النتائج 1 إلى 10 من 10
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    إقرأ كتاب..|...*~نظرة إسلامـية حول عاشــوراء~*...لـ العلامة المرجع السيد فضل الله(رض)






    ~*¤ô§ô¤*~نظرة إسلامية حول عاشوراء~*¤ô§ô¤*~
    سماحة
    آية الله العظمى
    السيد محمد حسين فضل الله
    "دام ظله"[line]-[/line]

    "نظرة اسلامية حول عاشوراء" هو عنوان لكتيب صغير للعلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله "حفظه الله" لكنه صغير بالحجم وكبير جدا بالمضمون، ويختصر قيم عاشورائية كبيرة جدا بشكل رائع، كما يختصر كتاب (من وحي عاشوراء) و (حديث عاشوراء) الرائعين أيضا،وهذه دعوة لكل من لم يقرأه بأن يفعل ذلك لأنه يستحق القراءة فعلا...



    ~*¤ô§ô¤*~*¤ô§ô¤*~



    لماذا الإستغراق في الماضي؟

    قد يتسائل البعض: ماهو مبرر إثارة ذكرى عاشوراء في كل عام بالنحو الذي يستثير البكاء والحزن على واقعة مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنا؟ فإن أي تاريخ لا بد أن يحتوي الكثير من المآسي الخاضعة لظروفها الموضوعية، إن في دائرة الصراع بين خطين أو في نطاق حركة الأقوياء ضد المستضعفين، مايجعل من مسألة المأساة التاريخية أمرا طبيعيا يجب التعامل معه على هذا الأساس. وقد يعتبر بعض آخر أن عاشوراء عنصر إثارة للحساسيات المذهبية، خصوصا وأن السياق التاريخي لإحياء الذكرى جعلها قضية شيعية موجهة ضد السنة، باعتبار أن السنة يحترمون بني أمية، مايجعل الحديث عن هؤلاء بشكل سلبي (تفرضه طبيعة الإحياء) قد يترك نتائج سلبية على واقع الوحدة الإسلامية، أو على واقع السلم الإسلامي العام.

    أمام هذين الطرحين يمكن إبراز ملاحظتين:

    أولا: حضارية إحياء التاريخ

    إن مسألة استعادة التاريخ عن طريق إحياء ذكراه هو أمر إنساني حضاري تحافظ عليه الشعوب والمجتمعات على اختلاف اتجاهاتها وثقافاتها، حيث نجد العالم كله يحتفل بكل سنة بذكرى قد تتصل بانتصار وطني أوقومي في معركة قد ترقى الى مئات السنين، أو بمأساة قد تكون نتيجة صراع اجتماعي أو سياسي يرقى الى عشرات أو مئات السنين، وليست احتفالات الإستقلال التي تحييها الدول إلا شاهد ودليل على تجذر هذا السلوك في الوجدان الإنساني العام. ثم إن الحاضر في كل مواقعه لا يعيش انفصالا عن التاريخ، حيث نجد أن الإنسان الذي يحاول أن يؤكد نفسه ويؤصل مرحلته ويركز خطواته في الإتجاه الذي يريده في تقدمه وتطوره، يشعر بأن في التاريخ نقاطا مضيئة تبقى حاجة لكل مرحلة يعيش فيها نوعا معينا من الظلام، أو أن فيها درسا يرتبط بالحياة كلها ولا يقف عند مرحلة معينة، أو لأن هناك حاجة الى نوع من أنواع الإثارة التي لا يجد الإنسان عناصرها الحيوية في الحاضر فيحاول أن يجتذبها من خلال التاريخ. كل ذلك يجعل من مسألة استعادة التاريخ أمرا حيويا ذا فوائد كثيرة في حياة الإنسان، ولعل هذا الأمر هو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)، والذي يؤكد على أن قيمة التاريخ في الإسلام هي قيمة العبرة التي تفتح الحدث على الفكرة، وترصد الثوابت التي لا تخضع في خصوصياتها للفترة الزمنية، بل تشمل كل خطوط الزمن من خلال أنها خصوصيات الحياة كلها، وهذا هو الأمر عينه الذي يجعلنا نرتبط بأشخاص التاريخ ورجاله، خصوصا من كان منهم في المواقع القيادية للإسلام، لأن حركتهم ليست حركة اللحظة التي عاشوا فيها، بل هي حركة الرسالة المتجسدة في خطواتهم الفكرية والروحية والعملية.

    وعلى ضوء ذلك فإن مسألة إحياء ذكريات الماضي التي تطل على الحاضر والمستقبل من خلال العبرة والموعظة والدرس ليست مسألة ضد الحضارية، بل تنطلق من عمق الحضارة الإنسانية فيما هي قيمة حركة الإنسان في صنع التاريخ، وإن أمة لا تعيش ذكرى تاريخها هي أمة لا تعيش روحية الإمتداد في المستقبل.

    ثانيا: عاشوراء ليست فئوية

    إن القاعدة الإسلامية القرآنية تركز على أن الماضي هو مسؤولية الذين عاشوه وصنعوه، سواء في الدوائر السلبية أو الإيجابية، وذلك قوله تعالى: (تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولاتسئلون عما كانوا يعملون)، فليس المجد التاريخي مجدا لنا بالمعنى الحركي للمجد، بل هو مجد الذي صنعوه، وعلينا في الوقت عينه أن لا نحمل الآخرين مسؤولية سلبيات التاريخ فيما هو التوزيع بين فريق وفريق، يرتبط أحدهما بفئة تاريخية تصارعت مع فئة أخرى يرتبط بها الفريق الآخر.

    وعلى هذا الأساس لا يتحمل الشيعة في الحاضر مسؤولية بعض السلبيات التي عاشت في دائرة الخلاف السني الشيعي في الماضي، ولا نحمل السنة المعاصرين مسؤولية ماجرى على الشيعة سلبيا من قِبل الذين التزموا المذهب السني في التاريخ، بل إن الشيعة والسنة اليوم يعيشون عصرا واحدا ومرحلة واحدة، وهم مسؤولون عن حركتهم فيها، في الوقت الذي تبقى هناك وجهات نظر في فهم الإسلام وحركيته، أو في تقديس هذا أو ذاك، مما يمكن أن يتحاور الجميع فيها من خلال آليات الحوار.

    وعلى ضوء ذلك فإن من الخطأ اعتبار عاشوراء مناسبة موجهة ضد السنة من قِبل الشيعة، خصوصا وأن يزيد لا يمثل قيمة إسلامية سنية ليعتبر رفضه ضد القيمة، كما أن من الخطأ الإنطلاق في إحيائها على هذا الأساس، فإن عاشوراء هي قضية إسلامية بامتياز تعني المسلمين جميعا، وليس المعني بها فريق دون الآخر.

    وفي هذا الإطار نحب أن نشير الى الأسلوب العقلاني الذي ركزه القرآن الكريم في إدارة حركة الإختلاف، والذي يقوم على اللقاء على النقاط المشتركة والحوار فيما اختلف فيه، لكي تكون عاشوراء حركة في الوعي، لا حركة في الإنفعال، لأن الإنسان عندما يفكر فإنه يستطيع أن يفهم الواقع والأرض التي يقف عليها، والأجواء التي تحيط به، والأوضاع السياسية التي تتحرك في العالم وتؤثر فيه. أما الإنفعال فإنه يجعلك تتحمس من دون أن تملك حتى موقعك أو إرادتك أو موقفك. نعم، نحن نحتاج إلى الحماس والإنفعال، ونحتاج إلى أن نهتف ونصرخ، ولكن قبل ذلك لابد أن نفهم لماذا نتحمس ونهتف ونصرخ.

    إن العاقل لابد أن يفكر في نتائج الكلمة قبل أن يطلقها، وفي أهداف العمل قبل أن يتحرك فيه، ولا يمارس حركة الخلاف من خلال السب واللعن على أساس تفجير الغيظ وتنفيس الحقد.. والسؤال هنا: عندما يفجر الشيعي غيظه ويسب مقدسات السنة، فهل سيتحول السني إلى التشيع؟ وهل عندما يفجر السني غيظه فينال من مقدسات الشيعة يكون في خط الدعوة إلى فكره وعقيدته؟ والله سبحانه قد ركز لنا خط التعاطي مع مقدسات أي فريق من الناس، فقال تعالى: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم)، فإذا سببت مقدسات الآخر فإنه سينطلق برد فعل ليسب مقدساتك. وقد استلهم الإمام علي عليه السلام هذه الآية وهو يوجه نقده لبعض جيشه وقد سمعهم يسبون أهل الشام الذين أتوا لحربهم، فقال: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)

    إن علينا أن ننطلق في خط الوحدة الإسلامية التي لا تعني أن يتنازل كل فريق عن قناعاته، بل تعني أن يلتقي المسلمون جميعا على ما اتفقوا عليه، ويتعاونوا في القضايا المشتركة، ويتحاوروا في القضايا التي يختلقون فيها بطريقة علمية موضوعية، خصوصا عندما يعيشون في مناطق مشتركة تمثل نوعا من خطوط التماس المذهبية بشكل وبآخر، حيث قد ينطلق البعض ليجعلوا من بعض المناسبات (كعاشوراء) مسائل لإثارة النعرات المذهبية.

    ولذلك حرمنا (من موقعنا الفقهي) على كل إنسان أن يرفع أي شعار يثير الحساسيات المذهبية، أو يتكلم بأية كلمة تصب في ذلك الإتجاه، مع المحافظة على أسلوب الحوار والجدال بالتي هي أحسن، لأننا نريد أن ننطلق جميعا من أجل قوة الإسلام، خصوصا في المراحل التي تمر بها أمتنا، والتي هي من أخطر المراحل على الإسلام والمسلمين في العالم أيا كانت مذاهبهم واتجاهاتهم.






  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    [align=justify]

    [mark=cccccc]أسلمة عــــــــــاشوراء[/mark][/align]
    [align=justify]

    لا نريد من طرح هذا العنوان الإيهام بأن عاشوراء تفتقد الصفة الإسلامية، بل نريد التأكيد على أن القضية الحسينية هي قضية إسلامية عامة، وليست قضية مذهبية خاصة.
    لقد انطلقت كربلاء على أساس العناوين الإسلامية، وتمثل ذلك في الطروحات التي أطلقها الحسين عليه السلام كعنوان عريض لحركته، وفي المواقف التي تجسدت خلال المسيرة الحسينية حتى الشهادة.
    كان عنوان الحركة هو الإصلاح في أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في قول الحسين عليه السلام: (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) على أساس قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، ومن الأمر بالمعروف أمر الظالم به، ومن النهي عن المنكر نهي الظالم عنه، ولو بالثورة في وجهه، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكونان بالكلمة وقد يكونان بالموقف وقد يكونان بممارسة القوة بحسب ماتفرضه طبيعة الظروف والنتائج.
    وقد رفض الإمام الحسين عليه السلام البيعة على أساس البرنامج الذي ركزه الإسلام لصورة الحاكم الإسلامي والخليفة، فقال (أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رأى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا بعهده، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان... فلم يغير ماعليه بقول ولا بفعل، كان حقا على الله أن يدخله مدخله) وكان هذا هو خط النظرية، أما خط التطبيق فأكده بقوله: (ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير)، وقال في بعض كلماته وهو يؤكد موقع العزة ومعناها في شخصية الإنسان المؤمن: (لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد)، وقال: (ألا وإن الدعي ابن الدعي قد تركني بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون..) .
    هذه هي بعض شعاراته، وعندما ندرسها نجد بوضوح أنها ليست شعارات المرحلة التي كان يعيش فيها لتكون المسألة مجرد مسألة غارقة في التاريخ، كما أنها ليست شعارات مذهبية فئوية، ولكنها شعارات الحياة كلها، وشعارات الإسلام في كل مواقعه.. فمن منا لا يلمح الإفساد والفساد السياسي على مستوى الحاكم والمحكوم وحركة الحكم؟ ومن منا لايرى الإفساد والفساد على مستوى الإستكبار العالمي والإقليمي والمحلي في كل مايريده الإستكبار من مصادرة لقضايانا المصيرية؟ ومن منا لايجد أن الواقع يعمل على إفساد الأخلاق الفردية والإجتماعية في داخل الفرد المسلم والمجتمع والأمة المسلمة، من خلال من يريدون المتاجرة بالأخلاق؟، ومن منا لم يرفض الواقع الذي يترك فيه الكثيرون من المسلمين عبادة الله، ويتركون فيه الصدق والأمانة والعفة والوفاء وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الإسلامية في الوقت الذين يشهدون فيه أن (لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)؟ ومن منا لايرفض الكثير من مظاهر الإنحراف في حياتنا، والعلاقات الممزقة، والفتن التي تتحرك على مستوى الأفراد والعوائل والأحزاب والطوائف الإسلامية وما إلى ذلك؟ ومن منا لايرى في العزة القيمة الكبرى على المستوى الفردي أو الإجتماعي؟
    كانت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة خاسرة من الناحية العسكرية، لكنها صدمت الواقع وهزت قواعده لكي تركز الخط الأصيل الذي يحفظ الحياة الإسلامية، ويؤكد العدل في داخلها، لأن الواقع كان قد وصل إلى مرحلة استرخى فيها تحت تأثير حكم يزيد، ولذلك انطلق الناس وهم يحبون الحسين ليحاربوه.. وبذلك كان الوضع الإسلامي مهيأ لأن يستمر الظلم فيه، ويحرك الناس كلهم في مواجهة كل دعوة للحق، وتؤدي مجاري الأمور إلى تقديم الكفر للناس باسم الإسلام..
    ومن هنا فإن الحسين عليه السلام يمثل خطا ومنهجا وتجسيدا حيا للقيم الإسلامية والإنسانية في العزة والكرامة والمحافظة على استقامة المسيرة التي جعلها الله أمانة في أعناقنا جميعا، وفي محاربة الظلم والفساد، في كل عصر، أيا كانت العنواين التي يأخذها الظلم، أو الألوان التي يتزين بها الفساد، ويؤكد على أن الإصلاح في أمة رسول الله مسؤولية كل فرد من أفراد هذه الأمة، كل بحسب دوره وامكاناته في كل المجالات.
    وفي كل ذلك كان يستهدي جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي حذر المسلمين من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنذرهم أنهم سيقعون في هذه الحال في مصائب كثيرة وبلايا عديدة، فقال (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) .[/align]





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    السياسة أساس في حركة الأديان

    وإذا كان هناك بعض الذين يعتبرون أن قضايا العدل والظلم وتقويم الحاكم وتغيير النظام من الأمور السياسية التي لا علاقة للدين بها، وأن على الدين أن ينأى بطهارته وقدسيته بعيدا عن مثل هذه القضايا، فإننا نجد أن القرآن يركز على أن السياسة أساس في حركة الرسالات، وذلك قوله تعالى : (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) مايعني أن حركة الدين (أي دين) تنطلق من إرادة الله سبحانه إقامة العدل بين الناس، فالله لم ينزل علينا الدين لينظم لنا أوضاعنا في الآخرة، وإنما أنزله لتنظيم حياتنا في الدنيا التي جعلها الله دارا لحركتنا، وأراد للإنسان أن يكون خليفته الذي يحكم بين الناس بالعدل..
    إن الدين هو انطلاقة عدل في حركة الإنسان الفردية والإجتماعية والسياسية والأمنية والإقتصادية وغيرها، ولذلك لم يأمر الله في القرآن بشيء كما أمر بالعدل، فقال تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)، وقال: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلو هو اقرب للتقوى)، حتى أن الإسلام طلب العدالة حتى مع الكافرين، فقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم) .





  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    العـــــــاطفة في عــــــاشوراء

    يثير الكثيرون الجدل حول مبرر الإصرار على مسألة العاطفة في عاشوراء والتي تتمثل في عدة مستويات:

    أ_ المضمون الفكري الذي يحرك كل العناصر المثيرة للحزن في مفردات القضية بالطريقة التي تستنزف الدموع بشكل مثير.

    ب_ الأسلوب الفني البكائي المستغرق في اللحن الحزين الشجي والذي يوزع عناصر الإثارة في كل أنغامه وتقاطيعه.

    ت_ الممارسات الحادة المعبرة عن صراخ الذات في تأثرها بالمأساة وانفعالها بقضاياها المؤلمة، وذلك بالبكاء العنيف أو لطم الصدور، أو ضرب الظهور بالسلاسل، أو جرح الرؤوس بالسيوف، أو غير ذلك مما اعتاد عليه فريق من الناس.

    كل ذلك قد يجعل البعض يدعون إلى الإقتصار على الجانب الفكري والثقافي في عاشوراء من أجل استلهام قيم عاشوراء على قاعدة العقل والفكر، وإلغاء الطرق التقليدية في إحيائها والتي أصبحت تحمل الكثير من السلبيات سواء على الذهنية الشعبية في طريقة إحيائها للذكرى، أو على المستوى المذهبي فيما قد يثيره الإحياء في حساسيات مذهبية.
    ولمعالجة هذا الطرح الذي يختزن عددا من القضايا لا بد مو الوقوف على عدة نقاط:

    الأولى: ضرورة المحافظة على العاطفة

    إن مسألة العاطفة هي من المسائل ذات الأهمية الكبرى في إحياء عاشوراء والتي يجب المحافظة عليها، وذلك لعدة أسباب:

    1_ العاطفة هي من الخصوصيات الذاتية للذكرى، لأن مضمون عاشوراء بطبيعته مأساوي حزين، والفصل بين إثارة الذكرى في وعي الناس وبين الأسلوب العاطفي يعني إبعاد الشيء عن ذاته وإفقاده أهم عنصر من عناصر حيوته.

    2_ العاطفة تتيح للذكرى الإستمرار في الحياة من خلال تأثيرها في الشعور الإنساني، مايؤصل علاقة عاطفية للناس بأصحاب الذكرى، تماما كما هي العلاقة بين الإنسان وبين من يحب في انفعاله العفوي بالمآسي التي تصيبه في نفسه وأهله، الأمر الذي يحقق النتائج الإيجابية الكبيرة في البعد الإنساني الذاتي في انفتاحه على البعد الحركي في الشعور، مما يؤدي إلى نتائج مماثلة في البعد الإسلامي الحركي في الواقع المعاصر للإنسان.

    3_ الإسلوب العاطفي يمثل لونا من ألوان التربية الشعورية، مما يحول القضية إلى قضية متصلة بالذات، تماما كما لو كانت قضية من قضايا الحاضر. وهذا ما نلاحظه في المسيرة التقليدية لحركة الإنسان في ارتباطه بالمعاني الدينية، فإننا نجد الجانب الشعوري هو الذي يترك الإنسان في حالة استنفار دائم لتحريك تلك المعاني في الواقع وحمايتها بمواجهة كل التحديات المثارة ضدها من قِبل الآخرين، تماما كما لوكانت التحركات المضادة موجهة نحو مسألة شخصية. وهذا مايجعل من المسائل الدينية والمذهبية مسائل حساسة في ساحة الصراع.

    4_ تفريغ عاشوراء من العاطفة والإكتفاء بالمضمون الفكري لها يجعل القضية جامدة جافة في الوعي الإنساني، ككل القضايا التاريخية المتصلة بالصراع بين الحق والباطل التي يتجاوزها الزمن، لأن قضايا الصراع الكثيرة التي يحتك بها الإنسان في حاضره قد تحمل الكثير من المشاكل الضاغطة على الفكر والشعور بالمستوى الذي لا يجد فيه الإنسان فراغا للإستغراق في التاريخ، فيؤدي ذلك تدريجيا إلى نسيان القضية وإهمالها إلا في الحالات الطارئة التي قد تدفع ببعض قضايا التاريخ إلى الواقع في عملية إثارة سريعة لا تلبث أن تذوب بعد ذلك في غمار الواقع الخطير الضاغط على الإنسان.

    كل ذلك يحتم أن تكون قضية عاشوراء مغسولة بالعاطفة فيما لو أريد لها أن تستمر في وجدان الأجيال المتعاقبة، وإن سلخ العاطفة عن عاشوراء يعني تحويلها إلى مجرد قضية من قضايا الصراع التاريخية التي تبقى في إطار الكتب أو في إطار الإحياء الجامد.

    الثانية: الفكر إلى جنب العاطفة

    ولكن مع تأكيدنا على أهمية العاطفة في عاشوراء فإن هناك بعض السلبيات الناجمة عن الإقتصار على عنصر العاطفة والمأساة في مقابل الجانب الفكري، الأمر الذي يجعل من الضروري الموازنة بين الجانب الفكري والعاطفي، فلا يطغى فيها جانب على آخر، وذلك لأسباب عديدة نوردها في نقاط:

    أ- إن المسألة الفكرية مرتبطة بالهدف الكبير الذي انطلقت من أجله عاشوراء، وهي قضية التغيير والحياة والإنسان من خلال كل العناصر المتنوعة التي تختزنها الثورة الحسينية، مما يجعلها منفتحة على الحاضر والمستقبل، فإن الحسين عليه السلام لم ينطلق في ثورته على الواقع الجائر لكي نبكي عليه، بل خرج من أجل الإصلاح والتغيير. نعم، العاطفة هي نتيجة من نتائج الثورة حاول من خلالها أهل البيت عليهم السلام أن يبقوا القضية حية في شعور الإنسان المسلم على امتداد الزمن بحيث تتحول إلى مسألة تتصل بالضمير الإنساني في علاقة الحاضر بالتاريخ، وفرق بين أن تكون وسيلة من وسائل بقائها على المستوى الوجداني.

    ب- إن القضية الحسينية ليست من القضايا الإنسانية الذاتية التي تتمحور حول الذات، بل هي من القضايا الإسلامية الكبيرة الخاضعة للعناوين العامة المتصلة بالمسؤولية الشرعية من جهة، وبالخط السياسي الثوري من جهة أخرى، ولذلك فإن التركيز على العاطفة بعيدا عن العقل يبتعد بها عن الطابع الإسلامي العام، ويحولها إلى الطابع الذاتي، لأن الإستغراق في المأساة بالطريقة البكائية يملأ النفس بالكثير من الدخان العاطفي الذي يمنع وضوح الرؤية في النظر إلى العناصر الحقيقية المتمثلة في طبيعتها العامة، حتى أن الإرتباط بالشخصيات القيادية الإسلامية قد يتحول إلى ارتباط شخصي متصل بالجوانب الذاتية في صفاتها الخاصة ومستغرق في التقليد الجامد الذي قد يبدو فيه البكاء وأمثاله من الأساليب العاطفية شيئا يتكلفه الإنسان ليكون نوعا من أنواع التباكي الذي قد يلتقي بالصورة في معنى الحزن أكثر مما يرتبط بالمضمون، وقد يتحول إلى حالة من التنفيس عن الآلام الذاتية التي يختزنها الإنسان في حياته الخاصة أكثر من التفاعل الجدي بالقضية التاريخية.

    ج- إن العنصر التقليدي في إثارة الذكرى قد يحول القضية إلى طقوس دينية عادية لا تحمل أي مضامين فكرية، سواء على المستوى السياسي في أبعاد الثورة، أو على المستوى الحركي الإسلامي، حتى ربما لاحظنا في واقعنا المعاصر الطغاة المنحرفين من السياسيين الشيعة يقيمون الذكرى بالأساليب العاطفية باعتبارها إحدى التقاليد الشيعية العريقة، ولا يسمحون لقارئ السيرة الحسينية أن يتجاوز المسألة العاطفية إلى المسألة السياسية...

    د- إن عدم الأخذ بالمنهج العلمي الفكري في دراسة القضية الحسينية قد يؤدي إلى تشويه المفاهيم الصافية للثورة الحسينية، سواء انطلقت من طبيعة الثورة بشكل مباشر أو استفيدت بشكل غير مباشر من المواقف التي وقفها أبطال كربلاء مما نقلته لنا كتب السيرة. فقد يتنافى ماقد يطرحه قراء العزاء مع المفاهيم الإسلامية الأصيلة، أو يبتعد عن خط التوازن في دائرة التصور، أو يحصر الذكرى في دائرة معينة تنطلق بها العصبيات العائلية بعيدا عن المشاعر والأفكار الرسالية، وغير ذلك، مما ينعكس سلبا على الذهنية الشعبية العامة التي قد تختزن هذه المفاهيم التي تنفذ إلى منطقة الشعور من خلال الدموع والآلام التي قد تعمق المضمون الفكري والشعوري في كل مواقع الإثارة في الذات، وهذه النقطة مما سنتعرض لها بشيء من التفصيل في عنوان مستقل إن شاءالله.

    هـ- إن إبعاد الفكر عن عاشوراء قد يكون أحد أسباب بعض الإتجاهات الخاطئة المتمثلة في عدم الموافقة على اعتبار النهج الحسيني، في مواجهة الباطل والحاكم المنحرف، نهجا إسلاميا عاما يتحرك به المسلمون، بل تعتبره نهجا حسينيا خاصا ينطلق من الخصوصيات الحسينية الذاتية فيما هي شخصية الحسين عليه السلام الخاصة في صفته الإمامية، وذلك على أساس أن الإستغراق في الجانب الشخصي للمأساة جعل الإرتباط بالحسين عليه السلام ارتباطا ذاتيا يتصل بشخصه ولا يتصل برسالته، وبذلك كفت عاشوراء لدى هؤلاء عن معنى القدوة مما يمكن استلهامه في الحركة للأجيال الإسلامية المتلاحقة.

    و- إن التأكيد على الجانب الفكري للذكرى يسمح لنا بالإستفادة منها من خلال تحديد الخطوط الفكرية والحركية و الفقهية المتصلة بالسيرة الحسينية في الشكل والمضمون، لأن في عاشوراء الكثير من المضامين الفكرية والفقهية التي يجب التوفر على مفرداتها بالتحليل العلمي الدقيق، ما يحول عاشوراء إلى محطة للتخطيط الدقيق للمسألة الإسلامية على مستوى المستقبل القريب والبعيد، ليكون الإسلام هو القاعدة للفكر وللعاطفة وللحياة.

    ز- إن عدم الإعتناء بالجانب الفكري لعاشوراء يفوت علينا منبرا للدعوة الإسلامية، لأن المنبر الحسيني يجتذب الجماهير الإسلامية اجتذابا تقليديا، الأمر الذي يمنح الدعاة الكثير من الفرص للنفاذ إلى عقول الناس وقلوبهم من خلال العنوان الإسلامي الكبير للذكرى، فيدفعهم ذلك إلى الإنفتاح على إسلام الفكرة والحركة والثورة من خلال انفتاحهم على الحسين عيه السلام الذي يمثل التجسيد الحي لذلك كله، فتكون الذكرى بذلك مدرسة إسلامية شعبية متنوعة الأبعاد والأساليب، ووسيلة من وسائل الدعوة إلى الإسلام.

    ح- إن إنطلاق العاطفة بمعزل عن العقل قد يؤدي إلى تكرار المأساة التي عاشها الحسين عليه السلام، لأن مأساته لم تكن في فقدان المسلمين للعاطفة تجاهه، فقد كانت كل قلوبهم تخفق بحبه، لكنه كان حبا أعمى سطحيا، ولم ينطلق من عمق المعرفة والإرادة والمعاناة، ولذلك عندما تطلب الأمر منهم التضحية بالمزاج أو المصلحة أو المال انطلق الحب بعيدا، وتقدمت المصلحة والمزاج، وقد عبر الفرزدق عن حالة أهل الكوفة الذين خرجوا لقتال الحسين عليه السلام بقوله: (قلوب الناس معك وأسيافهم عليك). ونحن نحتاج ألى أن نحب الحسين عليه السلام بوعي وعقل ومعاناة، لا مجرد حب سطحي انفعالي أعمى لا يلبث أن يجمد عندما يصطدم بالواقع ويعيش التحدي، وهذا يتطلب الوعي لكل المضامين التي انطلقت من خلالها عاشوراء والتي هي مضامين الإسلام.

    أمام هذه النقاط التي تجعل من الجانب الفكري في إحياء الذكرى أمرا حيويا وضروريا، وأمام ما تقدم من ضرورة المحافظة بقوة على العنصر العاطفي في عاشوراء نعود لنؤكد أن المسألة العاطفية هي مسألة إنسانية الأبعاد، إسلامية الروح، غنية المؤثرات، كثيرة المعطيات، تمنح الفكر حرارته وحيوته، وتخرجه من جموده، وتقوده إلى النشاط والحركة، وتخرجه من حالة فكرية جامدة ليدخل في حالة إيمانية وجدانية، وهي تزيد الإنسان ارتباطا بمواقعها واتصالا بقضاياها، مما يجعل الحالة الفكرية في خصوصيات المبدأ والشخص والموقف حالة قريبة من الشعور، منفتحة على الوجدان بحيث يمنحها ذلك بعضا من القوة والإنفتاح والثبات في النفس والإمتداد في الواقع.

    كما نشدد على أن التزاوج بين الحالة العاطفية والحالة الفكرية هو الذي يحقق للرسالة مضمونها العميق في وعي الإنسان وحركته، وبذلك تتطور الفكرة إلى إيمان من خلال الفكر المنفتح على الشعور، ويتطور الإيمان إلى حب أو بغض من خلال انفتاح العقل على القلب. وهذا ما نستوحيه من الحديث عن الحب لأولياء الله والبغض لأعدائه في الإلتزام الإيماني للمسلم، باعتبارهما دليلا على الجدية والإخلاص، فإن الملحوظ أن الغاية هنا (وهي العناوين التي انطلقت على أساسها عاشوراء) تلتقي بالوسيلة المتصلة بطريقة إحياء الذكرى ووسائلها، وأن المضمون يتحرك في دائرة الإلتزام في الواقع.
    ونعود لنقول: إن علينا أن نربي قلوبنا كما نربي عقولنا، وذلك بأن نربي قلوبنا بثقافة العاطفة، لأن القلب عندما يخطئ الإتجاه الصحيح في العاطفة فقد يدمر حياة الإنسان، فإذا انطلقنا من سطحية في حبنا، فمنحناه لمن لا يستحقه فربما يكون في داخل من أحببناه خبث دفين يدمر لنا حياتنا في المستقبل، وعندما نبغض انسانا لا على أساس العناصر الموضوعية للبغض، فربما يكون في هذا الإنسان عنصر طيب في العمق في الوقت الذي يحرمنا بغضنا له من أن نتلمس لحياتنا مواقع الطيب في نفسه..

    إن علينا أن نرشد عواطفنا لتنبض على أساس الوعي، وتنطلق من العمق لا من السطح، لا أن تكون عاطفة مجنونة، أو عاطفة تعيش الطفولة وتتحرك على طريقة الأطفال.

    الثالثة: تطوير أساليب إحياء الذكرى

    وإذا كان المطلوب من العاطفة هو ضمان استمرارية عاشوراء وإبقاء حرارتها مع تقادم الزمن، وتعميقها على مستوى الشعور الإنساني، فإن من الضروري أن نبقى في دراسة دائمة لأساليب الذكرى، لأن الإنسان يتنوع في مؤثراته تبعا لتطور ثقافته وذهنيته... وبتعبير آخر: إن الذهنية لغة، فإذا كانت الذهنيات تختلف وتتطور، فهذا يعني أن المؤثرات لابد وأن تتناسب مع الذهنية المخاطبة، فربما كانت بعض الإثارات خاضعة لمرحلة معينة، فلا تصلح لتحريكها في الواقع في مرحلة أخرى، وربما كانت المسألة متصلة بمستوى ثقافي متدن في تأثره بأسلوب معين، فلا يكون عنصرا للإثارة في مستوى ثقافي متقدم.. وربما نلاحظ هذه المسألة في بعض مفردات الشعر الحسيني، العامي والفصيح، التي انطلقت من العادات العشائرية في حث النساء للرجال لتحريك حماستهم ونخوتهم وحركتهم، فإننا لوطرحنا مثل هذه المفردات في مجتمع ثقافي آخر، فإننا لا نجده يتأثر بذلك، لأن الحالة الثقافية قد طورت حركة العاطفة كما طورت حركة الفكر عنده.

    وعلى ضوء ذلك لا بد لنا من الوقوف على عدة نقاط أساسية:

    أولا: لا بد من المحافظة على إحياء ذكرى عاشوراء في نمطها الشعبي التقليدي المعروف، لأن بساطة هذه الأنماط تؤمن امتدادا أكبر للقضية الحسينية في الحاضر والمستقبل، وتجسد حالة تعبوية شعبية تحقق نتائج كبيرة إيجابية على مستوى إنتاج جمهور عاشوراء في كل زمان ومكان، ولعله هو الذي ضمن استمرارها في مدى مايقارب الأربعة عشر قرنا من الزمن، وإن المساس بهذا الأمر من شأنه أن يعرض القضية للضمور والإضمحلال في الوجدان العام للأمة شيئا فشيئا.

    ثانيا: مع ما ذكرناه أولا فإن المحافظة على البعد التقليدي للذكرى يتطلب دراسة النمط التقليدي من أجل العمل على صيانته من الشوائب التي لا تنسجم مع المفاهيم الإسلامية الأصيلة على المستوى الفكري والأخلاقي والشرعي، على ضوء ماتقدم بيانه سابقا من ضرورة المزاوجة بين الجانب الفكري والعاطفي.

    ثالثا: لا بد من دراسة كل الوسائل الشعبية المتبعة في ذكرى عاشوراء على المستوى الشرعي، وذلك لأن بعض وسائل الإحياء (كالتطبير) هي محرمة شرعا، سواء بالعنوان الأولي أو من خلال العناوين الثانوية الطارئة، وفي هذا السياق نثير المسألة من عدة جوانب:

    1- إن هذه الأمور ليست من الشعائر الدينية التي يحاول البعض أن يطبق عليها قوله تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) لأن كون أمر شعيرة من شعائر الله هو أمر توقيفي، بمعنى أنه لا بد أن يصدر بيان من الشريعة أنه شعيرة، فما لم يرد من النبي أو الإمام ذلك لا يكون ثمة دليل على كونه من الشعائر، وقد ذكر السيد الخوئي (ره) ذلك بقوله في رد على سؤال حول إدماء الرأس وما شاكله بقوله: (لم يرد نص بشعاريته، فلا طريق إلى الحكم باستحبابه) .

    2- أن التطبير وضرب الظهور بالسلاسل وما شاكلهما من الأمور المضرة بالنفس، وهناك قسم من الفقهاء (ونحن منهم) يقولون بحرمة الإضرار بالنفس مطلقا، سواء أدى إلى التهلكة أو لم يؤد إليها، ولذلك فهو حرام بالعنوان الأولي، باعتباره مصداقا للإضرار بالنفس.

    3- أن عدم القول بحرمة الإضرار بالنفس إذا لم يؤد الى التهلكة لا يعني جواز مثل هذه الأمور شرعا، فإن بعض الأمور الثانوية قد تطرأ على الفعل المباح تجعل منه أمرا محرما نتيجة لحرمة تلك العناوين الثانوية، ولذلك نجد السيد الخوئي (ره) يقول ردا على سؤال بهذا الصدد: (لا يجوز فيما إذا أوجب ضررا معتدا به، أو استلزم الهتك والتوهين والله العالم)، ثم يوضح في جواب آخر أن المراد من الهتك والتوهين (ما يستلزم الذل والهوان للمذهب في نظر العرف السائد) .

    وإذا كان بعض الناس قد يعترض على ذلك بأن الكافرين والمنافقين قد يسخرون من بعض الواجبات العبادية أو غير العبادية مما لا يمكن الإلتزام بحرمتها بلحاظ ذلك، فإن الجواب عنه بأن هناك فرقا بين السخرية بالإسلام ذاته وبالأحكام الإلزامية الواجبة أو المحرمة، وبالأفعال الواجبة أو المحرمة، وبين السخرية بالمباحات أو المستحبات التي ينطبق عليها عنوان ثانوي محرم يجعل المباح والمستحب حراما أيضا، إذ أنه لما كانت الإباحة والإستحباب يشتركان في عدم الإلزام بالنسبة للمكلف، فإن انطباق الحرمة على الفعل المباح أو المستحب يجعل الإباحة والإستحباب يجمدان لصالح مفسدة الحرام في هذا المجال.

    ولذلك فإن المشكلة تكمن في حديث الكثيرين عن الحكم الشرعي في مثل هذه الأمور من زاوية العناوين الذاتية الأولية (كموضوع حرمة الإضرار بالنفس وحدوده) التي يختلف الموقف الفقهي تجاهها، في الوقت الذي لا بد من نقاشه من جوانب أخرى تتصل بالعناوين العامة للخط الإسلامي في نطاق مسألة المصلحة والمفسدة في هذا الموقف أو ذاك، مما يندرج تحت العناوين الثانوية.

    4- إذا أردنا أن نحلل مسألة هذه العادات في عناصرها الفكرية بعيدا عن الجانب الشرعي، فإن الذين يمارسونها يقولون: نحن نواسي الحسين عليه السلام عندما نضرب رؤوسنا بالسيف، ونواسي السيدة زينب عليها السلام عندما نجلد ظهورنا بالسلاسل، لأنها جلدت بالسياط، ولكن ذلك ليس من المواساة في شيء، لأن الحسين عليه السلام جرح وهو يقاتل من أجل العدل والحق، ولم يضرب رأسه بالسيف، ومواساته تعني أن يجرح الإنسان في الموقع الجهادي نفسه، وإن زينب عليها السلام جلدت بالسياط وهي في خط القضية، ولم تجلد نفسها بعقل بارد.

    إن هذه العادات هي عادات متخلفة في التعبير عن الحزن، فللحزن تعابير حضارية إنسانية، وليس الحزن حركة تعذيب للذات، وإنما هو حركة إنتاج لإنسانية الذات.

    رابعا: في موازة الإحياء الشعبي التقليدي لا بد من العمل على الإستفادة من وسائل التعبير التي استحدثها العصر، كالمسرح والسينما وغيرهما، فإن ذلك يؤمن لعاشوراء أن تنفتح على الإنسان المعاصر من موقع تجسيدها للقيم التي انطلقت منها، وتعميقها للمأساة التي تحركت فيها، وإطلالتها على الأجواء التي تنتجها، مما يعطي لعاشوراء بعدا إنسانيا عالميا إلى جانب بعدها الإسلامي الخاص.

    وهذا أمر طبيعي جدا، لأن أي فكرة لا بد لها من أن تدخل في الوجدان الإنساني بالوسائل التي يمكن أن ينفتح عليها هذا الوجدان، حيث إن الإنسان يتربى من خلال وسائل التواصل التي يعيشها في عصره، مما يجعل تلك الوسائل ذات قدرة على التأثير تفوق كثيرا في قدرة التأثير من الوسائل التقليدية الجامدة.

    وهذا الأمر يتطلب قدرات فنية إبداعية على المستوى السينمائي أو التلفزيوني أو المسرحي، سواء في التأليف أو الإخراج أو في طبيعة الممثلين، بشكل يحافظ فيه على الجو الإسلامي لعاشوراء، سواء في خطوطها الحركية أو في طبيعتها الدينية.

    وفي رأينا أنه ليس ثمة مانع شرعي من تمثيل شخصيات كربلاء، في عمل مسرحي أو سينمائي أو غيرهما، بالنحو الذي يحافظ على حرمة الشخصية ومكانتها وقدسيتها، كما أن من الممكن التصرف في النص التمثيلي بما لايتنافى مع مضمونه وروحيته، ويؤدي إلى إعطاء الفكرة حيوتها الواقعية في شخصية صاحب النص، وذلك لأن طبيعة الإنتاج المسرحي أو السينمائي (إذا ما أريد له أن يؤدي دوره في هذا المجال) تفترض آلية أخرى لعرض الفكرة أو القضية بما لايمكن معه الجمود عند ما ينقله التاريخ وحسب.

    ونحن عندمت نتحدث عن هذا الأمر بهذه الكيفية فإنما نتحدث عنه من ناحية المبدأ، في الوقت الذي يجب أن تتم دراسة التطبيق بالنحو الذي يضمن كل العناصر التي يمكن أن تحقق للحدث التاريخي كل حيوته وصدقيته وكل ردود الفعل الإيجابية من خلاله، وفي ضوء هذا لابد أن تكون هناك دراسة دقيقة لإختيار الممثلين ورقابة مشددة على طبيعة الأداء.

    وفي هذا الإطار نحن ندعو الكتاب والمؤلفين، كما نشدد على الدعاة إلى الإسلام، أن لا ينطلقوا في عملية تجزيئية لشخصية الحسين عليه السلام، لأن الحسين عليه السلام كان إماما للإسلام، وإمامته فيما نعتقد هي امتداد حركي للنبوة، وقد عاشها عليه السلام دعوة للإسلام، وتأصيلا لمفاهيمه، بالكلمة والموقف، وعاشها حركة في تقويم الإنحراف الداخلي والخارجي، ومن الضروري أن تبرز كل ملامح الإمامة في شخصيته في كل موقف وقفه، وكل حركة تحركها.. وعلى هذا الأساس نحن رفضنا كل موقف نقله التاريخ لا ينسجم مع خط الإسلام الأصيل ولا مع الموقع القيادي للإمامة، بغض النظر عن تناقضها مع ماينقله المؤرخون أنفسهم من مواقفه الرائعة. وسنقف على هذا الأمر في حديثنا عن المضمون العاشورائي.





  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي


    المضمــــــون العاشورائي

    أشرنا فيما سبق إلى ضرورة التنبه لعنصر المضمون الذي يطرح في عاشوراء، سواء على المستوى الشعبي التقليدي، أو من خلال بعض التجارب المتناثرة في الإنتاج المسرحي أو السينمائي أو التلفزيوني. وهذا الأمر ينبع من أن طبيعة الذهنية التي يعيشها قارئ العزاء أو الشاعر الحسيني أو المخرج أو كاتب السيناريو وما إلى ذلك قد تلعب دورا في تشويه المفاهيم الأصيلة للقضية الحسينية، خصوصا عندما يتم التغاضي عن الجانب الفكري لمصلحة الجانب العاطفي المأساوي الذي يطلب استنزاف الدمعة بأي طريقة. ونحاول في هذا المجال تقديم بعض النماذج من هذه المفاهيم التي يقدمها الخطباء للجمهور من حيث يشعرون أو لا يشعرون، نطرحها في عناوين:

    1- التصادم مع المفاهيم الإسلامية

    يستوقفنا في هذا المجال بيت من الشعر لقصيدة حسينية للسيد حيدر الحلي (رحمه الله) وهو يستنهض فيها الإمام المهدي (عج) فيقول:


    واستأصلي حتى الرضيع *** لآل حرب والرضـــــيــــعــــــة


    حيث نجد أمامنا دعوة صارخة مثيرة لاستئصال بني أمية، حتى الرضع منهم ذكورا وإناثا. وهذا الأمر يمثل مصادمة واضحة مع القيمة الإسلامية الإنسانية في خط العدالة التي جاء بها القرآن الكريم في قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) كما لايتناسب مع السيرة الحسينية فيما تنقله أحاديثها من اللفتة الإنسانية لبعض الجنود في جيش بني أمية وهو يواجه امتناع جيشه عن سقي الطفل ارضيع للحسين عليه السلام: (إن كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل الرضيع؟!)

    كيف يمكن أن يستمع الجمهور المسلم لمثل هذا النداء العدواني الصارخ الذي تطلقه القصيدة نحو الأطفال الذين لا ذنب لهم، ولا سيما إذا كانوا من الرضع، مما يزيد الإحساس الإنساني شعورا بالألم، في الوقت الذي تتحرك فيه كل ذكرى عاشوراء من أجل إثارة المشاعر الإنسانية المضادة لكل الواقع الذي صنع مأساة الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، حتى يتبلور الرفض الإسلامي لأمثال هذا الواقع، فيقف في مواجهة كل الذين يريدون أن يصنعوا مأساة الإنسان في الحاضر والمستقبل.

    ونلتقي بنموذج آخر في قول الشاعر حاكيا عن لسان أهل البيت عليهم السلام:



    سادة نحن والأنام عبيد *** ولنا طارف العلى والتليد
    وأبونا محمد سيد الناس *** وأجدر بولده أن يسودوا


    إن هذا المفهوم بظاهر الكلام يتنافى والذهنية الإسلامية التي ترفض عبودية إنسان لإنسان، في عمق الخط الإسلامي، كما ترفض نظرة أي شخص لنفسه بهذا المقياس، وقد درج الأنبياء والأولياء على الإبتعاد عن هذا الأسلوب في حديثهم عن الناس، كما درج القرآن على الحديث عنهم بغير هذه الطريقة. فلم نلاحظ في كل التراث الديني عموما والإسلامي خصوصا مثل هذا التعالي على الناس بحيث تكون النظرة إلى الناس أنهم العبيد وهم السادة، في الوقت الذي نعرف فيه من خلال الحقيقة الدينية أنهم الفئة المميزة في الدرجات العليا عند الله بحيث يرتفعون عن الناس في قربهم إليه سبحانه، كما نعرف أن طاعتهم واجبة على الخلق في موقع رسالة الله التي يحملونها، ولكن الطاعة شيء والعبودية شيء آخر، لأنها (أي الطاعة) تلتقي بالمسؤولية لا بالتقويم الإنساني.

    وإذا كان الأسلوب الأدبي يبرر للإنسان أن يتواضع لإنسان آخر رفيع القدر ليقول له: إني عبدك، فإن التربية الإسلامية لا تتناسب مع كلام الشخص الكبير عن نفسه بهذه الطريقة، ولذلك فإن تصوير أهل البيت عليهم السلام للناس أنهم يتحدثون عن أنفسهم وعن الناس بهذا الأسلوب لا ينسجم مع روحياتهم الرفيعة في التواضع لله في علاقتهم بالناس.

    2- تحجيم القضية الحسينية:

    نلتقي في هذا الإطار بنماذج من الشعر الحسيني يتركز فيها الحديث على إعطاء الصورة في الصراع في نطاق الدائرة العائلية، تماما كما لوكانت المسألة مسألة نزاع عائلي بين بني هاشم وبني أمية على الطريقة التي أثارها أبو العلاء المعري في قوله:


    عبد شمس قد اضرمت لبني
    هاشم حربا يشيب فيها الوليد
    فابن حرب للمصطفى، وابن
    هند لعلي، وللحسين يزيــــد


    هذا نموذج من كثير من نماذج الشعر الحسيني العامي والفصيح والذي لا يزال يتلى في مجالس العزاء مما أدى إلى تكوين ذهنية شعبية تستغرق في مشاعر العصبية للعائلة الهاشمية ضد العائلة الأموية بعيدا عما هي المسألة الإسلامية، حتى أن البعض يتصور الدين في المسألة كخصوصية من خصوصيات العائلة، لا كحالة رسالية تنفتح على الوعي الإسلامي لدى الإنسان المسلم وتلتقي برموز الإسلام وقياداته في ساحاتها، ليكون الإرتباط من خلال الإسلام لا من خلال الخصوصية العائلية.

    ولعل مثل هذا التأثير العاطفي الذي يتحول إلى تعصب للعائلة قد ترك آثاره على حركة الوعي الشعبي السياسي في بعض المراحل السياسية القلقة من حياة الأمة، فقد لا حظنا أن بعض الملوك قد حصلوا على كثير من الدعم العاطفي لدى بعض علماء الدين والفئات الشعبية الطيبة انطلاقا من انتسابهم للعائلة الهاشمية، من دون أي تدقيق في التزامهم الإسلامي، ومن دون نظر إلى لونهم المذهبي في الساحة التي ترى للمذهبية معنى كبيرا في التقويم الفكري والعاطفي.. الأمر الذي أدى إلى إرباك الواقع السياسي في أكثر من بلد إسلامي وسمح للخطط الإستعمارية أن تأخذ مكانها فيها.

    ونحن عندما نثير هذه المسألة لا نريد أن نجعل القضية الرسالية شيئا يتحرك في المطلق بعيدا عن الرمز، لأن للشخصيات القيادية خصوصية في عمق حركة الرسالة، الأمر الذي يفرض الإرتباط العضوي بالقيادة فيما يمثله الإرتباط بالرسالة، لتكون العلاقة رسالية لا شخصية بحتة، وبذلك لا يبقى هناك دور للعائلة بعنوانها الكبير. ومن هنا فإن علاقتنا بأهل البيت عليهم السلام لا تنطلق من هاشميتهم، بل تنطلق من رسالتهم، كما أن الهاشمية لا تكتسب قداسة من خلال انتماء رموز القداسة الرسالية بالنحو الذي يجعل من كل هاشمي يقترب من القداسة حتى لو كان بعيدا عن قيمها.

    إن التراث الأدبي من الشعر والنثر قد يحتاج إلى بعض الخيال، وإلى بعض اللفتات الفنية في حركة العاطفة في المأساة وفي تأثير المأساة في الوعي الداخلي للإنسان المسلم، ولكن الخيال لا بد أن ينطلق في أجواء المضمون الذاتي للقضية، فلا يخلق لها أبعادا بعيدة عنها، ولا ينتج لها فكرا يختلف عن فكرها، كما أن الجانب الفني (في لفتاته الإيحائية أو الإيمائية والتعبيرية) لا بد أن يعطي الفكرة بعضا من معنى الجمال الحقيقي الذي تختزنه مفرداتها، فلا يفرض عليها جمالا من خارج معناها، أو يمنحها خصوصية بعيدة عن خصوصياتها.

    ولذلك فإننا ندعو إلى نتاج أدبي حسيني يتغذى من المفردات الإسلامية للحركة الحسينية فيما هو البعد الروحي والفكري والحركي للإمام الحسين عليه السلام، لتكون الذكرى في خدمة القضية من خلال الإيحاء المستمر بامتدادها في خط الزمن، لتكون الصورة البارزة هي أن عاشوراء هي المنطلق وليست النهاية، وبذلك فإنها تريد أن تنتج جمهورا جديدا لمفاهيمها في كل زمان ومكان من خلال تأكيد العناصر الحية فيها في وعي المستقبل الذي يطل على الإنسان في عملية تجدد ونمو واستمرار.

    3- تشويه صورة النماذج العليا:

    من خلال دراستنا لما تنقله كتب السيرة، مما اختلط به الصحيح بغير الصحيح عندما تم إعطاء الأولوية للجانب العاطفي على الجانب الواقعي في القضية الحسينية، نجد صياغة لصورة مشوهة لرموز كربلاء، وخصوصا فيما يتصل بالإمام الحسين وبالسيدة زينب عليهما السلام. فهناك (على سبيل المثال لا الحصر) عدة صور نثرية تقدم لنا صورة الحسين عليه السلام وهو يستغيث ولا يغاث، ويستجير فلا يجار، ويستسقي القوم جرعة من الماء فلا يستجاب له، حتى تنتهي القصة إلى اللحظات التي كان الإمام الحسين عليه السلام في حالة الإحتضار فشاهده شخص اسمه حميد بن مسلم فيلفت نظره أنه يحرك شفتيه، فيقول الرجل في نفسه: لو كان الحسين يدعو علينا هلكنا ورب الكعبة، فيدنو منه فيسمعه يقول: (ياقوم اسقوني جرعة من الماء فقد تفتت كبدي من الظمأ) ويضيف بعض الرواة إلى ذلك قوله: (وحق جدي إني لعطشان) .

    إنها صورة من الصور التي توحي بالضعف، ولا توحي بالقوة، مما لا يتناسب مع الصورة التي تمثل فيها الإمام الحسين عليه السلام إنسانا كبيرا متمردا على كل نوازع الضعف وعناصر الألم في مواجهة القوى الضالة الطاغية التي حشدت ضده كل تلك الجموع لتسقط موقفه، ولتهز ثباته، ولتدفعه بعيدا عن موقفه الصلب المميز، ولتفرض عليه الخضوع لحكم يزيد، فرفض التراجع والتنازل والخضوع، وتحمل كل النتائج القاسية من أجل أن يجسد القيم الإنسانية الكبرى التي أرادها الله للإنسان في الحياة، لأن المسألة ليست مسألته الشخصية، بل هي مسألة الرسالة في تحدياتها وفي حاجتها إلى التماسك والتوازن في المواقع الصعبة التي تزدحم في أعماقها الزلازل، وهذه المواقف تمثلت فيما طرحه من شعارات، وفيما جسده من مواقف، خصوصا عندما ذبح ولده الرضيع، حيث تنقل السيرة أنه قال: (هون ما نزل بي أنه بعين الله) .

    إننا لا ننكر أن الإنسان حتى لو كان نبيا أو إماما قد يخضع للضعف البشري في مضمون بشريته، ولكن الحسين عليه السلام قد اتخذ قراره في المواجهة الصعبة بعد دراسة طويلة عميقة لكل النتائج المترتبة عليه، وعرف طبيعة الوحشية الهمجية المتمثلة في عناصر الشخصية الطاغية لهؤلاء، ورأى في ساحة المعركة، كيف تتجسد القسوة في مواقفه حتى بالنسبة للطفل الرضيع، فكيف يمكن أن يستغيث بهم ويطلب منهم جرعة من الماء في الوقت الذي كان جسده مثخنا بالجراح بأبشع الصور؟!

    إن الصورة الحقيقية للإمام الحسين عليه السلام هي تلك الصورة التي عبر عنها أحد أعدائه من جيش يزيد:

    (فوالله ما رأيت مكسورا قط قد قتل ولده وأهل بيته أربط جأشا ولا أشد بأسا من الحسين، فلقد كانت الرجالة تشد عليه فيشد عليها فتنكشف من بين يديه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب) .

    وهكذا نقف عند صورة السيدة زينب عليها السلام، ولا سيما بالشعر الشعبي، فلا نجد فيها صورة البطلة القوية المتحدية التي وقفت في قوة وصلابة وثبات في مجلس ابن زياد لتتحدى سلطانه، وفي مجتمع أهل الكوفة لتواجه انحرافهم وخذلانهم، وفي مجلس يزيد لتهاجم مواقعه، بل نجد صورة البدوية التي تتحدث بالأسلوب الضعيف الواهن الثاكل الذي يبحث عن العشيرة فلا يجدها، وعن النصير فلا يلتقي به، ويواجه القضية بلسان الدعوة إلى الثأر على الطريقة العشائرية.. إنها صورة الضعيفة المنكوبة المسبية التي تعيش هم آلامها وهم الأطفال والنسوة من حولها (على أهمية ذلك) دون أن تكون للقضية الكبرى أية انطلاقة في اهتماماتها، في الوقت الذي يؤكد فيه التاريخ أن زينب كان لها الدور الكبير في استمرار القضية في الوجدان، وحمل لوائها على أساس القيم الإسلامية والمبادئ الصافية الأصيلة.

    وقد يخيل لبعض الناس أن الحديث عن المأساة في خط القضية (حتى في مثل ما أثرناه) يمثل لونا من ألوان التعبئة النفسية ضد الذين صنعوا المأساة أو الذي يصنعون ما يماثلها، مما يحقق للقضية الكثير من عوامل القوة في وعي الجماهير عندما تنفتح مشاعرهم على الثورة من خلالها، ونحن نقول: صحيح ذلك فيما أكدناه من أهمية العاطفة في عاشوراء إلا أن ذلك يفرض نوعا من التوازن بين حركة العاطفة وصورة النموذج الأعلى للقضية فيما تتكامل فيه عناصر الثورة في خدمة القضية. ولذلك فإننا لا نرفض إثارة العاطفة فيما هي العناصر الحقيقية للمأساة، بل نرفض بعض المضمون الذي يبتعد بالمأساة عن جو القضية في مواقع القوة والعنفوان، كما نرفض الأسلوب الذي لا تتناسب فيه الإيحاءات بين الجو والفكرة.

    وفي ضوء ذلك فإننا ندعو إلى صياغة المضمون العاشورائي (سواء فيما يطرحه قراء العزاء أو ينتجه الشعراء وغيرهم من الكتاب) من خلال ملاحظة القضية الحسينية في أهدافها الكبيرة والذي يلاحق أحداثها من خلال النقد الواعي الذي يأخذ في حسابه كل الظروف المحيطة بها من شخصية البطل، ونوعية الإنتصار، وطبيعة العدو، وصورة المرحلة، ليجتذب ذلك كله للواقع الذي تعيشه الأمة في عملية إيحاء بالثورة وحركة للتغيير على أساس الإسلام، لنستطيع أن نحرك الذكرى في امتداد الزمان، لتكون خيرا وبركة للحاضر والمستقبل، كما كانت بركة للماضي.





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    دراسة السيرة علميا:

    وفي هذا الإطار فلا بد من دراسة السيرة الحسينية دراسة علمية موضوعية، لأن مابين أيدينا من كتب السيرة فيه الغث والسمين، وهو يجمع في طياته بين المتناقضات، وما لا ينسجم مع طبيعة الأمور، وليس من الضروري أن يتم الجمود عند سند الرواية بالدقة العلمية التي يؤخذ بها في الفقه، ولكن لا بد من دراسة الروايات في مضمونها من حيث طبيعة علاقتها بالواقع من حولها، حتى نستطيع أن نركزها على أساس وقاعدة ثابتة.

    ولا بد في الوقت نفسه من الرجوع إلى المصادر الموثوقة التي تعتبر الأساس في النقل التاريخي، ولا نغرق في كثير من الكتب التي زيد عليها بما لا ينسجم وقضية كربلاء، كما أن على الخطباء وغيرهم أن لا يبادروا إلى نقل ما لم يثبت بالدراسة والتأمل لمجرد إثارة العاطفة، فقد ورد في كلام الإمام جعفر الصادق عليه السلام وهو ينقد بعض أصحابه عندما كان يحاور بعض الناس: (تمزج الحق بالباطل، وقليل الحق يكفي من كثير الباطل) .


    أنتهــــــــــــــــــــــــــــــــــى





  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    يرفـــع للأهمية ومناسبة عاشوراء الحسين "ع" لسنة 1435 هجرية الموافق لسنة 2013 ميلادية .





  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    يرفـــع للأهمية ومناسبة عاشوراء الحسين "ع"
    لسنة 1436
    هجرية الموافق لسنة
    2014 ميلادية
    .





  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    يرفـــع للأهمية ومناسبة عاشوراء الحسين "ع" لسنـــة1437هجرية الموافق لسنــــة 2015 ميلادية
    .





  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,760

    افتراضي

    يرفـــع للأهمية ومناسبة عاشوراء الحسين "ع"لسنـــة1438هجرية الموافق لسنــــة2016ميلادية







ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني