النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,143

    5 الكاتب"رشيد الخيون"ومقاله : (فلسفتنا - ردودٌ لافلسفة) |و|تعليقات وردودٌ علميةٌ مختلفة




    محمد الحسيني‏ | 27 أبريل‏، الساعة | 12:52 مساءً‏ ·

    التعويل على النصوص المترجمة . وكان السيد قد قرأ الكتاب في عام ١٩٧٥ ، ورجع اليه بعد حين ، فوجده أبسط مما يعوّل عليه كنقض فلسفة ، أو تأسيس فلسفة تسمى فلسفتنا . ولذلك سجّل السيد رشيد ظنه أن لو قدّر للصدر أن يعود للحياة لأعاد النظر فيه ، وهو الذي كتبه في العشرينيات من عمره ..هذا أهم ماور في المقال .
    وأسجل عدداً من الملاحظات على ما ورد في المقال :
    ١ / ماهو تعريف الكتاب الفلسفي عند السيد رشيد الخيون ؟ ولماذا اهتم عدد من دارسي الفلسفة بفكر الصدر إن لم يكن في فلسفتنا شيء من الفلسفة ؟ومنهم الفيلسوف العربي زكي نجيب محمود ، وهو لا ينتمي الى مدرسة الصدر نفسها ؟
    ٢/ الدارسون يعرفون أن النص الفلسفي عند الصدر توزّع على من الأبحاث ، وأشهر كتبه ( فلسفتنا ) و( الأسس المنطقية للإستقراء ) ونصوص متناثرة في (إقتصادنا) وفي أبحاثه الأصولية التي عالج فيها عدداً من المقولات الفلسفية ، وأهمها حجية الدليل العقلي وحكم العقل .
    ٣/ تقدير السيد الخيون أنه لو عاد الصدر للحياة لأعاد النظر في ما كتبه في العشرينيات ، يشي بأنه لم يطّلع على أهم نصوص الصدر في الفلسفة في كتابه ( الأسس المنطقية للإستقراء ) والذي تجاوز فيه الصدر إنتماءه لمدرسة ملاّ صدرا،وقد ترجم الكتاب للإنجليزية قبل أشهر ، بعد أكثر من ثلاثين سنة على رحيل الصدر.وكان ترجم للفارسية منذ فترة طويلة ، وعدّه المفكر الإيراني عبدالكريم سروش انه أول كتاب في تاريخ الثقافة الاسلامية يحرره فَقِيه مسلم يتناول فيه إحدى أهم مشكلات فلسفة العلم والمنهج العلمي المصيرية .. وقد انتهج الصدر في الكتاب منهجاً نأى عن المنهج العقلي ، وامتاز عن المذهب التجريبي.
    ٤/ في (فلسفتنا) عالج مشكلة ( المفهوم الفلسفي للعالم) بالدرجة الأساس ، ومهّد لهذه المسألة ببحث ( نظرية المعرفة) ، والذي بحث فيه : مصدر المعرفة وقيمة المعرفة ، وقد خصصه الصدر للبحث في المعرفة التصّورية ودرس أسبابها ومصادرها في ضوء النظريات الفلسفية ، قديمها وحديثها ، ثم درس العرفة التصديقية في ضوء النظريات الفلسفية أيضاً. وفي هذا القسم تعرّض للمذهب العقلي والمذهب التجريبي ، وتصدّى لتأصيل المذهب العقلي، وفي ضوئه عُدّل المعارف العقلية الضرورية هي مقياس صحة كل فكرة أو خطئها..
    ٥/ ولكنّ الصدر تجاوز ( فلسفتنا) في السبعينات مع الأسس المنطقية ،إذ لم يَعُد مؤمناً بجملة القضايا التي إعتبرها العقليون مبادئ عقلية قبلية ، بل قواعد مستدلّة في ضوء الدليل الاستقرائي، ولم يبق من هذه المبادئ القبلية في ضوء نظريته الجديدة سوى مبدأ عدم التناقض وبديهيات حساب الإحتمال
    ٦/ إذا كانت الترجمات غير وافية ، كما يفيد السيد رشيد الخيون ، وقد يكون ذلك صحيحاً ، فلماذا لم يعرض للأفكار التي ناقشها الصدر ونسبها غلطاً للمدارس الفلسفية ، وتحديداً فيما يخص الماركسية والمادية التاريخية التي أطال الصدر في مناقشتها .
    ٧/ ألمح السيد الخيون الى دور كتاب (فلسفتنا) في تعريض الشيوعيين للقتل ، متناسياً أن الصدر هو أول من نقل المعركة مع الشيوعيين الى الصعيد الفكري ، وكانت نصوصه شديدة التهذيب والأحترام .
    ويلزمنا أن أشير أن الصدر هو أول فَقِيه شيعي شكّك في حدّ الردة ، وكتب ذلك في ( الأسس الإسلامية) التي جعلت مصدراً رئيساً من أدبيات حزب الدعوة .
    كما أذكّر أن فتوى السيد الحكيم لم تحكم بكفر الشيوعيين ، بل عدّت الشيوعية كفرا والحادا.
    ويجب أن لانغفل الدور الصبياني لعدد كبير من الشيوعيين في إستعداء المتدينين ، كما وصفهم الباحث الدكتور عبد الحسين شعبان ، وهو واحد من الذين راجعوا الأداء السياسي للشيوعيين ..
    كما أودّ تذكير السيد الخيون بما كتبه هاني الفكيكي في مذكراته( أوكار الهزيمة) أن أبرز ما طالب به السيد الحكيم الانقلابيين ، في لقاء ضمّه وآل راضي مع موفدي الحكيم علي الصغير والشهيد مهدي الحكيم ، هو الكف عن ملاحقة الشيوعيين وتصفيتهم
    أتمنى في الختام أن يتسع صدر السيد الخيون لهذه الملاحظات ، وأن يُعيد قراءة ( فلسفتنا ) بعين باحثة أو يعوّل على أهل الأختصاص ممن يعيش الحياد النفسي .






  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,143

    افتراضي

    مقال "رشيد الخيون" للاطلاع ...





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    28,143

    افتراضي



    أحمد أبو زيد العاملي
    محمّد باقر الصدر (٥٦)

    شغلتني شواغل لأيّام عن متابعة الحلقات المخصّصة للحديث عن الشهيد الصدر، والتي كانت آخر سلسلة منها تتناول أحداث سنة ٢٠٠٣م وخلفيّاتها. ولمّا هممت باستئناف الكتابة ومتابعة السلسلة اطّلعت ـ من خلال جملة من الأصدقاء ـ على مقالٍ مقتضب حرّر الدكتور رشيد الخيّون حول كتاب (فلسفتنا):
    http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=89235
    وقد اطّلعت حتّى الساعة على تعليقين حرّرا على المقال: أحدهما للسيّد محمّد الحسيني (أبي طه)، والآخر للأستاذ علي مدن، وقد رغبت ـ تنويعًا لطبيعة التعليقات ـ أن أسجّل جملة من الملاحظات المستعجلة والمقتضبة على مداخلة الدكتور الخيّون، وقد شجّعني على ذلك أنّني منشغلٌ منذ شهر رمضان المنصرم بتحقيق كتاب (فلسفتنا) تحقيقًا علميًّا جديدًا، فجاءت الملاحظات من وحي ما تجمّع لديّ من ملاحظات وانطباعات وتحقيقات حول (فلسفتنا):
    ١ ـ حول إيجابيّة نقد الكتاب:
    النقطة الإيجابيّة التي لمستها في المقال أنّه حاول أن يثير أسئلةً ما حول (فلسفتنا) ومؤلّفه، وهذا في نفسه أمرٌ جيّد؛ لمساهمته في تحريك عجلة العلم، الذي لا تتّقد جذوته سوى بالنقد وإثارة الأسئلة.
    ومن الواضح أنّ شعورًا بالأسف يتملّك الكاتب الخيّون حول المبالغة التي يحيط بها بعض أتباع الصدر كتاب (فلسفتنا) أو كتب الصدر عمومًا، ونحن لا يسعنا إلاّ أن نشاركه هذا الشعور؛ لأنّ ذلك يساهم ـ إن كان نفخًا خاويًا ـ في تكريس ظواهر معيّنة كان الصدر نفسه أبرز محاربيها.
    ولكن مهلًا، دعونا من بعض أتباع الصدر، ولنبقَ مع الصدر نفسه: هل تعامل هو مع أطروحته بوصفها معولاً ناسفًا للشيوعيّة ومدارس الفكر الغربي؟ أم أنّ الرجل كان يفضّل لغة العلم وهو الذي تعامل مع أطروحتيه الأساسيّتين في مرحلة الستّينات ـ فلسفتنا واقتصادنا ـ بوصفهما (محاولة) كما كان حريصًا أن يعبّر في غير مورد ومكان؟! بل إنّ الصدر كان حريصًا ـ في بعض رسائله ـ على منع بعض مريديه من استخدام كلمة (نسف) الآخر.
    وعلى الرغم من أنّنا نقدّر أنّ الصدر كان يرى لنفسه الأسبقيّة (الثبوتيّة)، إلاّ أنّه كان حذرًا من انعكاسها في واقعه (الإثباتي)، وقد بقيت عبارةٌ نقلها عنه أستاذنا السيّد محمود الهاشمي في تقريره لدرسه الأصولي وهو بصدد الحديث عن قيمة (الأسس المنطقيّة للاستقراء) تثير في نفسي التساؤل، وهي قوله المنسوب إليه: (فان هذا البحث كان منشأ لانتقالنا إلى نظرية جديدة للمعرفة البشرية استطاعت أن تملأ فراغا كبيرا في نظرية المعرفة البشرية لم يستطيع الفكر الفلسفي أن يملأه خلال ألفين سنة)، حتّى وجدت تقريرًا آخر حرفيًّا للدرس نفسه يقول الصدر فيه (والمقرّر هو الشيخ حسن عبد الساتر): (و لكن هذا التصور للمعرفة البشرية أساسا غير صحيح، وقد كانت هذه المسألة هي الّتي فتحت علينا أبواب التفكير و كانت المفتاح لتأليف كتاب الأسس المنطقية للاستقراء)، ثمّ يقول في موضع لاحق: (و كل هذه الاتجاهات الفلسفية الأربعة الّتي تذبذب بها الفكر البشري خلال ألفي عام غير صحيحة).
    ومن الواضح أنّ بين الصياغتين فرقًا شاسعًا.
    ٢ ـ حول مشاركة (فلسفتنا) في ملحمة تصفية الشيوعيّين:
    حيث قال الخيّون: (ويغلب على الظن أنه كان له الأثر الأكبر على الفقهاء، بإصدار فتوى تكفير)، وقد فات الخيّون ـ كما نبّه إلى ذلك السيّد محمّد الحسيني ـ أنّ الصدر كان ممّن قال بأنّ الزمن زمن شبهة، فلا تجري أحكام الردّة المعروفة.
    على أنّ في البين إشكاليّة تاريخيّة ترتبط بعدم تناسب التواريخ؛ فإنّ (فلسفتنا) لم يلعب دورًا في الفتاوى الفقهيّة التي صدرت سنة ١٩٦٠م حول الموقف من الشيوعيّة، والتي صدرت عن غير واحدٍ من الفقهاء وعلى رأسهم السيّد محسن الحكيم؛ فإنّ صدور الكتاب كان متاخمًا لها من ناحية تاريخيّة، بل إنّ بعضها قد سبقه، فلا يتصوّر له دورٌ في المقام، وإن ساهم إلى حدٍّ كبير في بثّ الثقة في نفوس المؤمنين المتديّنين.
    ٣ ـ حول (فلسفتنا) وصلاحيّته لكلّ زمان ومكان:
    يقول الخيّون: (إلا أن غير المطلع على المؤلفات الفلسفية، التي أراد الصدر الرد عليها أو تفنيدها، يرى في «فلسفتنا» كتاباً لكل مكان وزمان، وليس جملة مقابلها جملة، أو «شعار مقابل شعار»)؛ فكأنّه لا يرى في (فلسفتنا) سوى أنّه شعار مقابل شعار، أو كلمة في مقابل كلمة، ولا يستحقّ أن يكون كتابًا تأسيسيًّا في الفلسفة.. ولذلك يقول أيضًا: (وجدته أبسط مما يعول عليه كنقض لفلسفة، أو تأسيس فلسفة تسمى «فلسفتنا»، وقد سماها بـ«الإلهية»)
    بدايةً حبّذا لو أرشدنا الدكتور الخيّون ـ وهو حامل شهادة دكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة ـ إلى كتاب في الفلسفة يصلح لكي يكون كتابًا لكلّ زمان ومكان!
    بالتأكيد ليس منطق أرسطو كذلك، ولكنّ هذا لا يلغي قيمة الكتاب، ولا يمنع من استحضاره في يومنا هذا..
    كما أنّ من المؤكّد أنّ كلّ التراث الفلسفي الغربي ليس هو الآخر كذلك، فلا كتب ديكارت تصلح لكلّ زمان ومكان ولا كتب كانت وهيوم وغيرهم.. ابدأوا بمن شئتم، واختموا بمن شئت؛ فإنّ هذا شأن كتب المعرفة البشريّة عمومًا، ليس فيها ما يصلح لكلّ زمان ومكان، لكن ليس فيها ما يُمكن إلغاؤه وإسقاطه من خارطة المعرفة ونموّها..
    إنّ صدور (فلسفتنا) في سياق منازلة الشيوعيّة والرأسماليّة لا يلغي قيمته الفلسفيّة..
    وليسمح لي الدكتور الخيّون أن أسجّل هنا كلمتين: حلاًّ ونقضًا:
    أ ـ يتّسم كتابا الصدر الفلسفيّان (فلسفتنا) و(الأسس المنطقيّة للاستقراء) ـ بل حتّى سائر كتبه في الفقه وأصوله ـ بسمة مشتركة تتفاوت نسب انطباقها بين مورد وآخر، وتعبّر هذه السمة عن سياسة اتّخذها الصدر منهجًا علميًّا، وهي عبارة عن جمعه بين مساحات بحثيّة ثلاث: التحليل، التركيب، الحلّ؛ فهو من أبرع العلماء في تحليل المقولات وردّها إلى جذورها، ويدرك ذلك تمام الإدراك من جاس خلال الديار في أصوله وفلسفته، حتّى تجد (الآخر) يستعين بتحليلاته (الصدر) لمواقفه (الآخر)، كما حدث مثلًا في الاستناد إلى كتاب (الأسس) لتحليل مراد الأرسطيّين أنفسهم من قضيّة (استحالة الاتفاق الدائمي)؛ لأنّهم لم يتمكّنوا من تحليل ما يريديونه بالجودة والوضوح اللذين قدّمهما الصدر، ومن المعروف أنّ القدرة البيانيّة على تجلية الفكرة دليلُ تمكّن مميّز من تلابيبها.
    ويأتي بعد هذا مرحلة التركيب، وهي مرحلة الحكم على المقولات التي سبق تحليلها.
    ثمّ تأتي بعد ذلك مرحلة الحلّ، المتمثّلة في الأطروحة التي يقدّمها الصدر بديلاً عن النظريّات التي سبق ردّها. وقد يحدث هذا الأمر بصورة متزامنة ـ كما هو الحال في (فلسفتنا) ـ حيث كان الصدر ينقد ويبني، ينقد ويبني.. وقد يحدث بصورة دفعيّة متمايزة، كما هو الحال في (الأسس المنطقيّة للاستقراء) وقبل ذلك في (اقتصادنا)..
    ب ـ أمّا الكلمة النقضيّة، فليسمح لي الدكتور الخيّون أيضًا أن أستشهد بمنجزات إنجلز المعرفيّة، والتي ذكر منها الخيّون كتاب (ضدّ دوهرنك)، أثناء حديثه عن مصادر (فلسفتنا)، ولستُ أدري إن كان الخيّون قد اطّلع على الكتاب وموقعه في الفكر الماركسي أم لا؟!
    من المعروف أنّ ماركس وإنجلز قد تقاسما الأدوار في التنظير للفكر الماركسي، وليت علماءنا يتّبعون السياسة نفسها، لكنّا أصبنا الخير الوفير؛ فقد اتّفق الرجلان على أن يتفرّع إنجلز ـ الذي لا ينفكّ يؤكّد في ثنايا كتبه على فضل ماركس عليه ـ للكتابة في مجال التأسيس للفلسفة الماركسيّة (بحسب ما أطلق عليها لاحقًا)، بينما يتفرّغ ماركس لعمله الرئيس (رأس المال) الذي لم يسعفه عمره بإنهائه، فبقي جزءٌ منه مسودّات قام إنجلز في ما بقي من عمره بمحاولة إصلاحها وإعدادها للطبع بعد وفاة صديقه ماركس.
    إنّ أبرز عملين لإنجلز في مجال الفلسفة هما: (ضدّ دوهرنك) و(لودفيج فيورباخ)، وفي هذين الكتابين أودع الجيل الأوّل من منظّري الماركسيّة وروّادها الأوائل أفكارهم الفلسفيّة الرئيسيّة تجاه مختلف قضايا الفلسفة، وهما يعبّران عن أفكار ماركس وإنجلز معًا، وإن كان إنجلز وحده هو الذي قام بتدوينهما للسبب المتقدّم.
    دقّقوا معي جيّدًا، يحمل الكتابان على حدّ سواء اسم شخصين، فالأوّل يحمل اسم السيّد دوهرنك، والثاني اسم لودفيج فيورباخ، هل سألنا لماذا؟
    الجواب ببساطة: لأنّ إنجلز تابع في الأوّل دوهرنك وفي الثاني فيورباخ كلمة بكلمة، وشعارًا بشعار، والكتابان من الدفّة إلى الدفّة ـ وبحسب تعبيرنا ـ عبارة عن (إن قلتَ قلتُ)، فهما هوامش على ما كتبه الغير، ولكنّ ذلك لم يمنع كتابَي إنجلز من أن يتضمّنا وجهة نظره وماركس حول مختلف قضايا المعرفة الفلسفيّة، ولم يمنع هذين الكتابين من أن يتصدّرا قائمة المصادر الفلسفيّة الماركسيّة..
    وهل اطّلع الخيّون على ما كتبه الجيل الثاني من المنظّرين: لينين وماوتسي تونغ وستالين؟
    ربما سيفاجأ الخيّون بالكمّ الهائل الذي يملأ كتب هذا الجيل من عبارات المقارنة والنقد، خاصّة مع المثاليّة؛ ففي كتاب ستالين مثلًا حول الماديّة التاريخيّة دائمًا تطالعك عبارة: (يعتبر الديالكتيك خلافًا للمثاليّة...)، وكذلك كتب ماوتسي تونغ ولينين قبله.. أينما تولِّ وجهك في كتب القوم سوف تواجه عبارات من قبيل: (تعتقد المثاليّة.. بينما تعتقد الجدليّة الماركسيّة، أو الديالكتيك..)، وحتّى ماركس نفسه عندما يريد أن يوضح مذهبه الجديد بالمقدار الذي سطّره في مقدّمة (رأسمال) ينظر دائمًا إلى كتابات هيجل لأنّه يريد أن يبيّن الفارق الموجود بين جدليّة هيجل وجدليّته، فبينما يعتقد هيجل بكذا يعتقد هو (ماركس) بكذا...
    هل حال الطابع التهميشي لكتابات هؤلاء القوم دون اعتبارها كتبًا ضمّت وجهة نظرهم حول مختلف قضايا المعرفة؟
    باختصار: كلا؛ فمن حقّ إنجلز أن يعتبر ما كتبه في ملاحقة كلمات دوهرنك وفيورباخ معبّرًا عن فلسفته، وكذلك ماركس في ملاحقة كلمات هيجل، ولينين في ملاحقة كلمات العشرات من العلماء والمذاهب في كتابه حول المذهب التجريبي...
    ٤ ـ حول مصادر (فلسفتنا):
    أمّا حول مصادر (فلسفتنا) ومشكلة عدم الاطلاع على كتب القوم بلغتها الأمّ، فقد سهّل علينا الدكتور الخيّون بعض المهمّة عندما عمّم الإشكال إلى الآخر عندما يريد أن ينقد (الأنا)، لكنّني لا أعتقد أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في الاطلاع على المصادر بلغتها الأمّ ـ وإن كان لذلك أهميّة بالغة ـ بقدر كمونها في طبيعة هذه المصادر ـ حتّى لو كانت مترجمة ـ ..
    لستُ أدري، هل اطّلع بيكون على منطق أرسطو بالإغريقيّة عندما كتب الأرغانون الجديد أم اكتفى بمطالعة الترجمة اللاتينيّة؟ وهل اطّلع ماركس على كتب (المثاليّة) التي ينسب إليها الآراء جزافًا باللغة الأمّ؟
    حتّى الجيل الثالث من منظّري الاشتراكيّة ـ خاصّة المدرسة الفرنسيّة والبريطانيّة ـ لم يطّلع على مصادر مدرسته بلغتها الأمّ، فترى غارودي يعتمد على كتب لينين بالإنجليزيّة أو الفرنسيّة، لا الروسيّة..
    الإشكال الأساس لا يكمن في اعتبار الترجمة ـ وإن كان لذلك أهميّة كما ذكرت ـ ، بل يكمن ـ بالدرجة الأولى ـ في مدى اعتبار هذه المصادر المترجمة..
    نحن لا نشكّ في أنّ الفرصة لم تسمح للصدر بالاطلاع على كافّة كتب الجيل الأوّل والثاني، خاصّة ماركس وإنجلز ولينين، كيف وكتب الأوّل ـ مثلاً ـ لم تكن قد ترجمت بعد كاملة، كذلك كتب الثالث الذي لم يُحل إليه الصدرُ مباشرةً ولو في مورد واحد، على الرغم من أهميّة كتابه حول (المذهب التجريبي)، وهو الكتاب الذي كان ليثري (فلسفتنا) إثراءً ملحوظًا.. لكن هل هذا يعني أنّ مصادر (فلسفتنا) كانت ثانويّة؟
    لقد كنتُ أميل إلى هذا الاعتقاد إلى أن قدّر لي تحقيق (فلسفتنا)، فقرّرت عدم نشر التحقيق إلاّ بعد الاطلاع على كافّة مصادر الكتاب التي اعتمدها الصدر، ثمّ رددت الترجمات إلى أصولها وجمعت الأصول كلّها باللغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة، وتبيّن لي بعد المراجعة أنّ الصدر لم يوفّر جهدًا في محاولة الحصول على أفضل مصادر تعكس وجهة نظر الماركسيّة أو الاشتراكيّة، حتّى أنّ جملةً من مراجعه كان من إصدار سنة ١٩٥٩م، سنة تدوين (فلسفتنا)، وهذا إن وشى بشيء فهو حرصُ المؤلّف على متابعة كلّ جديد يصدر في هذا المجال..
    فالصدر ليس مقصّرًا في هذا المجال، بل حرص على الرجوع إلى كافّة ما صدر إلى حينه من كتب الجيل الأوّل والثاني، ومن أفضل من الفرنسيّين غارودي وهنري لوفافر وجورج بوليتزير ومن البريطانيّين إميل برنز وموريس كورنفورث من أعلام الجيل الثالث في مجال بيان أفكار المدرسة التي ينتمون إليها؟
    أنا لا أقول بأنّ في الرجوع إلى كتب هذا الجيل كفايةً عن الرجوع إلى كتب الأجيال السابقة، كيف والرجوع إلى كتب الطباطبائي ومطهّري في تقرير آراء مدرسة الملا صدرا لا يغني عن الرجوع إلى كتب الشيرازي نفسها! ولكن هذا لا يعني أنّ الرجوع إلى كتب هذين الرجلين يؤدّي ـ بنفسه ـ إلى أخذ صورة مشوّهة حول آراء الملا صدرا..
    فالصدر لم يرتكب ما ارتكبه مطهّري في (أصول الفلسفة) من الاقتصار على ثلاثين ورقة كتبها تقي آراني في توضيح آراء الديالكتيك، بانيًا نقوده عليها، بل ضمّت قائمة الصدر أفضل ما كتب عن الماركسيّة والديالكتيك إلى يومنا هذا..
    المشكلة الوحيدة التي تبقى عالقةً لا حلّ لها هي أنّ الصدر عندما يطالع في كتاب غارودي ـ مثلاً ـ نصًّا للينين ينقله عنه من كتاب لم يترجم في زمن الصدر، فهذا سيؤدّي إلى تعرّض الفكرة إلى اجتزاء وانتقائيّة؛ فنحن نسلّم بأنّ قراءة نصّ لينين ـ مثلاً ـ ضمن سياقه الطبيعي في كتاب لينين نفسه يختلف عن قراءته منقولاً بتجزئة وتشطير في كتابٍ لغارودي..
    ٥ ـ حول عدم تعرّض (فلسفتنا) للفلسفة الغربيّة عمومًا واكتفائه بالفلسفة الماركسيّة:
    فهنا لا بدّ من الإقرار ـ والتقرير ـ بأنّ (فلسفتنا) في الحقيقة كتابٌ كلامي، فهو لا يستهدف الطيران في فضاء الفلسفة المترامي بقدر استهدافه الإمساك بزمام المجتمع الإيماني في الفترة التي عاشها الصدر.. وهذا يبدو أمرًا مؤكّدًا بعد أن غابت عن (فلسفتنا) الكثير من المذاهب والآراء الفلسفيّة التي كانت رائجة في زمن الصدر ولا نشكّ في اطّلاعه عليها.
    ويكفي للتدليل على هذا المعتقد مراجعة سريعة للمصادر التي رجع إليها الصدر، والتي اشتملت ـ وهي بصدد التمهيد لاستعراض آراء الماركسيّة ـ على بيان الكثير من مدارس الفكر الغربي السابقة، ولكنّ الصدر اكتفى باستعراض المدارس الفلسفيّة ذات الانعكاس الاجتماعي، أي التي كان لها كيان اجتماعي منبثق عن أفكارها النظريّة، ويقف على رأسها الماركسيّة.
    فعلى سبيل المثال: لا نشكّ باطّلاع الصدر اطلاعًا كافيًا على آراء المدرسة الوضعيّة المنطقيّة التي ترشّحها جدّة آرائها لتصدّر قائمة المدارس الفلسفيّة التي يتوقّع من الصدر أن يتعرّض لها إذا كان كتابه كتابًا فلسفيًّا محضًا، فآراؤها قد انعكست في غير مصدر من مصادره وبصورة موسّعة، ولكنّه اكتفى بالتعرّض لنزر يسير من آرائها؛ لأنّها لم تكن ذات رونق يذكر في المجتمع الذي عاش فيه الصدر حينها.
    ٦ ـ حول رسوخ الظنّ بإعادة النظر في (فلسفتنا):
    وفي هذه النقطة بالذات أنا أوافق الدكتور الخيّون كلّ الموافقة؛ بل أزيد: لا شكّ في أنّ الصدر لو كان لا يزال حيًّا لبيّن موقف (فلسفتنا) ـ الذي يعكس موقف الفيلسوف المسلم، لا الإسلام ـ من أحدث المذاهب الفلسفيّة السائدة اليوم، وهذا لبّ فكرته حول الأطروحة الموضوعيّة ـ التي كان التفسير القرآني مصداقًا من مصاديقها ـ..
    ولا شكّ في أنّه كان سيعيد إنتاج (اقتصادنا) بحلّة مطوّرة آخذًا بعين الاعتبار ما استجدّ من آراء ومذاهب..
    ولا شكّ في أنّه كان سيطوّر أو يبدّل ـ لستُ أدري ـ في كتاب (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، وكم كان سيكون جميلًا أن ينحت في هذا الموضوع في مقابل الفيلسوف الألماني كارل بوبر الرافض للاستقراء كلّ الرفض..
    ولا شكّ في أنّه كان سيعيد إنتاج أطروحة (البنك اللاربوي في الإسلام) في ظلّ قيام الحكومة الإسلاميّة..
    ولا أشكّ في أنّه كان سيعيد هندسة أصول الفقه في كتاب أرقى من كتاب (الحلقات) الذي أعتقد فيه ـ خلافًا للاعتقاد السائد ـ بأنّه ليس المعبّر الحقيقي عن أفق الصدر في مجال أصول الفقه..
    لا أشكّ في هذه الأمور كلّها، وذلك على حدّ عدم شكّي في أنّ الدكتور الخيّون كان سيعدّل في مقاله بعد ما استجدّ من كتابات تناولته بالملاحظة..
    ٧ ـ تبقى كلمة أخيرة حول طبعة دار الميناء التي تبنّتها السلطة البعثيّة عام ١٩٧٧م، فبعد مقابلة الكتاب كلمةً كلمة، فإنّ الموارد الوحيدة التي لحقها التعديل هي إحلال (الماركسيّة) بدل (الاشتراكيّة)، فصارت الإشكالات منصبّة على ماركس بدل مذهب الاشتراكيّة.
    زاد التعليق بمدّه عن حدّه، ولا قبل لي بالانتقادات التي ستنهال عليّ نتيجة التطويل وعدم مناسبة ذلك لعالم الفيسبوك، ولستُ أدري إن كانت هذه المقولة مستفادة من (الوضع) أم (الاستعمال)؛ فإنّي لم أجد نصًّا لمارك زوكربيرغ يفتي فيه بلزوم الاختصار..
    مع تحيّاتي واعتذاري سلفًا.








ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني