صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 21
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    أقرأ..|(ثبوت الهلال)-دراسة فقهية في حجية قول الفلكي-|-العلامة السيد محمد طاهر الياسري






  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي


    الكتاب : ثبوت الهلال طبقاً لقول الفلكي - دراسة فقهية في حجية قول الفلكي-
    المؤلف :سماحة العلامة السيد محمد طاهر الياسري الحسيني


    فهارس الكتاب
    المقدمـــة
    مقدمة الطبعة الثانية
    مقدمة .. في منهج البحث
    ثبوت الهلال في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة
    قول الفلكي
    كلمات الفقهاء المعاصرين
    تحديد موضوع البحث
    الاتجاه الثاني: (اعتبار قول الفلكي) والإفادة منه
    الطريق الثاني










  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    المقدمـــة
    مقدمة الطبعة الأولى:.


    بسم الله الرحمن الرحيم


    والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله الميامين.
    تعالج هذه السطور - من زاوية فقهية - مسألة ثبوت الهلال وفقاً لآراء الفلكيين المحدَثين، آملاً أن تكون موضع عناية المشتغلين بالفقه، بعيداً عن المواقف المسبقة و الأحكام الجاهزة، ووفقاً لمتطلبات العصر، إذ لم يَعُد من الممكن معالجة القضايا والمقولات العلمية بالطريقة القديمة نفسها مما ألفه الأقدمون، وإذا كان العذر رفيق الأقدمين فانه ليس كذلك بالنسبة للمعاصرين، مع تَوَحُّد الكون وصيرورته قرية….


    لم يعد بالإمكان الاعتذار عن مناقشات بعض علمائنا الأعلام في كروية الأرض (مثلاً)-كما عن الشيخ البحراني في الحدائق- وإذا كان ممكناً بالنسبة لبعضهم فانه لا مبرر له اليوم، مع إمكانية الوقوف على نتائج العلوم التجريبية والتطبيقية. .


    ومن ذلك: الموقف من مسألة ثبوت الهلال بقول الفلكي، إذ لا مبرر-حتى فقهياً- لترديد ما كان سائداً من قبيل عدم حجية قول المنجّم-مثلاً- وتعميمه على علم الفلك الحديث، مع وجود الفرق الكبير بين الميدانين.


    لكن رغم ذلك ثمة جهود مشكورة، وهي ريادية أيضاً، لبحث المسألة، وفي مقدمتها جهود الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، والسيد الأستاذ المعظم السيد محمد حسين فضل الله، الذي طرح هذه المسألة-بقوة وشجاعة- في الأوساط العلمية والشعبية مؤخراً. .


    ومن وحي هذه الجهود كتبت هذه السطور، راجياً أن تكون لبنة في هذا الأساس وإن أمكن المناقشة في بعضها، فيكفي أنها مشروعة من حيث الهدف أو الآليات، كما هو شأن كل الجهود الفقهية. .


    وإذا أنجزت هذه السطور ما لم يحرره أساتذتنا الفقهاء فإنها من نتائج جهودهم ومن موائد أبحاثهم وتجاربهم. .


    و يحسن أن أذكِّر بأن ما يتصل بمعطيات علم الفلك وخاصة في تحديد ولادة الهلال وإمكانية رؤيته. فقد اعتمدت فيه على عدة مذكرات وأبحاث ورسائل كتبها علماء الفلك ومختصون فيه، أشير إلى أهمها: .


    1- ""مداخلة حول خلاف الفقهاء على تعيين يوم العيد"" بحث مخطوط للدكتور يوسف مروة (عالم فلكي). .


    2- "مشكلة هلال رمضان ما حلها؟" بحث للدكتور نضال قسوم بالاشتراك مع الدكتور كريم مزيان (من علماء الفلك).وفي الوقت الذي انتهيت فيه من إعداد البحث أطلعت على كتاب لهما بالاشتراك مع عالم آخر بعنوان (إثبات الشهور الهلالية ومشكلة التوقيت الإسلامي) /دراسة فلكية وفقهية، وهو يؤكد المعطيات نفسها.


    3-رسائل خاصة من الدكتور حميد النعيمي-مدير معهد علم الفلك والفضاء في جامعة أهل البيت في عمّان.


    4-مذكرة خاصة من المرصد الملكي البريطاني جرين وتش بتاريخ نيسان 1998. .


    5-مذكرة خاصة أعدتها (السيدة أ.ماتردي) بتاريخ أيلول 1998. .


    6- "" نكرشي بر تقويم قمري ورؤيت هلال ماه "" بحث بالفارسية للدكتور تقي عدالتي-أستاذ علم الفلك في جامعة مشهد. .


    ومذكرات أخرى اعتمدت في البحث لم نشر إليها خوف الإطالة. .


    هذا و يجدر أن أتوجه بالشكر إلى الصديقين العزيزين الدكتور وليد الحلي والدكتور ضياء المولوي على جهودهما في إعانتي لتحصيل عدد من هذه المذكرات . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


    محمد السيد طاهر الحسيني
    دمشق 18/شعبان/1420هـ
    26/11/1999م





  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    مقدمة الطبعة الثانية.

    الحمدُ للّه ربِّ العالمين والصلاة على رسول اللّه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. .


    منذ أن صدرت الطبعة الأولى من كتابي (ثبوت الهلال طبقاً لقول الفلكي) وأنا أحاول أن أفهم دور علم الفلك بشكل أعمق في تحديد بدايات الشهور سواءً من خلال مراجعة من أتيحت لي مراجعته من الفلكيين والمهتمين بعمل الفلك، أم من خلال قراءة النصوص الشرعية وتحديد الموقف الشرعي من قول الفلكي. .

    فيما أعلم كنت أول من أفرد بحثاً مستقلاً لمعالجة هذه المسألة، في الوسط الشيعي، فقد صدرت عدة رسائل وأبحاث من علماء أهل السُنّة أسبق تاريخياً. .

    ومهما يكن من أمر، فقد أطلعت بعد صدور كتابي على عدد الكتب، كنت آمل أن أجد فيها البحث الموضوعي ودراسة المسألة من زاوية علمية بعيداً عن الجانب العاطفي أو السياسي أو من زاوية الانتماء لهذا الطرف أو ذاك، ولذلك سجلت عدة ملاحظات يجدها القارئ في فصل مستقل مطلع هذا الكتاب، وهو ما أضفته على الكتاب بطبعته الجديدة. .

    من المؤسف أن يستمع الباحث لمقولات غير ذات قيمة تجاه معطيات علم الفلك في هذه المسألة، من قبيل أن الشريعة الإسلامية نهت عن اعتماد قول المنجمين أو أن علم الفلك علم لا يورث إلا الظن.. .

    بل من المؤسف أن يقرأ الباحث استدلالات في مسألة الهلال عموماً لا تتصل بالذوق السليم بأدنى صلة، ولا تنتسب إلى الذوق العرفي، وهي قد تصدر عن علماء أجلاّء .. فقد كتب أحدهم: ((إن إهلال الهلال له معنى وصيرورة القمر هلالاً لها معنى آخر. وذلك لأن الإهلال بمعنى الظهور والاشتهار، والقمر بمجرد خروجه عن تحت الشعاع ليصير هلالاً بالنسبة للامتدادات الأرضية. وأما الإهلال فلا يكون إلا بعد الرؤية فيختلف بالنسبة إلى بقاع الأرض، فيقال أهلّ الهلال لأفق من الأرض كأسبانيا، ولم يهل لأفق آخر كطهران، وما ورد في الروايات مما هو دخيل في تحقيق الشهر هو الإهلال ... . ))/(راجع: الطهراني، رسالة في رؤية الهلال، ص95).

    وبغض النظر عن مراده في الاستدلال، فإنه يكفي مراجعة كتب اللغة العربية، بل ومراجعة الروايات ليكتشف القارئ أن مثل هذه الاستدلالات ليس سليماً من الناحية اللغوية والذوق العرفي. .

    بل قد يقرأ الباحث استدلالات للمنع من الاعتماد على أقوال الفلكيين وعلم الفلك، لا ترجع إلاّ إلى التخمين والاحتمال. فقد ورد في المصدر المشار إليه مستدلاً بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع): ((إذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتم الهلال، فافطروا، وليس بالرأي ولا بالتظني، ولكن بالرؤية ..)) معلقاً: ((والمراد بالرأي هو ما بنى عليه أصحاب الفلك والمنجمون وإن وصلت نتيجة حسابهم إلى درجة القطع واليقين))/(راجع الطهراني، المرجع السباق، ص101)، مدعياً ((بأن الرأي ورد في بعض الروايات قسيماً للتظني))/(المرجع السباق، ص145)، مع إنه لم يعهد في ألسنة الروايات وتعبير الأئمة (ع) – وقد شاعت في عصر بعضهم مدرسة الرأي – التعبير بالرأي وإرادة العلم أو القطع، ومجرد كون إدعاء أن العطف للتأسيس لا يكفي، بل يمكن أن يكون العطف وارداً مورد التأكيد، للحث على الاعتماد والتعويل على طرق تفيد العلم والاطمئنان، وأين هذا من النهي عن معطيات علم الفلك.

    لا أريد أن أفرض على الآخرين الاقتناع بوجهة النظر التي بصددها كتبت الكتاب، لأن ما بصده هو أن يكون البحث علمياً، وأن يصار إلى الانفتاح على علماء الفلك والتواصل معهم، لفهم الموضوع بعيداً عن المغالطات.


    محمد السيد طاهر الحسيني.
    دمشق: 9 ربيع الثاني/1425هـ
    28 أيار/2004م






  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    مقدمة .. في منهج البحث


    نحو فهم أعمق لدور علم الفلك في إثبات الهلال.

    تعمَّق في السني الأخيرة الاتجاه الذي يتبنى معطيات علم الفلك في إثبات الأهلة وبداية الشهور تبعاً لذلك. وهو اتجاه لمعت فيه عدة أسماء لأعلام فقهية معروفة في الوسط الإسلامي الشيعي، من بينهم المرجع السيد محمد حسين فضل الله، الذي لم يكن الأول ممن دعا إلى الإفادة من هذه المعطيات، وإن كان له الدور الريادي في تعميق هذا الاتجاه والإفصاح عنه، بل وتطبيقه عملياً في حياة المسلمين، وبالأخص فيما يتصل بهلال شهري رمضان وشوال، وهلال شهر ذي الحجة، مما هو موضع ابتلاء المسلمين، وربما كان أول من أشار إلى دور الفلكي هذا، وعده في طرق إثبات الهلال الشهيد السيد محمد باقر الصدر، حيث ذكر في (الفتاوى الواضحة،ص:633) في جملة الطرق: ((الخامس: كل جهد علمي يؤدى إلى اليقين أو الاطمئنان بأن القمر قد خرج من المحاق، وأن الجزء النيّر منه الذي يواجه الأرض (الهلال) موجود في الأفق بصورة يمكن رؤيته، فلا يكفي لإثبات الشهر القمري الشرعي أن يؤكد العلم بوسائله الحديثة خروج القمر من المحاق ما لم يؤكد إلى جانب ذلك إمكان رؤية الهلال..))، وتبعه على ذلك من تلاميذه الشهيد محمد الصدر حيث ذكر في جملة ما يمكن إفادته من المراصد الحديثة - على حد قوله - من الناحية الفقهية: ((أن يثبت أن الهلال كبير بحيث يكون قابلاً للرؤية، الأمر الذي يمكن به إثبات أول الشهر وإن لم يره بالعين المجردة أحد))/(ما وراء الفقه ج2/117)، ولمعت أسماء لأعلام فقهية في الوسط الإسلامي السُنّي، من بينهم الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ أحمد محمد شاكر. .

    وقد ألّف الشيخ بيّوض إبراهيم بن عمر الجزائري رسالة قيمة نشرت بعنوان (ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية وحساب المراصد الفلكية) في الانتصار لهذا الرأي والاتجاه الفقهي. .

    ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ اتجاهاً فقهياً آخر ينفي إمكان التعويل على المعطى العلمي (الفلكي)، وهو الاتجاه السائد عند الفقهاء والمتفقهين، وإن كان هناك من يميّز بين مجالي الإثبات فلا أثر لقول الفلكي فيه – عنده - لإثبات الهلال وبداية الشهر، وبين مجال النفي حيث يكون لقول الفلكي أثر كبير في قيمة دعاوى الرؤية، إذ مع نفي الفلكي لإمكانية الرؤية فإنه يُجرد دعاوى الرؤية من الاعتبار وينفي صدقيتها (انظر الشيخ إسحاق فيّاض:تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى، ج5/187). .

    ويحسن أن نشير إلى أنّ للبحث في شؤون الهلال جانبين، أحدهما بحث فقهي صرف لا شأن لغير الفقيه أو المتفقه في إبداء رأيه فيه، لكونه غير مؤهل علمياً، وذلك لجهة حصر هذا الاختصاص على المشتغلين به، فإن كان أحد من المشتغلين به فله ذلك وإلاّ فهو غريب وأجنبي عنه، ومن هذا الباب ما يجري من البحث في كون الشهر المأخوذ في الأدلة مما ورد في القرآن الكريم أو الروايات هو الشهر الفلكي الذي يتحقق ببداية الدورة المعروفة للقمر بالولادة أو هو الشهر العرفي الذي يتحقق برؤية الهلال وظهوره أو إمكان ظهوره للناس، ومن هذا الباب أيضاً ما يجري من البحث في كون الرؤية المأخوذة في الأدلة وسيلة وطريقاً للعلم ببداية الشهر على حدّ الطرق الأخرى، أو هي مأخذوة على نحو الموضوعية لتكون جزءً في موضوع الحكم الشرعي، فيكون تحديدها بيد الشريعة ذاتها، ومن ذلك أيضاً ما جري عند الفقهاء من أن المعتبر وحدة الأفق في إثبات الهلال، على نحو إذا رؤي الهلال في أفق كما في بلاد المغرب فإنه لا يكفي لوجوب الصوم أو الإفطار في غير هذا الأفق كما في إيران أو أنه لا يعتبر ذلك، بل يكفي رؤية الهلال في أفق ما للحكم بوجوب الصوم أو الإفطار وإن لم يُر في البلاد التي لا تشترك بهذا الأفق الذي رؤي الهلال في البلاد التي تقع على الأفق، وكذلك البحث في أن قول الفلكي غير معتبر لوجود دليل على عدم اعتباره، أو عدم الدليل على ذلك... وعليه فإن مثل هذه الأبحاث فقهية صرفة، وهي من اختصاص الفقيه والمشتغلين بالفقه. .

    وفي السياق ذاته يمكن أن يقال إنّ هناك جانباً وهو الثاني من شؤون الهلال، وهو الجانب الذي يتصل بأحوال القمر، مما يدخل في اختصاص الفلكي وهو اختصاص لا يدخل في اختصاص الفقيه، لأنه ليس للفقيه الافتئات على اختصاص الفلكي، كما لا يحق للفلكي بما هو كذلك الافتئات على اختصاص الفقيه. .

    - 1 -
    ولست الآن – وأنا أقدِّم لمنهج البحث - في مقام البحث في المسائل الفقهية مما وقع الجدل فيه فقهياً مما أشرت إليه فقد أشير إلى بعضها في هذا الكتاب، إنما الذي بصدده الآن في هذه السطور هو تحديد مسار البحث في هذه المسألة منهجياً، وبالتحديد في مدى مصداقية البحث الفلكي ومدى صحة معطيات هذا العلم، وذلك للخروج من هذا المأزق العلمي الذي يقع فيه البعض، من دعاوى ليست من اختصاص الفقيه أو المشتغلين بالفقه ما لم يرجعوا إلى المختصين أنفسهم، وممن يصح الرجوع إليهم..

    فإذا كان من اختصاص الفقيه إدعاء الدليل المانع من اعتبار قول الفلكي في هذه المسألة لكون المسألة بحثاً في الأدلة الشرعية، فإنه ليس من اختصاص الفقيه الإدعاء بأن معطيات علم الفلك متضاربة أو أنها ظنية وأنها لا تورث الاطمئنان إلى درجة يدعي معها فقيه جليل أن حسابات الفلكيين قد تدير إطلاق صاروخ، إلا أنها عاجزة عن إدارة ولادة الهلال (مقابلة مع المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين بثتها قناة المستقبل اللبنانية بتاريخ:10/3/1999). بل ربما يسمع المرء دعاوى لا يجمعها جامع، فقد قرأت لبعضهم وقد تصدّى لرسم منهج البحث في هذه المسألة قوله: ((..نعم لو كان موضوع الأحكام الشرعية هو تولد القمر وخروجه من حالة المحاق، لربما أمكننا الانتهاء من هذه المشكلة والركون إلى علم الفلك بناء على ما قيل من أن حسابات علم الفلك قد صارت في هذا المجال قطعية، رغم أن هذا الأمر غير مسلّم أيضاً))/(الشيخ مالك وهبي: الثبوت الشرعي للهلال ص:128). ويقول: (( .. بل لو افترضنا الدقة العلمية التامة القطعية في تحديد زمن تولد القمر وخروج المحاق .. )) ص 127 في إيحاء منه بعدم التسليم بهذه الحقيقة العلمية، في تدخل سافر لحقل علمي أجنبي عنه، ولكنه مع ذلك يقول أيضاً في موضع آخر : (( .. فلو افترضنا اتفاق الفلكيين على الشرط الأول بمعنى اتفاقهم على تحديد الوقت الذي تتحقق فيه ولادة القمر والخروج من المحاق، وأنّ علم الفلك قد صار دقيقاً دقة تامة في هذا الموضوع، كما لا يستبعد ذلك..))/(ص:129)، فكيف يقول آنفاً أنه لا يسلّم هذه الدقة ويقول أنه لا يستبعد ذلك؟! ثم يتحدث في موضع آخر عن أجهزة المراصد التي بلغت الدقة المطلوبة لتحقيق ما أسماه بالملازمة بين عدم رؤية القمر في المراصد وبين عدم ولادته(ص:146) ثم يقول على غير ما يذكره في هذا الموضع الأخير مما أسماه بعدم الاستبعاد تعليقاً على دور علم الفلك في تحديد الوقت الذي يمكن أن يرى فيه الهلال، فيكتب: ((.. وإن أقصى ما يمكن تحصيله القطع أو الاطمئنان بتولد القمر والخروج من المحاق أو الخروج من تحت الشعاع لا أكثر ..))/(ص 128)، فتارة يدعي عدم التسليم، وأخرى بعدم الاستبعاد بالدقة وثالثة بالقطع أو الاطمئنان. وفي الوقت الذي يسلم فيه بالقطع أو الاطمئنان بقول الفلكيين في خروج القمر من المحاق أو خروجه من تحت الشعاع في هذه الفقرة التي نقلناها فإنه يناقض نفسه في موضع آخر، فيقول:

    ((..وفي البداية لابد من تحديد المراد من الولادة، فقد يراد منها في بعض الكلمات الخروج من المحاق أو الاقتران التام، وقد يكون المراد منها في كلمات أخرى الخروج من تحت الشعاع، فإذا كان المراد بها الثاني، فلا ريب في أن الفلكيين قد يخطئون في حسابهم، لأنّ الخروج من تحت الشعاع إلى الوقت الذي يحتاجه القمر لصيرورته قابلاً للرؤية، وهو ما تقدمت الإشارة إلى الخلاف فيه بين الفلكيين، فلا مجال لتحصيل قطع أو اطمئنان بذلك))/(ص138)، ألا يجدر بالمشتغلين بالفقه وهم يبحثون مسائل ليست من اختصاصهم أن يرجعوا إلى المختصين في هذه المسائل؟!! هذا في الوقت الذي يدّعي فيه أن المقصود من المنجّم هو الفلكي سواء مما ورد في الأدلة كما في الروايات أو في ألسنة الفقهاء مع أن هناك فرقاً كبيراً بين المنجّم مما عرف في العصور المتقدمة وبين الفلكي. ومن لم يدرك الفرق المذكور فهو يعيش في عالم آخر. .

    - 2 -
    وقد يبلغ التبسيط عند بعض المشتغلين بالفقه إلى درجة كبيرة، فتقرأ عند بعضهم وهو يحدِّد (المرصد)، فيكتب تحت عنوان: (ما هو المرصد؟!):
    ((..بداية لابد من الإشارة إلى أمر رئيسي في الموضع، وهو أنّ حقيقة المراصد – التي يعتمد عليها الفلك وهي بمثابة عموده الفقري – ما هي إلاّ عبارة عن أدوات رصد آنية ""منظار""، ""تليسكوب"" ، الخ ترصد حركة هذا الكوكب أو ذاك، في نفس اللحظة من حيث السرعة والبطء والاستقامة والحجم وما إلى ذلك، ثم يستنتجون من ذلك أنه إذا سار بسرعة معينة وبنفس الاتجاه فسوف يصل إلى النقطة الفلانية بالوقت الفلاني، وسف يحصل مثلاً الكسوف أو الخسوف الخ .. وهذا يعطي أنها صناعة حسابية تقوم على قوانين عادية تعتمد على تقدير المسافات وقياسها والتقديرات الزمنية وغيرها فيما يخص كل كوكب من طريق حركته، بحيث يعرف فيها مواقع الكواكب في أفلاكها وإلى أين تسير حسابياً، بناءً على نظريات وتجارب وضعية لأشخاص يصيبون هنا ويخطئون هناك ..))/(راجع زهر، كمال، الهلال دراسة موضوعية في ثبوت الهلال، 7/8). .
    صاحب هذه الدراسة الموضوعية كما أسماها لم ينس أن يضع علامة استفهام، وأخرى للتعجب في العنوان الذي يبحثه (ما هو المرصد؟!) في إشارة منه إلى طبيعة هذه الآلة، وكونها لا تثمر شيئاً يُطمأن إليه، فضلاً عما ذكره من كونها أدوات رصد أسماها آنية، وحسابات، وقوانين عادية، وتجـــارب، ووضعية أيضاً .. .

    إن أخشى ما أخشاه أن يطلع على هذه الفقرات عالم فلكي، فيكتشف مقدار الجهل عند بعض المشتغلين بالفقه، وهم يحطبون في ليل كما يقال في المثل . .

    ولا أعرف كيف بلغت الجرأة عند البعض إلى هذا الحد، وهو يسمع عن تحديدات للخسوف والكسوف قبل عشرات السنين وبالدقائق والثواني ..

    ولكن هذا الباحث الموضوعي لم ينس تذكيرنا بعدة حقائق كما أسماها، فيقول: ((ومن البديهي لكل عاقل أن لا يزيل اليقين بالظن، فالرؤية هي الطريق الصحيحة للوصول إلى اليقين، بل في كل يوم نجد أخطاءً ونظريات وضعية تتغير وتتبدل، وهو الأمر الذي سوف يستمر هكذا، وربما لن يستطيع علماء الفلك أنفسهم يوماً ما أن يقولوا إن نظرياتهم تفيد اليقين القطعي على الإطلاق، بل نبقى نسمع عن مركبات فضائية اختفت هنا وهناك، وعن تناثر للنجوم خالف توقعات الفلكيين كما حصل في عام 1988 مع أنها ظاهرة فلكية ثابتة تتكرر باستمرار كل ثلاثين سنة، فإذا كانوا لا يخطئون، فلماذا كل هذه التناقضات عندهم يا ترى؟ وإذا كانوا عاجزين عن رصد الأحوال الجوية بشكل دقيق، فهل يستطيعون ما هو أعظم بكثير؟))/(راجع زهر: ص 28). .

    ثم يفيد الباحث المشار إليه، فيكتب: (( .. فإنّ هذا العلم مهما تقدّم وتكامل، فلن يكون بديلاً عن الوسائل الإلهية التي أراد اللّه لعباده أن يصلوا من خلالها إلى أداء تكاليفهم الشرعية ..))/(راجع زهر: ص 28). .

    ولم يكتف الباحث الموضوعي المشار إليه في الافتئات على اختصاص غيره، في وقت لا يميز فيه بين موضوعات هذا الحقل من حيث الرصد والنتائج وطبيعتها، بل تجاوزها إلى الإنشائية المفرطة في بحثه نفسه وهو المشتغل بالفقه، حيث يدعي وجود ما أسماه بالوسائل الإلهية التي أراد اللّه لعباده أن يصلوا من خلالها إلى أداء تكاليفهم الشرعية، في وقت يعتبر فيه الفقهاء ومشهورهم أن الرؤية ليست إلا وسيلة لتحديد بداية الشهر ورأسه، وليس هناك وسائل خاصة به اخترعها لهذا الغرض.. .

    - 3 -
    وقد يدفع تجاهل معطيات علم الفلك وواقعه وما عليه من تطور ودقة بعض المشتغلين بالفقه إلى استنتاجات شديدة الغرابة، فقد كتب – مثلاً – الشيخ مالك وهبي، وهو بصدد معالجة ما يقع من تناقض بين ما يصدر عن الفلكيين من القول بعدم ولادة الهلال أو عدم مرور الزمن الكافي لتشكل الضوء لإمكانية رؤية الجزء النيِّر من القمر، وبين الدعاوى التي يدعيها البعض لرؤية الهلال، وقد تكون كثيرة، ما نصه: ((والإنصاف العلمي يقتضي الاعتراف بأنه إذا شاعت الرؤية شياعاً أوجب العلم أو الاطمئنان بالرؤية، فلا محيص لنا عن تخطئة علم الفلك والمراصد أو على الأقل عن تقوية احتمال الخطأ، بل الإنصاف يقتضي احترام القائل الذي أخذ بالبيّنات، ولم يجمد عند الحسابات. وتلك مشكلة علم الفلك والفلكيين أن كيف شاعت الرؤية وحصل العلم بها، وليست مشكلة المتشرعة أن يقال لهم: كيف تدّعون الرؤية والعلم ينفي، لأنه مع تحقق الرؤية وجب العمل بها، وعلى العلم أن يحث عن مشكلته، وسيجدها في احتمال الخطأ الذي يعطيه البعض بنسبة الواحد بالمليون ..))/(راجع الشيخ وهبي، المرجع السابق، ص 142). .

    ولا أدري كيف يدرج وهبي استنتاجه هذا في خانة الإنصاف العلمي، بحيث يكون الخطأ في المراصد، وهي المجهزة بقدرات هائلة للكشف والرصد اكبر من الخطأ في الرصد بالعين المجردة عن أي تسليح كما يقولون؟! أظن أن الشيخ وهبي يغرِّد – بهذا القول – خارج السرب الفقهي – إن صح التعبير – حتى، لأن الأعلام من الفقهاء صرَّحوا بعدم اعتبار البيّنات وإن كثرت وشاعت إن كان العلم ينفي اعتبارها كما سيمر على القارئ، بل زاد الشهيد محمد باقر الصدر على ذلك، إن التنبؤ العلمي والحساب الفلكي كافٍ لدحض هذه الدعاوى، فكتب: ((بل يدخل في الحساب – أيضاً – التنبؤ العلمي المسبق بوقت خروج القمر من المحاق، فإنه إذا حدَّد وقتاً وادعى الشهود الرؤية قبل ذلك الوقت، كان التحديد العلمي المسبق عاملاً سلبياً يضعف من تلك الشهادات..))/(راجع الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، ص 630، ط دار التعارف/1992 بيروت).

    وعوداً على بدء، كيف جاز للشيخ وهبي أن يجعل دعاوى الرؤية عاملاً مضعفاً لدعاوى العلم، مع أن احتمال الخطأ أكبر في دعاوى الرؤية بطبيعة الحال؟! ولذلك لا يصح ما يقوله الشيخ وهبي بصدد أن المشكلة في التناقض بين دعاوى الرؤية التي يدعيها البعض – وإن شاعت – وبين معطيات علم الفلك وأقوال الفلكيين، هي مشكلة الفلكيين وليس مشكلة المتشرعة، لأن فهماً من هذا القبيل فهم عليل لا يستند إلى ما أسماه الإنصاف العلمي، لأن الإنصاف يقتضي الطعن بهذه الدعاوى التي طالما أربكت المسلمين وظهر خطؤها مراراً، فضلاً عن الاستعجال في الاستناد إليها، كما حصل في العام 1419 هج حيث ادعى الكثيرون في إيران والعراق ولبنان والبحرين، ثم تمّ التراجع عن ذلك، بل لم يظهر الهلال في الليلة التالية، ولم يُرَ إلا بشق الأنفس، مع أنه مرّ على ولادته الوقت الطويل جداً. .

    ونظير ما تقدّم عن الشيخ وهبي، يعثر القارئ على مفارقة أخرى، فيكتب: ((.. هذا كله لو وثقنا بالمراصد نفسها، وإلاّ فإنه، كما قد ينطلق البعض من ثقته بالمراصد لينفي قيمة رؤية تدّعى، قد ينطلق آخرون من البينات على الرؤية أو الشياع عليها إلى التشكيك بالمراصد نفسها، إذا كانت مخالفة للشهادات، ولا شك كلما كثر الشهود، كلما ضعف الوثوق بالمراصد))/(راجع: وهبي، المرجع سابق، ص 146). .

    ولا أدري كيف يقطع الشيخ وهبي بنفي الشك عن مقولته بأن كثرة الشهود بدعوى رؤية الهلال بالعين المجردة تضعف الوثوق بالمراصد؟!! لا أعرف أين قرأ الشيخ عن المراصد؟! وكيف أنها تخطئ برصد الهلال ويضيع عنها ويراه هؤلاء الشهود؟! فيا للهول، أية مراصد هذه؟! وقد كانت مراصد (مراغة) وغيرها قبل أكثر من سبعة قرون لا تخطئ الهلال، فكيف مراصد اليوم ومنها الأرضي والفضائي، وهي ترقب القمر وغيره لحظة بلحظة؟!

    - 4 -
    هذا الافتئات قاد البعض إلى فهم مغلوط لمقولات ونظريات الفلكيين فاعتبر (نظرية دوجت/شيفر) تصبُّ لصالح الرؤية البصرية على حساب معطيات علم الفلك، في الوقت الذي كشفت جهود(دوجت/شيفر) عن الأخطاء الكبيرة في دعاوى الرؤية البصرية والتي لا تقل نسبتها عن 15%، ولذلك كتب هذا البعض: ((وقد حاول البعض أن يستفتي العالم الدكتور حميد النعيمي مدير معهد علم الفلك في جامعة أهل البيت في عمان فجاءت أجوبته على عكس ما أرادها السائل))/(كمال زهر: الهلال دراسة موضوعية في ثبوته بالرؤية ص:45)، ويقصد بهذا البعض الذي توجه بالسؤال إلى الدكتور النعيمي كاتب السطور، وقد نشرت جوابه في كتابي هذا (ثبوت الهلال)، ويكشف هذا الاستنتاج عن فهم مغلوط لهذه المعطيات على أقل تقدير، ولا أدري كيف استنتج هذا الكاتب أن ما نقلته عن الأستاذ النعيمي جاء على خلاف ما أدرت كما يدعي، وقد ورد في جواب النعيمي أن الخطأ في الرؤية لا في الحسابات الفلكية، فقد ذكر في جوابه:
    (( .. ولكن هذا لا يعني أن الحسابات الفلكية بالنسبة لولادة الهلال غير دقيقة، وإنما الإعلان عن الرؤية عند عدم وجود الهلال حسابياً غير دقيق))، وهذا ما نقله الكاتب المذكور في كتابه حرفياً عن كتابي، فيكف استنتج خلافه؟!. وهو فهم مغلوط وجدته في ما نشر عن إدارة التبليغ التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان (هلال أول شهر شوال دراسة علمية فقهية، ص:3). وقد كتب لي الدكتور يوسف مروة (عالم فلكي) في جواب له على سؤالي بهذا الخصوص: ((…ونستنتج من كل هذا التفصيل أن عملية الاستهلال التجريبي – يقصد ما أنجزه دوجت/شيفر - قد صممت وأجريت لتصحيح عملية الاستهلال التقليدية لتنسجم وتتوافق مع حسابات الفلكيين وليست ضدهم، أو لصالح الرؤية البصرية على حساب قواعد وأصول علم الفلك)). .

    بل وصل التعاطي مع مقولات علم الفلك بطريقة مغلوطة إلى الافتئات على مقولات الفقه، إذ نقل مؤلف كتاب (الثبوت الشرعي للهلال بين الرؤية والفلك) عن كتابي (ثبوت الهلال طبقاً لقول الفلكي)، جواباً للدكتور النعيمي (عالم فلكي) على سؤال لي، حيث قال في الجواب: ((.. فبالنسبة لشهر شوال فإنه ولد في الساعة 47،15 دقيقة ليوم الأحد الموافق17/1/1999، لذلك غرب الهلال قبل الشمس بقليل في بعض الدول، ومع الشمس في دول أخرى، وبعد الشمس بقليل في دول ثالثة، ولذا فإن رؤيته ليوم الأحد كانت مستحيلة، إلا أن الهلال كان موجوداً عند غروب الشمس..))،.

    فكتب مؤلف كتاب (الثبوت الشرعي..): ((وهذه العبارة من النعيمي صريحة بأن الهلال كان موجوداً عند الغروب، وأما استحالة الرؤية عنده فلأنه يشترط عمراً محدداً في إمكانية الرؤية، وهذا اجتهاد منه في ذلك، حيث صرّح في رسالته تلك التي نقلها الحسيني، بأن شرط الرؤية أن يكون قد مضى على الولادة 12 ساعة، فنأخذ منه شهادته بأنه كان موجوداً، ولا نأخذ منه رأيه الحدسي الظني بشرط الاثنتي عشر ساعة، لما مرّ سابقاً من أن بعضهم اكتفى بعمر السبع ساعات، وهذا لا يعني أنه لا يرى قبل ذلك، بل كل ذلك مرهون بالتجربة، فإذا شهدت البيّنات على الرؤية أخذنا بها، ما دام يحتمل وجوده عند الغروب، بل صرّح النعيمي بأنه كان موجوداً))/(ص:144). .

    وبغض النظر عن مخالفة هذا الاستنتاج لما عليه الفقهاء من إلغاء قيمة الشهادات المتعلقة بالرؤية البصرية والدعاوى والبيّنات المتصلة بها في حالة تأكيد علم الفلك عدم امكان الرؤية، وذلك لما يخلقه هذا النفي من شك بهذه الرؤية وكونها وهماً أو خطأ، وإن كثرت هذه الدعاوى والبيّنات كما صرّح بذلك عدد من محققي الفقهاء مثل الشهيد محمد باقر الصدر والشيخ إسحاق فيّاض والسيد السيستاني (راجع ثبوت الهلال للحسيني ص:25،29،30 )، فبغض النظر عن هذه المفارقة يمكن أن يستنتج الباحث من هذه الفقرة إن كاتبها يكتفي بوجود الهلال في الأفق للحكم بالصوم أو الإفطار (ص:139)، ثم أنه كيف يكتفي بمرور سبع ساعات على ولادة الهلال، وليس ثمة ما يؤكد حصول الاطمئنان برؤية الهلال، إذ أن الجهود العلمية الفلكية لم تثبت حصول هذا الاطمئنان إلا بعد مرور ما يزيد على العشر ساعات والتي تتراوح بين 13 ساعة و14 أو 15، بل يمكن أن أزيده بأن هذه الدعاوى بالرؤية التي شاعت كما حصل في إيران والبحرين ولبنان كلها دعاوى إدعت رؤية الهلال قبل خروجه من المحاق بمدة، لأنّ ولادته كانت في الساعة 15.47 بتوقيت غرينش، فيزيد عليها الفرق بالتوقيت المحلي لهذه البلدان حيث يحصل الغروب قبل ولادة الهلال بمدة طويلة، ثم أنه كيف يقبل من النعيمي قوله بوجود الهلال ولا يقبل ما أسماه برأيه الحدسي والاجتهادي، ألم يشكك فيما نقلنا عنه في ولادة الهلال! هذا مع أن رأي النعيمي في توقف إمكانية الرؤية على مرور ما يزيد على 12 ساعة أو أكثر ليس من الحدس، بل هو نتيجة عمل تجريبي وأرصاد فلكي أرضي وفضائي. وأشير إلى أن ما ورد في شأن دعاوى الرؤية للعام 1419هج يكفي للرد على قيمة هذه البيّنات التي يستند إليها الشيخ لأن معظمها كان قبل ولادة الهلال فليراجع. .

    ثم قوله: (( ..ولا نأخذ منه رأيه الحدسي الظني بشرط الاثني عشر ساعة، لما مرّ سابقاً من أن بعضهم اكتفى بعمر السبع ساعات، وهذا لا يعني أنه لا يُرى قبل ذلك، بل كان ذلك مرهون بالتجربة، فإذا شهدت البينات على الرؤية أخذنا بها ما دام يحتمل وجوده عند الغروب ..))، لا يخلو من غرابة، لأنَّ فهم الشيخ وهبي لمعطيات علم الفلك بهذه الطريقة وخلطه الأمور يوحي بأنه يتشبث بأي معطى لغرض الإيحاء بعدم دقة هذه المعطيات، وذلك لأنّ هذه المعطيات قد تطورت تطوراً كبيراً بحيث أنجزت إنجازات هائلة، ولذلك لا يصح التشبث بآراء قديمة لم تثبتها التجربة أو أثبتت خطأها. .

    ولذلك لا يمكن وضع معطيات علم الفلك ونتائجه في ما يتصل بالهلال في سلة واحدة، فإن نفي رؤية الهلال قبل ولادته من وجهة نظر الفلكيين مستحيلة مطلقاً، في حين أن نفيه الرؤية بالعين المجردة وبأحسن الشروط بأقل من مرور (15 ساعة و 24 ساعة)، وإن لم يكن مطلقاً وقاطعاً، ولكن علم الفلك ينفي تحطيم هذا الرقم بشكل قياسي بفارق ساعتين أو أكثر، فمنذ العام 1871م لم يحدث ذلك على كثرة التجارب. (راجع: إثبات الشهور الهلالية لمجموعة من المؤلفين، ص 118 وما بعد، ط 2، دار الطليعة – بيروت/1997). .

    - 5 -
    ويُلاحظ عموماً على عددٍ من كتابات المشتغلين بالفقه أنهم يتعاطون مع مقولات فلكية لا يحسنون فهمها أو الإحاطة بها وتفاصيلها. فقد ذكر (الشيخ مالك وهبي: الثبوت الشرعي.. ص:139، وكمال زهر: الهلال.. ص:21)، ما أسمياه ب(إجهاض الولادة) دونما معرفة بتفاصيل هذه المقولة لو صحت، إذ ذكر الدكتور يوسف مروة أن هذه الفرضية غير علمية، وليس لها تأثير على حسابات وإرصاد الفلكيين في تحديد ولادة الهلال أو حسابات إمكانية الرؤية بل لو صحت هذه الفرضية، ويريدون بذلك أن الهلال يخرج ثم يرجع إلى المحاق، فهي لا تؤثر على حاسبات الفلكيين وعلى معطيات علم الفلك. وقد كتب لي بهذا الصدد الدكتور يوسف مروة: ((إن فرضية "" إجهاض الولادة ""، كما ذكرتم، بسبب بعض الفجوات أو الجيوب الأرضية أو الجغرافية للأرض، ولا أعتقد أن لها علاقة أو تأثير على حسابات وإرصاد الفلكيين في تحديد ولادة الهلال أو حسابات إمكانية الرؤية. وأعتقد أنّ استخدام عبارة "" إجهاض الرؤية "" قد يكون نتيجة الالتباس بين ولادة الهلال ومرويات الرؤية في النهار قبل زوال الشمس. وقد ورد في كتب الفقه الإسلامي الشيعي مثل (الوسائل) ج 7، ص 201-202، (ومن لا يحضره الفقيه)، ج2، ص 76-110 مجموعة من المرويات بصيغة السؤال والاستفسار حول إمكانية واحتمال رؤية الهلال قبل الزوال أو بعده. وبالرغم من أن مثل هذه الرؤية العينية قبل أو بعد الزوال، أي ميل الشمس عن خط الهاجرة نحو الغرب، صعبة جداً، وقد تكون شبه مستحيلة، نظراً لأنّ نور الشمس أثناء النهار يجعل خيط النور الدقيق من الهلال غير قابل للرؤية. ومع ذلك فإن هناك ضوابط وقواعد علمية لتحديد ماهية ما يمكن رؤيته، وأهم هذه الضوابط، ما يلي: .

    إذا شوهد الهلال قبل الزوال، أي بعد شروق الشمس وقبل حلول الظهر، في موقع بين الشمس وخط الهاجرة، أي الخط الوهمي الواصل بين الشمال والجنوب فوق موقع الراصد، فيمكن للراصد ملاحظة حالتين متمايزتين:

    إذا كان تحدبه باتجاه الشمس، أي نحو المشرق، فهو لم يدخل المحاق بعد، ويكون اليوم من الشهر السابق، ويستحيل في هذه الحالة – بناءً على الموقع والشكل والوقت – أن يكون هلالاً للشهر الجديد، ولعل هذا ما أسماه البعض حالة إجهاض الولادة..

    إذا ادعى شاهد أنه شاهد الهلال في هذا الموقع وذكر تحدبه كان بخلاف اتجاه الشمس، أي نحو الغرب، فإن مثل هذا الادعاء هو خطأ لا محالة، لأن هذه الحالة – الموقع والشكل والوقت – مستحيلة وغير ممكنة. .

    إذا شوهد الهلال قبل الزوال، أي بعد شروق الشمس وقبل حلول وقت الظهر، في موقع بين خط الأفق الشرقي وموقع الشمس، أي في نصف القبة السماوية الشرقي، فيمكن أيضاً ملاحظة حالتين: .

    إذا كان تحدبه باتجاه الشرق، فهو لم يدخل المحاق بعد، ويكون اليوم من الشهر السابق، ويستحيل في هذه الحالة – من الموقع والشكل والوقت – أن يكون هلالاً للشهر الجديد. .

    إذا ادعى شهد مشاهدة الهلال في هذا الموقع، وذكر أن تحدبه كان بخلاف اتجه الشمس أي نحو الغرب، فيكون الادعاء باطلاً لا محالة، لأن هذه الحالة مستحيلة وغير ممكنة، بناء على الموقع والشكل والوقت. .

    إذا شوهد الهلال بعد الزوال، أي بعد حلول الظهر، في موقع بين خط الهاجرة وموقع الشمس، فيمكن أيضاً ملاحظة حالتين:.

    إذا كان تحدبه باتجاه الشرق، فهو لم يدخل المحاق بعد، ويكون اليوم من الشهر السابق، ويستحيل هذه الحالة، بناءً على الموقع والشكل والوقت، أن يكون هلالاً للشهر الجديد. .إذا كان تحدبه باتجاه الغرب، فيكون قد دخل المحاق، وخرج منه، ويكون اليوم التالي من الشهر الجديد، وفي هذه الحالة لابد من رؤيته بعد مغيب الشمس إذا كان بالفعل قد خرج من المحاق. .
    إذا شوهد الهلال بعد الزوال، أي بعد الظهر، في موقع بين الشمس وخط الأفق الغربي، فيمكن ملاحظة حالتين:

    إذا كان تحدبه باتجاه الشق، فهو لم يدخل المحاق بعد، ويكون اليوم من الشهر السابق، ويستحيل في هذه الحالة – بناءً على الموقع والشكل والوقت – أن يكون هلالاً للشهر الجديد. .
    إذا كان تحدبه باتجاه الغرب، يكون قد دخل المحاق وخرج منه، ويكون اليوم التالي من الشهر الجديد، وفي هذه الحالـــة لابد من رؤيته بعد مغيب الشمس)). .

    بل إن الأكثر طرافة هو ما يعمد إليه بعض الكتّاب وهم يلتقطون بعض الفقرات من كتب الفلكيين، فكتب كمال زهر نقلاً عن كتاب (إثبات الشهور الهلالية) عن مؤلفيه : ((أن التنبؤ بإمكانية رؤية الهلال شيء غير سهل أو لم يصل على الأقل إلى درجة الدقة والثقة العلمية التامة))/(راجع: زهر، مرجع سابق، ص 27)، وهو نقل صحيح، ولكنه مبتسر ومجتزأ من بحث كامل، ولم ينقل كمال زهر عن المصدر المذكور أن رفض مشاهدة خاطئة ليس صعباً على الإطلاق من الناحية الفلكية، ولم ينقل أيضاً أن التغيرات التي يمكن أن تدخل على معطيات علم الفلك لا تقبل التغيّر بشكل ملحوظ وبمستوى يصل إلى الساعات. .

    وأكثر طرافة من كل ما تقدم أن بعضهم يعمد إلى الاحتجاج بأصل المشكل، حيث أن بعض المهتمين بالهلال ومتابعته فلكياً من خلال مراجعة أقوال الفلكيين مثل (المهندس محمد علي الصائغ) نقل رأي الفلك ونقل في الآن نفسه الحالات التي تم فيها إثبات الهلال شرعاً في وقت كان فيه الهلال في المحاق، أو لم يمر عليه الوقت الكـافي لاكتساب القمر الضوء، فجعـــل الشيخ وهبي – مثلاً – ذلك دليلاً على خطأ الفلكيين، مع أن المشكلة في هذا التسرع عند بعض الفقهاء وعدم اعتنائهم بأقوال الفلكيين، فيحصل لهم اليقين في دخول الشهر، ومع أن البحث في أصل حصول هذا اليقين. وقد حصل ذلك مراراً.

    ويكفي أن أشير إلى ما حصل في العام 1419 هج إذ حكم في طهران برؤية الهلال بناء على دعاوى رؤية الهلال في وقت كان فيه مرصد طهران ينفي ذلك لعدم ولادة الهلال أصلاً. .

    فقد كتب الشيخ وهبي في هذا المجال نقلاً عن الصائغ قوله:

    ((ثبت الهلال شرعاً في مرات عدّة، ولم يكن قد تحقق فيه الحد الأدنى من شروط الرؤية، ما عدا حدوث الاقتران قبل غروب الشمس، وكان للهلال مكث آنا ما، وعليه يمكن أن يثبت الهلال شرعاً، حتى لو لم يخلق فيه النور الكافي للرؤية حسابياً، أو كان ارتفاعه دون الخمس درجات، وهذه الحالة تحدث عندما يكون عدد الراصدين كثيراً)). ثم يعقب الشيخ وهبي: ((والجملة الأخيرة أعني قوله "" يمكن أن يثبت الهلال شرعاً حتى لو لم يخلق فيه النور الكافي .. "" تدل على إمكانية حصول الرؤية قبل مرور السبع ساعات أيضاً، التي تقدم ذكرها في عمر القمر، لأن تولد النور الكافي حسابياً كناية عن بعد القمر عن الشمس، والخروج من تحت الشعاع، فلاحظ هذه الجملة المهمة الكلامية))/(راجع وهبي:، ص135). .

    وإن لوحظت هذه الجملة التي وصفها بالمهمة، فهي لا تدل على أكثر من أن هناك خطأ طالما وقع فيه المستهلون ، والحال أن القمر لم يكتسب فيه الضوء الكافي كما يقول الصائغ نفسه، فكيف تمت رؤية الهلال؟! وقد ذكرت قبل أسطر أن ذلك وقع في العام 1419 هج، ولم يكن قد ولد الهلال بعد، حيث شاعت الرؤية، فكيف رآه وهو في فترة المحاق؟! .

    بل يزيد بعضهم على ما ذكرت، فقد جعل ما ذكره الفلكيون من شروط للرؤية من قبيل الشروط الدخيلة في الرائي نفسه:

    من العمر وحدة البصر والخبرة في الاستهلال، والشروط البيئية مثل: خلو الجو من الغبار والضباب أو المكان وغير ذلك، مورداً للإشكال على معطيات علم الفلك، في وقت تعتبر فيه هذه الشروط مورداً للإشكال في دعاوى الرؤية وعدم دقتها. (راجع زهر: مرجع سابق ص16 وما بعد). .

    وربما يكون الأكثر غرابة أن يكتب فقيه معاصر، وهو بصدد إثبات إدعائه بكفاية رؤية الهلال بالأجهزة المكبرة: ((نعم إحراز وجود الهلال بالحساب والصناعة العلمية من دون إمكان رؤيته حتى بالعين المجردة لا يكفي في دخول الشهر، لاشتراط بلوغه مرتبة بحيث يمكن أن يُرى هلالاً ولو بالأجهزة العلمية، وبلوغ هذه المرتبة لا يمكن إحرازه عادة بالحساب))/(راجع: السيد الهاشمي، محمود، ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مقال منشور في مجلة "" فقه أهل البيت ""، العدد 31، ص 64). .

    ولا أدري ما الذي يريده الفقيه المعاصر بالحساب الذي لا يُحرز به بلوغ القمر مرتبة لا يُرى معها بعد خروجه المحاق، لأن الحساب الذي نعرفه هو عبارة عن دراسات ميدانية واستقرائية على مدى قرون طويلة قام بها علماء الفلك. والنسبة للمدة التي قررها علماء الفلك لإمكانية رؤية الهلال، وهي تزيد على 15 ساعة، جاءت نتيجة رصد ودراسة واختبار على مدى قرنين تقريباً لدعاوى الرؤية وإمكانية إثباتها، فكيف لا يُحرز بها الرؤية كما يدعي الفقيه المعاصر؟! .

    ويمكن أن أشير إلى أنّ علماء الفلك أفادوا أن رؤية الهلال بالأجهزة المكبرة، إنما يكون بعد بلوغ القمر مرتبة يكتسب بها الضوء، وهي عبارة عن 13 ساعة، ويمكن أن تتحسن مع تحسين الأجهزة. (راجع: إثبات الشهور الهلالية، مجموعة مؤلفين، مرجع سابق، ص 103، وراجع ص80). .

    وعندئذٍ تكون المرتبة التي يشير إليها الفقيه متفاوتة بين ما يقرره علم الفلك وفقاً للرؤية بالأجهزة المكبرة وهي 13 ساعة، والرؤية وفقاً لنتائج حملات الرصد على مدى قرنين، وهي لا تزيد عن 15 ساعة. ولو كان رأيه بكفاية الرؤية بالأجهزة العلمية شاملاً للمراصد، فإن الرؤية ممكنة قبل هذه المدة، لأن المراصد قادرة عل رصد القمر في كل لحظة، خاصة وإن المراصد منها ما هو الأرضي والفضائي. .

    وأذّكِّر إن للسيد علي الخامنئي فتوى حديثة نشرت في مجلة (فقه أهل البيت)، (العدد 31، ص91)، حيث ورد فيها ما نصه: ((لا فرق بين رؤية الهلال بالآلة ورؤيته بالطرق المتعارفة، فرؤيته بالآلة معتبرة أيضاً. والمدار في اعتبار الرؤية صدق عنوان الرؤية، فإن للرؤية بالعين المجردة وبالنظّارة وبالمرصد الفلكي حكماً واحداً)).

    وبذلك تكون هذه المرتبة التي لابد أن يصل إليها القمر ليرى معها متفاوتة بين طريقة وأخرى، بالعين المجردة، أو بالمنظار، أو بالمرصد الفلكي. .

    هذا،ـ وقد حاولت استفتاء السيد الخامنئي عبر مكتبه بدمشق، لمعرفة ما إذا كان يلزم فتواه الاكتفاء بولادة الهلال لقدرة المراصد على رؤية الهلال دائماً ولحظة بلحظة. ولكن لم يتم إيصال سؤالي لسماحته، وقد أجاب المكتب بالنيابة عنه بما لا فائدة كبيرة فيه. (راجع الملاحق). .

    * *





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    ثبوت الهلال في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة

    أولاً:في الكتاب الكريم.

    ما ورد في الكتاب الكريم- مما يتصل بالهلال فقهياً- آيتان من}سورة البقرة، أولاهما: قوله تعالى:شهر رمضان الذي أنزل فيهالقرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان علىسفر فعِدَّة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العِدَّةولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون/[الآية -185]، وثانيهما: قوله{}تعالى : يسألونك عن الأهلَّة قل هي مواقيتُ للناس والحجّوليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتقى وأتوا البيوت منأبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون/[الآية-189]. .{







    فقه الاية الاولى :

    وقد يستدل- كما عن الشيخ البحراني(1) - بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر..) على ثبوت الهلال بالرؤية. .

    وربما بتقريب أنّ الشهود- في الآية الكريمة- بمعنى الرؤية،فتكون الآية بصدد بيان طريق إحراز الشهر - شهر رمضان- بالرؤية، إلا أن يدل دليل منالشارع على طريق آخر يقوم مقامها. .

    وقد قيل في معنى "شهد"-كما فيفقه القرآن للراوندي(2)-: ""إن شهد بمعنى شاهد، فيكونقوله تعالى "فمن شهد منكم الشهر" أي من شاهد منكم الشهر مقيماً فليصمه، وقيل: إن "شهد" بمعنى حضر، فيكون المعنى من شهد الشهر من حضره ولم يغب، لأنه يقال شاهد بمعنىحاضر""..

    وقد رجح بعض المفسرين(3) أن يكون معنى "شهد" حضر، فتكون الآيةأجنبية عن المقام، إذ هي ليست بصدد بيان طريق إحراز الشهر، بل هي بصدد تقييد وجوبالصوم بالإقامة وعدم السفر. .


    وللسيد الطباطبائي(4) رأي آخر في تفسير قوله تعالى.(شهد) ومعنى (شهد) عنده أي: من علم بتحقق الشهر، فيكون شهد بمعنى الشهادة وهي الحضور،والذي يحصل للشاهد بسببه حضور العلم به. .

    وعلى هذا لا يكون المعنى من شهود الشهر رؤية هلاله، ولا يكونالحضور بمعنى الإقامة في مقابل السفر، وذلك لعدم القرينة على ذلك من الآية الكريمة،وان كان مما يتوصل إليه بالقرائن، فيكون من اللوازم.

    وعليه فتكون الآية بصددبيان أنَّ إحراز الشهر - موضوع وجوب الصوم - يحصل بالعلم الأعم من الرؤية، وان كانتالرؤية مما يحرز به الشهر بلا ريب. .

    فقه الاية الثانية :.

    وقد يستدل(5) بقوله تعالى ))يسألونك عنالأهلّة قل هي مواقيت للناس والحج..(( على اشتراط الرؤية بالطريق العاديالمتعارف عليه عند الناس مما يناله المستهلون. .

    ولكنَّ الاستدلال المذكور يتوقف على تحديد ما إذا كان السؤالفي الآية الكريمة عن الهلال وأحواله أو أنه عن الشهور. .

    وقد رجّح بعض المفسرين(6) أن يكون الهلال في الآية بمعنىالشهر، فالأهلة هي الشهور الاثنا عشر، ولذا جاء الجواب مطابقاً للسؤال. .

    وذكرالسيد الطباطبائي أن الآية بصدد أنّ فائدة الأهلة وهو ظهور القمر هلالاً بعد هلالهو تحقق الشهور القمرية، وبذلك تكون الشهور ما تعلّق به الغرض، والأهلة أشكال وصوروليست أزمنة، وعليه فان الآية بصدد بيان أن متعلقات الأحكام الشرعية هي الحج فيالأشهر التي شرّع الحج فيها، والصيام في الشهر الذي شرّع فيه، فيكون المعنى: أن هذهالشهور أوقات مضروبة لأعمال شرّعت فيها ولا يجوز التعدي عنها إلى غيرها(7).

    وعليه فالآية غير متعرضة إلى طرق إحراز الشهر، و إنما هي بصددبيان فائدة تعدد الشهور على التفسير الثاني، بل هي كذلك- غير متعرضة لطرق إحرازالشهر - على تفسير الأهلة بأحوال القمر، وذلك لأن الجواب لم يأت على السؤال مطابقة،بل عدل إلى بيان الفائدة أيضاً. .

    وان قيل: إن لازم ذلك هو أن يكون الإحراز بطريق عرفي عادي،فيقال: انه موضع تسالم ولا يضر بالمطلوب كما سيأتي بيانه في الأبحاث الآتية. .

    بل انّا وان فسرنا "شهد" في الآية الأولى بمعنى "المشاهدة" أيمشاهدة الهلال، فانه ليس لمشاهدة الهلال دخل في الوجوب، ولذا يجب الصوم على كل منعلم بدخول شهر رمضان أو قامت عنده حجّة(8)، فالآية ليست مانعة من تعميم الوجوب بغيرالمشاهدة أي الرؤية كما سيأتي في الأبحاث الآتية. .


    ثانياً:في الروايات .


    أما في الأخبارفالإمارات التي يتم بهاتعيين أول الشهر عديدة: .

    1-الرؤية،كما في عدد من الروايات ومنها الصحيح، كما في صحيحالحلبي عن الصادق (ع): ((.. فإذا رأيت الهلال فصم، وإذارأيته فأفطر)) ((9)، وفي صحيح علي بن جعفر عن الكاظم(ع): ((انه سأل أخاه موسى (ع) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لايبصره غيره، أله صوم؟ قال: إذا لم يشك فيه فليصم، وإلا فليصم معالناس))(10). وفي صحيح زيد الشحام عن أبي عبد الله(ع) انه سُئل عن الأهلّةفقال : ((هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيتهفأفطر (( .(11) .

    2- الشياع،كما في خبر عبد الله بنبكير بن أعين عن الصادق (ع) قال:))صُم للرؤية وافطر للرؤية،وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان رأينا، إنما الرؤية أن يقولالقائل: رأيت، فيقول القوم صدق(( (12) . .

    3- الإخبار بالرؤية،وقد دّل بعضهاعلى كفاية خبر العدل الواحد، كما في خبر محمد بن قيس عن الباقر (ع) قال: ((قال أميرالمؤمنين عليه السلام: إذا رأيتم الهلال فافطروا، أو شهد عليه عدل منالمسلمين))(13). ودّل أكثرها على اشتراط التعدد، كما في صحيح منصور بن حازم عنالصادق (ع) انه قال: ((صُم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته، فان شهد عندك شاهدان مرضيانبأنهما رأياه فاقضه))(14)، وفي صحيح الحلبي عن الصادق (ع): ((أن علياً عليه السلامكان يقول: لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين))(15) وقد دل بعضها علىاشتراط بلوغ العدد الخمسين، كما في خبر حبيب الخزاعي قال: قال أبو عبد الله(ع): ((لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وانما تجوز شهادةرجلين إذا كانا من خارج المصر، وكان بالمصر علّة فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قومصاموا للرؤية وأفطروا للرؤية)).(16) .

    4- إكمال الشهر السابقومضي ثلاثينيوماً منه، كما في خبر أبي خالد الواسطي عن الباقر(ع): ((.. فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوماً، وصوموا الواحدوالثلاثين…))(17)، وفي خبر محمد بن قيس عن الباقر(ع): ((…وان غمّ عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا)).(18) .

    5-
    التطوق،كما في صحيح محمد بن مرازم عن أبيه عنالصادق (ع) قال: ((إذا تطوّق الهلال فهولليلتين)).(19) .

    6- رؤية ظل الرأس،كما في صحيحمحمد بن مرازم الآنف الذكر وفي ذيل الخبر تحديداً((…وإذا رأيت ظل رأسك فيه فهولثلاث)).(20) .

    7- غيبوبةالهلال قبل الشفق أو بعده،فان كان قبله فهو لليلة ذاتها، وانكان بعده فهو لليلتين، كما في خبر إسماعيل بن الحر عن الصادق (ع) قال: ((.. إذا غابالهلال قبل الشفق فهو لليلته، وإذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين))(21). .

    8- عدم رؤية الهلال ليلة في الشهرالسابقفانه أمارة على الليلة اللاحقة بداية الشهر أو أوله، كما في خبر داودالرقي عن الصادق(ع) قال: ((إذا طُلب الهلال في المشرق غدوة فلم يُر فهو هنا جديدرأي أو لم يُر))(22) .

    9- صوم اليوم الخامس من شهر رمضان منالسنة السابقة،كما دّل عليه الخبر عن الصادق (ع) قال: )).. صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه أولالعام(( (23)، وكما عن السيّاري قال: ((كتب محمد بن الفرج إلى العسكري (ع) يسأله عمّا روي من الحساب في الصوم عن آبائك (ع) في عدّ خمسة أيام من أول السنةالماضية والسنة الثانية التي تأتي، فكتب صحيح، ولكن عدّ في كل أربع سنين خمساً، وفيالسنة الخامسة ستاً فيما بين الأولى والحادث، وما سوى ذلك فإنما هو خمسةخمسة..))(24) .

    10- صوم اليوم الستين من أول رجب،كما في خبر محمد ين الحسين بن أبي خالد رفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: ((إذا صح هلال رجب فعدّ تسعة وخمسين يوماً وصم يومالستين))(25) .

    11- ثبوت الهلال برؤيته بعدالزوال،كما عن الصادق (ع) أنه قال: ((إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلةالماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة))(26) ، وعن عبيد بن رزاة وعبدالله بن بكير عن الصادق (ع) أنه قال: ((إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذاك اليوم منشوال، وإذا رؤي بعد الزوال فذاك من شهر رمضان)).(27) .

    وقد جُعلت هذه الإماراتفي الروايات علامات على دخول الشهر وتحققه، لكن اتفق الفقهاء على حجية الإماراتالثلاث الأُول لكون بعضها مما يرجع إلى العلم، كما في الأولى والثانية، ورجوعالثالثة إلى تعبد الشارع بها، واختلفوا في حجية البواقي من هذه الروايات بين معتبرلها وآخر ناف للاعتبار، وذلك لاختلافهم في مدى حجية هذه الأخبار وسلامتها دلالةوسنداً، أو لكون بعضها أعرض عنه المشهور كما عن بعضهم.

    لكن أشكل بعضهم- كما عن السيد السبزواري في مهذب الأحكام- إذقال: ""وهذه كلها منصوصة كما لا يخفى على من راجع الوسائل-أبواب أحكام شهر رمضان- لكن المشهور لم يعملوا بها مع قصور سند بعضها، ولكن هناك كلام مع المشهور، وهو انهميقولون أن المراد بالعلم في اصطلاح الكتاب والسنة الاطمئنان العرفي الذي يسكن إليه،فإذا حصل من هذه الأمور الاطمئنان العرفي فأي مانع عن الاعتماد عليها، وبذلك يمكنالجمع بين الروايات والأقوال"".(28)

    ومثله موقف السيد الخوانساري في-جامعالمدارك- في تعليقه على موقف الأصحاب من بعض هذه الإمارات وإعراضهم عنها فانه قال: ""ولا يخفى أنه مع حصول الوثوق والاطمئنان كيف يرفع اليد عن مثل هذه الإمارات""(29) بل ذكر بعض المعاصرين ""أن هذه الأخبار المعارضة لأخبار الرؤية على كثرتها يشكلردّها، وان كان قد استشكل في الاعتماد عليها أيضاً""(30) .

    * * .
    هوامش الفصل: .
    ___________________

    (1) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة،ج13/240،ط قم. .

    (2)
    مرواريد، علي أصغر، سلسلة الينابيع الفقهية، كتاب الصوم من فقهالقرآن للراوندي،ص197 ط الدار الإسلامية، الأولى/1990..

    (3)
    الطبرسي، مجمعالبيان، ج1/274، مغنية، محمد جواد، الكاشف،،ج1/284 ومسالك الإفهام للجواد الكاظميج1/332 ط/طهران 1365هج.

    (4)
    الطباطبائي، محمد حسين، الميزان، ج2/24، ط/مؤسسةإسماعيليان، قم – إيران. .

    (5)
    العلامة الحلي، مختلف الشيعة ،ج3/362 ط أولى/مركزالأبحاث والدراسات الإسلامية/إيران. .

    (6)
    السبزواري،محمد، الجديد في تفسيرالقرآن،ج1/226.

    (7)
    الطباطبائي، المرجع السابق،ج2/57.

    (8)
    الشاهرودي، علي،دراسات في الأصول العملية،ص30، تقريراً لبحث السيد الخوئي ط النجف/1952

    (9) الحرالعاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، كتاب الصوم، باب3 من أحكام شهر رمضان حديثرقم7.
    (10) المصدر السابق نفسه، باب4 حديث رقم1.

    (11)
    المصدر السابق نفسه،باب3 حديث رقم3.

    (12)
    المصدر السابق نفسه، باب11 حديث14.

    (13)
    المصدر السابقنفسه، باب5 حديث رقم11.

    (14)
    المصدر السابق نفسه، باب11 حديث رقم4.

    (15)
    المصدر السابق نفسه، باب11 حديث رقم1.

    (16)
    المصدر السابق نفسه، باب11 حديثرقم13.

    (17)
    المصدر السابق نفسه،باب3 حديث رقم 17.

    (18)
    المصدر السابق نفسه،باب8 حديث رقم1.

    (19)،
    (20) المصدر السابق نفسه، باب9 حديث رقم 2.

    (21)
    المصدرالسابق نفسه،باب9 حديث رقم3.

    (22)
    المصدر السابق نفسه، باب9 حديث رقم4.

    (23)
    المصدر السابق نفسه، باب10 حديث رقم1.

    (24)
    المصدر السابق نفسه، باب10 حديث رقم 2.

    (25)
    المصدر السابق نفسه، باب10 حديث رقم7.

    (26)
    المصدر السابق نفسه، باب8حديث رقم6.

    (27)
    المصدر السابق نفسه، باب8 حديث رقم5.

    (28)
    السبزواري، عبدالأعلى، مهّذب الأحكام،ج10/268 ط4-1413هج-قم.

    (29)
    الخوانساري، أحمد، جامعالمدارك،ج2/201،ط2-إيران 1405هج. .

    (30)
    الترحيني، محمد حسن،الزبدةالفقهية،ج3/164 ط1- بيروت/1995.

    __________________
    'إضغط هنا لإظهار التوقيع سيد مرحوم







  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    قول الفلكي

    والكلام يقع في مسألة ثبوت الهلال بقول الفلكي، وهل يعتبر حجة شرعاً أولاً ؟ .

    وهنا لابد أن أُشير إلى أن المسألة وان كانت من المسائل المستجدة التي لم يبحثها الفقهاء الأقدمون بل و المتأخرون أيضاً، ألا أنهم بحثوا في قول الفلكي وعلماء الهيئة في مسائل فقهية أخرى، ومن هذه المسائل:

    أولاً: وقع البحث فقهياً في مدى حجية قول علماء الهيئة في تحديد القبلة والعلم بها. .





    وبغض النظر عن إشكال التعويل على قولهم مع فقد شرط الإسلام أو العدالة فيهم كما عن بعضهم، فانه وقع البحث في إفادة علم الهيئة العلم بالقبلة أو عدم إفادته، إذ مال بعضهم - كما عن الشيخ البحراني في الحدائق-إلى الاستشكال في التعويل على قواعد علم الهيئة لبنائه على نظرية كروية الأرض التي لم تثبت من وجهة نظره، وبالتالي عدم إفادة علم الهيئة الظن فضلاً عن العلم والقطع. .

    وقد رده صاحب الجواهر الشيخ محمد حسن النجفي قائلاً:" وحيث عرفت وتعرف إن شاء الله قيام الظن هنا مقام العلم عقلاً ونقلاً، لم يكن بأس في الرجوع إلى قواعد الهيئة، ولا بتقليد أهلها بذلك، بل ربما استفاد الماهر فيها العلم بالاستقبال، كما أنه لا ريب في حصول الظن به منها، بل الظاهر أنه أقوى من غيره، ولذا عوّل أصحابنا عليها، ووضعوا كثيراً من العلامات بمراعاتها كما اعترف به بعضهم،فمن الغريب دعوى عدم استفادة شيء من العلم أو الظن من كلامهم، مع أن أكثره كما قيل ثابت بالبراهين القطعية والدلائل الهندسية التي لا يتطرق إليها شبهة ولا يحوم حولها وصمة ريب…ودعوى عدم استفادة الظن من الأدلة على كروية الأرض التي هي مبنى العلم المزبور واضحة المنع عند أهل الفن، كدعوى إنكار أهل الشرع كرويتها، إذ ليس لهم في ذلك كلام محرر، بل المحكي عن العلاّمة منهم في كتاب الصوم من التذكرة التصريح بكروية الأرض مفرّعاً عليها جواز رؤية الهلال في بلد دون الآخر …"(1) .

    هذا كله في وقت لم يبلغ فيه علم الهيئة التطور التقني الهائل كما هو في الأزمان الحـالية، ولذا علَّق السيد السبزواري –في مهذّب الأحكام- على بعض الإمارات الموروثة التي اشتملت عليها كتب الفقه والحديث لتحديد القبلة قائلاً: ""مع أنّ الآلات الدقيقة الحديثة لتعيين الجهات برّاً وبحراً أسقط الكل عن الاعتبار"" (2) .

    ثانياً: كما وقع البحث -عندهم- فقهياً في مدى حجية قول الرصدي وإخباره عن الزلزلة والخسوفين (الآية):

    السيد كاظم اليزدي:"يثبت الكسوف والخسوف وسائر الآيات بالعلم وشهادة العدلين وإخبار الرصدي إذا حصل الاطمئنان بصدقه على إشكال في الأخير لكن لا يترك معه الاحتياط، وكذا في وقتها ومقدار مكثه"(3) وعلّق السيد الكلبايكاني على قوله: ""على إشكال في الأخير"" قائلاً: ""بل الإشكال فيه مع الاطمئنان"". ويريد به أنّ في استشكاله إشكالا، لجهة إن الاطمئنان حجة بلا فرق بين مناشيء حصوله. .

    السيد أبو الحسن الأصفهاني: ""تثبت الآية وكذا وقتها ومقدار مكثها بالعلم وشهادة العدلين، بل وبالعدل الواحد وإخبار الرصدي الذي يُطمأن بصدقه أيضاً على الأحوط لو لم يكن أقوى"".(4) ومثله ما عن السيد الخميني في تحرير الوسيلة.(5) .


    السيد الشهيد محمد باقر الصدر: ""ويثبت وقوع السبب الموجب لهذه الصلاة أما بالحس المباشر للمكلف، أو بشهادة البنية أو بشهادة الثقة، أو بنبوءة الأنواء الجوية والرصد العلمي إذا أفادت العلم والاطمئنان""(6). .ومثله ما عن السيد فضل الله في ""فقه الشريعة"".(7) .


    السيد السبزواري: ""يثبت الكسوف وغيره من الآيات بالاطمئنان وان حصل من إخبار الرصدي"".(8) .

    السيد السيستاني: ""يثبت الكسوف وغيره من الآيات بالعلم وبالاطمئنان الحاصل من إخبار الرصدي أو غيره من المناشيء العقلائية، كما يثبت بشهادة العدلين…"".(9) .

    والتعويل على إخبار الرصدي في تحديد الكسوف والخسوف رأي يرجع إلى قدماء الأصحاب، ولهذه الجهة ربما لم يجد الفقهاء وحشة في الإفتاء على طبقه، على خلاف مسألتنا، ثبوت الهلال بقول الفلكي، ونجد في جـــــوابٍ للسيد الشريف المرتضى- وهو من أعلام القرنين الرابع والخامس الهجري- على سؤال الفرق بين قول المنجمين في إطار ما يعرف بتأثير النجوم في الحوادث السفلية وبين قولهم في تحديد الخسوفين ومقدار مكثهما وهو صحيح بالتجربة، فأي فرق بين قولهم هذا وذاك، فأجاب السيد المرتضى بقوله: "".. فأما إصابتهم في الإخبار عن الكسوفات وما مضى في أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك وسائر ما يخبرون من تأثيرات الكواكب في أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أنّ الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقة الحساب وتسيّر الكواكب، وله أصول صحيحة، وقواعد سديدة وليس كذلك ما يدّعونه من تأثيرات الكواكب في الخير والشر، والنفع والضر، ولو لم يكن الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة في الكسوفات وما يجري مجراها، فلا يكاد يبين فيها الخطأ البتة…"".(10) .

    ولذلك استثنى بعض الفقهاء من التنجيم المحرّم الإخبار عن الكسوفين، فعن السيد الخميني في (تحرير الوسيلة): "" وليس منه الإخبار عن الكسوف والخسوف والأهلة واقتران الكواكب وانفصالها بعد كونه ناشئاً عن أُصول صحيحة وقواعد سديدة، والخطأ الواقع منهم ناشئ من الخطأ في الحساب واعمال القواعد كسائر العلوم".(11) .

    ومثله ما عن السيد السيستاني: ""وليس من التنجيم المحرّم الإخبار عن الكسوف والكسوف والأهلة واقتران الكواكب وانفصالها بعد كونه ناشئاً عن أصول وقواعد سديدة، وكون الخطأ الواقع أحياناً ناشئاً من الخطأ في الحساب واعمال القواعد كسائر العلوم"".(12) .

    ونظيره ما عن الشيخ زين الدين في استثناء الإخبار عن الكسوفين والأهلة من التنجيم المحرّم إذ يقول: ""وأما الخسوف والكسوف ومسير الكواكب وتقارنها وانفصالها وتولد الأهلة وما أشبه ذلك، فلها مقادير معينة في الحساب وقواعد رتيبة مضبوطة لا تخطيء، ولكن قد يخطئ الحاسب في ملاحظتها، فتختلف عما يقول"".(13) .

    هذا كله في موقفهم من حجية قول الرصدي وعالم الهيئة في إثبات (الآية) بالاصطلاح الفقهي (ويعنون به الزلزلة والخسوف والكسوف…)، وفي تحديد القبلة وتحصيل العلم بها. .

    أما قوله – قول الفلكي - في تحديد أول شهر رمضان-أو مطلق الشهر- واثبات الهلال بقوله فهو مما لم يبحثه الفقهاء الأقدمون، ولم يعتن به المعاصرون بشكل مستوعب وتفصيلي. .

    وكما قلنا ليس ثمة موقف فقهي للفقهاء الأقدمين في هذه المسألة، نعم لهم رأي في _التنجيم)، وهو غير ما نحن فيه كما ستأتي الإشارة إليه. .

    وأما المتأخرون بل والمعاصرون فانهم لم يبحثوا المسألة-أيضاً- واقتصروا على الموقف الفقهي العام الموروث والتقليدي، في وقت كان يفترض فيه أن يستأنف الفقهاء المعاصرون بحث المسألة من جديد وفقاً للمعطيات العلمية الحديثة، وأن لا يقتصروا على ما أفاده الفقهاء الأقدمون. .

    وربما يكون السيد الشهيد محمد باقر الصدر أول من أشار إلى دور الفلكي في إثبات الهلال، فيما طرحه السيد الأستاذ (السيد فضل الله) بقوة وبأسلوبٍ علمي فقهي، وقد أوجب موقفه الأخير في تحديد أول الشهر شوال لعام (1419هج) اهتماماً بالغاً في الأوساط العلمية والشعبية على حدًّ سواء، وان لم يكن بالمستوى المطلوب في الأوساط العلمية الفقهية الخاصة تحديداً. .


    * * *

    هوامش الفصل: .
    _______________
    (1)النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام،ج7/347 وراجع ص343 ط3/إيران-طهران. .
    (2) السبزواري، مهّذب الأحكام، ج5/195. .
    (3) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، مع حواشي عدد من الفقهاء، ج1/572 ط1/1990 نشر مكتب وكلاء الإمام الخميني-بيروت. .
    (4)الأصفهاني، أبو الحسن،وسيلة النجاة، مع تعليقة السيد الكلبايكاني،ج1/194،ط1/1992-دار المجتبى-بيروت. .
    (5) الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة،ج1/172،ط1987 نشر المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق. .
    (6) الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة،ص440 ط1992-دار التعارف-بيروت. .
    (7) فضل الله،محمد حسين،فقه الشريعة،ج1/431،ط 1/1990، دار الملاك - بيروت. .
    (8) السبزواري، عبد الأعلى، جامع الأحكام الشرعية،ص136،ط مطبعة الآداب-النجف الأشرف/العراق. .
    (9) السيستاني، علي، منهاج الصالحين، ج1/244،ط/1993-دار المؤرخ العربي-بيروت. .
    (10) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار،ج58/289، ط طهران-دار الكتب الإسلامية/1385هج. .
    (11) الخميني، تحرير الوسيلة،ج1/451-452.
    (12) السيستاني، علي،ج2 ق1/13- ط أولى/دار المؤرخ العربي-بيروت/1995.
    (13) زين الدين، محمد أمين، كلمة التقوى،ج4/19 ط2/1413هج. .





  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    كلمات الفقهاء المعاصرين


    لم يتصد الفقهاء المعاصرون للبحث-تفصيلاً-في مسألة ثبوت الهلال بقول الفلكي، ولكن كلماتهم لا تخلو من موقف فقهي صريح إن كان سلباً أو إيجابا. .

    وقد حاولنا متابعة كلمات وفتاوى بعضهم للوقوف على طبيعة اختلافهم في هذه المسألة. وقد جاءت كلماتهم مختلفة ومتباينة إلى حدًّ كبير. .

    * الشهيد السيد محمد باقر الصدر:


    في مقام ذكر طرق إثبات الهلال، كتب في (الفتاوى الواضحة): ""الخامس: كل جهد علمي يؤدي إلى اليقين أو الاطمئنان بأنّ القمر قد خرج من المحاق، وأن الجزء النير منه الذي يواجه الأرض (الهلال) موجود في الأُفق بصورة يمكن رؤيته، فلا يكفي لاثبات الشهر القمري الشرعي أن يؤكد العلم بوسائله الحديثة خروج القمر من المحاق ما لم يؤكد إلى جانب ذلك إمكان رؤية الهلال وتحصل للإنسان القناعة بذلك على مستوى اليقين أو الاطمئنان".(1) .

    وقال في موضع آخر: ""ينبغي أن يلحظ أيضاً مدى ما يمكن استفادته من استخدام الوسائل العلمية الحديثة من الأدوات المقربة والرصد المركز، فان رؤية الهلال بهذه الوسائل وان لم تكن كافية لاثبات الشهر، ولكن إذا افترضنا أن التطلع إلى الأُفق رصدياً لم يتح رؤية الهلال، فهذا عامل سلبي يزيل من نفس الإنسان الوثوق بالشهادات ولو كثرت، إذ كيف يرى الناس بعيونهم المجردة ما عجز الرصد العلمي عن رؤيته. بل يدخل في الحساب-أيضاً- التنبؤ العلمي المسبق بوقت خروج القمر من المحاق، فانه إذا حدّد وقتاً وادعى الشهود الرؤية قبل ذلك الوقت كان التحديد العلمي المسبق عاملاً سلبياً يضعف من تلك الشهادات، فان احتمال الخطأ في حسابات النبوءة العلمية وان كان موجوداً ولكنه قد لا يكون أبعد أحياناً عن احتمال الخطأ في مجموع تلك الشهادات أو أعلى الأقل لن يسمح بسرعة حصول اليقين بصواب الشهود في شهاداتهم""(2) .

    * السيد الخميني:


    ""لا اعتبار برؤية الهلال المستحدثة، فلو رئي ببعض الآلات المكبرة أو المقربة نحو تلسكوب مثلاً ولم يكن الهلال قابلاً للرؤية بلا آلة لم يحكم بأول الشهر، فالميزان هو الرؤية بالبصر من دون آلة مقربة أو مكبرة. نعم لو رئي بآلة وعلم محله ثم رئي بالبصر بلا آلة يحكم بأول الشهر…""(3) .

    *السيد الخوئي:



    في رده على سؤال: ""لو حصل الاطمئنان الشخصي بصحة الحسابات الفلكية لتوليد الهلال فهل يمكن الاعتماد على هذا الاطمئنان لاثبات أول الشهر أو العيد، وخاصةً إذا صدرت عن أهل الخبرة في هذا المجال؟"" فأجاب‎: ""لا أثر للاطمئنان بتولده بل ولا الاطمئنان بقابلية للرؤية، بل لابد من الرؤية خارجاً وثبوتها للمكلف"".(4) .

    وقال-كما في (مستند العروة) -: ""…لا عبرة بالرؤية بالعين المسلحة المستندة إلى المكبرات المستـحدثة والنــظارات القـوية كالتلسكوب ونحوه، من غير أن يكون قابلاً للرؤية بالعــين المجردة والنظر العادي. نعم لا بأس بتعيين المحل بها ثم النظر بالعين المجردة، فإذا كان قابلاً للرؤية ولو بالاستعانة من تلك الآلات في تحقيق المقدمات كفى وثبت به الهلال"".(5) .

    * السيد الكلبايكاني:



    في رده على سؤال: ""هل يمكن الاعتماد على الرصد الجوي في تعيين الوقت وأول الشهر؟"" أجاب: ""يجوز إن أوجب الاطمئنان ولم يمكن الاستفسار. ومع ذلك يستحسن رعاية الاحتياط"".(6)

    * الشيخ زين الدين:



    "" ولا يثبت-يعني الهلال- بقول المنجمين وأشباههم من علماء الفلك، وان كانوا ثقاة أو عدولاً…"".(7) .

    * الشيخ الكرباسي في المنهاج:

    ""الشياع المفيد للعلم، وفي حكمه كل ما يفيد العلم ولو بمعونة القرائن أو علماء الفلك والرياضيات الذين يستعملون المراصد الفلكية، فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه العمل به، وان لم يوافقه أحد، بل وان شهد وردّ الحاكم شهادته"".(8) .


    * السيد فضل الله:



    ""…ورأينا الفتوائي-الآن- هو اعتبار الشهر بولادته فلكياً، وبإمكان رؤيته من حيث وصوله إلى درجة يمكن فيها الرؤية لولا العوائق، فإذا ثبت ذلك بقول أهل الخبرة الذين يفيد قولهم الاطمئنان ثبت الهلال حتى لو لم يره أحد"".(9) .

    وكان السيد الأستاذ-فيما مضى- يميل إلى كفاية التوليد في ثبوت الهلال، وذلك لجهة أنّ الشهر ظاهرة كونية وليس للرؤية دخل في موضوع وجوب الصوم، بل موضوع الوجوب (الحكم) تحقق الشهر، فإذا تحقق-كونياً- وهو خروج القمر من تحت الشعاع (المحاق) تحقق الشهر ووجب الصوم، ولكنه عدل فيما بعد عن هذا الرأي بناء على استظهار شرطية الرؤية على نحو عرفي كما يدل عليه قوله تعالى ((يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج…))، ولكنه لم يقتصر على الرؤية الخارجية لأنها ليست شرطاً إلا على نحو يثبت بها إحراز الشهر عرفاً، فإذا اثبت العلم الفلكي قابلية الرؤية وذلك بمرور الفترة الكافية لاكتساب القمر الضوء ثبت الهلال وثبت تحقق الشهر عرفاً.(10) .

    * الشيخ مغنية:



    ""…فمتى حصل العلم من أقوال الفلكيين وجب على كل من علم بصدقهم أن يعمل بأقوالهم، ولا يجوز له إطلاقا الأخذ بشهادة الشهود ولا بحكم الحكم ولا بشيء يخالف علمه…""(11). نعم شكك الشيخ مغنية في قطعية نتائج علم الفلك يومذاك، وستأتي مناقشته. .

    * الشهيد السيد محمد الصدر:



    في حديثه عن دور العلم الفلكي في ثبوت الهلال، كتب: ""…يمكن الاستفادة من المراصد الحديثة من الناحية الفقهية في عدة موارد:-

    أولاً: يمكن أن يثبت بها أن الهلال لا وجود له أصلاً، الأمر الذي يوفر الجهد للناظرين بمحاولة رؤيته.

    ثانياُ: أن يثبت بها أن الهلال صغير جداً بحيث لا يكون قابلاً للرؤية، الأمر الذي يوفر الجهد أولاً، ويثبت عدم إمكان بدء الشهر ثانياً.

    ثالثاً: أن يثبت أن الهلال كبير بحيث يكون قابلاً للرؤية، الأمر الذي يمكن به إثبات أول الشهر و إن لم يره بالعين المجردة أحد .

    رابعاً: أن يثبت بالمرصد جهة وجود الهلال و إحداثياته حتى ينظر نحوها الناظرون ويركزون بها دون أن يبذلوا جهداً ضائعاً في الأطراف الأخرى"".(12) .





  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    * السيد السيستاني:




    في مقام رده على سؤال حول شهادات الرؤية والتي بلغ عددها (30) شهادة والتي تعارضت مع إعلان المرصد الفلكي البريطاني باستحالة الرؤية ما لم يستخدم المنظار، وان الرؤية بالعين المجردة إنما تتيسر في الليلة اللاحقة، أجاب: ""إن العبرة باطمئنان المكلف نفسه بتحقق الرؤية أو بقيام البنية عليها من دون معارض، وفي الحالة المذكورة و نظائرها لا يحصل عادة الاطمئنان بظهور الهلال على الأفق بنحو قابل بالعين المجردة، بل ربما يحصل الاطمئنان بعدمه وكون الشهادات الصادرة مبنية على الوهم والخطأ في الحس…"".(13) .


    وفي جوابه على سؤال كاتب السطور حول مدى إمكانية الاعتماد على معطيات العلم الفلكي الحديث كتب ما نصه: "". إذا حصل العلم أو الاطمئنان بكون الهلال موجوداً على الأفق بنحو يمكن رؤيته بالعين المجردة من إخبار الفلكي بذلك أو من غيره من الإمارات الموجبة لذلك عمل بالعلم والاطمئنان، أما الظن فلا عبرة به. وإذا أخبر الفلكي بعدم تيسر رؤية الهلال فان حصل العلم أو الاطمئنان بصواب قوله فلا عبرة بالبينة المخالفة للعلم والاطمئنان، وأما مع عدم حصول العلم أو الاطمئنان فيجب العمل وفق البينة ولا قيمة للظن المخالف لها"".(14) .


    * الشيخ فيَّاض:




    في مقام الحديث عن تحقق الشياع أو العلم و مدى تأثره ببعض العوامل فقد كتب: ""…أو غير ذلك من العوامل التي لها دخل في حصول اليقين أو الاطمئنان، فلا بد من أخذ كل العوامل في الحساب من العوامل الداخلية والخارجية التي لها دخل بشكل أو بآخر في حصول اليقين أو الاطمئنان للمكلف بالرؤية، منها الوسائل العلمية الحديثة أو الحسابات الفلكية، فإنها وان لم تكن كافية لاثبات رؤية الهلال شرعاً، ألا أنها إذا كانت موافقة لأقوال الشهود فهي من العوامل الإيجابية التي تؤكد الوثوق والاطمئنان الحاصل منها في نفس المكلف وتزيل الشكوك منها وتبعث على اليقين أو الاطمئنان بها، وإذا كانت مخالفة لها فهي من العوامل السلبية التي قد تزيل من نفس الإنسان الوثوق والاطمئنان بها وتخلق الشكوك فيها"".(15) .


    * الشيخ الفضلي:




    ""…إن الرؤية لم تكن هي الغاية فلا يحاد عنها، إنما ذكرت كوسيلة توصل إلى غاية هي ثبوت الهلال فدخول الشهر، ومن هنا لنا أن نلتمس الوسائل الأخرى المماثلة ما لم يرد نص من الشارع فينهى عن الأخذ بها. وحيث فهمنا أن الحساب المنهي عنه هو حساب التقاويم أو حساب النجوم لا حساب الفلكي الحديث جاز الأخذ بالحساب الفلكي بعد التأكد من سلامة إصابته من خلال التجربة المكررة المفيدة للوثوق والاطمئنان…كما أنه يمكن الاستعانة بالحساب الفلكي قبل الاستهلال لمعرفة بلد وموقع رؤيته، ومن ثم تعميم الحكم بعد الرؤية"".(16) .


    * الشيخ الخزعلي:


    وفي مقام البحث عن شمول روايات الرؤية لمورد الرؤية بالعين الحادة والأدوات المكبرة قال: ""…وإذا اتسع المجال للقول باعتبار الرؤية من ذوي الأبصار الحادة يسعنا أن نقول:إذا عثرنا على طلوع الهلال وتيقنَّا به من الأدوات المكبرة لا بأس بالقول باعتباره، إذ قد زال المانع عن الطريق وهي الرؤية المتعارفة وانتقلنا بذلك إلى كفاية الوقوف على طلوع الهلال… نعم إذا احتمل أن تكون الأداة المكبرة ذات دخل في الرؤية-بأن لا يكون الهلال في الأفق و إنما الأداة بتصرفها تصرفاً، كأن تؤدي إلى انكسار النور ترينا الهلال، ففي هذه الصورة لا اعتبار به قطعاً.."".(17)


    وفي إطار مدرسة أهل السُنّة وقع البحث في مدى جواز التعويل على قول الفلكي، إن كان ذلك في الماضي أو كان في الحاضر، وذلك لعدم حجية قول الحاسب عند أكثرهم، بل ربما ادعي الإجماع عندهم، أو لعدم حجية قول الفلكي وان كان يصدر عن علم صحيح. وذلك لاشتراط الرؤية بالعين الباصرة- كما أشار إليه بعضهم- كما عن الشيخ وهبة الزحيلي- إذ كتب:




    ""ولا يثبت الهلال بقول منجم-أي حاسب يحسب سير القمر- لا في حق نفسه ولا غيره، لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال، لا بوجوده إن فرض صحة قوله، فالعمل بالمراصد الفلكية وان كانت صحيحة لا يجوز"".(18) .


    غير أن كلام الزحيلي لا يخلو من مفارقة منهجية، وذلك، لأن قوله هذا إنما يصح بناء على الاكتفاء بولادة الهلال، فيمكن أن يقال: إن الشارع أناط الصوم وغيره بالرؤية لا بوجود الهلال الذي يدل عليه الفلكي بعد خروجه من المحاق. .





    وربما لهذه الجهة مال بعض فقهائهم المعاصرين إلى اعتبار قول الفلكي لأن قوله أولى من ادعاء الرؤية أو الرؤية نفسها،لأنها يقينية وقطعية، وقد مال إلى هذا الرأي من فقهائهم، الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ أحمد محمد شاكر، على ما نقل عنهم الشيخ القرضاوي نفسه.(19) .


    * *
    __________________
    هوامش الفصل: .
    (1) الشهيد الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة،ص633. .
    (2) المصدر السابق نفسه،ص630. .
    (3) الخميني، تحرير الوسيلة،ج2/577. .
    (4) الخوئي، صراط النجاة،ج1/131-132 ط أولى/بيروت-دار المحجة/1995. .
    (5) الخوئي، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم،ج2/124 تقرير الشيخ مرتضى البروجردي. .
    (6) الكلبايكاني، محمد رضا، مجمع المسائل،ج1/242،ط 1/بيروت-شركة شمس المشرق،1992. .
    (7) زين الدين، كلمة التقوى،ج2/75. .
    (8) الفضلي، عبد الهادي، مبادئ علم الفقه،ج2/40، ط مؤسسة أم القرى/قم. .
    (9) فضل الله، المسائل الفقهية،ج2/202ط بيروت-دار الملاك/1996. .
    (10) أحمد، القاضي، فقه الحياة، حوارات مع السيد فضل الله،ص257-258 ط أولى/1997 دار العارف-بيروت. .
    (11) مغنية، محمد جواد، فقه الإمام الصادق،ج2/48،ط قم.
    (12) الصدر،محمد، ما وراء الفقه،ج2/117ط 1994-دار الأضواء-بيروت. .
    (13) الحكيم، عبد الهادي،الفقه للمغتربين وفق فتاوى السيد السيستاني ص112ط2/1419هـ-قم.
    (14) استفتاء خاص بتاريخ 15/محرم الحرام/1419 هج انظر الملاحق. .
    (15) الفياض، إسحاق،تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى،ج5/187،ط قم-انتشارات محلاتي. .
    (16) الفضلي، مبادئ علم الفقه،ج2/58. .
    (17) الخزعلي، أبو القاسم،(بحث)حول رؤية الهلال،القسم الثاني،ص90من مجلة (مجلة فقه أهل البيت)العدد13/1999 .
    (18) الزحيلي،وهبة،الفقه الإسلامي وأدلته،ج2/600 ط3/دار الفكر 1989 دمشق. .
    (19) تقرير عــــن الدورة الثالثة للمجمع الأوربي للإفتــاء والبحوث في كولون، صحيفة الشرق الأوسط تاريخ 28/5/1999. .


    __________
    يتبع





  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    تحديد موضوع البحث (تحرير موضع النزاع)
    للبحث في هذه المسألة عدة فروض: .

    الأول:.

    أن نفترض أخذ الرؤية في لسان الأدلة الشرعية جزءً في موضوع الحكم الشرعي(وجوب الصوم)، وأخرى لا نفترض ذلك، بل تكون الرؤية طريقاً محضاً لإحراز الشهر والعلم به، وعلى الأول لا يبقى ثمة مجال لبحث المسألة، وذلك لأن موضوع الحكم الشرعي مما يحدده الشارع، ومما يرجع تشخيصه إليه، وما لم يدل دليل من الشارع فلا مجال لتنزيل العلم بقول الفلكي منزلة الرؤية بعد افتراض موضوعيتها. وعلى الثاني-أي الطريقية- ينفتح مجال للبحث، وذلك لأن الرؤية طريق لإحراز الشهر، فمن أي طريق أُ حرز الشهر وعلم بتحققه كان علم المكلف حجة عليه، ولزمه ترتيب الأثر الشرعي من الصيام أو الفطر. .

    الثاني: .

    أن نفترض كفاية قول الفلكي على نحو مطلق، وبكلمة أخرى: يمكن التعويل على قول الفلكي بصدد تحديده لوقت ولادة الهلال وخروجه من المحاق وهو ما يعرف بالولادة الفلكية، وأخرى نفترض عدم كفاية ذلك، بل يعتبر قوله فيما إذا أثبت إمكانية رؤية الهلال وموقعه. .

    الثالث: .

    أن نفترض لقول الفلكي دوراً إيجابيا في المسألة، وأخرى دوراً سلبياً فيها. أما الإيجابي فالمراد به أن يثبت بقول الفلكي دخول الشهر وتحققه، على نحو يكون إحراز الشهر والعلم به حاصلاً من قول الفلكي نفسه، وأما السلبي فالمراد به أن يكون لقول الفلكي دور ما للتحقق من صدقية بعض الإمارات وصحتها مما دلّ الدليل على شرعيته، كما لو شهد عدلان أو شاعت الرؤية بين قوم وأثبت الفلكي استحالة الرؤية أما لعدم ولادة الهلال أصلاً، أو لعدم اكتساب القمر الضوء الكافي، لجهة قصر المدة الزمنية التي أعقبت الولادة. .

    وكما لم يبحث الفقهاء الدور الإيجابي، فإنهم لم يبحثوا الدور السلبي أيضاً، إلا ما ذكرناه من دور ريادي للسيد الشهيد الصدر، والإسهام العلمي الذي أشار إليه السيد الأستاذ. .

    الرابع: .

    أن نفترض إفادة قول الفلكي العلم بتحقق الشهر تارة، وأخرى عدم إفادة العلم به. وعلى الافتراض الثاني لا يبقى مجال للبحث بعد افتراض عدم إفادته العلم فلا يكون حجة و لا يسوغ التعويل عليه عندئذٍ، وأما على الأول فلا إشكال انه مما ينفتح به البحث وتظهر به الثمرة، إلا إذا ثبت دليل ينهى عن حجية مثل هذا الطريق العلمي، وهو غير صحيح كما لا يخفى. .

    الخامس: .

    ويقع البحث في التعويل على علم الفلك على نحو مستقل‎، كما لو أثبت الفلكي إمكانية الرؤية وموقع الهلال أو عدم إمكانيتها واستحالتها، ويقع البحث تارة أخرى في التعويل عليه كمساعد لإثبات الرؤية، كما لو تم اللجوء إلى بعض المناظير لتحديد موقع الهلال ثم التصدي لرؤيته بالعين المجردة. .

    وعلى الثاني لا ثمرة كبيرة للبحث بعد افتراض تحقق الرؤية بالعين المجردة، وعلى الأول يدخل الفرض في البحث وينفتح به مجال واسع. .

    ومهما يكن من أمر، فيقع البحث على مستويين: في الدور الإيجابي لعلم الفلك، وفي الدور السلبي له أيضاً. .

    المستوى الأول: ثبوت الهلال بقول الفلكي.

    ويُمكن أن نصنف الموقف الفقهي-عموماً- إلى اتجاهين، اتجاه يميل إلى منع اعتبار(حجية) قول الفلكي في إثبات الهلال، والآخر إلى اعتبار قوله وجواز التعويل عليه. .

    الاتجاه الأول: (اتجاه المنع) .

    وقد يستدل للقول بمنع اعتبار قول الفلكي والتعويل على نتائج أبحاثه بأحد الوجوه التالية:

    *الوجه الأول: أن التعويل على أقوال الفلكيين مما يتعارض و دلالات الأدلة التي أُخذ في موضوعها إحراز الشهر بطريق عرفي، كما في قوله تعالى: ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ، وفي عدد غير قليل من الروايات، التي أُخذت الرؤية فيها كطريق لإحراز الشهر على النحو المتعارف، وليس منه التعويل على نتائج علم الفلك والاعتماد على أربابه. .

    ويرد على هذا الوجه:إن ما ذكر صحيح لأن الشهر الشرعي يتوقف على ثبوت الولادة - ولادة الهلال - وخروج القمر من المحاق على نحو تمكن رؤيته، غير أن الإشكال المشار إليه آنفاً إنما يرد لو قيل بكفاية قول الفلكيين واعتماد آرائهم مطلقاً. وبكلمة أخرى: لو قيل بكفاية ولادة الهلال وإحرازها من طريق علمي بناء على معطيات علم الفلك صحّ الاستشكال المذكور، ولكن البحث-كما هو المفروض-خارج هذه الدائرة، ولا يتوقف التعويل على أقوال علماء الفلك في هذه الدائرة، بل يتعدى الى بحثنا أيضاً، وهو مورد ما إذا كان قولهم موجباً للعلم والاطمئنان بإمكانية الرؤية. .

    ولهذه الجهة عدل السيد الأستاذ من القول بكفاية التوليد لتحقق الشهر إلى القول باشتراط إمكانية الرؤية، وان كان ذلك من طريق قول الفلكي.
    على أنّ مسألة كفاية ولادة الهلال في تحقق الشهر نفسها لم تبحث كما يجب، وهي لا زالت تفتقر إلى بحث جاد وعميق، خاصة بلحاظ عدم موضوعية الرؤية، أو المناقشة في اشتراط الرؤية الليلية(1) –لو صحت المناقشة، أو بلحاظ المناقشة في دلالات الأدلة التي أخذت الرؤية فيها لإحراز الشهر، كما في الآية الكريمة:"ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس…"أو روايات الرؤية التي يمكن أن يقال إنها مأخوذة على النحو المتعارف، فيمكن المناقشة فيها أما بلحاظ عدم تصدي الآية الكريمة لبيان طريقة إحراز الشهر،لأن أقصى ما تدل عليه أن الأهلة مواقيت للناس، ولم تتعرض إلى كيفية حساب هذه المواقيت- بل يتأكد ذلك بناء على تفسير البعض للأهلة - كما عن السيد الطباطبائي في الميزان - وإنها الشهور، فتكون الآية بصدد بيان أنّ الشهور مواقيت للناس ولم تتعرض إلى كيفية حسابها. .

    وكذلك بالنسبة إلى الروايات فانه يقال: إن الرؤية المأخوذة في ألسنة الروايات هي الطريق المتيسر يومذاك، فإذا صح طريق آخر لإحراز الشهر وجب الأخذ به وجاز الاعتماد عليه. .

    على أن كل ما ذكرناه من هذه المناقشات لا يتعدى الاحتمالات وان كان له وجه، وتبقى المسألة في هذا الإطار محلاً للبحث والدراسة. .

    *الوجه الثاني: ويمكن أن يستدل على المنع من التعويل على أقوال الفلكيين بما أستظهره بعض الفقهاء(2)، وربما المشهور كما نقله السيد الخوئي(3)، من أدلة اشتراط الرؤية في الصوم والفطر على نحو تكون فيه الرؤية جزءً وقيداً في موضوع الحكم فتكون الرؤية مما له دخل في ترتب الحكم واقعاً، وموضوع أي حكم مما يحدده ويشخصه المشرع نفسه، فيحتاج التعويل على أقوال الفلكيين إلى حجة شرعية كما هي الحجة الشرعية على اعتبار البينة وقيامها مقام رؤية المكلف نفسه، والصحيح عدم الحجة. .

    ويرد على هذا الوجه: أنّ الصحيح هو طريقية الرؤية لا موضوعيتها، إذ لم تؤخذ الرؤية في الأدلة إلا كطريق محض لإحراز الشهر ليس إلاّ، أما موضوع الحكم بوجوب الصيام فهو شهر رمضان، والرؤية لإحرازه والعلم به. .

    ولا يكفي أخذ العلم بالشهر وإحرازه برؤية الهلال في لسان الأدلة للدلالة على موضوعية الرؤية أو العلم(4)، فهو نظير لقوله تعالى: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود  الذي لا إشكال في أن موضوع وجوب الإمساك فيه هو نفس طلوع الفجر لا علم للمكلف به، وكذلك الحال في قوله تعالى:"كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم…فمن شهد منكم الشهر فليصمه…"فان المستفاد من الآية والأخبار أن موضوع الحكم هو الشهر الذي أُنيط الصيام بتحققه ولا دخل للرؤية أو العلم بالشهر موضوع الحكم. بل ولو أُريد من قوله تعالى"فمن شهد منكم الشهر فليصمه" المشاهدة لا حضور الشهر، فانه ليس لمشاهدة الهلال دخل في وجوب الصوم ، ولذا يجب الصوم على من علم بدخول الشهر أو قامت عنده الحجة على ذلك ولو لم يشاهد الهلال(5). .


    وعلى القول بطريقية الرؤية عدد من الأعلام فقد اختاره السيد الخوئي(6)، والسيد السبزواري(7)، والسيد الأستاذ(8)، وظاهراً السيد الشهيد(9)، والسيد الحكيم(10)، والشيخ الخزعلي(11)، والشيخ مغنية(12)، والشيخ الفضلي(13)، والشيخ محمد تقي الآملي(14). .

    وقد ذكر السيد الخوئي في مقام رده دعوى جزئية الرؤية للموضوع أنه:

    ""يدفعها ظهور أخذها طريقاً إلى ما هو تمام الموضوع-أعني دخول الشهر، فإن الذي يستفاد من الكتاب العزيز وجوب الصوم به حيث قال: كتب عليكم الصيام إلى قوله شهر رمضان، وكذلك من السنة، وكأن الأمر بالصوم للرؤية لأجل لزوم إحرازه لخصوص شهر الصيام، وعدم الاكتفاء بالامتثال الظني أو الاحتمالي، كما يشهد للأول ذيل صحيحتي ابن مسلم والخزّار وموثق ابن عمار، وللثاني رواية القاساني. ويشهد لطريقية الرؤية-أيضاً- أمور: الأول اعتبار البنية مقامها، فلو كانت جزء بنحو الصفتية لما استقام قيام البينة مقامها. الثاني:عدُّ الثلاثين إذا لم تتيسر الرؤية والبينة، حيث انه يوجب العلم بخروج السابق ودخول اللاحق.الثالث: وجوب قضاء يوم الشك الذي أفطر لعدم طريق إلى ثبوته، فتبين بعد ذلك بالبينة أو بالرؤية ليلة التاسع والعشرين من صومه وجود الشهر يوم إفطاره، ففات عنه الواجب الواقعي، وهذا ثابت بالنص والفتوى و لا خلاف فينا. الرابع: إجزاء صومه إذا صامه بنية شعبان أو صوم آخر كان عليه، فتبين بعد أنه من رمضان معللاً في النصوص بأنه يوم وفِّق له، ولا يخفى أن الإجزاء فرع ثبوت التكليف. وبالجملة لا مساغ لأجل الجزئية فضلاً عن الصفتية، وإنما أخذت طريقاً لأنها أتم وأسهل وأعم وصولاً لكل أحد الى إحراز الهلال المولّد للشهر الذي هو تمام الموضوع""(15). .

    على أن اعتبار الرؤية ليس من الحصر في شيء وان بدا في بعض النصوص ذلك، كما في "ليس على أهل القبلة إلا الرؤية، وليس على المسلمين إلا الرؤية" لأنه حصر إضافي وليس حقيقياً، فيلزم وجوب الصوم في حالة تحقق وإحراز الشهر من أي طريق آخر يفيد العلم أو مما قامت على اعتباره الحجة الشرعية.

    *الوجه الثالث: ويقوم على دعوى شمول روايات المنع من التعويل على قول المنجمين لأقوال الفلكيين، فتكون أقوالهم غير معتبرة لجهة سلب الشارع حجيتها واعتبارها. .

    ولم نجد من الفقهاء والأعلام-فيما نعلم- من ادعى هذه الدعوى، إلاّ ما ورد في "كراس" صادر عن إدارة التبليغ الديني التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وهو بصدد الدفاع عن الحكم بعيد الفطر من شهر شوال للعام 1419هج. .

    وقد ورد في الكراس المشار إليه تحت عنوان (إجماع الفقهاء على عدم ثبوت الهلال بقول علماء الفلك ما نصه): ""وقد اجمع الفقهاء في كتبهم الفقهية الاستدلالية-وفي كتب الفتوى"الرسائل العملية"" على القول بأنه ""لا يثبت الهلال بقول المنجمين"" ، والمقصود بالمنجمين عندهم علماء النجوم المصطلح عليهم الآن بالفلكيين، كما صرح بذلك الفقهاء في كتبهم الاستدلالية، وعبر بعضهم عن هذا الموضوع بقولهم ""ولا عبرة بالجدول""، والمقصود بالجدول هو الجداول الفلكية التي يضعها علماء الفلك لبيان أحوال الشمس والقمر وسائر الكواكب، وليس المقصود بالمنجمين-كما قال البعض -المشتغلين بالشعوذة والسحر"ضرب المندل".وقد استند الفقهاء في ذلك إلى الروايات المتواترة بين المسلمين، بأعلى درجات التواتر، التي تأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية، وبرواية صحيحة السند خاصة صريحة الدلالة في هذه المسألة هي رواية محمد بن عيسى التي أوردها الحر العاملي في وسائل الشيعة (ج10/ص297) في الباب الخامس عشر من أبواب أحكام شهر رمضان،الحديث رقم1 وهذا نص الحديث: ""قال محمد بن عيسى كتب إليه أبو عمر:أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست فيها علّة، ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا:أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقيا والأندلس،هل يجوز يا مولاي-ما قال الحسّاب في هذا الباب - حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع: لا تصومنّ الشك، افطر لرؤيته وصم لرؤيته"".

    والمقصود بالحسّاب علماء الفلك. وقد بنى على ذلك كبار فقهاء المسلمين، لاحظ كتاب (الحدائق الناضرة) للمحدّث الشيخ يوسف البحراني (رضوان الله عليه)/ج 13ص 246-247، وراجع كتاب (جواهر الكلام) للفقيه والمحقق الكبير النجفي ج16/ص363، ولاحظ كتاب (مدارك الأحكام) للفقيه المحقق محمد العاملي ج6/(ص175-176)، وكتاب (جامع المقاصد) للفقيه المحقق الكركي ج3(ص93) وغيرها. فاتضح من هذا ما قلناه من أنه لا يجوز شرعاً ولا عقلاً الاعتماد على قول الفلكيين (المنجّمين/الحسّابين) بصورة عشوائية في إثبات الهلال أو نفيه(16). .

    وجواب هذه الدعوى يتوقف على تحقيق أمور: .

    أولاً: بيان مصطلح التنجيم-وما هو المراد من المنجّم. .
    ثانياً: بيان حقيقة التنجيم في الروايات. .
    ثالثاً: حقيقة علم الفلك ومدى دقة دعوى انطباق عنوان التنجيم-اصطلاحاً-عليه. .

    الأمر الأول: .

    أما بالنسبة لبيان مصطلح التنجيم، فان التنجيم -اصطلاحاً-هو معرفة الغيب، ويعتمد على النظرية القائلة بتأثير النجوم في شؤون الإنسان، وهو علم قديم جداً، ويعتبر أساس علم الفلك القديم.


    وكان علم التنجيم في العصور الوسطى مختلطاً بعلمي الكيمياء القديمة والسحر، ثم انفصل عن علم الفلك بعد ظهور(كوبر نيكوس). وكشف الطالع عبارة عن خريطة للسماوات وقت الولادة تستخدم خريطة إيضاحية لدائر البروج ، فيقال إن المنزل أو الرمز في حالة الصعود وقت ولادة الشخص هو الذي يحدّد طبعه، ومدى استعداده للمرض، وتعرضه لبعض الحظوظ أو الكوارث(17). .

    وعليه فان المنجّم هو الشخص الذي يمارس النظر في النجوم ثم يصدر عنها بعض النبوءات والأخبار محاولاً أن يستشف من وراء معرفته أخباراً بالأمور الغيبية(18). .

    والقدماء كما عرفوا الفلك الصحيح عرفوا التنجيم الخرافي أيضاً، ولعل في مقدمتهم الكلدانيين الذين وصلت جداولهم في علم الفلك، والتي تبدأ من عام (568ق.م)، وتتسم بالدقة لتجمعها على مدى فترة طويلة جداً بلغت (300عام) بما لم يتح للفلك في العصر الحديث اختباره(19). .

    ويعرف مما تقدم أن (التنجيم) فن مستقل عن علم الفلك، وان كان على صلة به لجهة من الجهات، ولذلك كان التقسيم لعلم الفلك عند القدماء - ومنهم العرب - ولوقت متأخر إلى:نظري،وعملي،وتنجيم(20). .

    وإذا كان قد روّج بعض السلاطين من أمثال المنصور العباسي لفن التنجيم وقرَّب المنجمين(21) - ومنهم عدد من غير المسلمين -فان حكماء المسلمين وعلماء الفلك-أيضاً-لم يألوا جهداً في محاربته وكشف زيفه وأنه نوع من أنواع الهراء والدجل، كما هو موقف الكندي وابن سينا والفارابي والبيروني(22). .

    ولا إشكال عند فقهاء المسلمين عامة وفقهاء المذهب الإمامي وفقاً لمدرسة أهل البيت (ع) في عدم حجية قول المنجّم-إلا عند بعض منهم(23) - في ثبوت هلال شهر رمضان. .

    وإذا كانت كتب الفتاوى المجرّدة عن الاستدلال وهو ما يعرف ب(الرسائل العملية)قد نصت على عدم ثبوت الهلال بقول المنجمين، فإنها لم تحدد مصطلح (المنجّم) تحديداً واضحاً، وأنه هل يشمل جميع المتعاطين بعلم النجوم وبما يشمل علم الفلك أو لا؟بل لم يتصد الفقهاء-من المنتمين إلى مدرسة أهل البيت (ع) –إلى بيان المراد منه في كتاب الصوم من كتبهم الاستدلالية أيضاً، وان كانوا قد تطرقوا إلى ما يسمى ب(الجدول) أو (العدد) أو (الحساب). .

    ولكنهم – وللإنصاف - بيّنوا المراد من (المنجم) في كتاب (المتاجر) أو (المكاسب)،وأنه: الذي يتعاطى فن النجوم باعتبار تأثيرها في الحوادث السفلية وفي حياة الناس، على اختلاف في تقييده باعتقاد التأثير مطلقاً أو لا، أو تقييده بالإخبار الجزمي القاطع أو لا على هذا النحو. .

    ولا يخفى أنّ مصطلح الفقهاء لا يغير ما عليه غيرهم، إذ ليس لهم اصطلاح خاص في التنجيم وكما هو صريح عباراتهم. .

    قال المحقق الكركي في (جامع المقاصد): ""والمراد من التنجيم الإخبار عن أحكام النجوم باعتبار الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية التي مرجعها إلى القياس والتخمين، فان كون الحركة معينة والاتصال المعيّن سبباً لوجود ذلك،إنما يرجع المنجمون فيه إلى مشاهدتهم وجود مثله عند وجود مثلهما، وذلك لا يوجب العلم بسببيتهما له، لجواز وجود أمور أخرى لها مدخل في سببيته لم تحصل الإحاطة بها، فان القوة البشرية لا سبيل إلى ضبطها، ولهذا كان كذب المنجمين وخطؤهم أكثرياً. وقد ورد من صاحب الشرع النهي عن تعلّم النجوم بأبلغ وجوهه حتى قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ((إيّاكم وتعلم النجوم إلاّ ما يهتدى به في بحر أو برّ ،فإنها تدعو إلى الكهانة والمنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار)).إذا تقرر هذا فاعلم:إنّ التنجيم-مع اعتقاد أنّ للنجوم تأثيراً في الموجودات السفلية ولو على جهة المدخلية حرام، وكذا تعلّم النجوم على هذا الوجه، بل هذا الاعتقاد كفر في نفسه، نعوذ بالله منه.أمّا التنجيم لا على هذا الوجه مع التحرز من الكذب فإنه جائز، فقد ثبت كراهية التزوج وسفر الحج والقمر في العقرب، وذلك من هذا القبيل. نعم هو مكروه لأنه ينجر إلى الاعتقاد الفاسد وقد ورد النهي عنه مطلقاً حسماً للمادة، وتحريم الأجرة وعدمه تابع للفعل. وحكي في الدروس عن بعض الأصحاب القول بتحريمه لما فيه من التعرض للمحظور ولأن أحكامه تخمينية لا تخلو من الكذب، وأما علم الهيئة فلا كراهية فيه، بل ربما كان مستحباً، لما فيه من الإطلاع على عظم قدرة الله تعالى… ""(24). .

    وقد ذكر السيد الخوئي على هامش حديثه عن التنجيم: ""…لا إشكال في جواز النظر إلى أوضاع الكواكب وسيرها، وملاحظة اقتران بعضها مع بعض والإذعان بها والإخبار عنها،كالإخبار عن سير الكواكب حركة سريعة من المشرق إلى المغرب في يوم وليلة التي بها يتحقق طلوعها وغروبها، ويتحقق الليل والنهار،كما حقق في الهيئة القديمة، والإخبار عن الخسوف والكسوف، وعن ممازجات الكواكب ومقارناتها، واختفائها واحتراقها، ونحوها من الأمور الواضحة المقررة في علم معرفة التقويم وعلم الهيئة فان الإخبار عنها- نظير الإخبار عن طلوع الشمس في أول اليوم وعن غروبها في آخره - مبني على التجربة والامتحان والحساب الصحيح الذي لا يتخلف غالباً، ومن الواضح جداً أنه لا يرتبط شيء منها بما نحن فيه، بل هي خارجة عن النجوم "(25)
    وكلامه -رحمه الله - ظاهر في المغايرة بين علم التنجيم وعلم الهيئة. .

    على أن انتسابهما معاً إلى قاسم مشترك وهو النظر في النجوم لا يضر بعد افتراض استقلال كل واحد منهما عن الآخر وتغاير حقائقهما، ولذلك فرّق الفقهاء بين حكميهما من الناحية الشرعية، فقالوا بحرمة تعلّم الأول (التنجيم) واخذ الأجرة عليه،وعدم حرمة الثاني (علم الهيئة) على نحو لا يلزم منه الإخبار بما يخالف الواقع إخباراً جزمياً باتاً. .

    ذكر الشيخ المجلسي في (بحار الأنوار) في حديثه عن أقسام (علم النجوم) وحكم تعلمه: ""…ومنها علم الهيئة والنظر في هيئات الأفلاك وحركاتها، وجوازه لا يخلو من قوة إذا لم يعتقد فيه ما يخالف الآيات والأخبار كتطابق الأفلاك، ولم يجزم بما لا برهان عليه،…ومنها الحكم بالكسوف والخسوف وأوائل الأهلة والمحاق وأشباه ذلك فالظاهر جوازه وان كان الأحوط اجتناب ذلك أيضاً، فان الأحكام الشرعية فيها مبنية على الرؤية لا على أحكام المنجمين بذلك…""(26) بل نقل في (بحاره) عن الشيخ محمود بن علي الحمصي في حديثه عن الفرق بين (التنجيم) وما لا يرجع إليه: ""انّا لا نردّ عليهم فيما يتعلق بالحساب في تسيير النجوم واتصالاتها التي يذكرونها فانّ ذلك مما لا يهمنا ولا هو مما يقابل بإنكار وردّ…""(27). .

    وعبّر بعض المعاصرين(28) عن الفرق بالتساؤل عن اعتبار قول المنجم في تعيين أول الشهر أو غيره من الحوادث المعلومة عنده بوسيلة علم النجوم، في إشارة واضحة إلى الفرق بين (التنجيم) بما مرّ بيانه وبين (علم الهيئة والفلك) الذي يتصل بعلم النجوم لكن لا من جهة القول بالتأثير واكتشاف الغيب كما هو المصطلح.

    وعليه فالتنجيم إن أُريد به معناه اللغوي شمل كل من يتصل بعلم النجوم أو الفلك، ولذلك يعبر الفقهاء عن المنجّم بالفلكي، والفلكي بالمنجّم، وهو تعبير صحيح ولا غبار عليه من حيث المفهوم اللغوي، وإذا كانوا يعبرون به ويريدون المشتغل باكتشاف الغيب والحظوظ فهو تعبير اصطلاحي لأن المفهوم اللغوي لا علاقة له بما أضيف إليه من تنبؤات وعقائد باطلة كما هو (التنجيم) الاصطلاحي(29)، ولذلك اختلفت كلمات الفقهاء وغيرهم ومواقفهم من النظر في علم النجوم بين ما هو إيجابي وبين ما هو سلبي، وذلك لاختلاف النظر والبحث في كل من الحقلين المشار إليهما آنفاً. .

    هذا فضلاً عن اشتغال بعض علماء الفلك في (التنجيم) –اصطلاحاً - مما يوجب الاشتراك، وقد انصرف بعض علماء الفلك إلى (التنجيم) كليةً كما هو الأمر مع أبي معشر البلخي [ت272هج] الذي قصر اهتمامه على (التنجيم ) وفن (الأزياج)(30). .

    ولمزيد من الإيضاح يمكن الإحالة على "المصادر التاريخية" في الفقه، وتحديداً في إطار مدرسة أهل البيت عليهم السلام،لمعرفة ما إذا كان المراد من "المنجّم" هو"الفلكي" بمفهومه اليوم أو لا؟ .

    فقد ذكر الشيخ الطوسي في كتابه (الخلاف): ""…فأما العدد والحساب فلا يلتفت إليهما ولا يعمل بهما، وبه قالت الفقهاء أجمع، وحكوا عن قوم شذاذ أنهم قالوا يثبت بهذين وبالعدد، فإذا أخبر ثقاة من أهل الحساب والعلم والنجوم بدخول الشهر وجب قبول قولهم، وذهب قوم من أصحابنا إلى القول بالعدد، وذهب شاذ منهم إلى القول بالجدول""(31) ولم يبين الشيخ الطوسي مراده من العدد والحساب وعلم النجوم والجدول، وما إذا كان ثمة فرق بين هذه الإمارات والطرق، لكن سنجد في المصادر اللاحقة لعصر الشيخ الطوسي توضيحاً وتحديداً لحقيقتها ومدى الفرق بينها. .

    وفي (تذكرة الفقهاء) كتب العلامة الحلي: ""ولا يجوز التعويل على الجدول، ولا على كلام المنجمين، لأن أصل الجدول مأخوذ من الحساب النجومي في ضبط سير القمر واجتماعه بالشمس، و لا يجوز المصير إلى كلام المنجّم ولا الاجتهاد فيه - وهو قول أكثر العامة- لما تقدم من الروايات. ولو كان قول المنجّم طريقاً ودليلاً على الهلال، لوجب أن يبينه عليه السلام للناس، لأنه في محل الحاجة إليه، ولم يجز له عليه السلام حصر الدلالة في الرؤية والشهادة …وقد شدد النبي صلى الله عليه وآله، في النهي عن سماع كلام المنجّم، فقال (ع): ((من صدّق كاهناً أو منجّما فهو كافر بما أُنزل على محمد))(32)

    وظاهر كلام العلامة أن المنجّم هو ما ذكرناه بالمعنى الاصطلاحي وذلك بلحاظ ما استدل به من كلام النبي (ص) والحكم بكفره ومساواته للكاهن.
    وفي (الروضة البهية) كتب الشهيد الثاني: ""ولا عبرة بالجدول، وهو حساب مخصوص مأخوذ من تسيير القمر، ومرجعه إلى عدّ شهر تاماً وشهر ناقصاً في جميع أيام السنة مبتدئاً بالتام المحرم لعدم ثبوته شرعاً، بل ثبوت ما ينافيه، ومخالفته مع الشرع للحساب أيضاً، لاحتياج تقييده بغير السنة الكبيسية، أما فيها فيكون ذو الحجة تاماً""(33) وبهذا يتفق الجدول مع العدد بمعنى من معانيه. و لا يخفى أن هذا (الجدول) لا علاقة له بعلم الفلك لا القديم ولا الحديث. .

    وقد ذكر السيد السبزواري في (مهذب الأحكام) أن للجدول محتملات عدة منها: ""…التقاويم المعروفة أو جدول أهل الحساب المشتمل على عد شهر تاماً وشهر ناقصاً أو جدول عبيد الله بن معاوية وعبد الله بن جعفر ونسب إلى الصادق (ع)…""(34) .

    وفي (مدارك الأحكام) كتب السيد محمد العاملي: ""ولا اعتبار بالجدول وهو حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر واجتماعه بالشمس، ولا ريب في عدم اعتباره، لاستفاضة الروايات بأن الطريق إلى ثبوت دخول الشهر أحد أمرين،أما رؤية الهلال، أو مضي ثلاثين يوماً من الشهر المتقدم، ولو كان الرجوع إلى المنجّم حجة لأرشدوا إليه، وأيضاً فان أكثر أحكام التنجيم مبني على قواعد ظنية مستفادة من الحدس الذي يخطئ أكثر مما يصيب، وأيضاً فانّ أهل التقويم لا يثبتون أول الشهر بمعنى جواز الرؤية، بل بمعنى تأخر القمر عن محاذاة الشمس ليرتبوا عليه مطالبهم من حركات الكواكب وغيرها ويعترفون بأنه قد لا يمكن رؤيته، والشارع إنما علق الأحكام على رؤية الهلال لا على التأخر المذكور""(35). .

    وكلام السيد محمد العاملي في (مداركه) ظاهر في أن الجدول المشار إليه هو جدول المنجمين، وهو جدول أُعدّ لغرض ترتيب الأحكام والمطالب التي يدعون أنها على ارتباط بالكواكب، وهذا يعني أن (المنجّم) عند الفقهاء هو ما ذكرناه بالمعنى الاصطلاحي، لا عالم النجوم مطلقاً، سواء كان من علماء الفلك المتقدمين أم من المتأخرين والعصر الحديث. .

    بل في قول السيد محمد العاملي ""فان أكثر أحكام التنجيم مبني على قواعد ظنية مستفادة من الحدس الذي يخطئ أكثر مما يصيب"" إشارة واضحة إلى أن التنجيم المراد هو بمعناه الاصطلاحي-اكتشاف الغيب- لأن التنجيم-بمعنى علم النجوم مطلقاً- مما يتصل بالخسوف والكسوف والأهلة فانه علم صحيح ذو قواعد وأصول سديدة كما يعترف به الفقهاء، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في قول السيد المرتضى ومن تأخر عنه من الفقهاء المعاصرين أيضاً. .

    وعليه فان (المنجّم) الذي لا يثبت الهلال بقوله لا يريدون منه الفلكي، بل ذكر السيد الخوئي – صريحاً - أن علم الهيئة خارج عن علم النجوم كليةً. .
    وان كان ثمة دليل على النهي عن الأخذ بكلمات المنجمين بما يشمل علماء الفلك فهو لا يشمل علماء الفلك المتأخرين عن عصر النص(36). .

    وبذلك يتبين عدم دقة ما ذُكر في (الكراس) الصادر عن إدارة التبليغ التابعة للمجلس الشيعي الأعلى في لبنان، من دعوى إجماع الفقهاء على عدم حجية أقوال الفلكيين لصدق عنوان (المنجمين) عليهم، إذ لا الإجماع المدعى صحيح، ولا دعوى تصريح الفقهاء في كتبهم الاستدلالية بأن المقصود بالمنجمين عندهم علماء الفلك المعاصرين (الآن بتعبير الكراس)، ولا دعوى أنّ (الجداول) غير المعتبرة عند الفقهاء هي جداول علماء الفلك المعاصرين، إذ تبين ما هو المراد من هذه الجداول، وهي لا صلة لها مع جداول الفلكيين المعاصرين فضلاً عن الفلكيين القدامى(37). .

    وبذلك يتبين – أيضاً -عدم دقة ما ورد في الكراس المشار إليه: ""وليس المقصود بالمنجمين-كما قال البعض-المشتغلين بالشعوذة والسحر (ضرب المندل)"، "فان التنجيم-الاصطلاحي-ضرب من الشعوذة كما أشار إليه علماء الفلك أنفسهم وحكماء المسلمين، بل ورد في الروايات عن أهل البيت (ع) المنجّم في سياق الكاهن والساحر(38). .

    ومما تقدم يعرف – أيضاً - عدم دقة التسوية - في هذا الكراس-بين الفلكيين والحسّاب أو الحاسبين، إذ بيّنا ما هو المراد من الحساب عند الفقهاء وانه عبارة عن"العدد" بمعنى من المعاني، ولا علاقة له بالحساب عند الفلكيين لا القدامى ولا المحدثين.على أن علم الفلك بصورته الحديثة مغاير- إلى درجة كبيرة جداً - لعلم الفلك القديم.





  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    الأمر الثاني: .

    في معرفة حقيقة التنجيم في الروايات بمعزلٍ عن الاصطلاح عموماً أو في عرف الفقهاء. .

    والذي يظهر من الروايات إن المنجّم هو من يعتقد تأثير النجوم في الحوادث السفلية أو يعتقد قدمها، أو ما ينافي الاعتقاد، وليس فيها إشارة إلى (المنجّم) بما هو عالم في الفلك أو النجوم على نحو العموم. .

    - عن عبد الرحمن ابن سيابة قال: ((قلت لأبي عبد الله (ع):إن الناس يقولون:إن النجوم لا يحل النظر فيها وهي تعجبني فان كانت تضّر بديني فلا حاجة لي في شيء يضر بديني،وان كانت لا تضر بديني فوالله إني لأشتهيها وأشتهي النظر فيها، فقال:ليس كما يقولون لا تضر بدينك. ثم قال:إنكم تنظرون في شيء منها كثيره لا يدرك وقليله لا ينتفع به))(39). .

    والرواية ضعيفة السند، لا أقل من جهة الحسن بن اسباط، فانه مجهول، علاوةً على إجمالها من حيث عدم بيان المراد من النظر في النجوم، وعلى أي نحو يكون، فضلاً عن دلالتها على الجواز فيه من جهة من الجهات.

    - وعن هشام الخفاف قال: ((قال لي أبو عبد الله (ع) :كيف بصرك في النجوم؟ قال:قلت:ما خلَّفت بالعراق أبصر بالنجوم مني، قال:كيف دوران الفلك عندكم؟ - إلى أن قال: - ما بال العسكرين يلتقيان في هذا حاسب وفي هذا حاسب فيحسب هذا لصاحبه بالظفر، ويحسب هذا لصاحبه بالظفر، ثم يلتقيان فيهزم أحدهما الآخر فأين كانت النجوم؟ قال: قلت: لا والله لا أعلم ذلك، قال:فقال صدقت إن أصل الحساب حق، ولكن لا يعلم ذلك إلاّ من علم مواليد الخلق كلهم))(40). .

    والرواية ضعيفة لجهالة راويها هشام الخفاف، ووقوع عدد آخر من المجاهيل في طريقها، كما هو شأن محمد بن الخطاب الواسطي، وأحمد بن عمر الحلبي، على أن مورد الرواية هو (التنجيم) المصطلح، لا علم النجوم أو علم الفلك. .

    وعن معلّى بن خنيس قال: ((سألت أبا عبد الله (ع) عن النجوم أحق هي؟ فقال: نعم إن الله بعث المشتري إلى الأرض في صورة رجل فأخذ رجلاً من العجم فعلّمه-إلى أن قال- ثم أخذ رجلاً من الهند فعلّمه…))(41).

    والسند ضعيف لا أقل من جهة سلمة بن الخطاب، وسهل بن زياد علاوة على غرابة مضمونها. .

    - وعن جميل بن صالح عمن أخبره عن أبي عبد الله (ع) قال: ((سُئل عن النجوم؟ قال ما يعلمها إلا أهل بيت من العرب وأهل بيت من الهند))(42) .
    والسند ضعيف، لا أقل من جهة جميل بن صالح، إذ لم يُوثق إلا أن يقال بتوثيقه لجهة روايته في (كامل الزيارات) و(تفسير علي بن إبراهيم). .

    - وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه: نهى عن خصال تسعة:عن مهر البغي ….وعن النظر في النجوم(43) .

    والرواية ضعيفة سنداً، لجهالة عدد من رواتها، منهم إبراهيم بن محمد بن حمزة، فضلاً عن الإجمال في الدلالة.

    - عن أبي الحصين قال:سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ((سئل رسول الله (ص) عن الساعة؟ فقال :عند إيمان بالنجوم وتكذيب بالقدر))(44). .

    ومع الغض عن سندها، فان دلالتها واضحة في الإنكار على الإيمان بالنجوم على نحو يتناقض والاعتقاد، بقرنية التكذيب بالقدر، وهو معنى لا صلة له بعالم الفلك وعلم الهيئة. .

    - عن نصر بن قابوس قال: ((سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:المنجم ملعون،والكاهن ملعون، والساحر ملعون، والمغنية ملعونة، ومن آواها ملعون، وآكل كسبها ملعون))(45). .

    ومع غض النظر عن سندها لضعفه، فان الرواية بصدد الإنكار وإدانة المنجم بما هو قريب من الكاهن والساحر، ولا أقل من الإجمال. .

    -قال عليه السلام - كما في مرسل الصدوق: ((المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر والسحر كالكافر، والكافر في النار))(46). .

    وفضلاً عن الإرسال فان الدلالة – هنا - لا تبتعد عن الرواية السابقة. .
    - عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (ع) -في حديث - أنّ زنديقاً قال له: ((ما تقول في علم النجوم ؟ قال: هو علم قلَّت منافعه، وكثرت مضاره، لا يدفع به المقدور ، ولا يتقى به المحذور، إن خبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القشاء وان خبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وان حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد الله في علمه بزعمه أنه يرد قضاء الله عن خلقه))(47). .
    والرواية وان كانت مرسلة، ألا أنها واضحة الدلالة على إدانة المنجم بما هو يخبر عن الغيب. .

    - عن ابن أعين قال: ((قلت لأبي عبد الله (ع) أني قد ابتليت بهذا العلم فأريد الحاجة، فإذا نظرت إلى الطالع ورأيت الطالع الشر جلست ولم أذهب فيها، وإذا رأيت طالع الخير ذهبت في الحاجة فقال لي:تقضي ؟ قلت: نعم، قال:احرق كتبك))(48) .

    والرواية مع الغض عن سندها، فهي في مقام النهي عن العمل بعلم النجوم-المصطلح- لكونه من باب استكشاف الغيب وإشاعة التطيّر.. .

    - عن ابن عوف قال: ((لما أراد أمير المؤمنين (ع) المسير إلى أهل النهروان أتاه منجم، فقال له يا أمير المؤمنين: لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار، فقال له أمير المؤمنين (ع) ولم؟ قال: لأنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك أذى وضرر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وظهرت و أصبت كلما طلبت، فقال أمير المؤمنين (ع): تدري ما في بطن هذه الدابة أذكر أم أنثى؟ فقال: إن حسبت علمت، فقال أمير المؤمنين (ع): من صدقك على هذا القول فقد كذب بالقرآن:"إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير".ما كان محمد صلى الله عليه وآله يدعي ما ادعيت، أتزعم أنك تهدي الى الساعة التي من صار فيها صرف عنه السوء والساعة التي من صار فيها حاق به الضرر، من صدقك بهذا استغنى بقولك عن الاستعانة بالله في ذلك الوجه و أحوج إلى الرغبة إليك في دفع المكروه عنه وينبغي أن يوليك الحمد دون ربه عز وجل فمن آمن لك بهذا فقد اتخذك من دون الله ضداً ونداً، ثم قال عليه السلام: اللهم لا طير إلا طيرك ولا ضير إلا ضيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله إلا غيرك، ثم التفت إلى المنجّم وقال: بل نكذبك ونسير في الساعة التي نهيت عنها))(49). .

    والرواية واضحة الدلالة في النهي عن التنجيم - المصطلح -بما هو ادعاء معرفة الغيب، وكشف لحظوظ البشر ومستقبلهم….

    وعليه فانَّ الذي يظهر من الروايات: أنَّ المنجّم هو من يعتقد تأثير النجوم في الحوادث السفلية، ويدعي معرفة الغيب، على نحو يستشرف المستقبل من خلال التطلع في حركة الكواكب، وليست في مقام الحديث-كلية-عن علم النجوم بما هو علم لا علاقة له بهذا الادعاء، بلا فرق بين علم الفلك القديم أو الحديث. .

    نعم ربما يدَّعى إن علم النجوم الاصطلاحي (التنجيم) مما يتصل بعلم الفلك، وكان من يتعاطاه يتعاطاهما معاً، و لكنه لا يؤثر على حقيقة اختلافهما وتباين قواعدهما ومتانتهما ودقتهما، ولذلك فرّق الأعلام-كما ذكرناه عن السيد الشريف المرتضى- بين قول المنجم في استكشاف الغيب، وقوله في الأهلة والخسوف والكسوف.. .

    وعودا على بدء، يمكن القول: إن الروايات خالية من الإشارة إلى المنجّم بما هو عالم فلك، إلا ما ورد بعنوان (الحاسب) ولذلك فينبغي الوقوف على ما ورد من الروايات بشأنه، لمعرفة ما إذا كانت تنهى عن الأخذ بقوله.

    وقد روى محمد بن عيسى قال: ((كتب إليه أبو عمر أخبرني إنه ربما أُشكل علينا هلال رمضان ولا نراه ونرى السماء ليست فيها علة ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا:إنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقية والأندلس.هل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا، وفطرهم خلاف فطرنا؟فوقّع:لا تصومن الشك،افطر لرؤيته وصم لرؤيته))(50). .

    والظاهر أن الرواية معتبرة من حيث السند، وإن طعن فيها بعض المعاصرين(51) -إنما البحث في دلالتها، وهل هي صريحة الدلالة-كما يدّعى-في النهي عن الأخذ بأقوال وآراء الفلكيين وخاصة المعاصرين أو لا تدل على ذلك؟ .
    والصحيح:أنّ الرواية ليست صريحة الدلالة في النهي عن الأخذ بقول ورأي الفلكي، على الأقل لجهة عدم وضوح المراد من المصطلح (الحسّاب) الوارد في الرواية، إذ ربما يراد به المنجّم –الاصطلاحي –الذي مرّت الإشارة اليه، وقد كان يمارس الوظيفتين معاً، ولا أقل من الاجمال، ولو أُريد من (الحسّاب) في الرواية الفلكيين فهي لا تنهى عن قبول قول ورأي الفلكيين المعاصرين للفرق بين ما وصل إليه علم الفلك الحديث وما كان عليه علم الفلك القديم، خاصةً مع اللجوء إلى المناظير، والتي تطورت تطوراً كبيراً بفضل التقنيات الحديثة وخروج الإنسان إلى الفضاء واستعمال المركبات الفضائية والأقمار الفضائية الكثيرة التي تسبح في الفضاء.

    على أنّ جواب الإمام (ع) لم يتعرض لحجية قول الحسّاب أو عدم حجيته بشكل مباشر، وإنما أجابه بجواب كلي ضابطه:إن الصوم لليقين لا للشك، وربما في الرواية إشارة - من خلال تساؤل السائل نفسه - إلى الشك فـي قول الحسّاب مع افتراض خلو السماء من العلة المانعة من الرؤية، وان كانت الرواية بصدد نفي حجية قول ورأي الحسّاب-فإنها صادرة على نحو القضية الخارجية فلا يصح تعميمها على الفلكيين-مطلقاً-بوجه من الوجوه. .

    على أنّ هذه الحسابات التي كانت سائدة – يومذاك - لم تكن معمولة لرؤية الأهلة لتثبت بها الرؤية كما أشار إليه أحد أبرز الفلكيين المسلمين وهو البيروني(52)، مضافاً إلى أنّ معطيات علم الفلك- يومذاك -لم يكن قادراً على تحديد الرؤية بما هو عليه علم الفلك اليوم وفقاً للحسابات الدقيقة، مضافاً إلى التقنيات الحديثة، من مركبات فضائية وأقمار صناعية ومراصد أرضية، تعمل وفقاً لأدق الحواسيب الإلكترونية.

    وقد ألف الحكيم والفيلسوف أبو يوسف الكندي [ت252 هج] رسالة في (أنّ رؤية الهلال لا تضبط بالحقيقة و إنما القول فيها بالتقريب)(53). .

    وعليه فالرواية المشار إليها آنفاً ليست دالة على المنع من التعويل على رأي الفلكيين المعاصرين المحدثين على أقل تقدير، هذا ولم أجد من الفقهاء المعاصرين - فضلاً عن القدماء - من درس هذه الرواية وحدَّد دلالتها كما درسها السيد محمد الصدر فراجع(54). .

    وقد روي من طرق العامة كما في كتاب الصوم من (صحيح البخاري) عن النبي (ص) انه قال: ((إنّا أمة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا))، وهو لا يدل-كما لا يخفى- على النهي عن إتّباع علم الفلك لأنه ان دلّ على ذلك فهو وارد على نحو القضية الخارجية، مع أنه تقرير لحال الأمة يومذاك بقرينة قوله لا نكتب. .
    الأمر الثالث: .

    وهو في حقيقة علم الفلك وعلاقته بالتنجيم، ومدى دقة معطياته العلمية. .
    وقد تبين مما سبق أن لا دليل على ما ادعي من التماهي بين علم الفلك والتنجيم وانهما فن واحد، بل اتضح أنّ المأخوذ في الروايات وفي ألسنة الفقهاء لا علاقة له بعلم الفلك، خاصة بشكله الحديث وما وصل إليه من تطور كبير..

    ولا ندري كيف يتم التشريك والتسوية بين فن التنجيم وعلم الفلك، والأخير يتوقف على دراسات دقيقة ابتداء بعمليات الرصد والمسح السماوي ودراسة قوانين حركات ومدارات الأجرام السماوية وإجراء القياسات والاختبارات والحسابات المتعلقة بها مما يحتاج إلى زمن طويل يصرفه الفلكي من عمره لدراسته، مروراً بدراسته الرياضيات العالية والقياس الفلكي والميكانيك السماوي والفيزياء الفلكية وعلم نشوء الكون والكونيات وفيزياء الفضاء والبصريات وعلم القمر وجغرافيته الطبيعية والكواكب والأرصاد الجوية والاتصالات الفضائية والملاحة الفضائية والأجهزة الإلكترونية الحديثة وتقنية الأقمار الصناعية، وانتهاء بمواضيع أخرى مثل الديناميكا الحرارية وميكانيك السوائل والتحليل الحراري والديناميكا الجوية وقياس الظواهر الشمسية والمسح الفضائي والتحليل الإحصائي(55). .

    لكن بدا لصاحب (الكراس) الصادرة عن إدارة التبليغ التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى - في لبنان - أن يساوي بين المنجّم والفلكي وان كان في صورته المتقدمة، كما هو عليه علم الفلك في العصر الحديث.

    وذكر ""أنّ نتائج أبحاث علماء الفلك في أحوال الهلال ليست يقينية بالدرجة التي يتوهمها البعض، بل توجد ترجيحات يمكن أن تكون مخطئة""(56) و""أنه لا يوجد إثبات فلكي بالمعنى العلمي، بل توجد ترجيحات واحتمالات مختلفة ومتعارضة""(57). .


    بل ادعى الشيخ محمد مهدي شمس الدين،رئيس المجلس نفسه، أن هناك ثغرات في حسابات الفلكيين، وان هذه الحسابات قد تدير إطلاق صاروخ، ولكن لا تدير ولادة الهلال…(58) .

    ولا ندري ما هو الدليل الذي بمقتضاه يكون علماء الفلك عاجزين عن تحديد ولادة الهلال وهم قادرون على إدارة إطلاق الصاروخ؟! وكيف يجازف رواد الفلك والفضاء في الخروج إلى خارج الأرض ويبحثون في الفضاء الخارجي وهم لا يثقون بحساباتهم؟! .

    وكيف لا يثق الشيخ بحساباتهم هذه وقد رأى بعينه-كما رأى سكّان العالم أجمع-كيف أخبروا عن كسوف الشمس الذي وقع يوم الأربعاء من شهر آب لهذا العام (1999) والذي أخبر عنه علماء الفلك قبل عشرات السنين، فضلا عن إعلانهم عنه قبل أشهر من وقوعه، وأخبروا بوقوعه في الأعوام القادمة؟!وقد أخبروا عن وقوعه في اليوم والشهر والسنة، بل والساعة والدقيقة أيضاً. والكسوف والخسوف وتحديد ولادة الهلال من وادٍ واحد. .

    دعوى عدم إفادة قول الفلكي أو علم الهيئة هذه كانت موضع استنكار أحد ابرز الفقهاء الموسوعيين، وهو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين العاملي المعروف بالشيخ البهائي [ت1030 هج] إذ كتب في ردّ هذه الدعوى:

    ""وأما قولك إن شيئاً من كلامهم لا يفيد علماً ولا ظناً فبعيد عن الإنصاف جداً.وكيف لا يفيد شيء من كلامهم علماً وظناً وقد ثبت أكثره بالدلائل الهندسية…""(59). .

    هذا كان قبل ما يقارب من أربعة قرون فكيف وقد تطور علم الفلك والهيئة تطوراً مذهلاً في القرن الأخير!

    على أن علم الفلك ليس على قسم واحد، بل هو على أقسام عدة(60)، منها: الفلك الكروي، وهو مبني على حساب المثلثات الكروية ويتناول أوضاع الأجرام السماوية ونسبة بعضها لبعض، أو بالنسبة لدوائر ونقط مفروضة في الكرة السماوية، ومنها:الميكانيكا السماوية، و يبحث في تطبيق قوانين الحركة على المجوعة الشمسية، ومنه:الفلك الديناميكي، ويبحث في الحركات الذاتية للنجوم والمجموعة الشمسية والمجّرات، ومنها :الفلك الطبيعي، وهو حديث العهد، نشأ بعد اختراع المطياف وتقدم الأجهزة الإلكترونية، ويبحث في تحليل أوضاع الأجرام السماوية لمعرفة تركيبها الكيمياوي والطبيعي، ومنها: الفلك النظري، ويتناول محاولة تفسير نتائج الأرصاد عن طريق نظريات مقترحة مبنية على فروض فيزيقية وكيمياوية ورياضية، بحيث تؤدي النظرية بقدر المستطاع إلى تلك النتائج، ومنها: الفلك العملي، ويشتمل على الأرصاد باستخدام الأجهزة المتنوعة على الحسابات المختلفة. .

    ومصداقية ودقة نتائج علم الفلك في هذه الحقول ليست على درجة واحدة، بل تختلف من حقل إلى حقل، تبعاً للمنجز العلمي التاريخي الذي وصل إليه علماء الفلك في هذا الحقل أو ذاك، وتبعاً للآليات والوسائل الممكنة الإجراء في هذا الحقل أو ذاك، ولذلك لابد من معرفة رأي علماء الفلك ومدى دقة معطياتهم العلمية في موضوعنا، وهو الهلال،من حيث تحديد ولادته، أو من حيث الإخبار والتنبوء عن إمكانية رؤيته، وهو يتوقف على الرجوع إلى أهل الفن نفسه، ولا يجوز بأي وجه من الوجوه الرجوع إلى غيرهم أو التخرص فيه ، لأنه قول بغير علم. .

    وينبغي التأكيد على أن علماء الفلك لا يخفون الثغرات التي يمكن أن تحول-أحياناً- دون الوصول في عملهم إلى الحقائق، لأنهم محايدون في هذا المجال، فضلاً عن إمكانية الرجوع إلى المسلمين من علماء الفلك لمعرفة طبيعة معطياتهم العلمية ودقتها ومتانتها. .

    وما يهمنا من نتائج علم الفلك هو تحديد أمرين، الأول: تحديد ولادة الهلال فلكياً، ومدى دقة هذا التحديد، والثاني: حساب الفلكيين لإمكانية الرؤية ومدى دقة هذا الحساب، وهل يفيد في تحديد بداية الشهر من الناحية الشرعية أو لا؟ .

    أولاً: تحديد الولادة فلكياً

    كما أشرنا – سابقاً - فان قيمة المعطيات العلمية لعلم الفلك مما يحدده علماء الفلك أنفسهم، فلا ينبغي بل لا يجوز التخرص في هذا المجال، وادعاء أي باحث من خارج حقل الفلك في تحديد قيمة هذه المعطيات والنتائج سلباً أو إيجابا يعد مجازفة علمية وغير مبرر على الإطلاق. .

    ولهذه الجهة حاولت التعرف على رأي بعض المشتغلين في هذا الحقل لتحديد قيمة النتائج الفلكية في تحديد ولادة الهلال وما إذا كانت حسابات الفلكيين دقيقة في هذا المجال أو لا، وهل هي موضع اتفاق بينهم أو ليست كذلك، وهل تصل نتائجهم إلى مرتبة الحقائق العلمية أو إنها مجرد نظريات أو احتمالات متضاربة ومتناقضة كما يحلو للبعض وصفها. .


    كتب الدكتور يوسف مروة (عضو عامل في الجمعية الملكية الفلكية الكندية -فرع تورنتو - منذ أكثر من ربع قرن)، لبيان مدى دقة هذه النتائج عموماً وفي تحديد ولادة الهلال بشكلٍ خاص ما نصه: ""إن الجداول الفلكية التي أطلق عليها علماء الفلك المسلمون اسم (الأزياج) والتي وضعت في القرون الوسطى يوم لم تكن هناك مراقب (تلسكوبات) إلكترونية ولا رادار ولا أشعة ليزرية ولا أشعة تحت الحمراء ولا أشعة أكس أو غاما ولا أقمار صناعية، بل اعتمدت على أجهزة بدائية بسيطة مثل الإسطرلاب والحلقة الاعتدالية وذات السمت وذات الجيب وذات النقبتين وعصا الطوسي الخ…ما تزال حساباتها صحيحة ومعتمدة حتى اليوم دون خطأ يذكر في بعض المناطق الإسلامية الآسيوية. وإذا تعاملنا مع الجداول الحديثة التي يشرف على وضعها علماء الفلك المعاصر نجدها في غاية الدقة بحيث لم يحدث خلال هذا القرن بناءً على الجداول المتوفرة في المكتبات العامة ولا مرة إن اختلفت جداول شروق وغروب وكسوف وخسوف الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة المعروفة في المجموعة الشمسية بمقدار جزء واحد من عشرة أجزاء من الثانية الزمنية، وان أرصاد علماء الفلك بخصوص وقت دخول القمر في المحاق وخروجه والوقت المحدد لرؤيته ومقدار بعده الزاوي (مقاساً بالدرجات القوسية) عن الشمس، ومقدار ارتفاعه فوق الأُفق (مقاساً بالدرجات القوسية) ورصد بعده الأقصى عن الأرض (APOGEE) وبعده الأدنى عنها(PERIGEE)…كلها معلومات دقيقة يقينية معروفة لعلماء وطلاب علم الفلك وأصبحت من البديهيات بين العلماء والطلاب في هذا العصر وليست أوهاماً كما ظن كاتب دراسة إدارة التبليغ سامحه أو سامحهم الله. كما أن العقل البشري لا يعتمد على كل هذه المعلومات العلمية بصورة عشوائية، بل هي جزء رئيسي من النظام الفيزيائي الرياضي الكوني ولم يحصل في تاريخ الاتحاد العالمي لعلماء الفلك الغربي ،ويضم في عضويته آلاف العلماء، أي اختلاف حول تعيين وقت دخول وخروج القمر إلى ومن المحاق في أي مكان في العالم خلال هذا القرن، ونتمنى على الذين يشككون بأرصاد ومقاييس وتجارب ودراسات علم الفلك (بشرط ألا يسبغوا على تقارير المنجمين اسم علم الفلك ) أن يثبتوا بالبرهان الموثق وجود أي اختلاف في الجداول المنشورة حول هذا الموضوع، وذلك بان يختاروا هلالا من أهلة الشهور الماضية قبل عشرة أو عشرين أو خمسين أو مائة سنة، فيقابلوا بين جداول زيج جامعة السوربون-مثلا- وزيج جامعة أوكسفورد أو هيدلبلرغ أو برنستون التي تشير إلى ذلك الهلال المعين، ويبينوا لنا من صفحات تلك الازياج المنشورة، أن هلال رمضان-مثلاً-عام 1920قد اختلف وقت ولادته بين جدول وآخر حسب التوقيت العالمي. إننا نؤكد ونجزم-ونحن على يقين تام-بأن شيئاً من هذا لم يحدث. والمعروف أن بعثات علمية فلكية تسافر مسافات طويلة (آلاف الكيلومترات أحيانا) لتتمركز في البقعة التي سيحصل فوقها دخول القمر في المحاق مع كسوف كلي للشمس. وفي هذه المناسبات التي تتكرر سنوياً بمعدل سنتين على الأقل، أي خلال مائتي مناسبة في هذا القرن، لم يخطأ علماء الفلك أبداً، ولو بمقدار عُشر ثانية بتعيين وقت ومكان حصول الكسوف الشمسي، فأي دقة أكثر من ذلك ويقين أكثر من ذلك يتطلب العقل البشري كبرهان على صحة ومصداقية القوانين الرياضية والفيزيائية؟ انه لمن المستغرب كيف سمح سماحة الشيخ شمس الدين بصدور مثل هذه الهفوة في دراسة إدارة التبليغ، وهو الذي أسس جامعة علمية إسلامية، ويعمل على تجهيز واعداد مختبراتها التجريبية، فهل هو في شك من الحقائق العلمية التجريبية التي يتعامل بها العلماء وأهل الخبرة والاختصاص التقني والهندسي…""(60).

    كما كتب لي مدير معهد الفلك وعلم الفضاء في جامعة آل البيت في عمّان الدكتور حميد النعيمي: ""إن لحظة ولادة الهلال-لحظة الاقتران/المحاق - هي واحدة بالنسبة لمركز الكرة الأرضية لدول العالم كافة، ويمكن حسابها بدقة عالية جداً لا يختلف عليها اثنان، يصل مقدار الخطأ فيها إلى عدد من الثواني، وهذا الخطأ لا يؤثر على الحساب اطلاقاً، ويعتمد تحديد وقت لحظة ولادة الهلال على حسابات رياضية مجردة تعتمد على عدة عوامل تتعلق بالحركات المحورية للقمر والأرض والحركات المدارية حول الشمس، وان هذه الحسابات متفق عليها عالمياً لا تقبل الشك إطلاقا""(62)،.وكتب لي في رسالة أخرى ""…حساب لحظة الولادة حقيقة علمية""(63) نافياً أن تكون نظرية قابلة للنقاش أو للرد. .

    ثانياً:حساب الفلكيين لإمكانية الرؤية

    ولما كانت الولادة الفلكية للهلال غير كافية لإثبات بداية الشهر شرعاً فلا بد من بحث حساب الفلكيين لإمكانية الرؤية، وبمعنى آخر:إثبات كون الهلال مرئياً وقابلاً للرؤية. .

    ولم تكن المنجزات الفلكية-في الأزمنة السابقة- قادرة على التنبؤ بوقت وزمن رؤية الهلال بدقة، وذلك لعدة أسباب منها عدم إدراج العوامل الجوية في الأعمال، ولكن هذه المنجزات أخذت بالتطور ابتداءً من العام 1910م ووصولاً إلى العام 1988م والذي تُوّج بما قام به نموذج (شيفر) العالم الفلكي المعروف ، وذلك بإدخال كل العوامل المؤثرة على ظروف المشاهدة من حرارة ورطوبة وتلوث وما إلى ذلك.(64)

    ويدرج علماء الفلك عدة شروط لحساب الزمن الذي يمكن فيه تحديد رؤية الهلال، وبعضها يتصل بالأوضاع النسبية للشمس والقمر والتي لا نتعرض لها لطبيعة لغتها الاختصاصية، إنما المهم هو الإشارة إلى اتفاقهم على عدم إمكانية روية الهلال ما لم يكن قد مرّ على ولادته زمن كافٍ لاكتسابه الضوء الذي يجعله مرئياً، وقد حددت التجارب الفلكية مدتها بين 2/1, 13إلى16 ساعة، حيث لا يمكن رؤية الهلال منذ ولادته بأقل من هذه المدة، أو على الأقل انهم ومنذ العام 1859م لم يُر الهلال بأقل من مرور 15 ساعة على ولادته(65)، إلا ما سجله - استثناءً المشاهد روبرت فكتور والذي سجل الرقم القياسي في هذا المجال(66).. .

    وقد كتب لي الدكتور النعيمي: ""تكون رؤية الهلال ممكنة عند غروب الشمس بعد مرور 12 ساعة فأكثر من لحظة ولادته…قد تكون صعبة جداً عندما يكون عمره 12 ساعة، فلابد من رؤيته عند مواقع بعيدة جداً من مراكز المدن، ومن التلوث الضوئي والصناعي والجوي، ومن على مرتفعات عالية باستخدام الأجهزة الفلكية…لذلك تكون رؤيته ميسورة بعد عمر يتجاوز 15 ساعة … سبق وان أجرينا أرصاد ميدانية كثيرة ولعدد من السنوات، فقد شاهدنا مرتين (بصعوبة جداً) بعمر 12 ساعة تقريباً، ولكن باستخدام الأجهزة ومن قمة جبل ارتفاعه 2000م عن مستوى سطح البحر في المنطقة الشمالية من العراق بعيداً عن المدن""(67).

    ولعل من الشروط التي لم يلتفت إليها الكثير من المهتمين بالهلال هو ألا يقل مكث الهلال في الأفق الغربي بعد مغيب الشمس عن 30 دقيقة زمنية.ولذلك يقول الفلكيون أنه ومنذ العام 1859م لم تتم أبدا مشاهدة هلال جديد غرب بعد الشمس بأقل من 22 دقيقة(68). .

    كما انه لابد من الإشارة إلى عدم إمكانية الرؤية بعد غروب الشمس مباشرة، لأن الشمس تكون مشبعة بالإضاءة وملونة من جهة المغرب بحمرة الشفق التي ترافق الشمس عند غروبها، فضلاً عن أن نور الهلال يكون ضعيفاً جداً، بحيث تخفي هذه الإضاءة نور الهلال الوليد الذي يكون دقيقاً جداً(69). .

    هذا كله مع الالتفات إلى العوامل الجوية من ضباب وتلوث وغبار، فضلاً عن الوضع الصحي للناظر سواءً على مستوى البصر وقدرته على النظر أو تأثره بعوامل نفسية واجتماعية. .

    وعلى هامش الحديث عن المنجزات العلمية الفلكية لتحديد زمن رؤية الهلال يحسن أن أشير الى المفارقة التي اشتمل عليها (الكراس)الصادر عن إدارة التبليغ التابعة للمجلس الإسلامي الشيعي في لبنان إذ ورد فيه ما نصه:

    ""لقد أثبت العالمان الفلكيان (دوجت/وشيفر) في بحث لهما عام 1994م، بعد وضع قواعد لرؤية الهلال أن 15% من الراصدين قالوا أنهم رأوا الهلال في الحالات التي تقرر في الأبحاث النظرية أنه لا يمكن أن يرى فيها، وسميا هذا الخطأ بالخطأ الموجب تمييزاً له عن الخطأ السالب الذي وجدا أنه 2%ويحدث حينما تكون شروط الهلال متوفرة، ويقول الراصدون بعدم رؤيتهم له رغم صفاء الجو وسلامة أبصارهم.وهذا يؤكد أن نتائج أبحاث علماء الفلك في أحوال الهلال ليست يقينية بالدرجة التي يتوهمها البعض، بل هي ترجيحات يمكن أن تكون مخطئة""(70). .

    ويبدو أنّ كاتب (الكراس) لم يطلع على نظرية(دوجت/وشيفر) وظن أن المراد من (الراصدين) هم الفلكيون فاستفاد من ذلك أن نتائجهم بنسبة15%خاطئة ويمكن أن تتخلف عن إثبات أبحاثهم النظرية في حين أن المراد من (الراصدين) هم المستهلون. .

    إن تجربة(دوجت/وشيفر)تتضمن إثبات عدة قواعد منها ما يتعلق بهذه المغالطة: ""حيث ذكر أن 15%من آلاف المشاركين قد أخطئوا في تعيين هوية ماشاهدوا، حيث اعتبروا الخيط الرفيع من الغيم أو ظاهرة الانعكاس الضوئي الدقيق في الجو هلالاً، في حين أن الهلال الحقيقي لم يكن موجوداً في الأفق""(71). .

    وعليه فان(دوجت/وشيفر) بصدد كشف حقيقة الادعاءات الحسنة برؤية الهلال فضلاً عن الادعاءات الباطلة والكاذبة، وليس بصدد الحديث عن خطأ علماء الفلك في رصد الهلال، ولكن للأسف فهم كاتب (الكراس) المشار إليه أن المراد من الراصدين هم الفلكيون في حين أن المراد بهم هم المستهلون والمشاهدون. .

    وأطرف من ذلك الاستنتاج الذي وصل إليه كاتب (الكراس) من قراءته للتقاويم التي أدرجها في نهاية (الكراس) وهي:تقويم الصائغ، وتقويم دار الإفتاء،وتقرير البحرية الأمريكية، وقد رأى أن من يعتمد قول الفلكي لابد أن يثبت بداية شهر شوال للعام 1419هج يوم الاثنين الموافق ل18/1/1999 لا يوم الثلاثاء.

    وتظهر المفارقة في هذا الاستنتاج من جهتين:

    الأولى:في عدم تمييزه بين التقاويم هذه وجداول الفلكيين.

    والثانية: في عدم اطلاعه على شروط إثبات بداية الشهر بقول الفلكي،وقد أشرنا إليها، إذ يشترط في ذلك على الأقل مرور مدة زمنية لا تقل عن 2/1 ,13 ساعة، بل أكثر وأن يمكث الهلال بعد غروب الشمس بما لا يقل عن 30 دقيقة. وقد شهد الآلاف من علماء الفلك بعدم إمكانية رؤيته لعدم مرور الزمن الكافي الذي يكسبه الضوء ليكون مرئياً وذلك في تمام بقاع العالم، فيكون العيد حسب رأي الفلكي يوم الثلاثاء لا كما يدعي كاتب (الكراس) المشار إليه، فإذا كان يمكث في (سان فرانسيسكو) بالدقائق23 دقيقة بعد الغروب، فإنه لا يرى مع ذلك لأن عمره من ولادته (9:29) ساعة،وهو زمن لا يكفي للرؤية كما ذكرنا آنفاً ، فكيف بالبلاد العربية والإسلامية التي يولد فيها بعد الغروب. .

    وبهذا يتضح أن هذا الوجه-الثالث- غير تام، وذلك لاختلاف حقيقة التنجيم وعلم الفلك، وعدم دلالة الروايات على النهي عن العمل بأقوال الفلكيين، بل ولا إجماع من الفقهاء بالمنع من التعويل على أقوال الفلكيين. .






  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    *الوجه الرابع: .

    ربما يستدل على المنع من التعويل على أقوال الفلكيين بإطلاق روايات النهي عن العمل بالظن في إثبات بداية الشهر، وتحديداً شهر رمضان، ومن هذه الروايات ما روي:

    - عن سماعة قال: ((صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن))(72). .

    - عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: ((في كتاب علي (ع):
    صم لرؤيته وافطر لرؤيته، وإياك والشك والظن، فان خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين))(73). .

    - عن علي بن محمد القاساني قال: ((كتبت إليه وأنا بالمدينة، أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يُصام أم لا؟فكتب:اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية وافطر للرؤية))(74). .

    - عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخرّاز، عن أبي عبد الله (ع) - في حديث
    قال: ((إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظني))(75). .
    وتقريب الاستدلال بهذه الروايات يتوقف على إثبات كون نتائج ومعطيات علم الفلك مما يفيد الظن ولا ترقى نتائجه إلى مرتبة العلم واليقين أو الاطمئنان. .

    ويرده:أن العمل بأقوال الفلكيين أن أوجب الظن لا غير فلا إشكال في شموله بهذه الروايات،ولذلك مَنع الفقهاء(76) من اعتبار قول المنجم لأن جداوله مما لا يفيد العلم،على أن الظن في الروايات ليس بمعناه المنطقي، بل يراد منه الشك والتخمين. .

    وإن أوجب قول الفكي اليقين أو الاطمئنان - وهو المعروف بالعلم العادي أو العرفي-فلا إشكال في عدم شمول هذه الروايات له، فيكون المورد مشمولاً بحجية العلم الذاتية للعلم والاطمئنان على قول أو للإمضاء الشرعي، للسيرة العقلائية القائمة على العمل بالاطمئنان.ومن المعلوم أن العلم مما لا ينهى عنه الشارع، وبناءً عليه ففي كل مورد حصل للمكلف علِم بشأنه كان حجة عندهم بلا ريب،ولذلك حكموا في جواز التعويل على قول المنجّم إن أفاد قوله العلم(77) بل الوثوق والاطمئنان(78)، بل حكموا بإحراز النسب الشرعي ببعض القرائن إن أوجبت العلم، ومن ذلك الطرق العلمية الحديثة(79) بل يثبت القتل بالطرق العلمية الحديثة التي تفيد اليقين ولا تختلف فيها الاجتهادات(80). .

    وعليه فلا بد أن يجري البحث في مدى إفادة قول الفلكي العلم بثبوت بداية الشهر، وقد سبق أن أوضحنا أنه يفيد العلم وليس من التخمين في شيء، ودعوى أن علم الفلك في هذا المقام ليس إلاّ مجرد احتمالات وليست يقينية بلا دليل وعهدتها على مدعيها. .

    *الوجه الخامس: .

    ويستند على ما تسالم عليه الفقهاء من اشتراط الحسية في قبول الشهادة على نحو لو كانت الشهادة عن حدسٍ لم تقبل وإن كانت عن علم ويقين، والمقام من هذا القبيل، لأنّ أقوال الفلكيين وتحديداً في مسألة تحديد زمن ولادة الهلال وزمن رؤيته وإن كانت موجبة للاطمئنان على أقل تقدير إلاّ أنها تستند إلى الحدس، فلا تصلح شهاداتهم للاعتماد بناءً على ما قدمناه. .


    وقد كتب الشيخ زين الدين: ""يعتبر في حجية البينة أن يشهد الرجلان برؤية الهلال بالحس، فلا يقبل قولهما إذا شهدا بأن الليلة هي ليلة الهلال شهادة حدسية تعتمد على بعض القواعد النظرية، وإن كانا قاطعين بصحة ما يقولان، ولا تقبل شهادتهما إذا شهد أحدهما برؤية الهلال حساً، وشهد الثاني شهادة تعتمد على الحدس…""(81). .

    ويرد هذا الوجه: أن نتائج ومعطيات علم الفلك -وتحديداً علماء الفلك المحدثين منهم - لا تستند إلى القواعد النظرية وحسب مما يندرج تحت عنوان الحدس، بل هي مزيج من القواعد النظرية والعمل التطبيقي، فأنهم يعمدون إلى اختبار قواعدهم النظرية تطبيقياً بحيث لا يعتبرونها قواعد علمية ما لم تثبت صحتها تطبيقياً وقد وصلت نظرياتهم في مسألة الهلال من حيث تحديد ولادته أو إمكان رؤيته إلى مرتبة البديهيات فيما يتصل بمسألتنا. .

    هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن أقوال الفلكيين بشأن تحديد ولادة الهلال ورؤيته تستند إلى عمليات حسية، وذلك عن طريق الرصد بأجهزة رصدية خاصة، وقد تطورت بشكل كبير جداً مع توفر المراصد الأرضية والأقمار الصناعية التي تسبح في الفضاء ،خاصة مع تطور الحاسوب وعملياته الدقيقة، وبذلك تخرج شهاداتهم من عالم الحدس إلى عالم الحس، أو مما يقرب منه على أقل تقدير . .

    وبكلمة أخرى: فإنه يمكن أن يقال أن القدر المتيقن من اشتراط الحسية في الشهادة مما ينفي قبول ما كان من الحدس المحض لا مطلقاً، ولذلك قُبلت الشهادات المتعلقة في العدالة أو الوثاقة. .


    ولهذه الجهة أفتى السيد محمد الصدر بجواز قبول شهادة الفلكيين إذا توفرت شرائطها من حيث العدد (اثنان على الأقل) والعدالة والوثاقة، وكان إخبارهم مبنياً على المراصد لا على الحساب(82) ما لم يحصل العلم بقولهم فيكون حجة بلا إشكال. .


    وقد ذكر الشيخ الأنصاري في (المكاسب) أن أقوال المنجمين وإن كانت مبنية على قواعد نظرية لكن في الأمور البديهية منها مما يمكن التعويل عليه، وعليه فلو أُحتيج الى شهادة المنجمين في تحديد أجل دين وغير ذلك قُبلت شهاداتهم مع توفر شرائطها من التعدد والعدالة(83). .

    *الوجه السادس: .

    كما عن بعض المعاصرين(84) من عدم إحراز قيام السيرة العقلائية واعتناء العقلاء بأخبار الثقة من أهل الخبرة في الأمور التي لعامة الناس معرفتها عن حس وبلا حاجة إلى إعمال النظر، كمعرفة الخسوف أو الكسوف ونحوهما، وعليه فإذا كان الرجوع إلى الفلكيين من باب الرجوع إلى أهل الخبرة فهو لا ينطبق على المورد لأنه ليس مصداقاً للسيرة العقلائية الممضاة، أي كلية الرجوع الى أهل الخبرة. .

    ويرده: أنّ معرفة الخسوف والكسوف ونحوهما وإن كان من الأمور الحسية إلاّ أنها ليس مما يتاح لعامة الناس دائماً، خاصة في مثل الهلال، إذ تحتاج رؤيته إلى شئ غير قليل من الخبرة، بل تحتاج في مسألة تحديد الولادة إلى خبرة عالية لا تتاح لعامة الناس. .


    ولهذه الجهة، فقد نبّه السيد السبزواري - في مسألة الاعتماد على قول الرصدي في الخسوف والكسوف وأنه من باب الرجوع إلى أهل الخبرة - إلى أن ""المراد بالحسيات التي لا يُعتبر فيها قول أهل الخبرة إنما هو الحسيات التي تكون حسيتها للنوع بجميع الجهات لا مثل المقام الذي يُغفل عنه النوع في الكسوفات التي لا يحترق القرص بتمامه فلا يترك الاحتياط""(85). .

    بل يمكن أن يقال: إنّ السيرة العقلائية في الرجوع إلى أهل الخبرة لا تميز بين الحس والحدس، نعم الضابط في الرجوع إليهم هو التخصص والتفرغ في كل ما يتصل بالشأن الحياتي العام مما لا يناله كل أحد،مما يحتاج إلى تفرغ ومتابعة وغير ذلك، وعليه فإذا صدق على الفلكي كونه من أهل الخبرة جاز الرجوع إليه في ذلك، وإن كان موضوع بحثه من الحسيات وذلك نظير الرجوع إلى اللغوي(85). .

    وقد ذكر بعض المعاصرين(86) أنه لا إشكال في صدق عنوان أهل الخبرة على المنجمين وأنّ الرجوع إليهم موافق للأصل الأولي، ألا أنه احتمل الردع عن الأخذ بكلامهم ولو كانوا كذلك، وهو محل تأمل بالنسبة للفلكيين . .

    * * *
    هوامش الفصل:
    _______________
    (1) السبزواري، مهذّب الأحكام، ج10/265. .
    (2) المطهري، أحمد،مستند تحرير الوسيلة، المسائل المستحدثة،ط أولى/1403هج - قم مطبعة الخيّام. .
    (3) الطهراني، محمد حسين، رسالة حول مسألة رؤية الهلال،ص81. .
    (4) البهسودي، محمد سرور الواعظ، مصباح الأصول،ج2/35تقريراً لبحث السيد الخوئي ط النجف/1386هج. .
    (5) الشاهرودي، علي، المرجع السابق،ص30. .
    (6) الطهراني، المرجع السابق،ص81. .
    (7) السبزواري،المرجع السابق،ج10/273. .
    (8) بحوث فقهية لكاتب السطور تقريراً لبحث السيد فضل اللّه، مخطوط. .
    (9) الصدر، الفتاوى الواضحة،ص633. .
    (10) الحكيم، محسن، مستمسك العروة،ج8/452 ط مكتبة النجفي المرعشي. .
    (11) الخزعلي، المرجع السابق،ص87.
    (12) مغنية، المرجع السابق،ج2/49.
    (13) الفضلي،المرجع السابق،ج2/57.
    (14) الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى،ج8/362-363.
    (15) الطهراني، محمد حسين، المرجع السابق،ص81-82.
    (16) هلال أول شهر شوال(عيد الفطر المبارك لعام 1419هج)/دراسة علمية فقهية إعداد إدارة التبليغ الديني في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. .
    (17) راجع الموسوعة العربية الميسرة،ج1/549 ط دار نهضة لبنان للطبع والنشر/بيروت 1987.
    (18) د.عفيفي، محمد الصادق، تطور الفكر العلمي عند المسلمين،ص87،ط القاهرة/1977.
    (19) د.فروّخ، عمر، تاريخ الفكر العربي،ص41-42،ط4 دار العلم للملايين/بيروت 1983.
    (20) الموسوعة العربية الميسرة،ج2/1311.
    (21) عفيفي، المرجع السابق،ص79.
    (22) المصدر السابق نفسه،ص88.
    (23) راجع:الخلاف للشيخ الطوسي،ص319 ط حجري، وتذكرة الفقهاء للعلامة الحلي ج6/137 ط مؤسسة أهل البيت (ع)، وتفسير القرطبي ج1/265 ط دار الحديث-القاهرة1994،وحاشية ردّ المحتار على الدر المختار لابن عابدين ج2/96 ط دار إحياء التراث العربي. .
    (24) الكركي، الشيخ علي، جامع المقاصد في شرح القواعد،ج4/31 وما بعد ط1/قم 1408هج، نشر مؤسسة أهل البيت. .
    (24) التوحيدي،الميرزا محمد علي،مصباح الفقاهة، تقريرات بحث السيد الخوئي،ج1/248،ط النجف/1954.
    (25) المجلسي، المرجع السابق،ج58/310-311.
    (26) المصدر السابق نفسه،ج58/298.
    (27) القمي،تقي الطباطبائي، عمدة الطالب في التعليق على المكاسب،ج1/190 ط1/قم 1413 هج. .
    (28) الصدر، محمد، المرجع السابق،ج3/26-27.
    (29) د.فروخ،المرجع السابق،ص260.
    (30) الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن،الخلاف،ص319 ط حجري-قم/إيران. .
    (31)العلاّمة الحلي،الحسن بن يوسف،تذكرة الفقهاء،ج6/137 ط1/1415هج، قم/مؤسسة أهل البيت
    (32) الترحيني، الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية،المرجع السابق،ج4/161.
    (33) السبزواري،المرجع السابق،ج10/267.
    (34) العاملي،محمد بن علي،مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام،ج6/175-176 ط1/قم 1410هج، مؤسسة أهل البيت.
    (35) الصدر، محمد، ما وراء الفقه،المرجع السابق،ج2/163،وراجع الفضلي،ج2/57
    (36) البيروني،أبو الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي، الآثار الباقية عن القرون الخالية،ص95وص198،ط بغداد/مطبعة المثنى. .
    (37) الحرالعاملي، الوسائل، المرجع السابق، باب24 من أبواب ما يكتسب به، حديث رقم8.
    (38) الحرالعاملي،الوسائل، باب 24 من أبواب ما يكتسب به، حديث رقم1.
    (39) المصدر السابق نفسه، باب24 من أبواب ما يكتسب به، حديث رقم2.
    (40) المصدر السابق نفسه، حديث رقم3.
    (41) المصدر السابق نفسه،حديث رقم4.
    (42) المصدر السابق نفسه، باب5من أبواب ما يكتسب به،حديث رقم14.
    (43) المصدر السابق نفسه، باب24 من أبواب ما يكتسب به، حديث رقم6.
    (44) المصدر السابق نفسه، حديث رقم7.
    (45) المصدر السابق نفسه، حديث رقم8.
    (46) المصدر السابق نفسه، حديث رقم10.
    (47) المصدر السابق نفسه، باب14 من أبواب آداب السفر، حديث رقم1.
    (48) المصدر السابق نفسه، الحديث رقم4.
    (49) الحر العاملي، الوسائل ، باب 15 من أبواب أحكام شهر رمضان، حديث رقم1.
    (50) القمي، تقي، المرجع السابق،ج1/185.
    (51) البيروني، المرجع السابق،ص95.
    (52) فروّخ، المرجع السابق،ص306.
    (53) الصدر، محمد، المرجع السابق،ج2/162-163.
    (54) د.مروة، يوسف(عالم فلكي)، مداخلة حول خلاف الفقهاء على تعيين يوم العيد،ص4 مخطوط. .
    (55) الكراس الصادر عن المجلس،ص3.
    (56) المصدر السابق نفسه،ص14.
    (57) مقابلة مع الشيخ شمس الدين، أجرتها معه قناة المستقبل الأرضية بتاريخ10/3/1999،برنامج وجهة نظر. .
    (58) العاملي، محمد بن الحسين،الحبل المتين،ص95، ط إيران. .
    (59) الموسوعة العربية الميسرة، المرجع السابق،ج2/1311.
    (60) د. مروة، المرجع السابق، ص5-6.
    (61)، (62) رسائل خاصة من الدكتور النعيمي لكاتب السطور، راجع الملحق. .
    (63) د.نضال قسوم و د.مزيان:بحث"مشكلة هلال رمضان…ماحلها"، المنشور في مجلة العربي العدد 458 عام1997 ص42-43.
    (64) راجع:د. مروة، المرجع السابق،ص13، وبحث نضال ومزيان ص42-43، تقرير المرصد الفلكي البريطاني جرين وتش/لندن، مذكرة أعدتها أ.موتاردي في أيلول 1998،"نكرشي بر تقويم قمري و رؤيت هلال ماه" فارسي/د. تقي عدالتي مجلة"فقه" العدد الثاني ص303 مكتب التبليغات الإسلامية/قم. .
    (65) بحث قسوم، ومزيان ص44.
    (66) د. مروة، ص30.
    (67) رسالة خاصة من الدكتور النعيمي. .
    (69) د.قسوم ومزيان ص44.
    (68) د. مروة،ص13.
    (69) الكراس الصادر عن المجلس الشيعي الأعلى،ص3.
    (70) د.مروة، المرجع السابق،ص31، ود. قسوم ومزيان المرجع السابق ص43، ورسالة الدكتور النعيمي، وقد ذكر أنّ الخطأ قد يكون أعلى من هذه النسبة. .
    (71) الحر العاملي، الوسائل، باب3 من أبواب شهر رمضان،حديث رقم6.
    (72) المصدر السابق نفسه، حديث رقم11.
    (73) المصدر السابق نفسه، حديث رقم13.
    (74) المصدر السابق نفسه، حديث رقم16.
    (75) راجع: الكركي، المرجع السابق،ج4/32، والعاملي، محمد، المرجع السابق،ج6/176.
    (76) الآملي، المرجع السابق،ج8/377.
    (77) الخوانساري، المرجع السابق،ج2/201.
    (78) الصدر، محمد باقر، منهاج الصالحين، تعليقته على منهاج السيد الحكيم،ج2/11-12،ط دار التعارف
    (79) السيستاني، المستحدثات من المسائل الشرعية،ص15،ط مؤسسة الإمام علي (ع)/لندن1996
    (80) زين الدين، المرجع السابق،ج2/73-74.
    (81) الصدر، محمد، ما وراء الفقه،ج2/162.
    (82) الأنصاري، مرتضى، المكاسب،ص25 ط حجري/إيران.
    (83) التبريزي، جواد، إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب،ج1/137ط قم/اسماعيليان.
    (84) السبزواري، المرجع السابق،ج7/79-80.
    (85) راجع: الحائري، كاظم، مباحث الأصول، تقريراً لبحث الشهيد الصدر،ج2/260ط قم1408هج.
    (86) القمي، تقي، مباني منهاج الصالحين،ج6/216ط 1/قم 1409هج. .





  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    الاتجاه الثاني: (اعتبار قول الفلكي) والإفادة منه .

    الطريق الأول:.

    وقد تقدم عدم قيام دليل صالح للمنع من التعويل على أقوال الفلكيين ولذا يصار إلى البحث عن الدليل على صحة اعتبار قول الفلكي وجواز التعويل عليه. .

    ولما كانت المسألة - موضوع بحثنا - من المسائل المستحدثة فإنها لم تأخذ طريقها إلى البحث والدراسة بشكل مسهب وتفصيلي على عادة الفقهاء والمشتغلين في البحث الفقهي، وإن كان ثمة اهتمام ما لدى بعضهم.


    وقد يكون ( السيد الأستاذ ) في مقدمة الفقهاء الذين طرحوا هذه المسألة، إن لم يكن قد تفرّد فيها في الوقت الحاضر، وقد استدل على اعتبار قول الفلكي من طريقين:

    أحدهما، طريقية الرؤية من جهة،وثانيهما: دقة معطيات البحث العلمي لدى الفلكيين من جهة أخرى. وهو أكثر الفقهاء حظاً في الاطلاع على معطيات البحث عند الفلكيين المعاصرين، كما يعترف به الاختصاصيون في علم الفلك أنفسهم(1). .

    ومهما يكن من أمر، فيمكن أن نصوغ هذا الاتجاه في مقدمات مستفيدين مما أشار إليه (السيد الأستاذ ) مما سمعناه منه، مما نشر أو لم يُنشر، مع محاولة تعميق أو إيضاح هنا أو هناك. .

    المقدمة الأولى: .

    وتقوم على أنّ المأخوذ في أدلة اشتراط رؤية الهلال لوجوب الصوم هو الطريقية لا الموضوعية، كما اختاره عدد من الفقهاء ممن أشرنا إليهم آنفاً، وعليه فإذا كانت الرؤية طريقاً محضاً الى إحراز الشهر، فإن كل ما يمكن أن يكون طريقاً إلى العلم بالشهر وإحرازه فهو حجة، ولا يمكن أن ينهى عنه الشارع ويردع عن ترتيب آثاره، إذ لا فرق في حصول العلم بين طريق وآخر، ويكون قول الفلكي حجة وموضع اعتبار شرعاً إن أفاد العلم بالشهر وإحرازه، ولذلك لم يفرق الفقهاء في حصول العلم بشهر رمضان بين الرؤية أو البينة أو قول المنجّم أيضاً(2). .

    المقدمة الثانية: .


    وتقوم على دعوى أنّ إحراز الشهر لا ينحصر-من وجهة نظر الشارع-بما أُدعي من انحصاره بالرؤية ومضي ثلاثين يوماً، فكلما أوجب العلم بتحقق الشهر كان حجة، نعم ما لم يوجب العلم كان مفتقراً للدليل من الشارع، ولذلك عـــدّ السيد الحكيم -في المستمسك(3) -رؤية الهلال من المكلف نفسه، والتواتر، والشياع المفيد للعلم، ومضي ثلاثين يوماً، من أسباب العلم ولا خصوصية لها من حيث هي.

    على أنّ دعوى الانحصار لو صحت فإنها لا تضر في المطلوب-التعويل على قول الفلكي-وذلك لأنّ عنوان الرؤية المأخوذ في الأدلة شامل لقول الفلكي، لأنّ ما نحن بصدده هو إثبات الرؤية بقول الفلكي خاصة، فيكون قول الفلكي معتبراً بعنوان أنّ الرؤية المأخوذة في الأدلة هي الأعم من رؤية المكلف نفسه أو بغيره .


    وربما لهذه الجهة عبّر السيد الخوئي في (المستند): ""أنّ المستفاد من مجموع النصوص حصر طريق ثبوت الهلال في أحد أمرين : أما الرؤية الأعم من رؤية الشخص بنفسه أو بغيره المستكشف من الشياع أو البينة ونحوهما، وأما عدّ الثلاثين، فالثبوت بغيرهما يحتاج الى الدليل…""(4). .

    المقدمة الثالثة: .

    وتستند على ما ذكرناه من القيمة العلمية لمعطيات علم الفلك، والتي ذكرنا أنها معطيات دقيقة وعلمية وليس كما يظن البعض من أنها مجرد تخمينات واحتمالات، كما أنها ليست موضع تناقض كما يدعي البعض أيضاً، خاصةً في مسألة تحديد زمن ولادة الهلال وتحديد زمن الرؤية . .

    وعليه فإذا ثبت ذلك كان قول الفلكي حجة وموجباً للاطمئنان على أقل تقدير وهو حجة كالقطع بلا إشكال.

    نعم لم يكلِّف الفقهاء – وللأسف - أنفسهم للبحث في صغرى هذه القاعدة، وهل تحظى نتائج البحث الفلكي بالدقة أو لا، مكتفين بما توفر لهم من رصيد ثقافي حول ما يقال عن التنجيم أو علم الفلك القديم، بل ولم يطلع معظمهم على معطياته، فضلاً عن علم الفلك في صورته الحديثة وبما وصل إليه من إنجازات هائلة. .

    ومن ذلك ويعرف مدى الإشكال في جواب السيد الخوئي على سؤال جواز التعويل على الحسابات الفلكية لو أوجبت الاطمئنان فإنه ذكر في جوابه: ""لا أثر للاطمئنان بتولده بل ولا الاطمئنان بقابليته للرؤية، بل لابد من الرؤية خارجاً وثبوتها للمكلف""(5). .

    ولا إشكال في عدم ترتيب الأثر على قولهم في توليد الهلال، إنما الكلام في قابليته للرؤية، إذ بعد فرض حصول الاطمئنان كيف لا يكون حجة؟! خاصةً وأن السيد الخوئي نفسه أشكل على السيد اليزدي في استشكاله في مسألة التعويل على قول الرصدي في الإخبار عن الكسوف وسائر الآيات مع حصول الاطمئئنان، فذكر السيد الخوئي في (المستند): ""وأما الثبوت بأخبار الرصدي مع حصول الاطمئنان بصدقه فقد استشكل فيه في المتن، لكن الإشكال في غير محله بعد فرض حصول الاطمئنان الذي هو حجة عقلائية كالقطع. نعم التعويل حينئذِ إنما هو على الاطمئنان الحاصل من قوله لا على قوله بما هو كذلك.اللهم إلاّ أن يكون مراده حصول الاطمئنان بصدق المخبر لا بصدق الخبر كما لو كان الرصدي مأموناً من الكذب فجزمنا بكونه صادقاً في إخباره، ومع ذلك لم نطمئن بصدق الخبر لاحتمال خطئه وعدم إصابته للواقع فكنا بالنسبة إلى وقوع الكسوف خارجاً في شك وترديد، وإن كنا مطمئنين في صدقه عما يخبر بمقتضى القواعد النجومية، فإنه يشكل الاعتماد حينئذٍ على قوله لعدم الدليل على حجية الإخبار الحدسي في الأمر الحسي، والرجوع إلى الخبرة يختص في الأمور الحدسية دون الحسية…""(6). .

    وعليه فلو حصل الاطمئنان لا يمكن عدم ترتيب آثاره.نعم يمكن أن يعتذر للسيد الخوئي بما اعتذر به هو للسيد اليزدي من التفصيل بين الاطمئنان بصدق الفلكي في نفسه، وبين عدم الاطمئنان بخبره من حيث قوله بقابلية رؤية الهلال. .

    أما قول السيد الخوئي - كما في الجواب المنسوب له – ""بل لابد من الرؤية خارجاً وثبوتها للمكلف"" فينفيه ما ذكره السيد الخوئي في أجوبته على اعتراضات تلميذه الطهراني إذ ذكر أن الرؤية المطلوبة هي الرؤية التقديرية(7) على نحو لو استهل المستهلون لرئي الهلال، وهذا المقدار مما يثبته علم الفلك بلا إشكال. .

    المقدمة الرابعة: .

    وتقوم على أساس أنّ الرؤية المأخوذة في الأدلة لإحراز الشهر هل هي على نحو تحصل فيه الرؤية الخارجية فعلاً، أو على نحو تقديري، على وزان القضية الشرطية ""لو استهل الناس ولم يكن ثمة مانع لرُئي الهلال""..

    والصحيح الثاني، لأن موضوع الوجوب هو شهر رمضان بوجوده الواقعي بغض النظر الرؤية خارجاً، فلو لم تحصل الرؤية لم يتغير من الواقع شئ. .

    كتب السيد الخوئي في أجوبته على اعتراضات الطهراني ما نصه: ""ثم إنكم أما تعتبرون الرؤية الخارجية بالفعل، أو تكتفون بالرؤية التقديرية أيضاً، بمعنى صدق القضية الشرطية القائلة: إنه لو استهل الناس ولو لم يكن حاجب كالغيم مثلاً لرئي الهلال؟"" فان التزم بالأول لزم القول بعدم دخـول الشهر ولو علم بوجود الهلال في الأُفق بنحو قابل للرؤية ولكن قد حجبه غيم مكثف عن تحقق الرؤية خارجاً، كما لو علم بذلك نتيجة رصده في السماء أو تشخيصه بالأجهزة الحديثة التي تخرق حجاب الغيم أو افترضنا إخبار معصوم لنا بذلك، والالتزام بهذا بعيد، ومن يخالف لا ينبغي أن يكون خلافه كبروياً، بل في الصغرى والمنع عن إمكان تحصيل العلم بوجوده كذلك في الأفق، وإن التزم بكفاية الرؤية التقديرية، كان ذلك عبارة عن إلغاء دخالة الرؤية في تكوّن الشهر وحملها على الطريقية المحضة إلى بلوغ الهلال في نفسه مرتبة قابلة للرؤية في السماء""(8). .

    ولا يخفى أنّ ما نريد إثباته بقول الفلكي هو هذه المرتبة لا غير فتأمل، وإذا كان المقياس في الرؤية هو إمكانية الرؤية لا الرؤية نفسها(9)، فانه إذا تكفل علم الفلك بإثبات إمكانية الرؤية وكانت نتائجه دقيقة كما ذكرنا سابقاً فإنه يمكن التعويل على قول الفلكي وبه يثبت الشهر ويتحقق. .

    * * *

    هوامش الفصل.
    __________________
    (1) د.مروة، المرجع السابق،ص36.
    (2) التبريزي، المرجع السابق،ج1/136،الآملي،المرجع السابق ج8/377.
    (3) الحكيم، المرجع السابق،ج8/452.
    (4) الخوئي، المستند، المرجع السابق،ج2/93.
    (5) تقدم السؤال وجوابه في"(لمات الفقهاء المعاصرين)، فراجع. .
    (6) الخوئي، المستند،ج5ق1/66-67.
    (7) الطهراني، المرجع السابق،ص121.
    (8) الطهراني، المرجع السابق،ص120-121.
    (9) الشهيد الصدر، الفتاوى الواضحة،ص623،والصدر، محمد،ما وراء الفقه،ج2/117.

    يتبع /





  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي


    الطريق الثاني


    وفيه ربما يتجاوز الرؤية إلى الإفادة من معطيات علم الفلك، بدعوى أنّ حديث الرؤية لا ينحصر معناه بالرؤية الحسية البصرية؛ لأنّ للرؤية معانٍ عديدة، ومنها ما يعم البصرية إلى الإدراك والعلم .. .

    وللمناقشة في هذه الطريق يحسن الوقوف على أخبار (الرؤية) لمعرفة ما إذا كان تفسير من هذا القبيل ملائماً لها أو لا؟ .

    والأخبار كما يظهر على نحوين: .

    الأول: ما يصلح أن يُفسَّر فيها (الرؤية) بالعلم، لأنّ (الرؤية) كما يبدو أخذت في الأخبار بما هي طريق للعمل واليقين، بقرينة الإشارة إلى أنّ غيرها موضع شك وريبة ومما يندرج في الظن والرأي. .

    ويدل عليه الخبر عن الإمام عليّ الرضا (ع) في حديث قال فيه:»صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية«(1)

    وعن أبي الحسن العسكري (ع) في حديث قال:»لا تصم إلا للرؤية«(2)

    وعن الرضا (ع) أيضاً في حديث انه كتب إلى المأمون:»وصيام شهر رمضان فريضة، يصام للرؤية ويفطر للرؤية«(3).

    ويمكن أن تُفسَّر الرؤية في أمثال هذه الروايات بالعلم، إذ أنها لا تأبى ذلك. .

    ويؤكد ذلك ما ورد من الروايات بلسانٍ يفسّر هذه الرؤية كما في الخبر عن الصادق (ع):»إن شهر رمضان فريضة من فرائض اللّه فلا تؤدوا بالتظني«(4)، وفي حديث عنه (ع) أنه قال:»في كتاب علي (ع) : صم لرؤيته وافطر لرؤيته، وإياك والشك والظن ..

    «(5)، وفي الحديث:»صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن ..«(6). .

    بل إنّ ما ورد في بعض الروايات من نفي التعويل على تحقق الرؤية بالعدد اليسير، بل والكثير، ما لم يكن شيئاً يدل على المعنى الذي نشير إليه. إذ ورد في الحديث عن الصادق (ع) قال:»صم للرؤية وافطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجي‏ء الرجل والرجلان فيقولان: رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدقوا«(7)

    وفي الحديث عن الباقر (ع) قال:»إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا،وليس بالرأي ولا بالتظني، ولكن بالرؤية، والرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا، فيقول واحد هو ذا هو وينظر تسعة فلا يرونه، إذا راه واحد رآه عشرة آلاف ..«(8)

    وفي حديث عن الصادق (ع):»لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً ..«(9)

    وعنه (ع):».. ولا تجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علّة أقل من شهادة خمسين .. «(10)

    وفي الحديث عنه (ع) سأله السائل:»أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟ فقال: إذا كان كذلك، فصم لصيامهم وافطر لفطرهم ..«(11).

    والروايات التي نفت التعويل على الرؤية إلاّ بحصول عدد خمسين أو غير ذلك، وإن حملت على حصول الشبهة أو التهمة، إلاّ أنها تشير – أيضاً - إلى أنّ الرؤية ليس لها من خصوصية إلاّ كونها طريقاً لإحراز بداية الشهر والعلم به. .

    وعليه، فيمكن أن يقال: إنّ هذه الروايات مما ورد فيها (الرؤية) تشير إلى العلم والإدراك والإحراز، ولذلك يمكن أن يدّعى أن الرؤية في هذه الأخبار تعم غير المعنى المعروف المشهور، وهو الرؤية البصرية،وبذلك تصدق على الإحراز والعلم بالشهر عن طريق علم الفلك. ويتحقق ذلك بإحراز ولادة الهلال وخروج القمر من المحاق، ولا دليل على اعتبار تحققه بالإبصار، إلاّ أنّ يقال: إن الأحكام الشرعية منزّلة على ما هو المتعارف والمتيسر للناس، وهو ما ورد في قوله تعالى: يسألونك عن الأهلّة قل هي مواقيت للناس ..، وهو ما لا يحصل بمجرد الولادة، لأنّ ولادة الهلال لا تعرف لكل أحد، فلا تكون ميقاتاً.

    وقد ورد عن الصادق (ع) أنه سُئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال:»لا يقضه إلاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر ..«(12) الذي قد يشير إلى أنّ رأس الشهر إنما يتحدد بما يتعارف عند الناس، وهو ما يحصل بالرؤية وإبصار الهلال لا ولادته، وسيأتي جوابه في التقريب الثاني من هذا الطريق. .

    وإن كان يمكن القول: إن للحساب مكاناً مكيناً في حساب الشهر وتحديد بدايته، وما ورد من النهي عن التعويل على أقوال المنجمين لا صلة له بالحساب وأهله، وقد سُئل الإمام (ع) عن الحساب، فلم يتعرض له بالاستنكار كما ورد في خبر محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى، قال:»كتب إليه أبو عمر: أخبرني يا مولاي، إنه ربما أشكل علينا هلال رمضان، فلا نراه ونرى السماء ليست فيها علة، ويفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قوم من الحسّاب قبلنا: إنه يُرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقية والأندلس. هل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع: لا تصومن الشك، افطر لرؤيته وصم لرؤيته«(13).

    فغاية ما تصدى له الإمام (ع)هو النهي عن الصوم والإفطار عن غير العلم، ولم يتعرّض للحسّاب من حيث هو طريقة لمعرفة بداية الشهر، خاصة وأن أهل الحساب يومذاك لم يعرف حالهم وما عليه ثقافتهم ورصيدهم العلمي في ذلك. بل يمكن القول إنّ هناك ما يشير إلى عدم شيوع هذا الفن بشكل يمكن تحصيله بشكل متيسر كما هو الآن. وربما يمكن استفادة عدم المعرفة بمثل هذه الحسابات وما يتصل بها من خبر السيّاري، في ما نقله عن مكاتبة محمد بن الفرج إلى العسكري (ع) وورد فيه تعليقاً على عدّ خمسة أيام بين أول السنة الماضية والسنة الثانية التي تأتي :»هذا الحساب لا يتهيأ لكل إنسان أن يعمل عليه، إنما هذا لمن يعرف السنين .. «(14). .

    الثاني: ما ربما يأبى تفسيره بالأعم من الرؤية البصرية، كما يظهر في جملة من الأخبار: .

    - عن الصادق (ع): سُئل عن الأهلّة؟ فقال:»هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته..«(15). .

    ونظير هذا الحديث، مما يجعل متعلّق الرؤية (الهلال)، وعندئذٍ لا يمكن إدعاء كفاية تحديد الشهر بالولادة، لأنّ ذلك مما لا يتاح للناس التماسه من خلال النظر الطبيعي. إلاّ أن يقال: إن الرؤية بالوسائل العلمية من مراصد ومناظير مشمول بالحديث. .

    وعلى كل حال، فالرؤية في هذه الأخبار يُراد منها الرؤية البصرية. .

    - وعن الباقر (ع) قال:»إذا شهد عند الإمام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوماً أمر الإمام بالإفطار ..«(16). .

    - وعن الباقر (ع) أنه قال:»قال أمير المؤمنين (ع): إذا رأيتم الهلال فافطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين ...«(17). .

    ونظائر هذه الأخبار بكفاية الشهادة على الرؤية تفيد أن متعلق الرؤية هو (الهلال)، وهو يشير إلى أنّ المراد هو الرؤية البصرية الحسية، لأنّ الشهادة لا تقبل في غير موارد الحس. .

    وإلمتحصل: إذا حصر تفسير (الرؤية) فيما ورد في هذه الأخبار بالرؤية البصرية، فإنه قد يقال بعدم قبول قول الفلكيين لإثبات بداية الهلال لمجرد الولادة، بل لابد من إمكانية رؤيته، وعندئذٍ يمكن قبول قولهم في تحديد هذه الإمكانية من خلال تجاربهم وأبحاثهم ورصدهم. .

    وأما إذا قلنا بأنّ (الرؤية) التي وردت الإشارة إليها في الأخبار لم تكن إلاّ الوسيلة الوحيدة المتاحة يومذاك بلحاظ اندراج غيرها في الرأي والتظني ولا خصوصية لها إلاّ من جهة العلم، فيكون من المحتمل تعميم هذه الأخبار لغير الرؤية البصرية. ويحتاج بحث هذا الطريق إلى مزيد تأمل وتدقيق،ولكن يكفي الطريق الأول في الإفادة من معطيات علم الفلك. .

    ويمكن أنْ يقرَّب هذا الطريق – الثاني – بدعوى: أن الرؤية التي أشير إليها في الروايات ليس لها من خصوصية سوى أنها الطريق الوحيد الذي يتيقن به إحراز الشهر، وليست بصدد التأسيس لطريق شرعي بالاعتماد على الرؤية، وعليه فلا إطلاق لهذه الروايات لنفي ما عدا الرؤية.. .

    وإنما أرشد النبي (ص) إلى الرؤية بما تفيد من العلم بدخول الشهر، لأن العرب يومذاك كان يعتمدون الشهر تاماً والذي بعده ناقصاً أبداً، فيبدأون بشهر محرم الحرام تاماً وبعده ناقصاً، فيكون شهر رمضان تاماً أبداً، فجاء الإرشاد من النبي (ص) إلى الخلل في هذا الحساب، وأن شهر رمضان مثله مثل الشهور الأخرى، بل أن الرواية صريحة في ذلك، كما في الخبر: ((عن سماعة قال: صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن، وقد يكون شهر رمضان تسعة وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين، يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان)). (18)

    وفي الخبر: (( .. عن محمد بن الفضيل، قال: سالت أبا الحسن الرضا (ع) عن اليوم الذي يشك فيه ولا يُدرى أهو من شهر رمضان أو من شعبان؟ فقال: شهر رمضان من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان، فصوموا للرؤية وافطروا للرؤية)). (19) .

    وفي الخبر عن ((إسحاق بن حرير عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: إن رسول اللّه (ص) قال: إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يبسط كفيه ويبسطهما، ثم قال: وهكذا وهكذا وهكذا، ثم يقبض إصبعاً واحدة في آخر بسطه بيديه، وهي الإبهام، فقلت: شهر رمضان تام أبداً أم شهر من الشهور؟ فقال: هو شهر من الشهور، ثم قال: إن علياً (ع) صام عندكم تسعة وعشرين يوماً، فأتوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد رأينا الهلال، فقال: افطروا)). (20) .

    وفي الخبر: ((عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): إني صمت شهر رمضان على رؤية تسعة وعشرين يوماً، ما قضيت؟ قال: فقال: وأنا صمته وما قضيت، ثم قال لي: قال رسول اللّه (ص) الشهور شهر كذا وكذا وشهر كذا كذا)). (21) .

    وفي الخبر: ((.. عن أبي خالد الواسطي عن أبي جعفر (ع) في حديث، قال: إن رسول اللّه (ص) قال: وإذا خفي الشهر فأتموه لعدة شعبان، ثلاثين وصوموا الواحد والثلاثين، وقال بيده الواحد واثنان وثلاثة، واحد واثنان وثلاثة، ويزوي إبهامه، ثم قال: أيها الناس شهر كذا وشهر كذا، وقال علي (ع): صمنا مع رسول اللّه (ص) تسعة وعشرين يوماً ولم نقضه، ورآه تاماً، وقال علي (ع): قال رسول اللّه (ص) من ألحق في رمضان يوماً من غيره متعمداً فليس بمؤمن باللّه ولا بي)). (22) .

    وتدل هذه الروايات وغيرها على أن هناك ارتكازاً كان سائداً عند العرب، بل وعند المسلمين إلى وقت متأخر من عصر التشريع، يفيد أنهم يؤمنون بأن شهر رمضان شهر تام، ولذلك كان جواب النبي (ص) ومن بعده الأئمة (ع) على نفي هذا الارتكاز بالرجوع إلى الرؤية، لكونها الوسيلة التي تحرز بها الشهر، من حيث الدورة المعروفة للقمر، التي تجعل الشهر تاماً تارة وأخرى ناقصاً، ومن ذلك شهر رمضان.. .

    وعليه فلا خصوصية للرؤية إلا بما هي وسيلة لذلك وللعلم بالشهر ودخوله، فإذا توفر طريق علمي آخر، فإنه لا ريب أنه يكون مجزياً وصالحاً للاعتماد، وهو ما يفيده علم الفلك من حيث تحديد ولادة القمر وخروجه من المحاق ..


    نعم، ربما يُشكل عليه ما أشكل به السيد الأستاذ السيد فضل اللّه بما أفاده من الاستدلال بالآية الكريمة: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ

    تبعاً لأستاذه السيد الخوئي من حيث الاعتبار بالمتفاهم العرفي بالرجوع إلى الرؤية المتعارفة. (23) .

    ويمكن أن يجاب عنه: .


    إن السؤال – كما أفاده السيد الطباطبائي في الميزان – ليس عن الهلال وأحواله، بل عن الشهر، ولذلك لم يكن الجواب عن الهلال، بل جاء عن الشهر ، ,من حيث انه ميقات للعمل الشرعي من حج وصيام، بل يمكن أن يقال إن التمسك بالآية للاستدلال بها على لزوم اعتبار التفاهم العرفي لجهة ذكر الهلال لا يصلح لإثبات المطلوب، لأنّ (الهلال) لغة يطلق على القمر لليوم الأول والثاني في بدايته، كما يطلق عليه لليلتين من آخر الشهر، وهذا يعني أن الآية ليست في مقام الحديث عن تحديد أول الشهر وبدايته. . .

    ويمكن أن يُقال: إن الآية الكريمة لا تدل على أكثر من أن اعتماد الأهلة أمر ناجح وصحيح، ولكنه لا يدل على عدم اعتبار غيره .. .


    بل يمكن أن يقال أن الرؤية وغن كانت بالعين هي المتعارفة، ولكن ذلك لا ينفي صدق الرؤية ورصد الهلال بغير ما هو متعارف من رصد بالأجهزة العلمية، كما ادعاه السيد الهاشمي.. (24) .

    ***

    هوامش الفصل: .
    _________________
    (1) الوسائل، باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، حـديث 5. .
    (2) المصدر نفسه، باب 3، حديث 25. .
    (3) المصدر نفسه، باب 3، حديث 26. .
    (4) المصدر نفسه، باب 3، حديث 16. .
    (5) المصدر نفسه، باب 3، حديث 11.
    (6) المصدر نفسه، باب 3، حديث 6. .
    (7) المصدر نفسه، باب 11، حديث 14. .
    (8)المصدر نفسه، باب 11، حديث رقم 11.
    (9) المصدر نفسه، باب 11، حديث 13. .
    (10) المصدر نفسه، باب 11، حديث 10. .
    (11) المصدر نفسه، باب 21، حديث 3. .
    (12) المصدر نفسه، باب 11، حديث 5. .
    (13) المصدر نفسه، باب 51، حديث 1. .
    (14) المصدر نفسه، باب 01، حديث 2. .
    (15) المصدر نفسه، باب 3، حديث 1. .
    (16) المصدر نفسه، باب 6، حديث 1. .
    (17) المصدر نفسه، باب 8، حديث 1. .
    (18) الوسائل: حديث رقم 6/ باب 5، من أبواب أحكام شهر رمضان. .
    (19) الوسائل: حديث رقم 7/باب 5، من أبواب أحكام شهر رمضان. .
    (20) الوسائل: حديث رقم 2/باب 5، من أبواب أحكام شهر رمضان. .
    (21) الوسائل: حديث رقم 14/ باب 5، من أبواب أحكام شهر رمضان. .
    (22) الوسائل: حديث رقم 16/ باب 5، من أبواب أحكام شهر رمضان. .
    (23) انظر الملحق. .
    (24) راجع: ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مرجع سابق، ص64. .





  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,669

    افتراضي

    المستوى الثاني: نفي الهلال بقول الفلكي



    وكما لم يبحث الفقهاء مسألة إثبات بداية الشهر وتحققه بناءً على قول الفلكي، فإنهم لم يبحثوا أيضاً مسألة نفيه لتحقق الشهر ، ولعل أول من أشار إلى دور علم الفلك في تقييم دعاوى الرؤية (رؤية الهلال) هو الشهيد الصدر في كتابه (الفتاوى الواضحة) إذ نبّه الى عدم قيمة دعاوى رؤية الهلال في وقت ينفي التطلع الرصدي - وفقاً لأدق الأجهزة - خروج القمر من المحاق واكتسابه الضوء الكافي لرؤيته، كما لا قيمة لهذه الدعاوى مع نفي الحسابات الفلكية لخروج القمر من المحاق، إذ لا وثوق بهذه الدعاوى -مطلقاً- لأنها لن تكون قادرة على رؤية الهلال بالعين المجردة في وقت لم يكن القمر قد خرج من المحاق واكتسب الضوء الكافي، وكيف يمكن أن تعجز الأجهزة الرصدية عن رؤية الهلال وترصده العين المجردة(1).

    وقد تبعه عدد من الفقهاء منهم الشيخ إسحاق فيّاض كما يظهر من كتابه [تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى](2) صريحاً، والسيد محمد الصدر كما في كتابه[ما وراء الفقه](3).ويظهر من جواب السيد السيستاني فيما أجاب به على سؤال كاتب السطور.(راجع الملحق) .


    وقد بنى على ذلك السيد الأستاذ بقوة، وظهر موقفه جليّاً في إثبات هلال شهر شوال للعام الماضي 1419هج، إذ نفى أن تكون الشهادات برؤية الهلال مساء الأحد صحيحة في وقت تجمع المراصد الفلكية على استحالة رؤيته، خاصة وأن ولادة الهلال قد حصل بعد غروب الشمس في معظم البلاد العربية والإسلامية، ولم يمضِ عليه الوقت الذي يكفي لرؤيته بالنسبة للدول الأوربية وأمريكا.

    ولعل من أخطر المفارقات أن يعلن البعض أنّ الهلال لا يُرى مساء الأحد لتأخر ولادته، فيكون الاستهلال كالبحث عن المعدوم ثم يثبت عنده الهلال (هلال شهر شوال) ويثبت العيد – عنده - يوم الاثنين (4).

    ومن خلال المذكرة التي أعدتها السيدة (أ. ماتردي Alphecca Muttardy)(5) أظهرت أنّ إعلان العربية السعودية لثبوت شهر رمضان للعام الماضي 1418هج وكذلك ثبوت العيد (شهر شوال) كان في وقت لم يكن من الممكن فيه رؤية الهلال في أي بقعة من العالم، لأنه لم يُولد بالنسبة لبعضها إلاّ بعد الغروب، أو وُلِد ولم يكن قد مضى الوقت الكافي لاكتسابه الضوء.

    وقد قام بعض الباحثين(6) بتقويم عدد أو نسب الحالات التي أُعلنت فيها المناسبات الدينية خطأً في الجزائر ما بين العام 1963و1994م وذلك بمقارنة (3) مناسبات دينية هي:[أول شهر رمضان، عيد الفطر، عيد الأضحى]،وقد تبين عدد الحالات التي أُعلنت ولم يكن القمر قد بدأ شهره فلكياً أو أنه غرب قبل الشمس، مما لا يكون قابلاً للرؤية -إطلاقاً-فوجدت النسبة تلك(3ر14%) من الحالات المستحيلة، وبشأن المعايير الفلكية لإمكانية الرؤية وجدت النسبة الخاطئة تصل إلى 80%.

    أنتهى المبحث
    ***
    هوامش الفصل: .
    _____________
    (1) الصدر، الفتاوى الواضحة،المرجع السابق، ص630.
    (2) فيّاض، المرجع السابق،ج5/187.
    (3) الصدر، ما وراء الفقه،ج2/118.
    (4) راجع: تصريح الشيخ شمس الدين، الملاحق. .
    (5) المذكرة السابقة الذكر،وراجع هامش (63) من فصل (المستوى الأول).
    (6) د.مزيان، وقسوم، مجلة العربي، المرجع السابق،ص40.





صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني