرض اللّه،وانما دونه، اي لو كان دلالة الاية هو ان الالهة ليست بصدد العلو على اللّه، بل العلو فيما بينها بالتغالب وذهاب كل منها الى الخلق المستقل، فان هذا النحو من الافتراض يناقض ما في الاية التي قبلها، حيث في الحالتين يفترض وجود آلهة، لكن في الحالة الاولى انها تسعى للتقرب الى اللّه، في حين انها في الحالة الثانية تتغالب بينها وتستقل في خلقها، وهو ما لايتسق مع التقرب الى اللّه، كما لا يتفق وان يكون لها القدرة في الاستقلالية على الخلق. وعلى ذلك لا يفهم من معنى الاية الا افتراض وجود آلهة مع اللّه بالتوازي والتنافس والتغالب، ومن ثم ذهاب كل منها الى ما يخلق من عالم، فنفت الاية ذلك والا تعدد العالم ولافضى الامر الى المغالبة او علو البعض على البعض، وهو المعنى الذي يقره ابن تيمية. لكن هذا النفي قديشير الى وجود من يعتقد باكثر من اله خالق للعالم من المشركين، لذلك ان الاية قد ردت على هكذا اعتقاد، مما يعني ان ذلك جاء على خلاف المطلب الذي كرس ابن تيمية جهده لاثباته. والشي نفسه يقال في ما نص عليه القرآن بقوله: (لو كان فيهما آلهة الا اللّه لفسدتا) (الانبياء/22).

    واذا كانت لفظة (الاله) تستخدم في القرآن كدلالة على الخلق كما في الاية السابقة، مثلما تستخدم كدلالة على الوساطة بالعبادة والشفاعة، فان ذلك لا يحتم تفسيرها طبقا للمعنى الاخير عند فقد القرينة الدالة، حيث نجد ابن تيمية كثيرا مايستدل على هذا المعنى بالقرينة الدالة وبغير القرينة، ومن ذلك ما استشهد به من آيات كقوله تعالى عن المشركين:

    (اجعل الالهة الها واحدا ان هذا لشي عجاب( (ص/5)، وقوله تعالى على لسان يوسف: (اارباب متفرقون خير ام اللّه الواحد القهار(،وكذا قوله على لسان ابراهيم: (اافكا آلهة دون اللّه تريدون(.

    فهذه الايات لا تدل على ان المشركين نظروا الى الهتهم نظرة وسائطية او شفعائية، وان كانت هناك آيات اخرى كثيرة تدل على ذلك، وهي القرينة المطلوبة، لكن حيث ان القرآن اورد بعض الصور من الاعتقاد بالالهة المتعددة المفترض فيها الخلق المستقل، فان ذلك يبدي ان الناس كانوا يختلفون في عقائدهم ومصادر شركهم.

    على ان التقسيم الذي استحدثه ابن تيمية للتوحيد، ومن ثم جرى عليه تلميذه ابن ابي العز الذي اضاف في شرحه للعقيدة الطحاوية قسما ثالثا للتوحيد هو توحيد الصفات.. كل ذلك فتح الباب امام الدعوة الى تكفير المخالفين في مثل تلك الاصول، وما زلنا نعاني من تبعات ذلك حتى يومنا، مع ان هذا الامر لم يكن مطروقا لدى السلف، وان القرآن الكريم اظهرصفات المشركين في التوحيد ما لا ينطبق على المسلمين، مثل قوله تعالى: (واذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ادبارهم نفورا) (الاسراء/46)، وقوله: (واذا ذكر اللّه وحده اشمازت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة واذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون) (الزمر/ 45)، وقوله: (انهم كانوا اذا قيل لهم لا اله الا اللّه يستكبرون ويقولون ائنا لتاركوا آلهتنا لشاعرمجنون) (الصافات/35-36)... الخ.

    فالمسلمون يقرون بالاله الواحد الخالق، وان العبادة مختصة به دون سواه، وان الشريك في الفعل مملوك له لا يسعه ان يفعل شيئا دونه وبما شاءت ارادته كالذي يوافق عليه ابن تيمية((347)) . وكل ذلك يجعل المسلمين في طرف غير الطرف الاخر، آخذين بالاعتبار ما يرد عن بعض الجهلة من الافعال التي تعود الى شي من الشرك، وان بعض الافعال ما تندرج ضمن حالات الخلاف بين العلماء. لكن في جميع الاحوال ليس هؤلاء كاولئك الذين نص عليهم القرآن الكريم من الشرك الواضح الصريح. فاي عذر يعذر به اولئك المكفرون؟!
    [/align]





  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]

    عقلية التطرف والنزعة السلفية، قراءة في ضوء رؤية الشهيد الصدر

    السيد محمد الحسيني


    تمهيد بادئ ذي بدء، يجدر بي ان اذكر بمسار البحث، واني فيه رهينة رؤية الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، وهو امرمحمود وهو مكرمة ايضا، ولكنه من جهة التذكير - التي قصدتها - محدد منهجي يفرض على البحث ان تكون رؤية الشهيدمحورا ومرتكزا له. هذا اولا.

    وثانيا: فاننا اذا تذكرنا ان ظاهرة التطرف والارهاب بصيغتها الراهنة جديدة، ولم تكن بهذه الحدة والتوحش والانفلات،فاننا سنتفهم غياب رؤية واضحة متكاملة منه لظاهرة لم تكن حاضرة وقتذاك بصيغتها الحالية.

    ولكن على الرغم من ذلك، فان هناك افكارا متناثرة للشهيد الصدر في مطاوي كتاباته وابحاثه عالجت هذه المسالة من حيث المبدا، لان ظاهرة التطرف قديمة، وهي ظاهرة اجتماعية تتصل بالاجتماع الانساني، وهي ظاهرة نفسية تتصل بعالم الانسان الخاص.

    وهنا اذكر ان عددا من نصوص الشهيد الصدر مما يستشهد به اندمج في هذا النص ولا يسعني في القاءة فصله والتنبيه عليه دائما.

    واذكر انني لم ادخل في تعريف التطرف وما يماثله من اصطلاح تعويلا على غير اولا، ولجهة عدم تصدي الشهيد الصدرلاثارة هذا الموضوع.

    وعودا على بدء، عالج الشهيد الصدر ظاهرة التطرف من خلال عدة مسائل وقضايا كانت ولا تزال مثار جدل على المستوى النظري فضلا عن دورها العملي في حياة المجتمعات عموما.

    اولا - احدى اهم القضايا التي راى فيها الشهيد الصدر ظاهرة التطرف هي قضية الشعور القومي، وهو شعور انساني نبيل غير ان هذا الشعور من وجهة نظر الشهيد ليس «الا رابطة تاريخية ولغوية». (اقتصادنا ص 13) واولى مظاهر التطرف القومي من وجهة نظر الشهيد هو القفز بهذه الرابطة من كونها اطارا اجتماعيا الى اعطائها صفة العقيدة، وبهذه الصفة تكتسب آثارا اخرى غير الاثار التي تكتسبها فيما لو كانت مجرد اطار. (راجع: اقتصادنا ص 14) وقد يبلغ التطرف مداه عندما يتحول هذا الاطار الى مطلق، والى مثل اعلى، اذ يقول الشهيد: «حينما اجتمع في التاريخ مجموعة من الاسر فشكلوا القبيلة، (و) حينما اجتمعت مجموعة من القبائل وشكلت عشيرة، (و) حينما اجتمعت مجموعة من العشائر فشكلت امة. هذه الخطوات (كانت) صحيحة في تقدم البشرية وتوحيد البشرية». (راجع: المدرسة القرآنية ص 135) ولكن التطرف بدا واضحا في تحويل هذه الاطر الى مستوى اعلى لا ترقى اليها اذ «كل خطوة من هذه الخطوات لا يجب ان تتحول الى مثل اعلى، (و) لا يجوز ان تتحول الى مطلق، (و) لا يجوز ان تكون العشيرة هي المطلق الذي يحارب من اجله هذا الانسان، وانما المطلق الذي يحارب من اجله الانسان هو ذاك المطلق الحقيقي (و) يبقى هو اللّه سبحانه وتعالى».(راجع:

    ص 135 المدرسة القرآنية) والشهيد الصدر - فيما يبدو لي - لا يعترض على الدفاع عن العشيرة او عن اي اطار اجتماعي آخر، انما يعترض على هذه الروح المتطرفة التي تعمل على تحويل هذه الاطر الى مثل عليا، وهي مثل مصطنعة والى مطلق يستاهل الدفاع والامتثال والتضحية على كل حال.

    ويستشهد الشهيد الصدر بقوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون اللّه اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون( (العنكبوت/41). بل يبلغ التطرف في الشعور القومي - من وجهة نظر الشهيد الصدر - بان يدفع باتجاه استغلال كل ما هو نبيل وعام مثل الدين، فيعطى الدين صفة قومية و «يقدم الالهـ كما في التوراة - في اطارقومي كانه اله هؤلاء. (في مقابل) آلهة الشعوب والقبائل».

    (راجع: اهل البيت، وحدة هدف وتنوع ادوار ص 39) وعندئذ «يوجد - ذلك - في نفوس هؤلاء القوم تاريخيا الشعور بالاعتزاز، والشعور بالزهو والخيلاء على بقية الشعوب الاخرى».

    (اهل البيت ص 39) واي تطرف ابلغ من هذا التطرف؟! هذا التطرف - اعني في الشعور القومي - كاد يودي بالاسلام ايضا - وفقا لرؤية الشهيد الصدر - حيث بدا «ينظر الى النبوة على انها سلطان قريش، (و) انها سلطان عشيرة معينة، هذه العشيرة المعينة هي التي تجب ان تحكم وان تسود. (تلك)نظرية مالكية العشيرة، التي تتحدى وجود الامة، وتنكر عليها اصالتها ووجودها وشخصيتها. هذه النظرية طرحت كمفهوم في السقفية ثم بعد هذا امتدت واتسعت عمليا ونظريا». (راجع: اهل البيت ص 27).

    ويشير الشهيد الصدر الى ما حصل في تبديل بعض الاحكام الشرعية في ضوء هذا الشعور القومي، اذ عمد احد الخلفاءالى تغيير تكليف بعض القبائل العربية ذات الانتماء غير الاسلامي بالزكاة عوضا عن دفع الجزية. (راجع: اهل البيت ص 138-139) وبغض النظر عن الموقف الديني لتحويل هذا الاطار من كونه احد المثل النسبية الى مثل اعلى، فان الشهيد الصدر يشيرالى ما يؤول اليه هذا الاصطناع، عندما يتفجر هذا المثل على يد صانعيه، بل مجرميه، تلك المرحلة التي تعد - من وجهة نظر الشهيد الصدر - اخطر مرحلة تمر بها الامة (الجماعة) عندما يهيمن عليها بعض ابنائها من المجرمين، ويشير الى(هتلر) كنموذج. (راجع: المدرسة القرآنية ص 139) وهو ليس النموذج الوحيد، والعراق ليس ببعيد في تلك الكارثة التي تتوالى فصولا.

    ثانيا - ومن المسائل التي عالجها الصدر كواحدة من اهم منابع التطرف، مسالة الاستبداد والظلم والطغيان.

    وقد عالج الشهيد الصدر مسالة الاستبداد على مستويين:

    المستوى الاول: بما يتصل بالمستبد نفسه، ذلك الاستبداد الذي يمارسه القوي وما يخلفه من تناقض بينه وبين الضعيف،الاستبداد الذي لا يرى فيه الشهيد الصدر فرقا بين ان يكون فردا كفرعون او عصابة او طبقة او شعبا او امة، لانه يعتبر «هذه الاشكال المتعددة ذات الروح الواحدة كلها تنبع من معين واحد». (راجع: المدرسة القرآنية ص 160).

    ويشير الشهيد الصدر الى الاصطلاح القرآني الذي وصف ظاهرة الاستبداد في اطارها الفكري ب - (الطاغوت)، تلك العملية التي تستهدف حصر الجماعة البشرية في اطار المحدود بعد تحويله الى مطلق. (راجع: المدرسة القرآنية ص 124) اذ يقول اللّه تعالى: (وقال فرعون يا ايها الملا ما علمت لكم من اله غير) (القصص: 38)، و(قال فرعون ما اءريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد( (غافر: 29)، حيث «يضع - فرعون - الناس الذين يعبدونه كلهم في اطار رؤيته (و) اطارنظرته، (اذ) يحول هذه النظرة وهذا الواقع الى مطلق لا يمكن تجاوزه».

    (راجع: المدرسة القرآنية ص 124) وبتحويل هذا المحدود الى مطلق يبلغ التطرف منتهاه، ويترك بصماته بصورة واضحة في الجسم البشري، فبذلك التحويل تجزئ الفرعونية - من وجهة نظر الشهيد الصدر - المجتمع وتبعثر امكاناته وطاقاته، وتهدر قدراته على الابداع والنموالطبيعي على ساحة علاقات الانسان مع الطبيعة ايضا.

    (راجع: المدرسة القرآنية ص 176) فعلى المستوى السياسي ينقسم المجتمع الى سادة وكبراء لا قادة، وهم قلة، والى مطيعين ومنقادين وهم جمهور الامة،دونما مشاركة في ابداع او تطوير ]قالوا ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيلا( (الاحزاب: 67) (راجع:

    المدرسة القرآنية ص 138) هذا الانقسام الذي يمزق الامة ويفتت وحدتها، وينتهي هذا التطرف بتحويل المحدد الى المطلق الى نهاية هذا المثال نفسه،ذلك المثل الذي اءلبس ثوب المطلق والمثل الاعلى.

    (راجع: المدرسة القرآنية ص 129) ويضيع معه جمهور الامة عندما تتحول الى شبح امة، وتحل الكارثة فينهار المجتمع. (راجع: المدرسة القرآنية ص 180) واما على المستوى الاجتماعي - في اطاره العام - وبما يتصل بتطور المجتمع وازدهاره، فان قيمومة نظام الاستبداد لن يؤدي الا الى تعطيل النمو والابداع الانساني على مختلف الاصعدة، وخاصة على مستوى علاقة الانسان بالطبيعة فضلاعن علاقاته الانسانية، لان «مجتمع الظلم هو الذي يؤدي الى انحسار تلك العلاقات». (راجع: المدرسة القرآنية ص 174) اذ لا يتوقع من مجتمع الظلم - على مر التاريخ - ومجتمع الفرعونية ازدهارا من هذا القبيل، لان «الفرعونية - كما يقول الشهيد الصدر - التي تبني العلاقات بين الانسان واخيه الانسان على اساس الظلم والاستغلال تجزئ المجتمع (و) تبعثرامكانيات المجتمع وطاقات المجتمع، ومن هنا تهدر ما في الانسان من قدرة على الابداع والنمو الطبيعي على ساحة علاقات الانسان مع الطبيعة». (راجع: المدرسة القرآنية ص 176) ومع غياب الامة لا نمو ولا ازدهار، «فحركة الامة كلها شرط اساسي لانجاح اي عملية بناء حضاري جديد واي معركة شاملة ضد التخلف». كما يقول الشهيد الصدر. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 174).

    المستوى الثاني: وبما يتصل بالمستضعفين والمضطهدين فقد لاحظ الشهيد الصدر ان الظلم والاستغلال يكرس في جميع افراد المجتمع الشعور الشخصي بالمصلحة وينمي فيهم الاهتمام الذاتي بالتملك والسيطرة، غير ان هذا الاستيلاء المحموم على كل ما تمتد اليه ايديهم، وتسخير كل الامكانات من اجل اشباع هذه المطامع، وينعكس الشعور والاهتمام نفسه سلبيافي المستضعفين على صورة المقاومة الصامتة اولا، والمتحركة ثانيا، والثائرة ثالثا على المستغلين، وهي مقاومة تحمل نفس الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون، وهذا يؤدي في الحقيقة الى ان الثورة لن تكون ثورة على الاستغلال وعلى جذوره،ولن تعيد الجماعة الى مسيرتها الرشيدة ودورها الخلافي الصالح، وانما هي ثورة على تجسيد معين للاستغلال من قبل المتضررين من ذلك التجسيد، ومن هنا كانت تغيرا لمواقع الاستغلال اكثر من كونها استئصالا للاستغلال نفسه.

    (راجع:الاسلام يقود الحياة ص 141-142) وكان الشهيد الصدر يقول: ان الظلم يجر الظلم، والاستبداد يولد الاستبداد في الظالمين والمظلومين معا، لان التطرف لايخلق الا التطرف، ولا ينجب الا الارهاب.

    وفي هذا الاطار يقول الشهيد الصدر: «ولم يكن من الصدفة ان يوضع العدل اصلا ثانيا من اصول الدين ويميز عن سائرصفات اللّه تعالى بذلك، وانما تاكيدا على اهم صفات اللّه تعالى في مدلوله العملي ودوره في توجيه المسيرة الانسانية،وذلك لان العدل في المسيرة وقيامها على اساس القسط هو الشرط الاساسي لنمو كل القيم الخيرة الاخرى، وبدون العدل والقسطيفقد المجتمع المناخ الضروري لتحرك القيم وبروز الامكانات الخيرة». (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 130) ثالثا - ومن اهم منابع التطرف والارهاب، تضخم الذات وتفشي ظاهرة احتكار الحقيقة، وهي ظاهرة تحدث عنها الشهيدالصدر في سياق حديثه عن عملية تحويل النسبي الى مطلق، وهي عملية تدخل في صلب وقوام ظاهرة التطرف بما هي تجاوز للحد.

    واذا كان الشهيد الصدر قد تحدث عن ظاهرة الاستبداد - مما اشرنا اليه في السياق نفسهـ بما هي تناقض اجتماعي يقوم على الاستغلال ويستند الى القوة، فانه اشار اليها في بعدها الاخر بما هي رؤية تنظر لاحتكار الحقيقة وتوحيد الناس والبشر في اطار رؤية واحدة، وهي في الغالب رؤية المستبد نفسه، اذ وصف الشهيد الصدر فرعون (كنموذج) بانه يضع الناس كلهم في اطار رؤيته. (راجع: المدرسة القرآنية ص 124) وهي رؤية لا تقتصر على المستبد في الاطار السياسي وحسب، بل انها مرض يستشري في المتدينين - ايضا - بل ربمايشيع في اوساطهم بدرجة اكبر، فيشير الشهيد الصدر الى نموذج اليهود حيث يعتقدون (بان الانسانية هي كلها في اطارهم).(راجع:

    المدرسة القرآنية ص 162) دون ان يتوقف الشهيد عندهم، اذ اشار الى النماذج المتحضرة ايضا، كما هو شان الانسان الاوربي الذي يضع (الدنيا كلهافي اطار ساحته الاوربية وساحته الغربية). (راجع: المدرسة القرآنية ص 162) واذا كان قد اشار الشهيد الصدر الى فكرة احتكار الاله، ووصف اليهود «بانهم يحتكرون اللّه لانفسهم». (راجع: اهل البيت ص 40).

    فان ذلك لن يتوقف عندهم، اذ ان هذه الذهنية سيالة عند اليهود وعند غيرهم ومن المسلمين، ما يجعلهم سواء.

    وللاسف لم اعثر على شواهد عديدة عالج فيها الشهيد الصدر هذه المسالة، لانها - كما اشرت - لم تكن بمستوى الحضورالذي عليه اليوم، في احتكار للحقيقة لم يعهدهـ ربما - عصر ما.

    وقد اعتبر الشهيد الصدر ان اهم ما يميز الاخر الذي يواجه الطاغوت ويرفض التماهي معه والانبطاح له هو ذلك الافق الذي يعيشه، انطلاقا من قوله تعالى: ]والذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها وانابوا الى اللّه لهم البشرى فبشر عباد - الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم اللّه واولئك هم اولوا الالباب( (الزمر: 17 - 18).

    فيعلق الشهيد الصدر على هذه الاية: «يعني (انهم) لم يجعلوا هناك قيدا على ذهنهم، (و) جعلوا الحقيقة هدفهم، ولهذايستمعون القول فيتبعون احسنه. يعني هم في حالة طموح، (و) في حالة تطلع، (و) في حالة موضوعية، في حالة تسمح لهم بان يجدوا الحقيقة وبان يبتغوا الحقيقة». (راجع:

    المدرسة القرآنية ص 125- 126) رابعا - وربما لا يناقش احد في الوشائج التي تربط التطرف بالدين، بما للدين من مفهوم عام، فيكون الدين بهذا المعنى مصدرا من مصادر التطرف وعلى صلة به، اذ قد يقع التطرف بالدين نفسه، وذلك لجهة فهم الدين، وهو امر يشكل ظاهرة لاتتوقف عند طائفة، ففي الوقت الذي يدين فيه القرآن الكريم ظاهرة غلو اهل الكتاب، ]قل يا اهل الكتاب لا تغلوا في دينكم( (المائدة: 77)، فانه لا يختص هذا الغلو بهم، وظاهرة الخوارج ليست ببعيدة عن ذلك.

    وقد يستغل التطرف الدين وذلك من خلال اصطناع المثل والباسها ثوب الدين، لان «كل مثل اعلى من هذه المثل العلياالمنخفضة لا ينفك عن الثوب الديني سواء اءبرز بشكل صريح اءو لم يبرز». (راجع: المدرسة القرآنية ص 127) ولذلك يرى السيد الشهيد الصدر ان هناك اديانا مصطنعة ومزيفة ولكنها تحولت الى مطلقات، وبتعبير الشهيد الصدر ان هناك الها يفرزه الانسان ويصنعه ]ان هي الا اسماء سميتموها انتم وآباؤكم( (النجم: 23). (راجع: المدرسة القرآنية ص 128) فان مثل هذه المثل بتعبير الشهيد الصدر اقزام متعملقة.

    (راجع: المدرسة القرآنية ص 146) وعلى مستوى فهم الدين، فان الشهيد الصدر نبه الى بعض المخاطر التي تعترض الفقيه في استكشاف نظرية الاسلام ورؤاه. (راجع: اقتصادنا ص 382وما بعدها) واذا كان حديثه في اطار استكشاف المذهب الاقتصادي في الاسلام، فانه حديث عام ينطبق على المساحات الفكرية الاخرى، فان ما اشار اليه من منابع خطر الذاتية للاجتهاد مما اسماه بتبرير الواقع، ودمج النص ضمن اطار خاص، وتجريدالدليل الشرعي من ظروفه وشروطه، واتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص، فانه لا يختص بالمورد الذي اشار فيه اليها، لانها تلامس عملية الاجتهاد في مجالات فهم النص الشرعي كلها، وهي عملية معقدة وخطيرة، ولعل بعض ما ينسب الى الدين مما لا صلة به وليد هذه المنابع التي اشار اليها الشهيد الصدر.

    خامسا - لا يشك اثنان في كون (الجهل) عموما احد منابع التطرف، ومنه الجهل بالدين، وهو ظاهرة عرضت المجتمع المسلم الى الاحتراب والتمزق، كما ظهر ذلك في ظاهرة بروز الخوارج، فكان فهم هذه المجموعة المنفعلة للدين ومقولاته ومفاهيمه مشكلة عميقة ومؤلمة.

    وفي رواية عن الامام الصادق(ع) في ما نسب اليه من عدم قوله بالجهاد، وانه لا يراه، فقال في جواب ذلك: «... انا لا اراه؟!بلى واللّه اني لاراه، ولكني اكره ان ادع علمي الى جهلهم». (راجع:

    وسائل الشيعة، الحر العاملي 15: 45 باب 12 حديث 2;ژرس ز÷19955;ژرس ز÷) ولم يتحدث الشهيد الصدر عن هذه الظاهرة كونها مصدرا من مصادر التطرف، ولكنه مس هذه الظاهرة من حيث كونهامشكلة اجتماعية، وفي بعدها الاجتماعي، بما يمثله قطاع الجهل في المجتمع، اذ يستعير الشهيد الصدر تعبير الامام على ووصفه هذا القطاع ب - (الهمج الرعاع)، ذلك القطاع الاجتماعي الذي يرى الشهيد الصدر فيه معوقا اساسيا لحركة النموالاجتماعي على مختلف الاصعدة. (راجع: المدرسة القرآنية ص 178) ويشير الشهيد الصدر - فيما سناتي عليه من حديث - الى ضرورة تصفية هذا القطاع عبر تضييق دائرته الاجتماعية.

    واذا غابت معالجات الشهيد الصدر فيما يتصل بهذا الموضوع مما وصلنا من تراثه الفكري، فاننا نسمع مما وصلنا انه كان يصف بعض ردود الافعال مما يصدر عن محيطين ومريدين -احيانا - بالذهنية الخارجية، نسبة للخوارج.

    سادسا - واذا كان قد تحدث الشهيد الصدر عن الاستبداد كونه احد مصادر التناقض الاجتماعي، وما يؤديه ذلك الى مانسميه اليوم بظاهرة الارهاب، فانهـ رحمه اللّهـ تحدث في السياق نفسه، وهو سياق تحويل النسبي الى مطلق، عن(الحرية) وذلك عندما تتحول الى قيمة مطلقة ومثلا اعلى، فيقول: «الانسان الاوربي جعل الحرية هدفا وهذا صحيح، ولكنه صير من هذا الهدف مثلا اعلى، بينما هذا الهدف ليس الا اطارا في الحقيقة، وهذا الاطار بحاجة الى محتوى والى مضمون،واذا جرد هذا الاطار عن محتواه سوف يؤدي الى الويل والدمار، الى الويل الذي تواجهه الحضارة الغربية اليوم التي صنعت للبشرية كل وسائل الدمار، لان الاطار بقى بلا محتوى، (و) بقى بلا مضمون». (راجع: المدرسة القرآنية ص 134-135) وعندما يشير الشهيد الصدر الى (الحرية) على نحو يجمعها مع ظاهرة الاستبداد، مع انهما ظاهرتان على تضاد تام، فانه يرى الجامع بينهما في ما تحدث عنه من تحويل النسبي الى مطلق، وهو يرجع في حقيقته الى التطرف في التفكير والتطرف في الممارسة. هذا فضلا عن اعتبار (الحرية) في احيان كثيرة مظهرا من مظاهر التطرف، وان لم تكن حاضنة لها كما هوشان الاستبداد.

    تجفيف منابع التطرف ربما يعثر الباحث على عدة مؤشرات - في سياق حديث الشهيد الصدر عن المثل النسبية المتعملقة - تدخل في اطار مانسميه اليوم بتجفيف منابع التطرف، والقضاء على مصادره، وهي المرحلة الاهم في عملية مواجهة ظاهرة التطرف.

    ونشير الى هذه المؤشرات باختصار:

    اولا - يشير الشهيد الصدر الى دور الانبياء في محاربة ما اسماه بالمثل المصطنعة والمنخفضة والتكرارية، تلك الحرب المستمرة التي تستهدف وضع الامور في نصابها وعدم تجاوز الحدود المفترضة لها، وهو تعبير عن مواجهة كل تطرف، بمايعنيه التطرف من رؤية مبتورة تدعو صاحبها للانحراف عن المنهج الصحيح في القراءة والتقييم.

    ولذلك يعتبر الشهيد الصدر ان مهمة الانبياء تتمركز في اتجاه تصفية التناقضات الاجتماعية ومصادرها. (راجع:

    المدرسة القرآنية ص 149، ص 153، ص 160، ص 161) ثانيا - ومن مهمات الانبياء الكبرى - من وجهة نظر الشهيد الصدر -ارساء قواعد العدل، بما هي شرط ضروري لتحقيق الاستخلاف واعمار الكون، يقول الشهيد الصدر: «فكلما ازدهرت علاقات الانسان مع اخيه الانسان اكثر فاكثر ازدهرت علاقات الانسان مع الطبيعة، وكلما انحسرت العدالة عن الخط الاول انحسر الازدهار عن الخط الثاني، اي ان مجتمع العدل هو الذي يصنع الازدهار في علاقات الانسان مع الطبيعة، ومجتمع الظلم هو الذي يؤدي الى انحسار تلك العلاقات». (راجع:المدرسة القرآنية ص 174) وربما لا نحتاج الى ما يؤكد هذه الرؤية، فان اكبر ازمة يعيشها الانسان - وخاصة في عالمنا العربي والاسلامي - هي ازمة العدالة، وما ينتج عنها من احتقان اجتماعي وترهل في مفاصل الحياة كلها.

    ولذلك اعتبر الشهيد الصدر «النبوة والرسالة الربانية لا تنفصل بحال عن الثورة الاجتماعية على الاستغلال والترف والطغيان».

    (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 144) غير ان لهذه الثورة النبوية مائزا اخلاقيا عن الثورات الاجتماعية الاخرى، لانها تتجاوز مهمة تغيير مواقع الاستغلال على حد تعبير الشهيد الصدر.. لانها ثورة تهدف الى استئصال الاستغلال نفسه. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 142) ولذلك تبنت الثورة النبوية مسارين للتغيير وتجفيف منابع الاستغلال والارهاب والطغيان والفساد، احدهما ما اسماه النبى(ص)الجهاد الاصغر، وهو مواجهة مواقع ومراكز الفساد من الخارج، والجهاد الاكبر - وهو الاهم - وهو الذي يستهدف تحرير الانسان نفسه من نوازع الطغيان والفساد.

    (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 34) ولذلك اعتبر الشهيد الصدر ان الاساس الذي تقوم عليه الثورة النبوية للتغيير هو استئصال المشاعر التي خلقتها ظروف الاستغلال واعتماد مشاعر اخرى اساسا للثورة، وبذلك يفترض تميز الثائرين في خط النبوة عن الثائرين الاخرين في انهم لا يحملون الخلفية النفسية التي يحملها المستغلون، ولا ينطلقون من نفس المشاعر والاحاسيس التي خلقتها ظروف الاستغلال، ولذلك تكون ثورتهم ثورة على الاستغلال، بل على جذوره. (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 142) وفي هذا السياق تصدر مسالة الوسائل النبيلة للثورة وسلوك طرق شريفة للثورة بعيدا عن الانفعال والانفلات، وهي مسالة تمس اليوم مصداقية الاسلاميين قبل غيرهم، فتتلاشى الخطوط الفاصلة بين التيارات الثورية على اختلاف مراجعهاالفكرية، بل تتصدر - احيانا - التيارات الثورية الاسلامية اليوم القائمة السوداء في هذا المجال.

    واذا كان الشهيد الصدر قد اجاب عن اشكالية تخلي معظم الائمة ( عن الاسلوب الثوري والعسكري في مجابهة مؤسسات الظلم والطغيان، وارجعها الى انهم «لم يكونوا يرون الظهور بالسيف والانتصار المسلح كافيا لاقامة دعائم الحكم الصالح ...(و) ان اقامة هذا الحكم وترسيخه لا يتوقف في نظرهم على مجرد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقف قبل ذلك على اعداد جيش عقائدي يؤمن بالامام وعصمته ايمانا مطلقا ويعي اهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه من مكاسب». (راجع: اخترنا لك ص 68) فانهـ اعني الشهيد الصدر - وان كان يجيب عن هذه الاشكالية التاريخية التي مضت عليها قرون عديدة - فانهـ فيمااءقدر - يجيب عن اشكالية سياسية قائمة في اوساط بعض الاسلاميين، تلك الاوساط التي تستعجل تسلم السلطة وتتطلع اليها دونما مقدمات، بل يبلغ تطلع بعضهم اليها حد النزوة والشهوة، وتمارس في سبيل ذلك وسائل غير شريفة وبعيدة عن النزاهة، بل تتعارض كلية مع مبادئ الاسلام نفسه.

    ثالثا - تحديدات الشهيد الصدر للعمل الاسلامي تعبر عن رؤية اسلامية اصيلة تبتعد عن منهج التطرف الذي ساد اوساط المسلمين لفترات طويلة ولا يزال.

    اذ يظهر التطرف في مسالة التعاطي السياسي باتجاهين متعاكسين، فيجد الباحث موقف جمهور الفقهاء من اهل السنة الذي يحرم الخروج على الحاكم الجائر وفق رؤية فقهية لسنا بصدد الحديث عنها، ويجد الباحث في الوقت نفسه عند فقهاءآخرين من اهل السنة من يقول بتحريم المكاسب والتجارات، وانه لا يجوز بيع ولا شراء في ظل الحاكم الجائر، وهو راي خطير ويقود الى ازمات كبيرة. (راجع: مقالات الاسلاميين ص 467 - 468) واذا صنف الشهيد الصدر في منهجه السياسي على تيار الثوريين، فانه من موقعه الفقهي نظر للوسطية في هذا المجال، اذفي الوقت الذي كتب فيه في (الاسس الاسلامية) عن ضرورة التصدي لانحراف الحاكمين، فانه نبه على ان لا يكون هذاالتصدي موجبا للحرب الداخلية. (راجع: الاسس الاسلامية: الاساس (4) من المنشور في كتاب محمد باقر الصدر، حياة حافلة.. فكر خلاق..) وتحديد من هذا القبيل يعد ضمانا لخط العمل الاسلامي والعاملين فيه، لئلا يتحول العمل الاسلامي - كما هو حاليا - الى اشبه ما يكون بالعبث، بل بالتوحش.

    ومن هذه التحديدات كشرط ضروري لحماية مسيرة العمل الاسلامي ما اسماه الشهيد الصدر بدور (الشهيد) في هذاالمجال، بما يعنيه الشهيد من مرجعية فكرية وتشريعية يمثلها النبي او الامام او من ينوب عنهما وهو (العالم)، وذلك «لتعديل المسيرة او اعادتها الى طريقها الصحيح اذا واجه انحرافا في مجال التطبيق». (راجع: الاسلام يقود الحياة ص 133) وكانه يستشرف ما نحن فيه اليوم من غياب دور العلماء في مسيرة العمل الاسلامي (بغض النظر عن العوامل التي ادت الى ذلك)، ونزو عدد من انصاف المتعلمين لقيادة هذه المسيرة لتصل بالعمل الاسلامي والاسلام الى الحضيض.

    رابعا - ويندرج في اطار عملية تجفيف منابع التطرف ما يسميه الشهيد الصدر تبعا للغة القرآنية باتباع الاحسن، كما في قوله تعالى: ]فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه( (الزمر: 17 - 18)، هؤلاء الذين وصفهم الشهيد الصدر -تبعا للوصف القرآني - بحرية الفكر، وهم الذين «لم يجعلوا قيدا على ذهنهم، (و) لم يجعلوا اطارا محدودا لا يمكنهم ان يتجاوزوه، جعلوا الحقيقة مدار همهم.... (و) هدفهم». (راجع: المدرسة القرآنية ص 125) ووصف من هذا القبيل يقابله الانغلاق على رؤى معينة ومحاولة تعميمها وفرضها على الاخرين، والانطلاق منها وبها الى تقييمات ومواقف تجاه الاخر.

    ولذلك ينعى الشهيد الصدر على هؤلاء الذين يرون نهاية العالم حيث تنتهي ساحتهم، ويرون ان الانسانية كلها في اطارهم،لا فرق بين اليهود كما في الوصف القرآني: ]ليس علينا في الاميين سبيل( (آل عمران: 85)، فيحددون مراكز الناس وفقالقناعاتهم، وبين الانسان الاوربي الذي يرى نهاية العالم حيث تنتهي ساحته. (راجع: المدرسة القرآنية ص 162) وهي رؤية سيالة يتساوى فيها اصحابها على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم، ولا يجمعهم الا احتكار الحقيقة وتصديق انفسهم.

    لقد راى الشهيد الصدر في عملية توحيد الناس في رؤية ما وفرضها على الاخرين دونما حق، افتئاتا على الحقيقة وتدميرا للانسانية وتعويقا لمسيرتها، لان رؤية من هذا القبيل لا تندرج الا في تحويل النسبي الى مطلق، ومحاولة فرضه في وقت يكف فيه ان يكون مصدرا للاشعاع، وهو يساوق التطرف ويلتقي به.

    وفي الختام اءذكر من جديد اءن ظاهرة التطرف في صيغتها الحالية وما تولد عنها من ارهاب سواء على المستوى الديني اوالاجتماعي او السياسي، لم تكن بهذا المستوى من الحضور بحيث تكون هاجسا لمفكر بمستوى محمد باقر الصدر، ولذلك لم ترد في ابحاثه وكتاباته معالجات صريحة ومباشرة في هذا الموضوع.

    ولكن مع ذلك، هناك ما يمس هذه الظاهرة على مستوى المصادر والمنابع او على مستوى التجليات، وقد حاول البحث ان يستجمع هذه المعالجات في مركب نظري اءعطي عنوان (التطرف من وجهة نظر الشهيد محمد باقر الصدر) وان كان البحث في مجمله بحثا استنتاجيا.



    [/align]





  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]
    الهامش
    _______________


    249- الشيخ ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى، المكتبة
    الاسلامية للنشر والتوزيع، الطبعة الاولى سنة 2001م، ص 4.
    250- محمد الكثيري: السلفية بين اهل السنة والامامية،
    منشورات دار الغدير، الطبعة الاولى سنة 1997،ص 23.
    251- انظر: الشيخ محمد سعيد رمضان البوط‏ي: السلفية
    مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي، نشر دار الفكر
    المعاصر،الطبعة الاولى 2004م.
    الشيخ زهير شاويش: السلفية حركة قائمة في وجه مخالفيها،
    ضمن كتاب السلفية « النشاة ف المرتكزات ف الهوية‏» اوراق‏حلقة
    بحثية، منشور عن معهد المعارف الحكمية للدراسات الدينية
    والفلسفية، الطبعة الاولى 2004م، ص 8 10 بتصرف.
    252- الشيخ ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى، مصدر سابق،
    ص‏9.
    253- المصدر السابق، ص‏12.
    254- المصدر السابق، ص‏19.
    255- المصدر السابق، ص‏25.
    256- ما نقصد بالقراءة التعبدية: تلك القراءة التي تضفي نوعا
    من القدسية على النص المقروء، وبالتالي لا ترى ضرورة‏باجراء
    مقاربة نقدية لمبادئه او خلاصاته، بل قد يصل بها الحد الى
    اعتبار هذا العمل على حد الشرك والكفر سواء.
    257- سوف يتم مناقشة هذين المستويين في مقام بسط تصور
    العلامة في التفسير.
    258- مؤلف جماعي: سيرة العلامة الطباطبائي، يرجى الرجوع
    الى بحث منهج المرحوم العلامة في التفسير، منشورات
    دارالهادي، الطبعة الاولى 2000م، ص‏43 63.
    259- الشيخ الاستاذ حيدر حب اللّه: علم الكلام عند السيد
    محمد حسين الطباطبائي قراءة في جدل العقل والنص،
    مجلة‏الكلمة، العدد 36 سنة 2002م، ص‏52.
    260- الشيخ سعيد رحيميان: المدرسة التفكيكية والمدرسة
    الطباطبائية ف قراءة نقدية مقارنة، ترجمة الشيخ الاستاذ
    حيدرحب اللّه. مجلة نصوص معاصرة، العدد الثاني، السنة
    الاولى 2005م، ص‏101 و 102.
    261- السيد الاستاذ محمد مصطفوي: الافهوم القرآني
    ونظريات تشكل الخطاب، مجلة الحياة الطيبة، العدد الثالث
    عشر سنة‏2003م، ص‏4815. يرجى مراجعة البحث لاهميته
    وجديته، بالاضافة الى مجمل البحوث المنشورة في ملف هذه
    المجلة.262- الشيخ الاستاذ حيدر حب اللّه: علم الكلام عند
    السيد محمد حسين الطباطبائي، مصدر سابق، ص‏50.263-
    العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي: رسالة التشيع في
    العالم المعاصر، ترجمة الاستاذ جواد علي كسار، نشرمؤسسة ام
    القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الاولى رجب 1418 ه‏#، ص‏115.
    264- العلامة السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني:
    الشمس الساطعة، منشورات دار المحجة البيضاء، الطبعة
    الاولى سنة‏1997، ص‏60.
    265- العلامة محمد جواد مغنية: ثلاث خصائص لتفسير
    الميزان، ضمن كتاب رسالة التشيع في العالم المعاصر، ص‏502
    و503.
    266-وراجع ايضا: الشيخ سعيد رحيميان: المدرسة التفكيكية
    والمدرسة الطباطبائية، مصدر سابق، ص‏102.
    267- ابو الحسن الاشعري: مقالات الاسلاميين واختلاف
    المصلين، موقع الايمان، عن شبكة المشكاة الالكترونية (لم
    تذكرارقام صفحاته)، ج‏1، ضمن فقرة: واختلفوا هل يقال للّه
    وجه ام لا.
    268- ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، شبكة المشكاة
    الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ج‏4،
    ضمن‏فصل حول ما ذكره ابو الحسن الامدي.
    269- النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم، شبكة المشكاة
    الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج‏1، كتاب الايمان،
    باب‏معرفة طريق الرؤية، وتفسير الطبري، مكتبة يعسوب الدين
    الالكترونية، ج‏3، ص‏15#17، وابن حجر العسقلاني: فتح‏الباري،
    دار المعرفة، بيروت، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية،
    ج‏13، ص‏359 و403.
    270- السيوط‏ي: الدر المنثور، مكتبة يعسوب الدين
    الالكترونية، ج‏3، ص‏92، وعلي بن عمر الدارقطني: كتاب
    الصفات،عن شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة 61، ص‏41، وفتح
    الباري، ج‏13، ص‏343.
    271- كتاب الصفات، فقرة 57#58، ص‏40، والذهبي: سير اعلام
    النبلاء، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج‏10، فقرة‏505، وج‏8،
    فقرة 162، والترمذي: الجامع الصحيح لسنن الترمذي، شبكة
    المشكاة الالكترونية، ج‏4، باب ما جاء في‏خلود اهل الجنة واهل
    النار، فقرة 2557.
    272- سير اعلام النبلاء ج‏8، فقرة 162، وكتاب الصفات، فقرة
    67، ص‏44، وفقرة 63، ص‏42.
    273- سير اعلام النبلاء، ج‏8، فقرة 105، واليافعي: مرهم العلل
    المعضلة في رفع الشبه والرد على المعتزلة (لم يكتب
    مكان‏طبعه ولا سنة نشره)، ص‏251.
    274- حيث قال ابن القاسم: سالت مالكا عمن حدث بالحديث
    الذين قالوا ان اللّه خلق آدم على صورته، والحديث الذي‏جاء ان
    اللّه يكشف عن ساقه، وانه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من
    اراد، فانكر مالك ذلك انكارا شديدا ونهى ان‏يحدث بها احد،
    فقيل له: ان ناسا من اهل العلم يتحدثون به، فقال: من هو؟
    قيل: ابن عجلان عن ابي الزناد، قال: لم يكن‏ابن عجلان يعرف
    هذه الاشياء، ولم يكن عالما، وذكر ابا الزناد فقال: لم يزل عاملا
    لهؤلاء حتى مات (سير اعلام النبلاء،ج‏8، فقرة 103#104).
    275- ابن ابي يعلى: طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة
    الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج‏1، مادة (احمد بن جعفر
    بن‏يعقوب الاصطخري).
    276- سير اعلام النبلاء، ج‏8، فقرة 402، وابن ابي شيبة: كتاب
    العرش، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية،ص‏50.
    277- ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه، عن مكتبة يعسوب
    الدين الالكترونية. ص‏141.
    278- ابن كثير: البداية والنهاية، عن مكتبة يعسوب الدين
    الالكترونية، ج‏10، ص‏361.
    279- الكوثري: تكملة الرد على نونية ابن القيم، نشر ضمن:
    السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، مكتبة يعسوب
    الدين‏الالكتروني، ص‏138.
    280- سير اعلام النبلاء، ج‏10، فقرة 578.
    281- البداية والنهاية، ج‏10، ص‏361.
    282- سير اعلام النبلاء، ج‏10، فقرة 447.
    283- سير اعلام النبلاء، ج‏10، فقرة 506، وج‏8، فقرة 162،
    وفقرة 105.
    284- ابن حزم: الفصل في الملل والاهواء والنحل، شبكة
    المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج‏2، فقرة
    الكلام‏في التوحيد ونفي التشبيه.
    285- نفس المصدر والفقرة.
    286- الحقيقة ان هناك نصا صريحا بوجود عينين، كما في
    الرواية عن ابي هريرة من ان النبى (ص)ص) قال: ان العبد اذا
    قام‏في الصلاة قام بين عيني الرحمن، فاذا التفت قال له ربه:
    الى من تلتفت الى خير لك مني (ابن قيم الجوزية:
    الصواعق‏المرسلة على الجهمية والمعطلة، شبكة المشكاة
    الالكترونية، ضمن الفصل الثامن (لم تذكر ارقام صفحاته ولا
    فقراته).
    287- الفصل في الملل والاهواء والنحل، ج‏2، فقرة الكلام في
    الوجه واليد والعين والجنب والقدم.
    288- المصدر السابق، ج‏2، فقرة القول في المكان والاستواء.
    289- المصدر السابق، ج‏2، فقرة الرحمن على العرش استوى.
    290- نفس المصدر السابق والفقرة.
    291- نفس المصدر السابق والفقرة.
    292- المصدر السابق، ج‏2، فقرة الكلام في العلم.
    293- نفس المصدر السابق والفقرة.
    294- نفس المصدر السابق والفقرة.
    295- المصدر السابق، ج‏2، فقرة الكلام في المائية.
    296- دفع شبه التشبيه، ص‏97#102.
    297- ابن رجب الحنبلي: ذيل طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة
    الالكترونية،
    298-ج‏2، فقرة اسحاق بن احمد العلثي (لم تذكر ارقام
    صفحاته).
    299- المنهاج شرح صحيح مسلم، ج‏1، كتاب الايمان، باب
    معرفة طريق الرؤية
    300- فتح الباري، ج‏13، ص‏330.
    301- فتح الباري، ج‏13، ص‏324.
    302- فتح الباري، ج‏13، ص‏323#324.
    303- ابن تيمية: العقيدة الحموية الكبرى، شبكة المشكاة
    الالكترونية، فصل حول وصف اللّه بما وصف به نفسه (لم
    تذكرارقام صفحاته ولا فقراته). وبيان تلبيس الجهمية في
    تاسيس بدعهم الكلامية، شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن
    فصل‏حول قول الرازي البرهان الخامس (لم تذكر ارقام
    صفحاته ولا فقراته). مع ان هناك رواية تروى عن ابن عباس انه
    يؤول‏معنى الكرسي الى العلم كالذي نقله الطبري في تفسيره.
    304- العقيدة الحموية الكبرى، فصل حول وصف اللّه بما وصف
    به نفسه. ومجموع فتاوى ابن تيمية، شبكة المشكاة‏الالكترونية
    (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ج‏5، ضمن فصل ان يوصف
    اللّه بما وصف به نفسه.
    305- بيان تلبيس الجهمية، ضمن فصل للناس في حملة
    العرش
    306- ابن القيم: بدائع الفوائد، شبكة المشكاة الالكترونية (لم
    تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته)، ضمن فقرة: بعض مسائل‏فقهية
    من فتاوى ابي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني.
    307- ابن ابي يعلى: كتاب الاعتقاد، مكتبة المشكاة الالكترونية
    (لم تذكر ارقام صفحاته)، باب الاسراء والمعراج.
    308- بيان تلبيس الجهمية، ضمن فصل للناس في حملة
    العرش.
    309- السبكي: السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، عن
    مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص‏136.
    310- ابن القيم: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة،
    شبكة المشكاة الالكترونية، ضمن الفصل الثامن (لم تذكر
    ارقام‏صفحاته ولا فقراته).
    311- حاجي خليفة: كشف الظنون، عن مكتبة يعسوب الدين
    الالكترونية، ج‏2، ص‏1438، جاء ان العبارة المذكورة‏موجودة
    في النسخ المخطوطة من تفسير ابي حيان، لكنها ليست
    موجودة في التفسير المطبوع، ونقل الشيخ الكوثري
    عن‏مصحح طبع الكتاب بمطبعة السعادة انه استفظعها جدا
    فحذفها عند الطبع لئلا يستغلها اعداء الدين (تكملة الرد على
    نونية‏ابن القيم، ضمن: السيف الصقيل، ص‏97، والتوفيق الرباني
    في الرد على ابن تيمية الحراني لجماعة من العلماء، عن
    مكتبة‏يعسوب الدين الالكترونية، ص‏21).
    312- تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص‏163.
    313- تقي الدين الحصني: دفع شبه من شبه وتمرد، ضمن
    التوفيق الرباني، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص‏21.
    314- ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في اعيان المئة
    الثامنة، شبكة المشكاة الالكترونية، ج‏1، ص‏49.
    315- سير اعلام النبلاء، ج‏10، فقرة 455.
    316- ذيل طبقات الحنابلة، ج‏2، فقرة محمد بن عبد اللّه بن
    الحسين السامري.
    317- ذيل طبقات الحنابلة، ج‏1، فقرة يحيى بن محمد بن
    هبيرة. وكان ابن هبيرة يقول: ما انزل اللّه آية الا والعلماء
    قدفسروها، لكن يكون للاية وجوه محتملات، فلا يعلم ما المراد
    من تلك الوجوه المحتملات الا اللّه عز وجل. كما قال:
    ليس‏مذهب احمد الا الاتباع فقط. فما قاله السلف قاله، وما
    سكتوا عنه سكت عنه، فانه كان يقول في آيات الصفات: تمر
    كماجاءت (نفس المصدر والفقرة السابقين).
    318- للتعرف على نظرية المشاكلة للفلاسفة والعرفاء، يراجع
    الفصل الثامن من كتابنا: الفلسفة والعرفان
    والاشكاليات‏الدينية، دار الهادي بيروت 2005م.
    319- صدر المتالهين: مفاتيح الغيب، مؤسسة مطالعات
    وتحقيقات فرهنگي، ص‏93.
    320- صدر المتالهين: ايقاظ النائمين، مؤسسة مطالعات
    وتحقيقات فرهنگي، 1982م، ص‏16#17، والحكمة المتعالية
    في‏الاسفار العقلية الاربعة، دار احياء التراث العربي بيروت،
    الطبعة الثانية، 1981م، ج‏2، ص‏342#343.
    321- لاحظ كتب صدر المتالهين التالية: مفاتيح الغيب،
    ص‏92، وعرشيه، كتابفروشي شهريار، اصفهان،
    1341ه‏#.ش،ص‏271#272، والاسفار، ج‏9، ص‏299، وتفسير القرآن
    الكريم، دار التعارف # بيروت 1419ه‏# / 1998م، ج‏5،ص‏139#140.
    322- ابن تيمية: الرسالة التدمرية، المكتب الاسلامي بيروت،
    الطبعة الثانية، ص‏50#51، والصواعق المرسلة ص‏244و252.
    323- مفاتيح الغيب، ص‏97#98، وتفسير صدر المتالهين، ج‏1،
    ص‏172.
    324- ابن ابي العز: شرح العقيدة الطحاوية، شبكة المشكاة
    الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، فقرة قوله: ولا شي‏مثله.
    325- مفاتيح الغيب، ص‏96.
    326- تفسير صدر المتالهين، ج‏3، ص‏19.
    327- النشار: نشاة الفكر الفلسفي في الاسلام، دار المعارف،
    الطبعة السابعة، 1977م، ج‏1، ص‏391.
    328- تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص‏85.
    329- درء تعارض العقل والنقل، ج‏1، ولاحظ ايضا: ابن تيمية:
    النبوات، دار القلم، بيروت، ص‏60، ومنهاج السنة، ج‏1،ص‏121.
    330- ابن القيم: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة
    والتعليل، شبكة المشكاة الالكترونية، ص‏156، وشرح‏العقيدة
    الطحاوية، فقرة (قوله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه).
    331- ابن تيمية: رسالة في علم الباطن والظاهر، شبكة
    المشكاة الالكترونية، ضمن فصل حول العلم الباطن (لم تذكر
    ارقام‏صفحاته ولا فقراته).
    332- درء تعارض العقل والنقل، ج‏1، الفصل الاول حول تعارض
    الادلة السمعية والعقلية.
    333- نسب الى الذهبي، رغم انه من تلامذة ابن تيمية، رسالة
    شديدة اللهجة في الرد على مسلك شيخه، ومن ذلك تنطعه
    في‏المباحث الفلسفية وغيرها. فقد جاء في رسالته الذهبية قوله
    وهو يخاطبه بهذا الخصوص: «يا رجل باللّه عليك كف عنافانك
    محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، اياكم والاغلوطات في
    الدين، كره نبيك صلى اللّه عليه وسلم المسائل وعابهاوعن
    كثرة السؤال وقال (ان اخوف ما اخاف على امتي كل منافق
    عليم اللسان) وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب اذا كان‏في
    الحلال والحرام فكيف اذا كان في العبارات اليونسية والفلاسفة
    وتلك الكفريات التي تعمي القلوب ؟ واللّه قد صرناضحكة في
    الوجود، فالى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية لنرد عليها
    بعقولنا، يا رجل قد بلعت سموم الفلاسفة‏ومصنفاتهم مرات،
    وبكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم وتكمن واللّه في
    البدن (الذهبي: النصيحة الذهبية، نشرت‏ضمن: التوفيق
    الرباني، ص‏205#206).
    334- تكملة الرد على نونية ابن القيم، ص‏84.
    335- دفع شبه من شبه وتمرد، ص‏21، علما ان هناك من بالغ
    واتهم ابن تيمية بانه خرق الاجماع بنحو ستين مسالة
    في‏الاصول والفروع، كما هو الحال مع الشيخ ولي الدين
    العراقي (المصدر السابق، ص‏22).
    336- الدر المنثور، ج‏3، ص‏322.
    337- شفاء العليل، ضمن الباب الثالث والعشرون
    338- انظر الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، خاصة
    الفصل السادس
    339- السبكي: رسالة الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ضمن التوفيق
    الرباني، ص‏149.
    340- محمد بن اسماعيل الصنعاني: رفع الاستار لابطال ادلة
    القائلين بفناء النار، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص‏77وما
    بعدها.
    341- مختصر الصواعق المرسلة، ص‏234.
    342- ابن الموصلي: مختصر الصواعق المرسلة لابن قيم
    الجوزية، تصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الامام 13،
    مصر،ص‏238.
    343- رفع الاستار، ص‏109.
    344- رفع الاستار، ص‏108#110.
    345- درء تعارض العقل والنقل، ج‏9، في نقد الفلاسفة.
    346- شرح العقيدة الطحاوية، فقرة قوله: نقول في توحيد اللّه.
    347- درء تعارض العقل والنقل، ج‏9، في نقد الفلاسفة.
    348- قال ابن تيمية بهذا الصدد: «واما اثبات الاسباب التي لا
    تستقل بالاثر، بل تفتقر الى مشارك معاون وانتفاء معارض‏مانع
    وجعلها مخلوقة للّه، فهذا هو الواقع الذي اخبر به القرآن ودل
    عليه العيان والبرهان، وهو من دلائل التوحيد وآياته‏ليس من
    الشرك بسبيل، فان ذلك مما يبين انه ليس في المخلوقات ما
    يستقل بمفعول من المفعولات‏»، درء تعارض العقل‏والنقل، ج‏9،
    في نقد الفلاسفة.
    349- في اشارة الى قول الشيخ كاشف الغطاء: «لو كنا نعلم انهم

    يقنعون بالحجة البالغة، ويخضعون للادلة القاطعة، لملانا
    الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق اضحى من
    ذكاء،واجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان
    قاطعتان يعتمد عليهما، واليهما يستند، ولا فائدة الا
    بمقابلتهما اوباقوى منهما، وهما: الحسام البتار والدرهم
    والدينار، السيف والسنان، والاحمر الرنان، هذا لقوم وذلك
    لاخرين‏». (راجع:مجلة تراثنا، العدد الرابع «13»، السنة الثالثة،
    شوال 1408ه‏#، ص‏186). والحسام البتار والدرهم والدينار هما
    اشارة الى‏الاساليب التي اعتمدت في نشر الخطاب والفكر
    السلفي منذ بداياته الاولى وحتى مراحله اللاحقة وبخاصة في
    المرحلة‏الوهابية، حيث ركبت الدعوة السلفية مطية الجهاد
    المسلح والفتوحات العسكرية، ولم يكن هناك احتكام الا
    للسيف والعنف‏المسلح. والكل يعلم علم اليقين الحجم الكبير
    للاموال والطاقات الهائلة المصروفة على المؤسسات الاعلامية
    والدينية‏السلفية الوهابية وغير الوهابية لكي تقوم بتعميم ونشر
    المد الاصولي السلفي في مختلف الارجاء من افريقيا الى
    آسيا،وغيرهما، كي تتماشى هذه الثقافة السلفية مع بعض
    الاستراتيجيات السياسية والاجتماعية لهذه الدولة او تلك.
    وهذا النشروالانتشار للفكر السلفي لا يقتصر على مذهب واحد
    ولون واحد، وانما يتعداه ليصل الى مذاهب دينية اخرى ايضا
    مدعومة‏من تيارات ونخب ودول في المنطقة لها مصالحها في
    هذا الشان.
    350- ابن منظور، لسان العرب، ج‏6، ص‏331330، دار احياء
    التراث العربي بيروت ط‏1، عام 1988م.
    351- البوط‏ي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب
    اسلامي، ص 16، صدر الكتاب عن دار الفكر بدمشق.
    352- راجع: السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. نقلا
    عن: العقائد السلفية لاحمد بن حجر، آل ابو طامي،ص‏11.
    353- راجع كتاب: السيد محمد الكثيري، السلفية بين اهل
    السنة والامامية، ص 25، ط‏10، دار الغدير للدراسات
    الاسلامية‏بيروت 1997م.
    354- جاء في كتاب: الامام الصادق والمذاهب الاربعة لاسد
    حيدر (ص‏302، مجلد2): «دخل سفيان الثوري على
    الامام‏الصادق(ع) وكان عليه جبة خز دكناء، قال سفيان:
    فجعلت انظر اليها متعجبا. فقال لي: يا ثوري. ما لك تنظر الينا،
    لعلك ممارايت؟ قال: فقلت: يا بن رسول اللّه ليس هذا من
    لباسك ولا لباس آبائك. فقال لي: يا ثوري، كان ذلك الزمان
    مقفرا مقترا،ثم حسر عن ردن جبته واذا تحتها جبة صوف
    بيضاء، وقال: يا ثوري، لبسنا هذا للّه (واشار الى جبة الصوف)
    وهذا لكم(واشار الى الخز) فما كان له اخفيناه، وما كان لكم
    ابديناه. وجاء في رواية اخرى، قال: اخبرك ان رسول اللّه(ص)
    كان في‏زمان مقفر جشب، فاذا اقبلت الدنيا فاحق بها ابرارها لا
    فجارها، مؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها (يراجع:
    بداية‏الفرق نهاية الملوك للشيخ محمد رضا الحكيمي، ص‏71).
    355- لقد قدم كثير من السلف صورة ماساوية عن الاسلام
    محورها الرعب والتفجع والدم. وهو بالاساس دين حرية‏وتحرر،
    ورسالة سماوية انسانية سمحاء، غايتها الاولى والاخيرة خدمة
    البشرية جمعاء، من منطلق ان الدين وسيلة لخدمة‏الناس،
    وليس اداة لاستعبادهم وزيادة معاناتهم وصعوباتهم الحياتية.
    356- جاء في القرآن الكريم: (تلك امة قد خلت لها ما كسبت
    ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون( (البقرة:
    134و141).
    357- طبعا نحن لا نعدم ابدا وجود بعض تيارات السلفية
    المعاصرة المخلصة لرسالتها، ممن اشتغل اصحابها بالعلم
    والادراك‏الصحيح لقيم ومبادئ الدين الحنيف، فاعطوا للعقل
    قيمته العالية التي يستحقها في داخل بنيتهم التفكيرية،
    وهؤلاء نستطيع‏ان نقول عنهم «سلفيون اصلاحيون او
    تنويريون‏». وهم ليسوا موضع حديثنا النقدي في هذه الدراسة.
    358- المشكلة هنا ان هذا الامر لا يقتصر على حصرية الحقيقة
    لدى السلف، وانما لا تزال تربى اجيال باكملها على‏تقديسهم
    وعبادتهم. نقرا هنا نصا يعلم للشباب السعودي لتربيتهم على
    عبادة السلف. والنص ماخوذ من مادة التوحيد التي‏تدرس في
    العام الاول من المرحلة الثانوية: «مع مرور الزمن، حل الانحراف
    الاخلاقي محل رسالة محمد. واختفت العديدمن التقاليد امام
    البدع. وكان الصحابة وتابعيهم قد وقفوا بثبات في وجه هذه
    البدع وقمعوها. فالصحابة عرفوا الحقيقة‏وابطلوا المسائل
    المشبهة. ومتى ظهرت بدعة، ارسل اللّه شخصا ليحاربها،
    ليكشف مضارها وينقي السنة الظافرة منها. ومتى‏ظهر واحد
    من اولئك الذين يدافعون عن الضلال، ارسل اللّه شخصية
    عظيمة من اهل السنة ليحاربه ويخزيه بمحق‏بدعته.
    فعندما ظهرت اولى نزعات الابتداع في عهد الفاروق عمر،
    ارسل اللّه عمر الذي صحح الضلالة، فعاقب الملة برمتها،وعاقب
    الضالين باحراقهم في النار، وامر بجلد الذين عابوا الشيخين [ابو
    بكر وعمر]. وعندما قام بعض الناس بانكار القضاءوالقدر، وقف
    صحابة من مثل ابن عمر في وجوههم وفضحوا زيغهم. وعندما
    صرح غيلان الدمشقي ببدعته، ناهضه اتباع‏التقليد النبوي.
    وعندما واصل ضلاله قتله هشام بن عبد الملك. وبالطريقة
    ذاتها قتل الامير خالد بن عبداللّه القصري ابن‏درهم. وكلما
    ظهرت البدع، قام اهل السنة ليحاربوها. فعندما تحرك مناصرو
    النزعات الابتداعية، ارسل اللّه احمد بن حنبل،الامام السني
    ومخمد البدع. فهزمهم، والحمد للّه، ولم تقم لهم قائمة مرة
    اخرى على القوة ذاتها. وكان شيخ الاسلام ابن‏تيمية مقاتلا
    استخدم معرفته وخطابته في وجه اللاهوت المدرسي
    والفلسفة والصوفية وغيرها من البدع. وما زال ميراثه‏وكتاباته
    تقدم مرجعا لكل من يلتزم بمبادئ السنة وقذى في عين كل
    مبتدع(. (راجع كتاب التوحيد، التعليم الثانوي، السنة‏الاولى).
    وهاكم مثالا آخر عن اسلوب التلقين التعليمي السلفي كما يرد
    في مناهج الازهر، بما يدلنا على حجم الدور الخطر الذي‏يمكن
    لها ان تلعبه التربية والتعليم التقليديتين (وادعاء امتلاك
    الحقيقة المقدسة) في خلق ارهاب مقنع او على الاقل
    في‏رعاية الركود وتنشئة الاجيال على التقليدية والتعصب
    الاعمى.. يقرا طلاب الازهر وهم في القرن الحادي والعشرين
    عمايمكن ان يحدث ان اخبر رجل زوجته «انني ساطلقك اذا ما
    تبين ان هذا الطائر المحلق انما يكون غرابا». وماذا
    سيحدث‏لانسان ولد براسين اثنين واربعة ارجل واربعة ايدي
    في حال سجوده في الصلاة، ما دام يفترض بالبشر ان يسجدوا
    وهم‏يتكئون على سبعة عظام هي الراس واليدان والركبتان
    والساقان؟..
    ومهما كان الحال منذ قرون مضت، عندما كتبت هذه الكتب،
    فقد وضع بوصفه قواعد تتوجب اطاعتها. ففي فصل حول‏مدب
    الاعراس وآداب الطعام، يقول المنهاج: «على المرء ان ياكل
    بثلاثة اصابع وعليه ان ينظف ما بين اسنانه، كما عليه ان‏يمسح
    الصحن وان يزدرد ما يتبقى من طعام وشراب‏». ورغم التقدم
    الحاصل في التقنيات والمعارف الطبية، فان طلبة
    الازهريدرسون التداوي باستخدام بول الجمل، وانه اذا تكلم
    رجل اثناء الجماع فقد يفقد صوته او يصاب بالتاتاة. كما توصي
    هذه‏الكتب المؤذنين بوضع سباباتهم في آذانهم عندما يرفعون
    الاذان للصلاة، لان ذلك يجعل الصوت اقوى.. وتصبح
    الصلاة‏نافلة ان مر كلب اسود اثناءها، لان الكلاب السود
    شياطين. ويشير احد الكتب الى علامات الموت التي
    يستخدمها بعض‏الفقهاء المحافظين في اعاقة القوانين التي
    تسمح بزراعة الاعضاء البشرية. ويوجه كتاب حول تعاليم
    الشافعي الى ان الماءيقي من الجن في الليل، وان على المرء الا
    يجفف نفسه بالطرف السفلي من ثوبه بعد الوضوء، لان ذلك
    يجلب الفقر. كمايتوجب ط‏ي الثياب اثناء الليل لئلا تلبسها
    الجن. وتعلم ان الرعد هو ملاك اجنحته هي البرق الذي يساعد
    في توجيه‏الغيوم.. فهل يتضمن ذلك ان علينا التخلص من
    التامين الصحي في مدارس الازهر لنوفر الجهد والمال؟ (راجع
    كتاب: خالدمنتصر، ليست امريكا وحدها التي تطالب بتغيير
    المناهج، موقع ذرح .خرچدح الالكتروني، 6شباط 2004م(.
    359- نسال هنا على سبيل المثال لا الحصر: هل يعقل ان تبقى
    شخصية مثل ابن تيمية متعالية فوق الخطا، ودون النقد،
    ولم‏ينمو بعد اتجاه النقد الذاتي باتجاهها؟
    360- ومن هؤلاء معظم الاقليات والاثنيات الدينية الممتدة
    زمنيا وتاريخيا على امتداد مساحة هذه الامة.. وقد
    عمل‏اللاعقل السلفي على سحق ومحق كل تلك التنوعات
    الدينية، ولم يعترف اصلا بوجودها، ووضعها امام طريقين
    احلاهمامر، فاما الخضوع واما الالغاء، وهاكم التاريخ شاهدا على
    ذلك، ولا داعي هنا لذكر الامثلة التي هي اكثر من ان
    تضرب،واشهر من ان تعرف.
    361- لقد اظهرت الازمات المتلاحقة التي يعاني منها المجال
    العربي والاسلامي، ان علة العلل وجذور العديد من
    الازمات‏والمشاكل يكمن في غياب الحرية، وسيادة حالة
    الاستبداد والتفرد، وضمور (الى درجة انعدام) حالات
    المشاركة الشعبية‏في صنع القرار خصوصا ما منه يرتبط براهن
    الامة ومستقبلها. ولا شك ان هذا الغياب بابعاده المختلفة
    واشكاله المتعددة،هو وراء فشل برامج التنمية واستحكام شبكة
    التبعية والذيلية على المستويين السياسي والاقتصادي.
    362- في هذا التصنيف التحليلي اذا صح التعبيرعلى كتاب
    السلفية للسيد محمد الكثيري.
    363- تفسير سورة النور، ابن تيمية، ص‏179178. عن كتاب:
    ابن تيمية لصائب عبد الحميد، ص‏121.
    364- راجع: محمد الكثيري، السلفية بين اهل السنة
    والامامية، ص 475، الطبعة الاولى، دار الغدير بيروت 1997م.
    365- ذكر من قال ذلك: ابو كريب وسلم بن جنادة، عن
    ادريس، عن مطرف، عن جعفر بن ابي المغيرة، عن سعيد بن
    جبير،عن ابن عباس قوله: كرسيه علمه.. وعن يعقوب بن
    ابراهيم، عن هشيم، عن مطرف، عن جعفر بن ابي المغيرة، عن
    سعيد بن‏جبير، عن ابن عباس: «كرسيه‏» علمه، الا ترى الى
    قوله: (ولا يؤوده حفظهما(.
    366- السلفية، مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي، ص‏134
    136، مصدر سابق.
    367- بحوث في الملل والنحل،ج‏4، ص‏40.
    368- السلفية، مرحلة زمنية مباركة لا مذهب اسلامي،
    ص‏134 136.
    369- يتحدث الحافظ الذهبي قائلا في وصفه لاتباع (الشيخ
    الاكبر!): «فهل معظم اتباعك الا قعيد مربوط خفيف العقل؟
    اوعامي كذاب بليد الذهن، او غريب واجم قوي المكر؟ او ناشف
    صالح عديم الفهم؟ فان لم تصدقني ففتشهم وزنهم
    بالعدل‏»(بحوث في الملل والنحل، ص‏40.. نقلا عن كتاب:
    السلفية بين اهل السنة والامامية، مصدر سابق، ص‏240.
    370- راجع: طبقات الشافعية، ج‏1، ص 188.







    [/align]





  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]371- راجع احد اهم الكتب التي يستشهدون بها، وهو «ميزان
    الاعتدال‏» للذهبي.
    372- لمزيد من الاستفاضة في هذا الموضوع، راجع كتاب
    الدكتور البوط‏ي عن السلفية، مصدر سابق، ص‏134.
    حيث‏يكشف الشيخ البوط‏ي عن تحريفات هؤلاء وهو يناقش
    بعضهم حول دعوى التقليد.. ولكن على ما يظهر لم تصل
    جراة‏البوط‏ي الى حد وصف المحرفين بالكذب وتحريف تراث
    المسلمين عن وجهته الحقيقية.
    373- يمكن ان نضرب هنا مثلا على طريقة فهم الفكر السلفي
    لقضية التفسير القرآني، ومعرفة مكنونات واسرار القرآن،كذاك
    الذي يعيش في عصرنا الراهن، ويريد اجراء عملية جراحية
    بادوات ووسائل طبيبنا الزهراوي.
    374- ازمة المعاصرة في الخطاب الديني، شتيوي الغيثي،
    صحيفة الوطن السعودية، 29/9/2006م.
    375- ونضرب المثل التالي لتاكيد ادعائنا السابق، ففي قضية
    الاهلة لم يستطع الخطاب الديني التقليدي المتغلغل في
    داخل‏البنية الفكرية لكافة المذاهب الاسلامية عموما ان
    يتماشى مع منطق التطور والتجدد ليستخدم تقنية العصر من
    خلال‏المراصد او الحسابات الفلكية التي هي الضبط في معرفة
    دخول اي شهر الا شكليا، فما زال اعتبار رؤية الهلال تتم
    من‏خلال العين المجردة تبعا لظاهر النص دون الاعتماد على
    المقصد الشرعي من وراء النص الديني، ولان المعطيات
    التاريخية‏تختلف من عصر الى عصر كان من المفترض ان يكون
    هذا الخطاب الاسرع في تمثل العصرية، لانها تخدم هذا
    التوجه‏الذي انتهجه، لكن يبدو ان القضية هي موقف من
    الجديد بما انه جديد ولا غير. طبعا من يدعو الى استخدام
    العلم‏والعقل‏والاسلام اكد عليهما، تاكيده على العبادات
    والعقائد الاسلامية الاخرى ليس كافرا ولا يوجد عنده ادنى
    شك في انه‏للّه الامر كله من قبل ومن بعد سبحانه.
    376- راجع: نحو «انسنة‏» القراءة الدينية، احمد البغدادي،
    صحيفة الاتحاد الظبيانية، 3/10/2006م.
    377- اننا نعتقد ان احد اهم الاسباب الكامنة وراء الفشل
    الحضاري الشامل الذي نعيش في قلبه حاليا، هو ان السلطات
    التي‏حكمت هذه المنطقة سحقت الناس واقصت المجتمع من
    ممارسة حقوقه وادواره في المشاركة الفاعلة في تداول
    السلطة‏وابعدته بكل الوسائل العنيفة وغير العنيفة عن عملية
    الوعي والمواجهة، فكانت النتيجة المنطقية لهذا الاقصاء
    والاخصاءوجود قطيعة شبه كاملة بين هذا المجتمع من جهة
    وبين السلطات الحاكمة من جهة اخرى، ونشوء طبقة
    بيروقراط‏ى‏##ة‏ادارية قضت على مقدرات المجتمع وامكاناته،
    والغت من الحساب نهائيا وجود اية امكانية لتحقيق اية نهضة
    مستقبلية‏ضرورية محتملة من دون حدوث خسائر ونتائج
    سلبية على ابناء تلك المجتمعات اقلها اشتعال حروب اهلية
    محلية هناوهناك. كما يحدث حاليا في العراق.
    378- محمد محفوظ، الامة والدولة، المركز الثقافي العربي
    بيروت 2000م، ط. الاولى، ص‏7.
    379- راجع: هاشم صالح، اسلام التنوير، صحيفة الشرق
    الاوسط، تاريخ النشر 22/9/2006م.
    380- المصدر السابق نفسه.
    381- ارتكز المجتمع الاسلامي خلال تلك الفترة على ثلاثة
    قواعد اساسية: قاعدة المحاربين باسم الجهاد، وقاعدة
    الفقهاءالذين يلتزمون المشروعية الالهية على هذا الجهاد،
    وقائمة التجار الذين يمولون الجهاد. ويقف فوقهم كلهم شخص
    الخليفة.اما الفلاسفة والمفكرون الاحرار فكانوا دائما هامشيين.
    382- لا نزال في عالمنا الاسلامي نتخبط في لاهوت القرون
    الوسط‏ى الذي يؤيد الكره والحقد بين اتباع الاديان
    الثلاثة،ويؤسس على الدوام للصدام والعنف بين الحضارات
    والثقافات الانسانية.
    383- اصيبت حضارات وتيارات ومذاهب كثيرة بفة العنف في
    مراحل من حياتها، فالمسيحية مثلا كانت عنيفة في
    بعض‏مراحل تاريخها، وبخاصة اثناء محاكم التفتيش والحروب
    الصليبية ثم الحروب المذهبية التي جرت بين
    الكاثوليك‏والبروتستانت داخل القارة الاوروبية ذاتها، والتي
    ادت الى سقوط ملايين الضحايا في المانيا وهولندا وفرنسا
    وايرلندا الخ...ولكنها تجاوزت ذلك بعد عصر التنوير الذي قضى
    على افكار التعصب والجهل.
    384- ينبغي ان يعلم الجميع اننا دائما في حديثنا النقدي عن
    الاسلام والمسلمين نفرق بين الاسلام كدين ورسالة
    انسانية‏يعتنقها ويدين بها ملايين الناس وبين الاصولية
    المتعصبة كايديولوجيا سياسية تستخدم الدين وتستغله (قسرا
    وظلما)لاغراض معينة ما انزل اللّه بها من سلطان، تظهر في
    الواقع على شكل تنظيمات واحزاب وحركات اسلامية سياسية
    تسعى‏بنهم كبير لاستلام السلطة من باب الدين احيانا او الدين
    والعنف احيانا اخرى.
    385- الجدير ذكره هنا هو ان التحديات والمتغيرات لم تعد
    مقتصرة على بلد دون آخر، بل اضحت هذه الازمات‏والتحديات
    قدر المجتمعات البشرية التي باتت اليوم منخرطة في عصر
    متسارع سمته الاساسية التغير المستمر في لغته‏ومفاهيمه
    وادواته وقواه.. مما يستدعي من افراد تلك المجتمعات
    الاستعداد الدؤوب والحثيث لما يمكن ان يداهمهم من‏مخاطر
    وكوارث.
    386- فما زال الناتج الاجمالي لبلداننا يتراوح نموه بين 0.5 1 %
    منذ عقدين بينما تتراوح نسبة النمو الطبيعي للسكان بين‏2.5
    2.6 % سنويا، مما يعني ان الدخل الحقيقي للفرد العربي قد
    انخفض في هذه الفترة بنسبة 40 %، يضاف الى ذلك ان 60%
    من المواطنين العرب يقعون ضمن الفئة العمرية تحت 35
    عاما، ويمثل الاطفال تحت سن 15 عاما نسبة 40 % من
    تعدادالسكان. اضافة الى ان عدد المواطنين العرب الذين
    يعيشون تحت خط الفقر يتراوح ما بين 65 و 73 مليون نسمة،
    كمايقاسي حوالي عشرة ملايين عربي من سوء التغذية، وتصل
    نسبة الامية الى نحو 25 % ونسبة البطالة الى 20 %، في حين‏ان
    الحكومات العربية قد انفقت، خلال العقود الثلاثة الماضية، ما
    يقرب من 1800 مليار دولار على شراء الاسلحة بذريعة‏حماية
    الامن الوطني والقومي. وفي الوقت نفسه تناقص تمويل التعليم
    تدريجيا منذ عام 1995، اذ انخفض الانفاق على‏التعليم للفرد
    في الدول العربية، نسبة الى الدول الصناعية، من 20 % عام
    1980 الى 10 % في منتصف التسعينيات.
    ورغم الحديث عن ديمقراطية التعليم والزاميته فان الاعداد
    المطلقة للاميين تتكاثر في العالم العربي، فقد ارتفع عدد
    الاميين‏العرب من 58 مليونا عام 1982 الى 61 مليونا عام 1990،
    والى حوالي 70 مليون عام 2000 بما يشمل 40.4 % من‏جملة
    الاشخاص الذين تتراوح اعمارهم بين 15 و 64 سنة. فاذا علمنا
    ان هذه الفئة العمرية هي نفسها من ضمن العناصرالبشرية التي
    تخدم التنمية العربية، لاتضحت الحالة الحرجة لنوعية القوى
    العاملة التي تمارس النشاط الاقتصادي في العالم‏العربي. اذ
    تتسم العمالة العربية عموما بانخفاض مستوى المهارة، نتيجة
    اتسام سياسات التعليم والتدريب في الدول العربية‏بانها غير
    فعالة وغير قادرة على خلق العمالة الماهرة، القادرة على
    التجديد والارتفاع بمستوى الانتاجية والجودة.
    كما ان ظاهرة البطالة تعتبر من التحديات الكبرى التي
    ستواجه العالم العربي في السنوات القليلة القادمة، اذ تزايد
    حجم‏القوى العاملة سنويا بمعدل 2.511 مليون خلال
    تسعينيات القرن الماضي، وقد ترتفع الزيادة خلال العقد الحالي
    الى‏3.350 مليون سنويا، وبالتالي فثمة حاجة الى ما يزيد عن
    مليونين ونصف مليون فرصة عمل مطلوب توفيرها
    سنويا.وتكمن خطورة البطالة في ارتباطها بعدالة توزيع الدخل،
    ومحاربة الفقر، وحرمان العامل من تلبية احتياجاته
    الاساسية،وممارسة حق العمل الذي لم يترسخ حق الاعتراف به
    حتى الان.
    ومما يضاعف المشكلات العربية ان عدد السكان سيتضاعف
    خلال الثلاثين سنة المقبلة، وسيصبح سنة 2050 حوالي
    645مليونا، ما يعني ان معدل النمو السكاني في المنطقة
    العربية سيكون اعلى من معدل النمو الاقتصادي. والسكان في
    سن‏العمل (15 59) سيصل عددهم سنة 2025 الى حوالي 285
    مليونا، ومن المتوقع ان يصل حجم القوى العاملة العربية
    الى‏125 مليونا في سنة 2010. مع العلم ان عدد المهاجرين، من
    اصحاب الكفاءات والاختصاصات المهمة، الى الخارج
    يقدربملايين عدة من الفنيين وحملة الشهادات العليا، وهم
    القوى الاساسية الضرورية لاية نهضة حقيقية (قدرت خسارة
    العرب‏بسبب هجرة العقول العربية ب‏# 1.57 مليار دولار سنويا).
    وفي الواقع تواجه الدول العربية تحديات انمائية في تحقيق
    اهداف الالفية: فهناك نحو 10 ملايين طفل خارج
    المدارس،وعدم المساواة بين الجنسين ما زال قائما، حيث تبلغ
    نسبة الامية لدى النساء نحو 50 %، وتحتل النساء نحو 5 % فقط
    من‏المجالس التشريعية العربية. وعلى المستوى العربي، فان
    متوسط مؤشر التنمية الانسانية البالغ‏0.651 هو اقل من
    المتوسط‏العالمي البالغ 0.729 بحسب تقرير التنمية الانسانية
    الصادر عن الامم المتحدة في العام 2004، كما ان المؤشر
    للمنطقة‏العربية هو اقل من مؤشر البلدان النامية البالغ 0.663.
    387- المفارقة الاكبر هنا ان العرب والمسلمين يمتلكون
    طاقات وموارد وثروات وامكانات طبيعية وبشرية
    وجغرافية(مادية ورمزية) واسعة هائلة، ولكنهم في الوقت نفسه
    يعيشون على موائد الاخرين، اي ان هناك فجوة بين ما يملكونه
    ومايصنعونه او ينتجونه. وهذا ان دل على امر ما، فهو يدل على
    اننا لا نحسن تشغيل مواهبنا العقلية والعملية المتوافرة
    عندنا،الامر الذي يظهر في واقعنا من خلال انتشار مظاهر الفقر
    والتخلف والجهل الواسع الذي نعايشه.
    388- والمثال الحي الراهن على ذلك هو الداعية التراثي
    والاصولي السلفي الذي يملا شاشات الفضائيات
    العربية‏والاسلامية طولا وعرضا باحاديثه ومواعظه، فتراه يوزع
    شهادات التدين وحسن السلوك على هذا، وفتاوى التكفير
    والقتل‏ضد ذاك. ويدعي امتلاك مفاتيح الجنة والنار والحقيقة
    والهداية والسعادة لانقاذ الامة الاسلامية والبشرية جمعاء من
    براثن‏الكفر والفسق والفساد. وفي سبيل تحقيق ذلك يستدعي
    رموز هذا الخط كل ما هو حق او باطل (شرعي او غير شرعي)
    من‏التراث او من العصر الذي يعيشون فيه..الامر الذي حول
    الاسلام من دين انساني متسامح، الى مجرد خطاب ثقافي
    حزبي‏مخيف يلاحق الناس، ويزرع الرعب بينهم كمحاكم
    التفتيش سابقا.
    والمحصلة لذلك كله مزيد من التقوقع على الذات القديمة،
    ومزيد من البعد عن العصر والتوجه نحو الماضي، الحلم
    البعيد،ومزيد من الكسل والتحجر والتقليد الاعمى.. وبعدها
    ماذا هناك، انه الفشل الحضاري المتجسد في العجز الفاضح
    عن نقدوتطوير العلوم القديمة، او عن الانخراط في اكتشاف
    وافتتاح فروع علومية جديدة.
    علينا الا ننسى ان الاصولية الدينية التي نشات في عالمنا
    العربي، وتعاظم دورها خلال العقدين الماضيين، انطلقت بقوة
    بعدان تم احلال منظومة الافكار التقليدية، حول التقدم
    والنهوض، والتي يعتبر الدين الرافد الاساسي لها، باخرى اكثر
    مدنية‏وحداثة، وذلك من دون خدش للقيم الاصيلة في الثقافة
    العربية. وهنا جدير بنا ان ندرك اختلاف اجراء الحداثة في
    العالم‏الاسلامي في العديد من وجهاته. على عكس اوروبا حيث
    بدا اجراء قوميا تماما، بدات الحداثة في المجتمعات
    الاسلامية‏كنتيجة مباشرة للمواجهات الاستعمارية مع اوروبا.
    بدلا من الابتكار، بدت التجربة الاسلامية تقليدية في محاولة
    لبلوغ ماتوصل اليه الغرب. وقد انقسمت الدول الاسلامية الى
    تيارين في الحقبة اللاحقة للاستعمار بطريقة غير سلمية:
    النخبة التي‏تلقت ثقافة غربية وتشربت القيم العلمانية والكثير
    من القيم الاساسية التي لم تملكها من قبل. تحكم الكثير من
    الانظمة‏مجموعة من الشيوخ المسنين في حين لا تتعدى
    غالبية شعوبهم الثلاثين من العمر. منذ حقبة الاستقلال
    الشكلي، فرض‏غالبية التبدل السياسي على المجتمع بشكل
    متسارع وليس تدريجيا من خلال اجراء قومي من التطور
    الاجتماعي‏والمفاوضات الديمقراطية.
    389- طبعا هذا سيكون كارثة حقيقية اذا ما اقتنعنا بان هذا
    التهميش ليس ناتجا بالضرورة عن الاخر (العدو الذي يتربص‏بنا
    الدوائر!!) بمقدار ما هو ناتج عن عدم تشغيل عقولنا واستثمار
    مواردنا العقلية والمادية. فالذي يفشل عليه ان يجلس‏ليتامل
    ويفكر مليا في اسباب فشله، وان عليه واجب تغيير وسائل
    وطرق تفكيره وسياسته في ادارة النفس والواقع ليكون‏تعامله
    مع الاحداث منتجا ومؤثرا.
    390- د.علي حرب، مسالة التغيير بين المازق والمخرج، مجلة
    التسامح، العدد:5 لعام 2004م، ص‏233.
    391- القرضاوي، يوسف: كيف نتعامل مع القرآن العظيم،
    (بيروت: دار الشروق، ط‏1، 1419ه‏#/1999م)، ص‏217.
    392- عاشور، محمد: «كيف نتعامل مع التراث‏»، قضايا اشكالية
    في الفكر الاسلامي المعاصر، (القاهرة: المعهد العالمي
    للفكرالاسلامي، 1418ه‏#/1997م)، ص‏118.
    393- ابن تيمية، عبد الحليم: مقدمة في اصول التفسير،
    (الكويت: 1971م)، ص‏10.
    394- المصدر السابق، ص 33# 34.
    395- للوقوف على هذه الروايات، انظر: تفسير الايات 21# 25
    والاية 34 من سورة ص ، عند الطبري والسيوط‏ي وابن‏كثير
    وغيرهم.
    396- احمد بن حنبل: المسند، تحقيق: حسين سليم اسد،
    (دمشق: دار المامون للتراث، ط‏1، 1404ه‏#/1984م)،
    ج‏5،ص‏113. قال علي بن ابي بكر الهيثمي: «في اسناده عاصم
    بن ابي النجود وقد ضعف‏». انظر: موارد الظمن، تحقيق:
    محمدعبد الرزاق حمزة، (بيروت: دار الكتب العلمية)، ص‏435.
    397- الغزالي، محمد: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل،
    (القاهرة / بيروت: دار الشروق، ط‏3، 1412ه‏#/1992م)،ص‏128.
    398- الجابري، محمد عابد: التراث والحداثة، (بيروت: مركز
    دراسات الوحدة العربية، ط‏1، 1991م)، ص‏60.
    399- الرازي، محمد بن عمر بن الحسين: مفاتيح الغيب،
    (القاهرة: دار الغد العربي، ط‏1، 1412ه‏#/1992م)، ج‏5،ص‏76.
    400- عبده، محمد: تفسير المنار، (بيروت: دار المعرفة)، ج‏1،
    ص‏38.
    401- قبل اعوام، وعندما كنت في خدمة الاستاذ آية اللّه الحاج
    السيد مهدي روحاني دام ظله‏الهمت منه اصل فكرة
    هذه‏المقالة. وقد شملنا بلطفه وراجع المقالة قبل طبعها، وكان
    لسان حاله وقتها يقول: «هذه بضاعتنا ردت الينا».
    402- هو هشام بن عبدالملك بن مروان (12571ه‏#)، تولى
    الملك سنة (105ه‏# / 724م). (المجلة).
    403- هذه الرسائل الثلاث تجدها في «رسائل الجاحظ، الرسائل
    السياسية‏» تصحيح علي ابو ملحم.
    404- رسائل الجاحظ، الرسائل الكلامية، ص‏239 # 247.
    405- راجع كتاب: عبداللّه بن احمد، السنة، ج‏1، ص‏151 ح‏131.
    406- كتابه رسالة السنة مطبوع في مجلة المعارف، العدد
    الاول لعام 1969م.
    407- الفهرست، ص‏111.
    408- اشار البربهاري قائلا: «الجماعة ما اجتمع عليه اصحاب
    رسول اللّه(ص) في خلافة ابي بكر وعمر و[عثمان]»
    (شرح‏السنة، تحقيق: ابو ياسر خالد بن قاسم، المدينة المنورة،
    مكتبة الغرباء الاثرية، 1993، ص‏105). فقد ورد اسم عثمان
    في‏بعض النسخ، ولم يرد في بعضها الاخر. وقال في موضع آخر:
    «واعلم ان الدين العتيق ما كان من وفاة رسول اللّه الى
    قتل‏عثمان، وكان قتله اول الفرقة واول الاختلاف‏» (شرح
    السنة، ص‏107).
    409- شرح السنة، للبربهاري، ص‏97.
    410- المصدر السابق، ص‏111.
    411- ارقام الصفحات الواردة بين الاقواس جميعا ترجع الى
    كتاب «السنة‏» للخلال..
    412- وراجع ايضا: السنة، لابن ابي عاصم، ص‏522.
    413- مسائل الامامة، ص‏65 و66. وسوف نرى محاولة احمد بن
    حنبل لاصلاح هذا الموقف فيما بعد.
    414- جاء في خبر آخر: «كان سفيان يفضل عليا على عثمان‏»
    (سير اعلام النبلاء، ج‏7،
    ص‏273)، وذكر في خبر آخر، ان سفيان قال لشعيب بن حرب:
    انه يجب ان يقدم عثمان وعلى على ما بعدهم (شرح‏اصول
    اعتقاد اهل السنة، ابو القاسم هبة اللّه بن حسن اللالكائي،
    تحقيق احمد بن سعد بن حمدان الغامدي، الرياض، دارطيبة،
    1994، ج‏1، ص‏171).
    وهذا يثبت انهم ينقلون عن الواحد عدة اقوال مختلفة، والبعض
    منها مختلق.
    415- شرح اصول اعتقاد اهل السنة، ج‏1، ص‏175.
    416- المصدر السابق، ج‏8، ص‏1450، وفي ص‏1451 نسب هذا
    الى مالك ايضا، وللاسف فقد وقع الشك والترديد في اكثرهذه
    النسب، لانه نقل قبلها بقليل ص‏1450 عن مالك قوله في
    مسالة التفضيل: يجب تقديم ابي بكر وعمر فقط، وسكت‏عن
    على وعثمان.
    417- ان شيعة الكوفة اجمالا لا يعتبرون شيعة امامية ولا
    زيدية، وكان سبب وجودهم هو حضور الامام على( في
    الكوفة،ون‏#زاعه مع العثمانية. فهم اساسا يرفضون عثمان، ولا
    يعترفون بنظرية اهل الحديث المشهورة بعدالة جميع الصحابة.
    ومن‏جملتهم نشير هنا الى ابي اسحاق السبيعي والاعمش، فقد
    قيل: ان سلام بن ابي مطيع اخذ كتاب الحديث لابي عوانة،
    الذي‏كان حول الصحابة، واحرق احاديث الاعمش، وقال لابي
    عوانة: ارينا البدع التي اتيت بها من الكوفة. ثم وضعها في
    التنور،قال خالد بن خداش: فسالت ما كان بهذا الكتاب من
    الاحاديث، قال: كان احدها حديث على (ع): «انا قسيم الجنة
    والنار»(السنة للخلال، ص‏509 و510).
    والذهبي ايضا كتب يقول: «غالب على الشاميين فيهم توقف عن
    امير المؤمنين على (ع) من يوم 0صفين... كما ان الكوفيين‏الا
    من شاء ربك فيهم انحراف عن عثمان وموالاة لعلى، وسلفهم
    شيعته وانصاره... ثم خلق من شيعة العراق يحبون علياوعثمان،
    لكن يفضلون عليا على عثمان، ولا يحبون من حارب عليا مع
    الاستغفار لهم، فهذا تشيع خفيف‏» (ميزان الاعتدال،ج‏3،
    ص‏552).
    418- نقل اللالكائي عدة اخبار فيما يخص هذا الموضوع وجه
    فيها العديد من كبار اهل الحديث ما بوسعهم من الشتم الى‏كل
    من قدم عليا على عثمان، راجع (شرح اصول اعتقاد اهل السنة،
    ج‏8، ص‏1452).
    419- السنة لعبداللّه بن احمد بن حنبل، ج‏2، ص‏574 589.
    420- شرح اصول اعتقاد اهل السنة، ج‏8، ص‏1446.
    421- ومع ذلك نقل عن يحيى انه قال: من قال ابو بكر وعمر
    فلا شي عليه، ومن قال: ابو بكر وعمر وعثمان فلا شي
    عليه‏ايضا، لكن الافضل ان يقال: ابو بكر، عمر، عثمان وعلى
    (ع)شرح اصول اعتقاد اهل السنة، ج‏8، ص‏1476).

    422- شعار اصحاب الحديث، تحقيق صبحي السامرائي00بب00#
    (الكويت، دار الخلفاء للكتاب الاسلامي، 1404)، ص‏35.
    423- المصدر السابق، ص‏31.
    424- المسائل والرسائل المروية عن الامام احمد بن حنبل في
    العقيدة، لعبد الاله بن سلمان الاحمدي (جزاين، الرياض،دار
    طيبة، 1412)، ج‏1، ص‏368 وبعدها.
    425- راجع: كتاب: المقالات التاريخية، الدفتر الثاني، مقالة:
    (اهل الحديث وكتاب صريح السنة للطبري)، ص‏239.
    426- الاختلاف في اللفظ ص‏47 49، تحقيق محمد زاهد
    كوثري، هذا النص مفصل وجذاب، وقد اوردنا ترجمته في
    كتاب‏«الجغرافية التاريخية والانسانية للشيعة‏» (ص‏121 122)،
    وكتب ابن حبان عالم الرجال المعروف في القرن الرابع: انا لا
    اذكراين رايت مالك بن انس او الزهري يروون شيئا من مناقب
    الامام على (ع).
    انظر: المجروحين، ج‏1، ص‏258.
    427- تصحيح وصي اللّه بن محمد عباس، مكة، جامعة ام
    القرى، 1403ه‏#.
    428- من صفحة 609 وما بعدها روايات في فضائل الامام على
    (ع) التي رواها ابو بكر بن مالك من مشايخه عدا عبداللّهبن
    احمد بن حنبل.
    429- كمثال انظر الى هذا الحديث: ان عبداللّه بن احمد روى
    عن ابيه قال: حدثني ابي، حدثنا سفيان، عن ابي موسى
    وهواسرائيل، عن الحسن، عن على رضي اللّه عنه قال: فينا واللّه
    ن‏#زلت: (ون‏#زعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على
    سررمتقابلين) (السنة، عبداللّه بن احمد، ج‏2، ص‏573).
    430- شرح اصول اعتقاد اهل السنة، ج‏8، ص‏1455 1468.
    431- المصدر السابق، ص‏1462.
    432- السنة، لعبداللّه بن احمد، ج‏2، ص‏590، 573.
    433- شرح اصول اعتقاد اهل السنة، ج‏8، ص‏1453.
    434- السنة، لعبداللّه بن احمد، ج‏2، ص‏590.
    435- كان احمد يعتمد بشكل خاص على هذه الرواية وامثالها
    التي قالها النبى (ص) في الخوارج. راجع: السنة، لعبداللّه
    بن‏احمد، ج‏2، ص‏648618.
    436- اورد الترمذي هذه الرواية في صحيحه، كتاب الفتن،
    باب ما جاء في الخلافة، حديث 2225 (ج‏4، ص‏503)، واحمدبن
    حنبل في مسنده (ج‏5، ص‏220)، ابن ابي عاصم في السنة (ج‏2،
    ص‏562)، وعلق الالباني في ذيل الحديث في «السنة‏»لابن ابي
    عاصم: انه لاجل هذا الاختلاف في سعيد بن جهمان صار هذا
    الحديث حسنا وليس صحيحا.
    437- مسند احمد، ج‏5، ص‏220 و221، فضائل الصحابة، ج‏2،
    ص‏601، السنة لابن ابي عاصم: ص‏549، وقد نقل‏الترمذي
    الرواية المذكورة عن طريق سعيد بن جهمان عن «سفينة‏»، ثم
    اورد على لسان سعيد قال: سالت سفينة: ان بني امية‏يعتقدون
    ان الخلافة هي ملك لهم، قال: كذبوا، هم من الملوك، من
    اسوئهم. راجع الجامع الصحيح، ج‏4، ص‏503،
    والن‏#زاع‏والتخاصم، ص‏70، ويظهر من توضيحات الترمذي في
    تتمة الحديث ان بني امية كانوا يقولون: ان رسول اللّه(ص)
    جعل‏فيهم الخلافة.
    438- مروج الذهب، ج‏2، ص‏429. وتجدر الاشارة الى انهم قد
    وضعوا هذا الحديث وسعوا جاهدين ان يكونوا دقيقين
    في‏الحساب.
    439- السنة لعبد اللّه بن احمد، ج‏2، ص‏590.
    440- الفتاوى، لابن تيمية، ج‏35، ص‏18 و19 نقلا عن هامش
    السنة للخلال، ص‏421.
    441- الامام والرد على الرافضة (تحقيق علي بن محمد
    الفقيهي، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، 1407)،
    ص‏205و206.
    442- اشار ابن بطة الحنبلي (ت / 387ه‏#) الذي عاش في هذه
    الفترة، بصورة مكررة في كتابه الابانة عن شريعة الفرقة‏الناجية
    الى ظهور البدعة في زمانه، راجع: الصفحات 164، 169، 186،
    188، 246، 259، 260، 261، 270، 274،366، 423.
    443- الامامة، ص‏361.
    .370 364£ ,ؤFDwخC ol¥طخC -444
    [/align]





  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]
    قراءة نقدية في الفكر المتشدد «1»



    الشيخ جعفر الداوود - 17 / 4 / 2008م - 8:16 م

    أجمعت الأديان السماوية على حرمة العنف ونبذ الارهاب بكل أشكاله وأنماطه، ودعت الى صون واحترام كيان الانسان في جانبه المادي..ممتلكاته وأمواله، وفي جانبه المعنوي.. شخصيته واعتباره.
    وحرمة العنف تنبثق من تغايره مع أصول الفطرة الانسانية التي فطرها الله وقوّمها على حب الخيرونفع الغير، ولعدم تجانسه والضمير الانساني الذي يدعو الى افشاء الرحمة واشاعة المودة في وسط الكيان البشري بتعدد مشاربه ومذاهبه، وأيضا لا يتحد مع تعاليم الشريعة الاسلامية السمحاء التي تدعو الى الرفق والمحبة، وتدفع نحو تأصيل قيم الاحترام والتقدير لدى الافراد والمجتمعات لتقوى اواصر الترابط والتلاحم.

    فالاسلام يرى المسلمين جميعا بحكم الأسرة الواحدة ويخاطبهم جميعا بالاخوان والاخوات ليس ذلك في اللفظ والشعار بل في العمل والتعهدات المتماثلة ايضا.

    وفي الروايات الاسلامية تأكيد على هذه المسألة ايضا ولاسيما في مايخص الجوانب العملية، ونحن هنا على سبيل المثال نورد بعضا من الاحاديث التالية:
    - ورد عن النبي قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه.
    - وعنه قال: مثل الاخوين مثل اليدين تغسل احداهما الآخر.
    - وعن الامام الصادق قال: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد اذا اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة.
    - وعنه ايضا قال: «المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه» [1]

    ومن جهة اخرى تنهى تعاليم الشريعة نهيا مغلظا عن كل أفة تؤدي الى التفريق والتشتيت او تكون سببا للتنافر والتباعد، فورد النهي لئلا نقع في مغبات الأفات المدمّرة للكيان الاجتماعي المترابط برباط الاخوة والمحبة، وحيث أنها تصيّر المجتمع الواحد الى شيع وأجزاء متناثرة.. يسوده الاضطراب وتغلب عليه الاحن والاحقاد.. قال تعالى ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ • أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ [2]

    فنهانا ربنا عزوجل عن مفردات وعناوين عديدة من رذائل الاخلاق وعلامات جلية من الانحطاط النفسي والاخلاقي لكونها تشكّل خطرا حقيقيا على وحدة وسلامة البناء الاجتماعي المقدّس وتهديدا سافرا للأمن الاجتماعي، وهذا خلاف ما اراده الاسلام، فالاسلام يريد أن يحكم المجتمع أمن مطلق واستقرار تام، لا ان يضرب بعضهم البعض الآخر.

    إقصاء الآخر
    • صورة اخرى من صور العنف والارهاب وهو طريق يسلك بصاحبه الى الارتماء في دائرة العنف الجسدي والذي هوافراز سلبي من افرازات الاقصاء ونفي الآخر، ولا فرق في خطورة الصورتين من العنف.. فاذا كان العنف الجسدي يستهدف الارواح والممتلكات والاموال، فان العنف المعنوي يستهدف الشخصية والاعتبار ويجرد الانسان من كل قيمة اقرّها الاسلام له.
    • وتكمن الخطورة البالغة في هذا المورد عندما يظن الانسان وبتزيين من الشيطان أنه القمة في الالتزام وفي العلم والعمل وسائر الناس دونه، وهكذا تتسع دائرة الافكار السلبية لتأحذ منحى آخر في الاقصاء والتسقيط حتى تتحول الى مواقف وادوار يتحرك من خلالها العنف كاللجوء الى التكفير والى بث ونشر الفتاوى التي من شأنها أن تحرض على التصفية والابادة الجسدية، وتبدأ سهام التخوين والتجريم منصبة على ساحة من يغايروه في الرأي ويخالفوه في الموقف او المذهب، والانكى من ذلك أن كل محاولات الاقصاء والتهميش والازدراء والتكفير تكون باسم الدين والعقيدة لا باسم الفرد او الفئة.

    انّ ادعاء الافضلية هو توهم نفسي مجرد من العقل والمنطق، ذلك لأن منشأ الفكرة انبثقت من ابليس فهو أول مخلوق اصّل هذه النظرية المقيته «ادعاء الأفضلية» وأركزها في أذهان الجهال من افراد الامة، قال تعالى ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ [3] ، فكان ابليس يظن أنّ عنصر النار افضل من عنصر الطين، وهو توهم زائف «لأن التراب ليس بأدنى من النار، وانما أفضل منها بكثير، لأن كل الحياة أصلها من التراب»[4] .

    اذن هو توهم نابع من غروره وتكبره وهي رذائل كانت سببا حقيقيا لسقوطه الى درك الحضيض.
    ان هذا الشعار (الشيطاني) تبنته فئات في التاريخ الانساني وزعموا أنهم الأفضل في الخلق، فاليهود ادّعوا أنهم شعب الله المختار، وأنهم المقربون عنده، ثمّ تسللت هذه الفكرة الى ساحتنا الاسلامية، واتسعت دوائرها.. فغدت من أكبر النكبات التي حاقت بالفكر وهي ظاهرة التشدد والتطرف.. وهي الظاهرة التي تصطدم ومفردات القوانين الطبيعية والانسانية. «لأنها تعمل ضد قوانين الطبيعة التي تقوم على التوازن ويقوم الكون على التوازن، فزيادة البوتاسيوم أو نقصه في الدم الحد الحرج تقود الى توقف القلب بالاسترخاءأو الانقباض، وزيادة النحاس في الجسم يقود الى تشمع الكبد بمرض ويلسون، والكهرباء جيدة عندما ترفع الثقل في المصاعد، ولكنها قاتلة اذا نزلت من السماء على شكل صاعقة، وأفضل حالة للطاقة هي أن لاتجمد، والماء جيد اذا حبس خلف السد، وهو مدمراذا جاء على شكل طوفان»[5] .

    خطر الثقافة الصدامية

    لقد أسفرت هذه الثقافة عن افراز مواقف واحداث بالغة الخطورة عانى منها قبل غيرهم، فاطلاق فتاوى التكفير المنطلقة من تراكمات جاهلية وانفعالات نفسية بلهاء..ادّى الى زعزعة الامن الاجتماعي، كما أنها رسمت صورة قاتمة مشوّهة عن الاسلام والمسلمين في اذهان الغربيين وغيرهم، وغدا العالم الغربي بدوله وشعوبه لا يفرق بين مسلم واع وبين مسلم جاهل ينسب الى الاسلام بالقول لا بالفعل، وهذا الانطباع السلبي الذي خلفته ثقافة التشدد، استفادت منه القوى المعادية لخط الاسلام..فغدت تنشر وتبث ثقافة البغض والكراهية ازاء العرب والمسلمين، وجعلتهم في خانة القتلة التواقين للدماء وازهاق الارواح، وقد لعب الاعلام الغربي بوسائله المتعدده دورا كبيرا في تاصيل هذه الفكرة في أذهان الشارع الغربي..مما ادّى الى تفاقم الأزمة مع المسلمين، وتحميلهم مسؤولية كل ماحلّ بهم من أزمات وأحداث.

    تبعثر الجهود وتشتت الطاقات

    ان من أولوياتنا في العمل الايجابي.. هو تضافر الجهود وجمع الكفاءات للوقوف والتصدي لمخططات الاعداء ومؤامراتهم والتي أخذت اشكالا متعددة للتأثير على عقل المسلم وفكره، ومن أخطر آليات التأثير لدى الغرب هو الاعلام والغزو الثقافي، فقد غزينا في عقر دورنا وسحب البساط من تحت أقدامنا من خلال الافلام والمسلسلات، وبرامج الاغراء الرامية الى المتاجرة بالغرائز والشهوات، والهادفة الى سلب هويتنا وانتزاع أصالتنا.
    ان طوفان الخطر الذي يلاحقنا..يدعونا أن نفكر جدياً في ايجاد آليات تؤهلنا للصمود أمام المخاطر والتحديات، فخيارنا الذي لابد منه.. هو نشر ثقافتنا الاسلامية بكل أبعادها وجوانبها المشرقة، باسلوب يبتغي العقل والحكمة والموضوعية، قال تعالى ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [6] ،وأيضا تحصين الأجيال اللاحقة بالفكر الاسلامي المعتدل الذي يصونهم من المخاطر ويحفظهم من الانزلاق في مهاوي ألأذى، ويحول بينهم وبين الارتماء في دوائر الانحراف.

    ان الطموح يحدونا لأن نصنع قوتنا بأنفسنا، لتكون الركيزة المتينة والقاعدة الصلبة لفاعليتنا، واننا ندرك أنّ قوة الامم والمجتمعات تكمن في تعدد الكفاءات وتنوع القدرات في كافة التخصصات الحياتية والميدانية، وهي التي تسهم في عملية الانهاض والبناء الاجتماعي، كما أنّ قوتها تستوجب احترامها وتقديرها لدى سائر القوى وأن تكون بمنأى عن الابعاد والتهميش.

    بيد أن وجود أزمة داخلية تنبثق من أوساط الأمة كأزمة الثقافة الصدامية كفيلة بأن تحدث شرخا في الجسد الاسلامي وتصدّعا في الكيان الاجتماعي، كما انهّا تسبب ارباكا يهدد أمن المجتمع بلا استثناء، فتسودالفوضى، وتتجه التيارات الناشطة في بعد الاصلاح الاجتماعي لاثبات وجودها بعد تعرضها لحملات التخوين والتجريم والتكفير.. وحينئذ تتراجع المسيرة البنّاءة الرامية الى تجذير معالم الخير في بقاع الارض.. وتضغف الطاقات وتخبو القدرات، وتصبح الامة في دوامة الصراع الداخلي وبالتالي تنشغل عن اهدافها لتشتغل بخطرها الداخلي.

    ___________________________
    [1]
    [2] سورة الحجرات - الآية 11،12
    [3] سورة ص - الآية 76
    [4]
    [5]
    [6] سورة النحل - الآية 125

    [/align]





  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    [align=justify]قراءة نقدية في الفكر المتشدد «2»

    الشيخ جعفر الداوود - 1 / 5 / 2008م - 11:42 ص

    عوامل نشوء الفكر الصدامي

    لا يختلف اثنان في الاثار السلبية التي تلحق بالعقول والافكار من جراء الفكر المتشدد، ناهيك عن دوامة العنف المفضي الى التشتت والتنافر بين فئات الامة او المجتمع، ثم لا ننس حجم الخطر الذي يحيق بالنشء والشباب وذلك عبر تسلل أفكاره المدمرة الى أذهانهم.
    فاللازم هو وضع الظاهرة تحت مجهر التقويم ثم اللجوء الى الحلول التي من خلالها نتوقى افرازاته السلبية.وللوصول الى طرق العلاج تدفعنا الحاجة لأن نضع ايدينا على دواعي وأسباب نشوء الظاهرة:
    1- التدين المفتقر للوعي..
    في الوقت الذي تدعونا تعاليم الشريعة بالتقيّد والالتزام بالاوامر والنواهي لتحقيق عامل الاستقرار في المسيرة الحياتية، تحثّنا أيضا الى أن يتزاوج الالتزام الديني وقيم الفكروالعقل ليعطي ثماره الطيبة، وتنعكس آثاره الايجابية على واقع الفرد والاجتماع، ولذا أكّدت النصوص الدينية على ضرورة اعمال العقل في كلّ حركات ومواقف الفرد لتكون قريبة من الحق والصواب.
    «لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له أقبل، فأقبل، ثم قال له:أدبر، فادبر، فقال:وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، اياك آمر واياك أنهى واياك أثيب واياك أعاقب» .
    -عن سليمان قال: قلت لابي عبدالله الصادق «فلان من عبادته ودينه وفضله كذا وكذا، فقال كيف عقله؟ فقلت: لاأدري، فقال
    ان الثواب على قدر العقل» .
    - وعن أنس بن مالك قال:أثنى قوم على رجل عند رسول الله فقال كيف عقله؟ قالوا: يارسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير، وتسألنا عن عقله؟!
    فقال
    ان الاحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وانما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم.
    وكثيرة هي النصوص التي تدعو الى تحكيم العقل في كلّ مايتّصل بالانسان، وأنّ تغييبه في اي بعد من الابعاد هو توهين لذات العمل وتقريبه الى مواطن الزلل والخطل.
    فاذا انطلق التدين وتحرك بحركة الفكر كان اكثر ارتكازا ورسوخا في النفس، وبالتالي تكون المواقف اكثرصوابية، وضمن هذا السياق يشير الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابه «اهل البيت تنوّع ادوار ووحدة هدف» ويقول:«أنّ هناك فرقا بين الحرارة الايمانية وبين الوعي والادراك الاسلامي، وقد تؤدّي الحرارة الايمانية بالانسان الى التضحية والجهاد والفداء الا أنها تفتقد النضج والوعي السليم بذات الهدف». ويشير آخر «ان التدين يشبه الملح والهورمونات في البدن فمن دون الملح في الطعام يفقد نكهته، ومن التدين في الحياة تنقلب الحياة الى آلة لا معنى لها، وبقدر حاجة البدن الضرورية للملح بقدر تسممه اذا زادت الجرعة، ولكن قبضة من ملح الطعام تجعل النفس تعافه.
    فهذه جدلية التدين والتعصب، واذا أخذ التدين بجرعته المناسبة واقترن بالوعي أعطى للحياة معنى، ونشر الرحمة والحب ' واذا زادت الجرعة انقلب الوعي الى تعصب والحياة الى جحيم لا يطاق، وظهر للسطح تدين ضد الحياة والدين» .
    2- الفهم السقيم لتعاليم الدين:
    وهي الحالة الطبيعية لعدم التعقل وانحسار التفكير لدى الانسان، وعلى أثر ذلك تنبثق الآراء وتطلق الأفكار لتكون ارتجالية مفتقرة الى العلم والفكر، وتصبح المواقف سقيمة وسلبية تبعا لسقم وسلبية الآراء والافكار.
    ولذا يؤخذ على التيارات المتشددة في فكرها والمتعصّبة لمواقفها..سرعتها في اطلاق الأحكام السلبية وتصنيفها الناس والفئات المغايرة لنهجها في خانات الكفر، ووضعهم في دوائر الشرك والضلال – خصوصا- اذا جوبهت بالنقد او عدم القبول، وهذا ماكان متجليا في سيرة الخوارج الذين رفعوا أول شعار ارهابي وهو: من لم يكن معنا فهو ضدنا بل ضد الدين، وهم الذين شقّوا طريقهم نحو العنف والارهاب وبالغوا في تنكيل من يقف في طريقهم أو لايسلّم بافكارهم، فارتكبوا الجرائم، وسفكوا الدماء، وانتهكوا الاعراض، وعاثوا في الارض فسادا، وكل ذلك باسم الدين وتحت راية الاسلام.
    «ويذكر التاريخ بعض موارد ومظاهر تطرفهم منها: انهم أصابوا في طريقهم مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم لأنه كافر لمخالفته معتقدهم، واستوصوا بالنصراني وقالوا احفظوا ذمّة نبيكم!!
    - وأقبل واصل بن عطاء وكان مسافرا مع رفقة له فأحسّ بالخوارج متمركزين في أحد منعطفات الطريق، فأصاب الهلع رفاقه خوفا من بطش الخوارج لكنه طمأنهم وأنّه سيؤمّن لهم النجاة بادّعائه أنه وصحابه مشركون امام الخوارج، وبالفعل لم يعتد الخوارج عليهم بل طبّقوا عليهم قوله تعالى «وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه».
    - ولقيهم عبدالله بن خباب صاحب رسول الله (ص) وفي عنقه مصحف وهو راكب على حمار ومعه زوجته وكانت حاملا، فقالوا ان هذا الذي في عنقك يأمرنا بقتلك!! وفي هذه الأثناء بادر رجل منهم الى رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به فلفظها تورعا، وعرض لرجل خنزير فضربه فقتله، فقالوا هذا فساد في الارض!! وحكموا عليه باسترضاء الخنزير!!!.
    فلما رأى ذلك منهم عبدالله بن خباب قال: لئن منتم صادقين فيما أرى فما عليّ منكم بأس، اني لمسلم مااحدثت في الاسلام حدثا ولقد امّنتموني وقلتم لاروع عليك، فقالوا له:ماتقول في علي بعد التحكيم والحكومة؟قال: انّ عليا أعلم بالله منكم وأشدّ تويا في دينه وأنفذ بصيرة.
    فقالوا انك تتبع الهوى انماتتبع الرجال على اسمائهم، والله لنقتلك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه فكتفوه، ثمّ أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى في آخر شهر لحملها فأضجعوه فذبحوه وسال دمه في النهر، وأقبلوا الى المرأة فقالت انما انا أمرأة ألا تتقون الله؟ فبقروا بطنها وقتلوها!!، كماقتلوا ثلاث نسوة من طيئ، وقتلوا أمّ سنان الصيداوية» .
    وبهذا أصبح الخوارج مضربا للمثل في التشدد والعنف والصدام مع كلّ فئات الامّة.
    «وفي الاتجاه السياسي والثقافي الديني تميزوا بعدم مصداقية آرائهم لأنّها كانت تتصف بالتذبذب وعدم الثبات، ويعزى السبب في الى كون حركتهم حركة انفعالية بعيدة عن العقلانية، وهنا يشير د. حسن ابراهيم حسن اللىترددهم والذي ينم عن ضحالة في وعيهم «ولكن امر هذا الحزب الجديد يدعو الى العجب، فانهم لم يبنوا خروجهم على امر معقول يبرر الخروج لأنهم هم الذين أشاروا بهذا التحكيم، وان عليا لم يقبله الا بعد أن أكرهوه على قبوله، فكيف اذن يسوغون لأنفسهم أن يخرجوا على ما أبرموه» .
    ثمّ المؤاخذة الأخرى على طبيعة فكرهم: الجهل والتشدد، فمن فرط جهلهم وشدّة تطرّفهم «يرون من اعتقد ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله،ثم لم يعمل بما يفرض الدين وارتكب الكبائر فهو كافر، وهكذا كانت أفكارهم في الدين لا تقلّ عن أفكارهم في السياسة،وكان لتعصبهم السياسي اثر كبير في وجهة نظرهم الدينية، اذ كانوا اشداء في الدين غير متسامحين لا تعرف المرونة ولا اليسر الى نفوسهم سبيلا.
    والغريب في الأمر أن الخوارج كانوا يبالغون في تمسكهم بالقران الكريم، كانوا يواظبون على الصلوات والصيام بل حتى قيام الليل، بيد أنهم غلوا في أفكارهم حتى عدّوا مرتكب الكبيرة بل مرتكب الصغيرة كافرا، وكانوا يتشددون في النظر الى مخالفيهم من المسلمين فيعدونهم كفّارا، بل كانوا يعاملونهم بما هو أقسى من معاملة الكفار».
    وهكذا لم تتوقف ثقافة التشدد والتعصب وحملات التشكيك والتكفير بين فرق المسلمين عن ضعف شوكة الخوارج وانحسار تيارهم الى حد ما، بل حلّت بالمسلمين كوارث وأزمات ودخلوا في دوامة الصراع الداخلي بسبب العنف والتعصب،«ونتج من وراء ذلك ثورات دموية ذهبت بكثير من النفوس والاموال بشكل يبعث على الأسف الشديد لما حل من التطاحن بين المذاهب، فاصبحوا اعداءاً متخاصمين في المعتقدات،وقد عامل بعضهم بعضا معاملة الخارجين عن الدين حتى قال محمد بن موسى الحنفي قاضي دمشق المتوفى سنة 506ه لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعيين الجزية، ويقول أبو حامد الطوسي المتوفى سنة 567ه لو كان لي امر لوضعت على الحنابلة الجزية»
    «واذا نظرنا الى الحوادث المؤلمة التي حصل فيها التشاجر والتطاحن بين معتنقي المذاهب الاربعة، فان ذلك يبعث في نفوسنا الألم، مما وصلت اليه الحالة السيئة بين جماعات الامة، ويدلنا ذلك بوضوح على ابطال من يدعي لهم الاتفاق وعدم الخلاف، وهو بذلك يستدل على أحقية مذاهبهم، وصدق معتقداتهم، كما ذهب اليه صاحب كتاب التبصيروغيره ممن يطلقون الأقوال بدون تدبر، ويحكمون بدون تثبت. ليت شعري أخفيت عليهم تلك الحوادث التي وقعت بين الحنفية والحنابلة والشافعية، يوم قام خطباء الحنفية يلعنون الحنابلة والشوافع على المنابر، والحنابلة يحرقون مسجدا للشافعية ب«مرو»،وتقع هناك فتن ذهب تحت هياجها خلق كثير، ويعظم الأمر والحلاف بين الحنفية والشافعية في نيسابور، وتقع فتنة مبعثها التعصب المذهبي، فتحرق الاسواق والمدارس، ويكثر القتل في الشافعية فينتصرون بعد ذلك على الحنفية، ويسرفون في أخذ الثأر منهم وذلك في سنة 554ه، ومثلها تقع بين الشافعية والحنابلة، وتضطر السلطة الى التدخل في حسم النزاع بالقوة، وذلك في سنة 716ه، وكثر القتل وحرق المساكن والاسوق في أصبهان وكان منشؤه التتعصب»

    محنة خلق القران

    ثم لاننس محنة خلق القران «وما حدث من ورائها من تكفير البعض للبعض، ويقول أبو عبدالله محمد بن يحي الدهلي المتوفى سنة 255ه من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وبانت منه امرأته، فان تاب والا ضربت عنقه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق وغير مخلوق فقد ظاهر الكفر، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ولا يدفن في مقابر المسلمين»
    فالتكفيروعدم التسامح، وأغلاق باب الحوار، والاضطهاد والاكراه، ونبذ الآخر واقصاؤه هو ارهاب فكري بغيض تنبذه كل الامم ويمتعض منه النوع الانساني، ولقد حذّر رسول الله
    من أن يشهر مسلم على أخيه المسلم سلاح التكفير، ففي الحديث عنه

    «من قال لاخيه ياكافر فقد باء أحدهما».

    - وعن الامام علي «اذا قال المؤمن لأخيه: أف، انقطع ما بينهما فاذا قال له: أنت كافر، كفر أحدهما، واذا اتهمه اناث الاسلام في قلبه كما يماث الملح في الماء»
    - وعن ابي جعفر «ما شهد رجل على رجل بكفر قط الا باء به أحدهما، ان كان شهد على كافر صدق، وان كان مؤمنا رجع الكفر عليه، فاياكم والطعن على المؤمنين»
    - وعن الامام الصادق«ملعون ملعون من رمى مؤمنا بكفر ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله».



    _______________
    ميزان الحكمة ج/8 للشيخ: المحمدي الري شهري
    نفس المصدر
    نفس المصدر
    اهل البيت وحدة هدف وتنوع ادوار / للشهيد السيد محمد باقر الصدر
    فضيلة التسامح/ جريدة الشرق الاوسط عدد9197/ خالص جلبي
    التعددية والحرية في الاسلام ص 249/ للشيخ حسن الصفار
    تاريخ الاسلام الديني والسياسي ج/1 ص307 /حسن ابراهيم
    نفس المصدر
    الامام الصادق والمذاهب الاربعةج/1 ص 190 اسد حيدر
    نفس المصدر
    نفس المصدر
    الصحوة الاسلامية بين الجحود والتطرف ص 59
    بحار الانوار ج/10 ص 102 للعلامة المجلسي
    بحار الانوار ج/72 ص 163
    بحار الانوار ج/ 73ص 354
    [/align]





  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي

    قراءة نقدية في الفكر المتشدد «3»

    الشيخ جعفر الداوود - 16 / 5 / 2008م - 2:15 ص


    كيف نتوقّى الفكر المتشدد
    ثمة عوامل احترازيّة من شأنها أن تسهم في بناء السور الوقائي المانع لأي فكر سقيم يدعو للعنف والارهاب: 1- الانفتاح والاطلاع على أمهات الافكار المتعددة التي تتبناها مختلف المدارس والمذاهب الاسلامية، سواء الافكار المرتبطة بالجانب العقدي أو الفقهي أو الثقافي، فالاطلاع من قرب على مصادر تلكم النظريات والافكار يزيل ركام الاشكالات العالقة في الاذهان بسبب الموروث الاجتماعي، أو النقولات المفتقرةللموضوعية والعقلانية، أو بسبب الاجواء المضادة لاي فكر.
    والأمر الذي يدعو للغرابة أننا نقرأ ونطّلع على نظريات غربية وهي خارج الدائرة في النواحي التربوية والاجتماعية.. بل نواظب ولسنوات عديدة ونحن نتلقّى في المدارس والجامعات ونلتقط من افكارهم ونظرياتهم.!
    فمن الاولى أن ننفتح ونقرأ الكتب ونطّلع على الاراء والنظريات المتعلقة بالجهات التي نفترق معها في جانب ونجتمع معها في جوانب، والجديربالذكر في هذا السياق.. أن الانفتاح على افكار من نختلف معه لايخدش في المعتقد ولا يؤثّر في القناعة طالما انّها ترتكز على الدليل والبرهان، فيبقى الاطلاع الايجابي عاملا اساسيا لانتزاع فتيل التعصب والتشنج النفسي.

    الانفتاح في مدارس أهل البيت

    تميّزت مدرسة الامام الصادق والتي كانت صرحا من صروح العلم والتربية بالانفتاح على كافة فرق وطوائف المسلمين آنذاك، ولم تكن مدرسته تستأثر بالشيعة دون غيرهم، بل كانت تفتح ابوابها وعلى مصراعيها لكل المذاهب والاطياف الاسلامية، ولم تفرّق او تميّز بينهم في طريقة التلقّي او التحصيل، فكان الجميع يحظى بالاحترام والتقدير من قبل الامام الصادق ، وكان يعزز هذا الجانب في نفوس اصحابه حيث يأمرهم بدعوة الناس وارشادهم وتعليمهم المسائل الشرعية كلّ وفق مذهبه، فلقد «كان أبان بن تغلب من خواص الامام الصادق وقد امره استاذه أن يجلس للافتاء في مسجد المدينة، ولأن السائلين والمستفتين كانوا يختلفون في مذاهبهم ومراجعهم، فقد وجّه الامام الى الا يقتصر على نقل رأي مذهب اهل البيت او فتاواهم، بل يفتي السائلين حسب مذهبهم، يقول له الامام الصادق «انظر ما علمت أنه من قولهم فاخبرهم بذلك».
    وينقل الشيخ ابو زهرة قصّة مشابهة عن تلميذ آخر للامام وهو مسلم بن معاذ الهروي أنه كان يجلس في المسجد ويفتي الناس باقوال الائمة جميعا حتى قال له يوما سيدنا جعفر: بلغني أنك تجلس في المسجد وتفتي الناس، أجاب نعم وكنت أود ان أسألك عن ذلك اذ يأتيني الرجل فأعرفه على مذهبكم فأفتيه بأقوالكم، ويأتيني الرجل فأعرفه على غير مذهبكم فأفتيه بأقوال مذهبه، ويأتيني الرجل فلا اعرف مذهبه، فأذكر له اقوال الائمة وأدخل قولكم بين الاقوال، فأشرق وجه سيدنا الامام الصادق رضوان الله عليه وقال احسنت هكذا انا افعل، لانه اذا سئل عن مسألة ذكر كل اقوال العلماء فيها» .
    ثانيا: مظهر آخر يعكس الانفتاح الايجابي لمدارس اهل البيت ..التعددية في الاعراق، فقلد ضمّت جامعة الامام الصادق طالب وهم من مختلف الأقطار والأمصار: الحجاز،العراق، الشام، وفيهم أعيان ووزعماء مذاهب كأبي حنيفة والذي اعترف باستادية الامام له حيث قال - لولا السنتان لهلك النعمان -، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري ,«وبالتالي عرفنا بأن معظم هؤلاء الأئمة أخذوا من هذه المدرسة افكارهم الدينية، خت أبن اابي الحديد أثبت أن علم المذاهب الاربعة راجع الى الامام في الفقه، وقال المؤرخ الشهير أبونعيم الاصفهاني روي عن جعفر عدّة من التابعين منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب «السختيالي»، وأبان بن تغلب، وأبو عمرو بن العلاء، ويزيد بن عبدالله بن هاد، وحدّث عنه الائمة الأعلام: مالك بن انس، وشعبة الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جرح، وعبدالله بن عمران وروح بن القاسم، وسفيان بن عيينه، وسليمان بن بلال، واسماعيل بن جعفر، وحاتم بن اسماعيل، وعبدالعزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وابراهيم بن طهمان،وآخرون، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجا بحديثه» .

    نبذ التعصب:
    الخلاص من مأزق التعصّب البغيض يكمن في الخروج من ضيق دائرة الانغلاق الانفتاح على الرأي الآخر، اذ لابد من التعاطي ايجابا مع الرأي المتعدد، والقناعة المتعددة، والسعي قدما لاذابة جليد الخلاف والتباعد وذلك من خلال نشر قيم التسامح والاحترام المتبادل، وبسط قيم الود والاخاء، والعزوف عن لغة التخوين والتهميش، والصدود عن حملات التكفير والتشكيك بالآخرين، وان نضع تعاليم ديننا الحنيف نصب اعيننا.. تلكم التعاليم التي توكّد على دماثة الخلق، ونبذ الفظاظة والغلظة مع من نختلف معه في الراي او الموقف، فالغلظة في القول والفعل توجب نفور الطباع، وتؤدّي الى اختلال العلاقات الانسانية، ولذا نهى الله عزّ وجل نبيه المصطفى في مقام الارشاد ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوامن حولك ﴾ .
    - وروي عن سلمان الفارسي أنه قال «اذا اراد هلاك عبد نزع منه الحياء، فاذا نزع منه الحياء، لم يلق الا فظا غليظا نزعت منه رتبة الايمان، فاذا نزعت منه رتبة الايمان لم يلق الا شيطانا ملعونا» .
    - وعن النبي «الا أنبئكم بالمسلم.. من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
    - وعنه «لعن لمؤمن كقتله» .
    - وعنه عليه السلام «انّي لم أبعث لعّانا، وانما بعثت رحمة» .
    الحوار:
    تدعو تعاليم الشريعة السمحاء الى مسؤولية هداية الآخرين، والسعي لاقناعهم عبر تأصيل مفاهيم الشريعة في نفوسهم من خلال الحوار الهادف، والمناقشة الموضوعية.. البعيدة عن حالات القسر والتوتر، فالجو الذي يسود الحوار والنقاش ينبغي ان يكون ضمن مناخ ايجابي حر يقوم على الاحترام المتبادل.
    وقد حثّ الاسلام على الحوار مع اصحاب الاديان والعقائد الاخرى، حيث حرص علماء المسلمين وأئمتهم على اجراء حوار مع زعماء وأتباع الاديان الاخرى من المسيحية واليهودية والمجوسية وغيرها، وتجلّى هذا الامر في تأريخ ائمة اهل البيت «باعداد من الخليفة العباسي المأمون حيث عقد مجلسا مهيبا للمناظرة والحوار بين ائمة وقادة الأديان والمذاهب، وشارك فيه الجاثليق كبير النصارى، وراس الجالوت زعيم اليهود، والهربذ االاكبر ممثل الزردشتية، وعمران الصابي قطب الصابئة، والفيلسوف قسطاس الرومي، وجمع من المتكلمين وكان المتصدي لمحاورتهم ومناظرتهم امام المسلمين الامام علي بن موسى الرضا

    وقد انعقد هذا المحفل خلال الثلاث سنوات الاولى من القرن الثالث الهجري في مرو عاصمة الخلافة آنذاك.
    انّ الحوار الذي ينقل التاريخ حصوله في ذلك المحفل خلال يمثّل وثيقة تاريخية فكرية عظيمة، كما انه حوار ممتع يعكس اجواء الحرية والانفتاح، وروح الموضوعية والأدب التي تحلّى بها ائمة الاسلام.
    كان المجلس غاصا بأهله من أصحاب الديانات ومسؤولي الدولة وقادة الجيش، يتصدره الخليفة العباسي وقد أجلس الامام الرضا الى جانبه، بينما احتل رؤساء الأديان مواقعهم البارزة، وأعلن الخليفة عن بدء الحوار بالتفاته الى الجاثليق كبير النصارى مخاطبا له: ياجاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن ابي طالب، فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه.
    فقال الجاثليق: ياامير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتجّ علي ّ بكتاب أنا منكره، ونبي لا أؤمن به؟
    فقال الامام يانصراني فان احتججت عليك بانجليك اتقرّ به؟
    اجاب الجاثليق: وهل اقدر على دفع مانطق به الانجيل، نعم والله اقرّ به على رغم أنفي...» .
    وللمزيد من التفصيل نحيلك أيها القارئ الكريم الى مراجعة كتاب الاحتجاج لمؤلفه: أبو منصور أحمد بن الطبرسي.
    وأخيرا يبقى الحوار هوالاسلوب الأمثل للوصول الى علاج أزماتنا ومعضلاتنا التي منها نعاني باختلاف مذاهبنا وأطيافنا، ولقد آن الاوان لنسهم جميعا في صياغة الخطاب العلمي والموضوعي الذي يرمي الى تصحيح آلية علاقاتنا المتعثرة، بالحوار يمكننا نزع فتيل العنف والارهاب الفكري الداعي الى أقصاء ونبذ من نختلف معه في فكرة او قناعة، بالحوار المبني على الاسس السليمة والمؤطّر بضوابط الشرع والاخلاق يتاح لكل طرف المجال ليعرض فكره وقناعاته في مجمل القضايا الدينية والعقدية والثقافية والسياسية.. وذلك في اطار جو اخوي انساني يسوده التقدير والاحترام المتبادل.


    ___________________
    التعددية والحرية في الاسلام ص267/ الشيخ حسن الصفار.
    النبي واهل بيته/ السيد المدرسي.
    سورة آل عمران 159.
    جامع السعادات ج1/ الشيخ النراقي.
    نفس المصدر.
    ميزان الحكمة ج8/ الشيخ الريشهري.
    نفس المصدر.
    التعددية والحرية في الاسلام ص98.





  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    23,391

    افتراضي



    لبنات التفسير السلفي بين النفي والاثبات


    د. الشيخ فتح اللّه نجارزادگان

    ترجمة: محمد عبد الرزاق

    مدخل


    لا شك ان ما هو محرز من مفهوم (التفسير السلفي) هو ذلك التفسير المستند الى روايات وآراء الصحابة والتابعين، ولعل ابن تيمية هو اول من قعد للفكرة في سياق بحثه عن الاطر الكفيلة باثبات مبتنياته في الفكر السلفي بشكل عام. ولا بد في نقدهذا النوع من التفاسير من الولوج عبر قنوات الارتكاز التاسيسية لها، وهي عبارة عن: البراهين المقدمة، اثبات الحجية لتفسير الصحابة والتابعين، تقييم آرائهم، التفاوت المعرفي بين طبقات الصحابة والتابعين في فهم مقاصد القرآن، دعوى نفي التعارض بين آراء السلف، فكرة ترجيح الدليل النقلي على الدليل العقلي، والتفويض على التاويل.

    اذا ما تاملنا فيهذه المرتكزات لمسنا عن كثب نقاط الضعف فيها، الامر الذي يؤدي بطبيعة الحال الى سلب التفسيرالسلفي المنهجية والقداسة معا.

    اسس التفسير السلفي حسب دعوى اصحابه على اقوال وآراء الصحابة والتابعين، وتصدق كلمة (السلف) اصطلاحاعلى صحابة النبي(ص) وصدر التابعين لهم. ان التطرف في تبني آراء السلف في موضوع تفسير القرآن ومنحها ضربا من القداسة،والتاكيد على التزامها وترسيخها باصلب الحروف خشية الاعراض عنها واللجوء الى التفسير بالراي، كل ذلك يدلنا على تاصل النزعة السلفية عند هذه الفئة، وتمسكها بالتفسير السلفي بشكل مفرط. ومنشا هذا التزمت كامن في الاعتقاد باولوية آراء السلف، وقربها من مصدر الوحي، وبوصفهم قبل كل شي الجيل الطليعي بين علماء الاسلام المبرزين، حيث يرى السلفيون ان كل ما ينقله الصحابة عن النبي(ص) سواء في التفسير وغيره معتبر لا تعمد للخطا في اخذه من مصدرالتشريع، وان ما ينبعث من آرائهم الخاصة لابد وان يكون له جذور في الصميم الديني، مع استحالة تفردهم بالاراء الذاتية او التجاوز على حدود الدين المرسومة لهم، وهذا منطبق على التابعين ايضا مع تاخر مرتبتهم عن مرتبة الصحابة. يقول ابن تيمية في آراء كل من مجاهد بن جبر وقتادة التفسيرية، وهما من التابعين:

    (واما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من اهل العلم انهم فسروا القرآن، فليس الظن بهم انهم قالوا في القرآن وفسروه بغير علم او من قبل انفسهم)((363)) .

    هذه هي فكرتهم في التابعين، فكيف بالصحابة انفسهم؟! اذن، هم من باب اولى ان يكونوا مصونين ايضا من التفسير بالراي او بغير العلم. ويظهر ان ابن تيمية كا ن منطلقه من الفكرة ذاتها عندما نظر اول مرة في كتابه (مقدمة في اصول التفسير)للاتجاه السلفي في التفسير، كما سيمر بنا. وعلى هذا الاساس جاء تقسيمه للتفاسير بين المقبول منها، وهو ما حضرت فيه آراء السلف بقوة، وبين ما هو مبتدع حسب قوله.

    ثم جاء من بعده السلفيون يقتفون آراءه بحذافيرها علهم يتقمصون مواقفه في مثل هذه المؤلفات نشرا لرؤاه فيهذا الباب.ولعل مما يقع في مقدمة النقود الموجهة للاسس الكلامية في الفكر السلفي الغاؤها مدخلية اهل البيت (ع) فيهذا الغرض بعدعصر الرسول(ص)، وهي ظاهرة ضربت عميقا في مصداقية المدرسة السلفية، وهو موضوع بحاجة الى دراسة مستوعبة.

    نعود الى الاركان التي اعتمد عليها التنظير للتفسير السلفي، ومن خلالها نستكشف الهفوات الكامنة وراءها:

    1- البرهنة وفرض الحجية بالنسبة لتفسير الصحابة والتابعين.

    2- تحديد آرائهم الواردة وتقييمها.

    3- التفاوت المعرفي بين طبقات الصحابة والتابعين.

    4- دعوى نفي التعارض بين تلك الاراء.

    5- فكرة ترجيح الادلة النقلية على الادلة العقلية، والتفويض على التاويل.


    اولا: البراهين والحجج

    يزعم السلفيون بالاجماع على ان مصادر التفسير بعد القرآن (تفسير القرآن بالقرآن) والسنة النبوية ترسو على آراءالصحابة ((364)) . في حين ليس هناك حديث نبوي في مصادر اهل السنة يؤيد حجية قول سائر الصحابة في باب التفسير،ولهذا لم يلتمس عماؤهم هكذا روايات فيهذا المجال ((365)) .

    لقد اعتمد اهل السنة في ذلك على الادلة العقلية الاعتبارية، وهي ادلة مكررة متحدة السنخية، قوامها انطباع القوم عن اصحاب الرسول(ص)في تواجدهم حوله عند نزول الوحي.

    وهذا ما اشار اليه ابن كثير (ت/774ه) في مقدمة تفسيره اخذاعن استاذه ابن تيمية ان لم تكن العبارات منقولة بالنص احيانا: (وحينئذ اذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنافي ذلك الى اقوال الصحابة فانهم ادرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والاحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالائمة الاربعة الخلفاء الراشدين والائمة المهديين.

    منهم عبداللّه بن مسعود... وحبر الامة عبد اللّه بن عباس...) ((366)) وهذه عبارة متوفره نصا عند ابن تيمية في (مقدمة في اصول التفسير) ((367)) .

    ثم جاء دور الدكتور الذهبي بعد سبعة قرون ليسجل النص ذاته مع تغيير طفيف قال فيه: (ولاحتمال ان يكونوا سمعوه من الرسول ((368)) (ص) ويذهب الدكتور الذهبي الى ابعد من ذلك، وعلى ذلك تبعه الدكتور منيع عبد الحليم محمود تحت عنوان: (رسم المنهج السلفي للتفسير): (لقد شهد الصحابة الوحي والتنزيل واسباب النزول، ولهم المعرفة بالناسخ والمنسوخ، كما استوحوا مما لايمكن ان يؤخذ الا عن النبي(ص)، ولانهم ان فسروا برايهم فرايهم اصوب، لانهم ادرى الناس بكتاب اللّه) ((369)) .

    وينسب الكاتب الفكرة الى الاتجاه السلفي عند ابن تيمية معليا من شانها. وكتب ابن تيمية يقول:

    (... ونحن نعلم ان القرآن قراه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وانهم كانوا اعلم بتفسيره ومعانيه، كما انهم اعلم بالحق الذي بعث اللّه به رسوله(ص)، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد اخطا في الدليل والمدلول جميعا) . ((370)) اما الدليل الثاني عند اهل السنة كابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فيقول: ان الرسول قد شرح لاصحابه معاني القرآن ((371)) .ويحتمل ان يكون الحاكم النيشابوري (ت/405ه) كان سابقالابن تيمية في طرح الفكرة ((372)) .

    الدليل الثالث هو عبارة عن حديث نقله ابن مسعود:

    (كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن) ((373)) . وعندما جاء الشاطبي ليقسم مراتب علم المفسرين في طبقات، وضع الصحابة والتابعين في اولاها بوصفهم الراسخين في العلم، نافيا امكانية مقارنة الاخرين بهم ((374)) . ويذكر اصحاب هذا الراي شخصيات من التابعين اخذوا تفسيرهم عن الصحابة ، الامر الذي يفضلهم على سائر المفسرين كمجاهد بن جبر (ت/102ه) الذي يقول:

    (عرضت المصحف على ابن عباس، اوقفه عند كل آية منه واساله عنها) ((375)) . وفي ذلك يقول سفيان الثوري: (اذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به)، ولهذا اعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري واحمد بن حنبل وغيرهم، ونقلوا عنه الكثير((376)) . ثم يقيم ابن تيمية دور التابعين ومكانة مجاهد في التفسير فيقول:

    (ومن التابعين من تلقى جمع التفسير عن الصحابة ، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، اوقفه عند كل آية منه واساله عنها...

    والمقصود ان التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم علم السنة، وان كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال
    ) ((377)) .

    وردا على مقولة شعبة بن الحجاج وغيره التي تقول: (اقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟).

    قال ابن تيمية:

    (يعني انها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا الصحيح، اما اذا اجتمعوا على الشي، فلا يرتاب في كونه حجة)،حيث يمتنع تفسيرهم القرآن برايهم او دون علم . ((378)) مناقشة ادلة حجية قول الصحابي في التفسير لا بد قبل مناقشة هذه الادلة من التمييز بين نمطين:

    الاول: قول الصحابي بوصفه راويا للتفسير.

    الثاني: قوله التابع لاجتهاده في التفسير، او ما يصطلح عليه بالحديث (الموقوف، والاثر).

    النمط الاول:

    فان كان البحث في النمط الاول، خضع قوله للشروط المفترضة في سائر الاحاديث من دراسة للسند والدلالة، وذلك للاسباب التالية:

    ا) لعدم احراز عدالة جميع الصحابة، ولابد من التحقق من عدالة كل راو للحديث. وان كان اهل السنة يقولون بعدالة جميع الصحابة ((379)) . على ان هذا المبنى قد خضع للمناقشة ايضا لدى ع ضهم وفقا للنصوص القرآنية والقرائن التاريخية ((380)) .

    ب) لوجود احاديث متواترة عن الرسول ورد فيها النهي عن الكذب عليه: (لا تكذبوا على..) ((381)) ، هذا على عهده((382)) (ص)، واما بعده فقد وقع الكذب فعلا، فان كان هذا الحديث موضوعا لا صحة له، فان ذلك يثبت بشكل آخرالحقيقة ذاتها، وهي وجود حالات الوضع او الكذب على الرسول.

    ج) ثمة تفاوت ملموس في مستويات تصديق اقوال الصحابة، لا سيما فيما بين بعضهم البعض، فكان عمر بن الخطاب يصدق عبد الرحمن بن عوف، بينما يقول لابي موسى الاشعري: ائت بمن يشهد معك ((383)) .

    د) يذعن بعض الصحابة بان ليس كل ما يروونه عن الرسول(ص) مسموعا منه مباشرة، كما ورد عن البراء بن عازب((384)).

    ه) كثيرا ما يخطئ وينتقد الصحابة بعضهم البعض، كما ورد من تخطئة عائشة لحديث ابن عمر في منع البكاء على الميت((385)) .

    كل هذه الشواهد التاريخية والقرائن الحالية تكشف عن واقع الحديث المنقول عن الصحابي في التفسير وغيره بوصفه رواية ماثروة لابد وان تخضع للنقد والتحليل سندا ودلالة بغية التاكد من صدورها، فان مجرد النقل عن الصحابي لا يمنح الرواية الاطمئنان التوثيقي بسلامة صدورها ووصولها، الا ان يكون الخبر متواترا او محفوفا بالقرائن القطعية، فيعد بياناللنص القرآني. علاوة على ذلك، ثمة عقبات جمة تعترض طريق هذه الروايات على صعيد الاثبات، من قبيل ما حدث من منع لتدوين الاحاديث بما يناهز قرنا ونصفا من القرن عند اهل السنة، وهي قضية من ابسط تداعياتها طروء التغييروالتلاعب على نصوص الاحاديث ((386)) ، والاشكالية في تزايد اكثر عندما نسمع اقرار اهل السنة بوجود ظاهرة الوضع في الاحاديث المنسوبة للصحابة في تفسير القرآن الكريم.

    يقول الدكتور الذهبي: (ولا يغتر بكل ما ينسب لهم من ذلك، لان في التفسير كثيرا مما وضع على الصحابة كذبا واختلاقا)((387)) .

    ولهذا نجد احمد بن حنبل يقول: ثلاثة ليس لها اصل: التفسير، والملاحم، والمغازي ((388)) . ولاحمد الخولي بحث فيهذاالباب جدير بالاهتمام ((389)) .

    النمط الثاني:

    اما اذا كان قول الصحابي معبرا عن وجهة نظره في تفسير احدى الايات، فستكون الضرورة اكثر الحاحا في اخضاع الرواية للنقد والتحليل، وذلك للادلة التالية:

    ا) يذهب فهد الرومي وآخرون خلافا لابن تيمية الى ان ليس كل ما قاله الصحابة في التفسير فهو عن الرسول(ص)، وانه لم يلقنهم جميع معارف القرآن وعلومه.

    يقول القرطبي: (فان الصحابة رضي اللّه عنهم قد قرؤوا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي(ص)، ويشهد بذلك دعاؤه لابن عباس حين قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التاويل)، فان كان التاويل مسموعاكالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بين لا اشكال فيه) ((390)) . وعلى ذلك يتفق البغدادي ((391)) ، وايده ابن عاشور،حيث قال: (وقد سال عمر بن خطاب اهل العلم عن معاني آيات كثيرة، ولم يشترط عليهم ان يرووا له الا ما بلغهم في تفسيرها عن النبي((392)) (ص) من هنا ينشا التفاوت المعرفي والادراكي لدى الصحابة في فهم معنى الاية، وهو قد ينطوي في بعض الاحيان على لون من التضاد ايضا خلافا لابن تيمية، بدليل عمل كل واحد من الصحابة باجتهاده الخاص، هذا من جهة.

    ومن جهة اخرى ليس بين الروايات ما ينص على عصمة الصحابة((393)).

    ويجمع علماء الشيعة على ان اجتهاد الصحابي في التفسير وغيره ليس حجة على الاخرين. يقول العلامة الطباطبائي في معرض تفسير الاية: (وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم( (النحل: 44):

    (وفي الاية دلالة على حجية قول النبي(ص)في بيان الايات القرآنية.. ويلحق به بيان اهل بيته لحديث الثقلين المتواتروغيره، واما سائر الامة من الصحابة او التابعين او العلماء فلا حجية لبيانهم، لعدم شمول الاية وعدم نص معتمد عليه يعط ي حجية بيانهم على الاطلاق... اما قوله تعالى: (فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (النحل: 43)، فقد تقدم انه ارشاد الى حكم العقلاء بوجوب رجوع الجاهل الى العالم من غير اختصاص الحكم بطائفة دون طائفة) ((394)) .

    ب) اقرار علماء السنة بوجود التفاوت المعرفي في فهم الصحابة لمعاني الايات القرآنية، وان المفسرين هم الطبقة النادرة بين اولئك الصحابة، وليس الكل ((395)) . فليس جميع الصحابة لهم القدرة على الفهم التام والاستنباط السليم من العلوم،فان ذلك مما يخالف الحقائق التاريخية والعلمية.

    ج) ثمة اشكاليات اخرى على صعيد الاثبات، حيث ان من جملة مصادر تفسير الصحابة هم اهل الكتاب، مما يستلزم بطبيعة الحال تسرب الاسرائيليات الى اقوالهم، لا سيما على عهد خلافة عمر كما يذكر ابن كثير من خبر بعض الرواة ككعب الاحبار، ممن وفرت له الظروف المؤاتية دس اسرائيلياته بين نصوص الصحابة وغيرهم (فجعل يحدث عمر عن كتبه... فربما استمع له عمر فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الامة واللّهاعلم حاجة الى حرف واحد مما عنده) ((396)) . وقد جاء عن الرسول(ص)نهيه عمر عن الرغبة فيهل الكتاب ((397)).

    وحسبك فيهذا المجال بحوث الاستاذ معرفت. وفي (التفسير والمفسرون) افرد الذهبي بحثا في الاسرائيليات في اكثر من مئتي صفحة ((398)) .

    وهكذا بالنسبة للتابعين، فقد نصت غالبية كتب التراجم والرجال على عدم توثيقهم بشكل مطلق، كما قيل عن الضحاك بن مزاحم (ت/105ه): (في جميع ما روى نظر)((399)). والضحاك من المشهورين بامر التفسير، كذلك الحال بالنسبة لعطية بن سعد (ت/111ه)، والسدي الكبير، ومحمد بن سائب الكلبي، والسدي الصغير، ومقاتل بن سليمان، وكلهم من التابعين الرواة في قضايا تفسير الايات ((400)) .

    تاسيسا على ذلك، تكون اقوال الصحابة معتبرة ان نقلت باسانيد صحيحة سواء كانت في احداث صدر الاسلام التاريخية، او في الحكاية عن تقاليد الجاهلية وعاداتها، او فيما يتعلق باسباب النزول وتفسير الايات، لا سيما فيما يتعلق ببيان المعاني اللغوية فيها، اذ هم اهل اللسان الذي نزل به القرآن، وهو ما يعين المفسر في الوصول الى المتداول من معاني اللغة عند نزول الوحي ((401)) ، حتى وان احتمل عدم مطابقة ذلك المعنى لما يصطلح عليه في اصل اللغة.

    ولا بد من عرض استنباطات علماء الصحابة في التفسير على القرآن والسنة، حالها في ذلك كحال سائر آرائهم واجتهاداتهم، فان تطابقت قبلت، على ان واقع الامر يشير الى قلة ما وردنا عنهم من روايات تفسيرية ((402)) ، فهي في احصاء (كنز العمال) حوالي 544 حديثا ((403)) ، وبحذف التكرار يصل العدد الى 350 حديثا فقط.

    ثانيا مناهج التفاسير وقيمتها يقدم السلفيون تفسير ابن جرير الطبري في الطبقة الاولى، لتمسكه براء السلف ((404)) ، مع ان الطبري يكثر من الاستشهاد بروايات التابعين ممن جرحوا من قبل الرجاليين، مضافا لنقله الكثير عن اهل الكتاب. لكن ذلك مدفوع في الفكر السلفي بما يفترضه من حصانة مطلقة للتابعين، وتجويز النقل عن اهل الكتاب برواية عن الرسول مفادها: (حدثواعن بني اسرائيل ولا حرج) ((405)) .

    وقد ذكر الطبري في معرض حديثه عن قصة هاروت وماروت روايات تنسب سحر اليهود للنبي، كذلك ذكر في الاية (52)من سورة الحج اسطورة الغرانيق دون تفنيدها او نقدها، كل هذا وغيره لم يمنع تفسير الطبري من تبوء هذه المكانة بين التفاسير، وليس ذلك الا لان مثل هذه الافكار لها اصولها في روايات السلف ، الامر الذي لا يضعف موقفه وحسب، بل يعدمن نقاط القوة ايضا، وياتي بعده بالدرجة الثانية تفسير ابن كثير، لانه حسب الذهبي (اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف) ((406)) .

    اما ما يقع على الطرف النقيض من هذه الفكرة الصائبة عند اتباع المذهب السلفي، فهو ان كل تفسير لا يستند في اصوله على ماثور السلف، هو تفسير بالراي ضال ومضل. ويرى ابن تيمية ان تفسير المعتزلة في حمل معاني الايات على الاراءبدلا من حمل الاراء على معاني الايات، لم يات الا نتيجة لاعراض المعتزلة عن آراء السلف، ويقول:

    (والمقصود ان مثل هؤلاء « المعتزلة »اعتقدوا رايا ثم حملوا الفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم باحسان، ولا من ائمة المسلمين، لا في رايهم، ولا في تفسيرهم) ((407)) .

    وقال في موضع آخر: (واما (الزمخشري) فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من انكار الصفات، والرؤية،والقول بخلق القرآن، وانكر ان اللّه مريد الكائنات، وخالق لافعال العباد، وغير ذلك من اصول المعتزلة) ((408)) .

    وكان قد سبقه في الهجوم على تفاسير الاعتزال ابو الحسن الاشعري الذي عدها تفاسير بالراي الباطل الضال، فقال معللاذلك (لا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن اهل بيته الطيبين، ولا عن السلف المتقدمين من الصحابة والتابعين) ((409)).

    وتابع ابن تيمية في اصدار الحكم ذاته تلميذه ابن القيم ((410)) . اما وجهة نظر المعاصرين في السلفيين فنجدها مستوحاة بشكل او بخر من الرؤى التي بلورها ابن تيمية، فمثلا جاء في (التفسير والمفسرون):

    (يقع الخطا كثيرا في التفسير من بعض المتصدرين للتفسير بالراي، الذين عدلوا عن مذاهب الصحابة والتابعين، وفسروابمجرد الراي والهوى) ((411)) .

    لقد بذل الذهبي قصارى جهده فيهذا الموضوع ليس الا لغرض التماس السبيل في الصاق هذه الفكرة بتفاسير الشيعة، لاسيما الروائية منها، فكتب يقول:

    (وفي تلك الاحاديث وهذه الاثار ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة، لذا كان بدهيا ان يتخلص القوم من كل هذه الروايات، اما بطريق ردها، واما بطريق تاويلها. والرد عندهم سهل ميسور) . ((412)) وليس بعيدا عنه راي الدكتور فهد الرومي الذي حاول افراغ امالي ابن تيمية والذهبي وغيرهما في تقييمه المعرفي لتفسيرالميزان مرة واحدة، فافصح بشكل جلي عما يدور في خلجاته من نزعة سلفية عميقة، ومنها صاغ فكرة مفادها: ان مذهب الامامية في اقصاء اقوال الرسول التفسيرية هو الذي زاد من هزالة تفاسيرهم وهشاشة ركائزها ((413)) ، لان الصحابة هم المتلقي الوحيد عن الرسول، وعنهم تناقل سائر المسلمين تفسيره الايات القرآنية، فالرسول هو الطريق المؤدي الى شرح القرآن، والصحابة هم الوسيلة في قطع ذلك الطريق، وما خرج عن هذه الوسيلة انما هو انحراف وجهل بالحقائق . ((414)) في الواقع اقتصر فهد الرومي على تقديم مدعاه في اعراض الشيعة عن روايات الصحابة في التفسير، ولجوئهم الى وضع الروايات لسد هذا الفراغ ((415)) ، بينما كان حريا به ان يستعرض دليل الطباطبائي في نفي الحجية عن تفسير الصحابة والتابعين، وليس الروايات المنقولة عنهم ((416)) ، او ان يتناول وجهة نظره حول كمية اقوالهم في التفسير ((417)) ثم ان كان في انعدام النص الروائي حاجة الى الوضع لدى تفاسير الشيعة، لكان ذلك اكثر انطباقا على تفاسير اهل السنة،فكما يقول الطباطبائي وغيره من الشيعة والسنة كما سيمر بنا ان ابرز ما تتسم به اقوال الصحابة في التفسير هي قلتها،وهو امر يقودهم حسب نظرية الرومي الى وضع الاحاديث على الصحابة! وقد نسي الرومي نفسه، حيث كان في صدد تقييم تفسير الميزان معرفيا بوصفه اهم تفاسير الشيعة، حسب اعترافه، لكنه عدبحث صاحب الميزان في نفي تحريف القرآن ((418)) من تقية المؤلف!! فما الدليل الذي يمكن ان يقدمه في مثل هذاالنوع من الاتهام؟ في حين هو يرى ان تفسير الميزان جاء ممنهجاوفق معتقدات التشيع، بل بطابع من التطرف ايضا . ((419)) اذن، مع اعترافه هذا هل بامكانه ان يقدم دليلا من (الميزان) حرفت فيه معاني الايات بغية مطابقتها للعقائد الشيعية؟ واخال رد الكاتب عن هذا السؤال كفيلا بالكشف عن مدى مصداقية هذا المدعى، وهو القائل: (لم انتقد منهج الشيعة في التفسيربدافع الضغينة والتعصب) ((420)) .

    المسالة الاخرى التي يمكن من خلالها استكشاف منهجية ابن تيمية واتباعه في تقييم التفاسير، هي في حكمه على تلك التفاسير بالضلال والبدعة، وتعمية الحقائق، والكلام بالطبع عن تفاسير اهل السنة التي اثبتت روايات من السلف وضعت مبتنياتهم الكلامية في مواقف حرجة، من قبيل:

    الروايات المتعددة في خبر تصدق الامام على(ع) بالخاتم اثناء الركوع، وفيه اثبات لولايته ((421)) ، وقد احصت بعض المصادر طرق واسانيد نقل هذا الخبر في (26) سندا ((422)) ، منهم عدد كبير من الصحابة امثال: الامام على، عبد اللّه بن عباس، ابو رافع المدني، عمار بن ياسر، ابو ذر الغفاري، انس بن مالك، جابر بن عبد اللّه، المقداد بن الاسود، عبد بن سلام، ومن التابعين امثال: سلمة بن كهيل، عتبة بن ابي الحكم، السدي، مجاهد... كل هؤلاء فسروا الاية (55) من سورة المائدة بحادثة التصدق بالخاتم ((423)) ، لكن مع هذا كله ادعى ابن تيمية اتفاق اهل العلم على ان الحديث من الموضوعات على الصحابة ((424)) !! ثم عرج على التفاسير التي نقلت الخبر كتفسير الثعلبي موجها اشد الطعون لها بالقول:

    (اجمع اهل العلم بالحديث ان الثعلبي يروي طائفة من الاحاديث الموضوعات.. ولذلك يقولون هو كحاطب ليل.. ولهذا لماكان البغوي عالما بالحديث، اعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي، لم يذكر في تفسيره شيئامن الاحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي.. واما اهل العلم الكبار، اهل التفسير من تفسير محمد بن جرير الطبري، وبقي بن مخلد، وابن ابي حاتم و.. فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات.. بل، ولا يذكر مثل هذا عند ابن حميد، ولا عبدالرزاق) ((425)) ، وقد سلم بهذا الحكم الكثيرون من اتباع ابن تيمية ((426)) ، وهو حكم مخالف للحقائق من جهة، وكاشف عن مدى التعصب في الافكار من جهة اخرى، وذلك واضح مما ياتي:

    ا- لم يقل احد عن الثعلبي بانه (حاطب ليل)، بل هناك اجماع لدى كل من ترجم له على تميز شخصيته وقيمتهاالعلمية((427)).

    ب لقد نقل البغوي الحديث نفسه عن ابن عباس الصحابي، والسدي التابعي، خلافا لمدعى ابن تيمية ((428))

    ج يعد تفسير الطبري كما مر بنا من اجل التفاسير في الوسط السلفي، وقد نقل سبب نزول الاية بخمسة اسانيد كلهافي على(ع)، ثلاثة منها نص في المعنى، واثنان بدلالة محرزة((429)). ولابن ابي حاتم ايضا نقل بسندين ((430)) .

    د وقد نقله السيوط ي في الدر المنشور عن (عبد بن حميد)، و(عبد الرزاق) عن ابن عباس ((431)) ، وهكذا ابن كثير عن عبد الرزاق ((432)) .

    اذن، كيف نفى ابن تيمية رواية علماء التفسير الكبار من امثال الطبري وابن ابي حاتم وابن حميد وعبد الرزاق لهذا الحديث((433)) ؟!! ويظهر من ذلك، ان هذه محاولات في طريق طمس الحقائق وتعمية السبل، وهو ما نلمسه في موضع آخر لدى آراء ابن تيمية في حديثه عن تفسير آية (...ولكل قوم هاد)، فشكك بالاحاديث التي نصت على ان الهادي في الاية هوعلى(ع)، وقال بانها من الروايات الموضوعة، وان اهل العلم مجمعون على ذلك، في حين انها مروية باسانيد متعددة عندالسيوط ي من المفسرين السلفيين وكذا الطبري، وابن ابي حاتم الرازي وغيرهم ((434)) ، ومن هذا القبيل مصاديق عديدة لا مجال لحصرها ثالثا تفاوت الصحابة والتابعين في فهم معاني القرآن يسلم اهل السنة بشكل عام والسلفيون بشكل خاص بتفاوت الصحابة المعرفي في فهمهم معاني الايات، وهي حقيقة لا مناص لهم منها. لكن، كيف طبقوا هذه النظرية على مصاديقها؟ لقد صنفوا الخلفاء الراشدين في الطبقة الاولى لتميزهم عن الاخرين بالعلم التام والصحيح ((435)) ، لكن هذا الحكم يناى عن الواقعية فيما يخص الخلفاء الثلاثة، ولايعدو ان يكون من الجزاف والتعصب. وقد التمسوا في ذلك مبررات عديدة اضافة لما قدموه في تبرير رجوع عمر في التفسير الى اهل الكتاب، وما تسبب ذلك في نشر الاسرائيليات كما مر بنا.

    فاذا سالنا عن خلفية موقف الخليفة الاول من معنى (الكلالة)، والخليفة الثاني من معنى (الاب)، قالوا: (كان بعض السلف يتوقفون فيما ليس لهم فيه علم) ((436)) ، في حين لم يعرف عن على(ع) انه سئل ولم يجب، او انه رجع في معرفة الامورالى اهل الكتاب.

    واذا ما سالنا عن قلة ما وصلنا في التفسير عن الخلفاء الثلاثة مقارنة باحاديث الامام على(ع)، قالوا ومنهم الذهبي (فابوبكر وعمر وعثمان لم يرد عنهم في التفسير الا النزر اليسير..

    ويرجع السبب في ذلك الى تقدم وفاتهم، واشتغالهم بمهام الخلافة والفتوحات، اضف الى ذلك وجودهم في وسط اغلب اهله علماء بكتاب اللّه، واقفون على اسراره، عارفون بمعانيه واحكامه..) ((437)) . لكن هذه تعليلات واهية، والحقيقة شي آخر، لان عثمان كان بعيدا عن مهام الخلافة مدة ثلاثة عشرعاما، وعمر لثلاثة اعوام، وكانت آراء واقوال على(ع) التفسيرية تصدر ابان السنوات الخمس من عمر خلافته





صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني