صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 31
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    كتاب فلسفة الصدر. الدكتور محمد عبد اللاوي

    [align=center]فلسفة الصدر

    دراسات في المدرسة الفكرية للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ طاب ثراه

    تأليف: الدكتور محمد عبد اللاوي

    جامعة وهران ـ الجزائر

    (إِنَّ الَّذِينَ إمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الِفردَوسِ نُزُلا * خالِدينَ فِيهَا لاَ يَبغُونَ عَنهَا حِوَلا* قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَاداً لِكَلِماتِ رَبّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلهِ مَدَداً)

    (سورة الكهف آية: 107 ـ 109)

    [line]

    الاهداء

    الى الفيلسوف الذي لم يعرفه العالم بعد!

    الى الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ طاب ثراه[/align]


    [align=center]مناجاة للصدر الشهيد(1)

    عمرٌ وأنتَ قتيلُ دمعتِهِ والقاتلانِ الحزنُ والفتنُ

    أدميتَ شفرتَها وأرعبها ما يحتوي غَدُها ويحتضنُ

    فاجأتها بدم تقدسَ أن يخبو فسارَ القبرُ والكفنُ

    دُفن العراق بنا لنبعثه فنودُّ أنّا بعضُ مَن دُفنوا

    شوكُ الصحارى في أَناملنا وخيامُنا الحسراتُ والوهنُ

    يَبُست قوافلُنا وقد تعبت ظمأى فلا ضرعٌ ولا لبنُ

    إلا رؤاك تلمُّ حيرتَنا فهي اليدُ البيضاء والمننُ

    وهي الربيعُ يَمرُ في دمنا دفئاً فيصحو الجذرُ والفننُ

    رُحماك لا تغضب لدمعتِنا فالدمعُ في ذكراكَ ممتحنُ

    إن سال أَطفأ جمرَ أعيننا أو جفَّ فهو الباخل الضغنُ

    عذراً إذا طالتك أحرفُنا فلأنتَ أنتَ البحرُ والسفنُ[/align]

    _______________________________

    1- أُختيرت هذه القصيدة من ديوان (مناجاة قلب) لسماحة السيد حسين بركة الشامي لأنها تعبر عن الشهيد الصدر فكراً، وموقفاً، وجراح شعب.


    [align=center]تصدير[/align]

    الامام الشهيد محمد باقر الصدر، أكبر من أن يحيط به عنوان، أو تستوعبه دراسة، فهو مدرسة متكاملة برزت في عالم الفكر في واحدة من فترات الركود الإسلامي، لتعكس قوة الفكر الإسلامي وقدراته الابداعية المعطاءه.

    والذي يميز مدرسة الامام الصدر، أنها لم تتكامل ببطء، ولم تسِر في خط تصاعدي، كما هي عادة المفكرين أصحاب المدارس الشاخصة في الحياة العلمية، إنما ولدت عملاقة كبيرة متحدية، وهذا هو سرّ العظمة في شخصية السيد الشهيد، وفي قوة مدرسته الفكرية.

    لقد تعامل السيد الصدر مع قضايا الفكر الإسلامي بنظرة شمولية تتحرك وفق منهج دقيق سار عليه في كل نتاجاته الفكرية، وحركته العلمية التغييرية والاصلاحية، مما جعله يقدم نتاجاً هائلا خدم الواقع الإسلامي في مختلف الأصعدة والمجالات. فالسيد الصدر تعامل مع الواقع كله على أنه مترابط الحلقات والأجزاء وأنه يشكل وحدة موضوعية في نهاية الأمر، ووفق هذه المنهجية الشمولية قدم نتاجاته ذات الأثر العلمي الكبير في الاقتصاد والفلسفة والمنطق وعلم الأصول والفقه والتأريخ والتفسير والمفاهيم الحركية والسياسية وغيرها. ولأنه كان صاحب منهج شمولي، لذلك جاءت مؤلفاته في القمة من كل حقل طرقهُ، فظلت تحتفظ ببريقها رغم أن عادة الأيام أن تمحو بريق القديم. لكن نتاج الصدر ظل جديداً على الدوام وكأنه صادر لتوه.

    ورغم مرور عقدين على استشهاده، وظهور الكثير من الدراسات والكتب حول شخصيته وأفكاره، فإن الجميع الذين يعرفون منزلة الصدر الفكرية، يعترفون أن دراسة آفاق هذه الشخصية العملاقة لم تستكمل بعد، وأن مجال الكتابة والبحث حولها، لا يزال مفتوحاً، بل أنه بحاجة الى مزيد من الدراسة والبحث والمتابعة.

    ولقد كان منهجنا في مؤسسة دار الاسلام، هو التأكيد على هذه النقطة، لإيماننا بأن مدرسة الصدر هي المدرسة التي تعيد الإسلام الى الواقع العام، وتجعله يتحرك مؤثراً ومغيراً ومصلحاً، وهذا ما جعلنا نتبنى ضرورة الاهتمام المتزايد والمستمر بشخصية الامام الشهيد التي مثلت مرحلة قائمة بذاتها في مسار الفكر الإسلامي.

    وضمن هذا المنهج تقدم مؤسسة دار الاسلام كتابها السنوي الثالث هذا، بعد الكتاب السنوي الأول (محمد باقر الصدر دراسات في حياته وفكره) تأليف نخبة من الاساتذة الباحثين، والكتاب الثاني (المرجعية الدينية.. من الذات الى المؤسسة) تأليف سماحة السيد حسين بركة الشامي.

    يعكس كتابنا السنوي الثالث موقع السيد الشهيد محمد باقر الصدر في العالم الإسلامي، وفي الشمال الأفريقي على وجه الخصوص، فمؤلفه الاستاذ الدكتور محمد عبد اللاوي عضو الهيئة الاستشارية لمجلة الفكر الجديد، من أساتذة الفلسفة البارزين في الجزائر، وقد كرس سنوات طويلة من حياته العلمية في دراسة أفكار الامام الشهيد، نشر بعضها في مجلة الفكر الجديد، وكتب بحوثاً جديدة ضمّها هذا الكتاب الذي يجد فيه القارئ الكريم آفاقاً جديدة من مدرسة الامام الصدر، وهو يشكل مساهمة جادة في مجال دراسة هذه الشخصية، التي قدمت للأمة وللفكر الإسلامي الكثير من العطاءات، ومن الله نستمد العون والتوفيق.

    مؤسسة دار الاسلام

    جمادى الثانية 1420 هـ

    ايلول 1999 م








  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]الدراسة الأولى: معالم فلسفة جديدة في كتابات الصدر[/align]


    [align=center]تمهيد[/align]

    هل يمكن القول بوجود فلسفة إسلامية معاصرة؟

    ماهي المبررات المنهجية والمفهومية التي تسمح بوجود فلسفة إسلامية معاصرة؟

    إنّ الفكر الإسلامي يسعى إلى تغيير المجتمع، وإعادة بناء الامة الإسلامية، فهل يقتضي هذا العمل من الفكر الإسلامي أن تتم مقاربته للواقع من خلال مفاهيم فلسفية؟

    لقد حاول الفكر الإسلامي ابتداء من القرن التاسع عشر، وعن طريق نقد فكر عهد الانحطاط، أن يتكيف مع متطلبات المرحلة التاريخية الجديدة، فالمفكّرون المسلمون قد استخدموا بعض المفاهيم في مجابهتهم للفكر الغربي الجديدة، (الرد على الدهريين للسيّد جمال الدين ورسالة التوحيد لمحمّد عبده).

    [align=center]الطرح الجزئي للفكر الإسلامي[/align]

    غير أن الفكر الإسلامي مازال إلى يومنا هذا في بداية الطرح الفلسفي للقضايا. الفكر الإسلامي لم يتحرّر بعد تحرراً كلياً من الطرح الجزئي للقضايا. لا شك أن رجال الإصلاح حاولوا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر أن يستوعبوا أسباب وعوامل تقدم الغرب، وأن يكشفوا عن الوسائل، التي تمكن العالم الإسلامي من اللحاق بالحضارة الغربية. غير أن الفكر الإسلامي في تلك المرحلة بقي فكراً دون مستوى التحدّيات بسبب غياب الأدوات الفلسفية. لقد أعطى رجال الإصلاح الثقة للشعوب الإسلامية عندما عرّفوهم بتراثهم العريق. لكن لا وجود وراء هذا الموقف العاطفي تجاه تاريخ الأمة لأية رؤية اجتماعية وسياسية. فرجال الإصلاح وكثير من المفكّرين المسلمين إلى يومنا هذا لم يعيدوا صياغة الفكر الإسلامي حسب متطلبات العصر.

    [align=center]الطرح الفلسفي[/align]

    لقد كان الفكر الإسلامي متمحوراً حول الفقه (فقه الفروع)وعلم الكلام، ولم ينفتح على الطرح الفلسفي للقضايا إلا ابتداءً من السيد جمال الدين، غير أن هذا الانفتاح على البعد الفلسفي كان محتشماً وضمنياً، ولم يصبح مباشراً إلا على يد محمد إقبال والإمام الخميني (قدس الله روحه)، ولم يتخذ صورته الفلسفية الواضحة والمكتملة إلا على يد السيد محمد باقر الصدر.

    [align=center]موقف نقدي لا توفيقي[/align]

    إنّ الطرح الفلسفي للقضايا عند الصدر هو طرح يعتمد على النقد في الأساس، وهذا يختلف تماماً عن النزعة التوفيقية، كما تجلت في الفلسفة الإسلامية قديماً(1)، وكما تتجلى في الاتجاه المحدث (في العالم

    _______________________________

    1- المقصود هنا: الفلسفة الإسلامية التي تأثرت بصورة سلبية بالفلسفة اليونانية.



    [align=center][6][/align]

    الإسلامي) الذي حاول أصحابُه أن يوفقوا بين الماركسية والإسلام، كما حاولوا أن يصيغوا فلسفة وجودية عربية (عبد الرحمن بدوي). فالصدر حدّد الإطار المنهجي والمعرفي لفلسفة إسلامية معاصرة حسب متطلبات المفاهيم الإسلامية كالتوحيد والبعث وخلافة الإنسان. وقد طرح الصدر، انطلاقاً من هذه المفاهيم، مسألة علاقة الفلسفة بالتاريخ وبالمجتمع، ومشكلة الميتافيزيقيا ونقد العقل، كما طرح في هذا السياق مسألة العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي.

    لقد فتح الصدر أفقاً جديداً للبحث في ميدان الفلسفة خارج الرؤية الغربية، وهذا عكس الاتجاه المحدث الذي استخدم مفاهيم الفلسفة الغربية في دراسته للتراث ولتاريخ الأمة الإسلامية، كما يتجلى ذلك عند كلّ من طيب تيزيني والجابري وعلي أُمليل وعبد الله العروي وفؤاد زكريا وعبد الرحمن بدوي، فهؤلاء المفكرون لجأوا إلى مذاهب الفلسفة الغربية والماركسية والوجودية والبنيوية في دراستهم للفلسفة الإسلامية، ودراستهم لتاريخ الأمة الثقافي والسياسي.

    [align=center]الصدر والغزالي وابن رشد[/align]

    لقد أعاد الصدر صياغه الفكر الإسلامي صياغة فلسفية جديدة في أفق نقدي أقوى من فلسفه كلّ من الغزالي وابن رشد، لا شك أنّ الصدر قد صاغ المفاهيم حسب متطلبات الشروط الجديدة للعقلانية. فالصدر كان واعياً بعمق بأنه لا يمكن اليوم استخدام مفاهيم مثل العقل والنقل والاجتهاد والانحطاط والتقدم والأمة والقومية خارج الإطار الفلسفي، فلا يمكن صياغة حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للأمة بدون اجتهاد مُفلسف، ولا يمكن اتخاذ موقف نقدي من تيارات الفكر الغربي بدون فلسفة.

    [align=center]من إقبال الى الصدر[/align]

    على الرغم من محاولة الفكر الإسلامي الانفتاح على ثقافة العصر منذ القرن التاسع عشر إلا أن المفكّرين المسلمين لم يبدأوا في استيعاب الفلسفة الغربية المعاصرة إلا ابتداءً من محمد إقبال. فالفكر الإسلامي مازال لدى كثير من ممثليه يتخذ موقفاً اندفاعياً وانفعالياً تجاه الفلسفة الغربية، فلم يحاول الفكر الإسلامي اتخاذ موقف من فلسفة كلّ من كانط (Kant) وهيجل (Hegel) وماركس (Marx) ونيتشه (Nietzsche) وبرجسون (Bergsen) إلا ابتداءً من محمد إقبال، وهكذا فالفكر الإسلامي مازال إلى يومنا يتجاهل أو يتغافل عن اتجاهات ومذاهب الفلسفة الغربية. ويرجع الفضل إلى الصدر في طرحه لمشكلة العلاقة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي طرحاً علمياً وفلسفياً بعيداً عن العاطفة العفوية والانفعال أو التبعية والتقليد، فالصدر قد حلّل فلسفة كلّ من كانط وأجوست كونت (AugusteKant) وهيجل وماركس(1) وغيرهم تحليلا نقدياً في الشكل والمضمون، فهو لم يكتف بنقد محتوى مذاهب هؤلاء الفلاسفة على غرار ما فعله الغزالي في موقفه من الفلسفة اليونانية حيث إنّه انتقد المضمون، ولكنّه تبنى منهج هذه الفلسفة (المنطق الأرسطي)(2).

    _______________________________

    1- محمد باقر الصدر ـ فلسفتنا ـ الأسس المنطقية للاستقراء.

    2- هذا لا يعني الحط من قيمة فلسفة الغزالي، فهي فلسفة ثرية وذات جوانب جديدة لكن نقد الفلسفة اليونانية يقتضي حتماً نقد المنطق الأرسطي على غرار ما فعله الصدر في نقده للفلسفة الغربية حيث أنه انتقد منهج هذه الفلسفة، كنقده للمنطق الجدلي مثلا.




    [align=center][7][/align]

    فنقد الصدر للفلسفة الغربية هو نقد جذري شمل مضمون هذه الفلسفة، كما شمل منهجها الذي ارتكزت عليه، فالصدر قرأ الفلسفة الغربية قراءة إسلامية، فهو قد حلّل فلسفة كلّ من هيجل وكانط وماركس من خلال معايير ومفاهيم الثقافة الإسلامية.

    وهكذا يرى الصدر بأنه إذا كانت مقولة التوفيق بين الدين والعقل ـ على طريقة الفلاسفة المسلمين ـ تختزل كلا من الدين والعقل، فإنّ اخضاع العقل لمتطلبات الدين يفتح أمام العقل إمكانيات لا نهاية لها. فالصدر هنا يختلف مع كانط، الذي يجعل نسبية العقل نسبية محدودة بحدود الظواهر المحسوسة، ولا تتجاوزها إلى ماوراء الظواهر، في حين أنّ ربط العقل بالدين تنشأ عنه عقلانية نسبية منفتحة على الحركة وعلى التجاوز: تجاوز عجز العقل ونسبيته بصورة مستمرة.

    [align=center]كبوة كانط ونهضة الصدر[/align]

    إنّ التطلع إلى المطلق هو تعبير عن فطرة الإنسان وخلافته، لذلك يرى الصدر أنّ هذا التطلع هو عنصر معرفي له أهمية كبرى في المجال الميتافيزيقي، حيث إنّ هذا التطلع هو الذي يجعل العقل قادراً على تجاوز نفسه، فالعقل، من هذا المنظور، هو امتداد للبعد الغيبي في الإنسان، وليس الأمر كذلك في فلسفة كانط، التي تجعل العقل حبيس المعطيات الحسيّة(1).

    إنّ كانط لم يستطع تجاوز التناقض الذي طرحته فلسفته، حيث إنه يرى بأنّ العقل لا يستطيع أن يغوص في المجال الميتافيزيقي. فمبادئ العقل تتعدّد وظيفتها المعرفية بحدود الظواهر المحسوسة، ويرى في نفس الوقت بأنّ الإنسان يستطيع أن يصل إلى الميتافيزيقيا عن طريق الأخلاق، فالقول بعجز العقل ينفي ـ في الحقيقة ـ كلّ إمكانية، ماعدا الإمكانيات المعرفية الأخرى كالقلب أو الحدس مثلا، مع العلم بأنّ كانط لا يؤمن إلا بالعقل كأداة معرفية.

    [align=center]العقلانية والفلسفة[/align]

    أما موقف الصدر فلا تناقض فيه، فنسبية العقل عند الصدر ليست نسبية تحديد وعجز، بل هي نسبية الانفتاح على الحركة وعلى التجاوز (تجاوز العجز)، لذلك فهي تؤهل العقل للقيام بنشاطه المعرفي في المجال الميتافيزيقي.

    لقد كان الصدر واعياً بأنّ المشاكل والتحديات، التي تطرحها الفلسفة الغربية على الفكر الإسلامي، لا يمكن التغلب عليها بمجرّد تفسير الإسلام وتأويله تأويلا عقلياً على غرار الفلسفة الإسلامية. إن نقد الصدر لعقلانية الفلسفة الإسلامية ولعقلانية الفلسفة الغربية تمَّ من موقع عقلانية نوعية تستمد وجودها من ربط العقل بمتطلبات الدين، فالعقلانية تتحدّد في إطار علاقتها بالغيب، وبما أنّ الغيب يتجاوز العقل مهما كانت مفاهيمه وتصوراته، فإنّ العقلانية كما تتجلى في فلسفة الصدر هي عقلانية تستمد قوتها من نسبيتها ومن تواضعها أمام الغيب(2).

    لذلك يمكن القول: بأن فلسفة الصدر يتحدّد موقعها خارج الصراع بين الواقعية والمثالية، فالغيب يتطلب البيان، أي يتطلب الدين الذي يساعد الإنسان في تطلعه نحو المطلق، هذا التطلع لا ينفي العقل،

    _______________________________

    1- سأبين في بحث أقوم به الميتافيزيقياً عند الصدر أنه كشف دليلا جديداً على وجود الله، يمكن أن تطلق عليه أسم «الدليل على طريق المثل الأعلى».

    2- التواضع هنا مفهوم إبستمولوجي، كما أنه عنصر جوهري في أخلاقية البحث.




    [align=center][8][/align]

    حجية العقل ثابتة شرعاً ولكنها حجية لها حدودها في الميدان الميتافيزيقي. إنّ قوة عقلانية الفلسفة الصدرية تكمن في وعيها وعياً تعبدياً بنسبيتها أمام إطلاقية الدين. فلسفة الصدر تتحدّد معالمها في تحديد العلاقة بين التساؤلات الميتافيزيقية والأجوبة الدينية، فالصدر حاول في كلّ كتاباته، وحتى في الأسس المنطقية للاستقراء، الذي اعتمد فيه على المنهج التجريبي، حاول أن يبين عن طريق التحليل الفلسفي والعملي، قدرة الإنسان على تقبّل الغيب وتجاوز نسبية عقله.

    [align=center]نسبية العقل[/align]

    لا شك أنّ فكرة نسبية العقل لم تحلل من طرف الفكر الإسلامي المعاصر من منظور فلسفي، فأكثر المفكّرين أكدوا على نسبية العقل، ليبرهنوا على إطلاقية الإسلام، ومن هنا فأكثر المفكّرين المسلمين تهربوا من طرح المشكلة الفلسفية لعلاقة العقل بما يفوقه، فلجأوا إلى مفهوم الغيب لجوءاً تبريرياً، بدلا من التحليل الفلسفي لعلاقة العقل بالغيب، ويرجع الفضل إلى الصدر في تحليل العقل تحليلا فلسفياً، انتهى إلى نقد العقل ونقد نظرية المعرفة، كما تتجلى في مذاهب الفلسفة الغربية.

    [align=center]قضايا جديدة[/align]

    إنّ الجديد في فلسفة الصدر يكمن في توسيعه للنقاش في الميدان الميتافيزيقي، فهو قد طرح قضايا جديدة، وفتح آفاقاً جديدة للفكر الإسلامي (نسبية العقل، العقل والغيب، الاستقراء والميتافيزيقيا، العلاقة بين المجتمع والغيب... الخ)ونتيجة لذلك فإنّ الصدر قد طرح مشكلة العلاقة بين العقل والدين على العموم، والرؤية الإسلامية إلى الغيب على وجه الخصوص، خارج إطار كلّ من علم الكلام والفلسفة الإسلامية، فالصدر قد طرح هذه المشكلة في أفق نظرة تركيبية لكلّ من علم الكلام والفلسفة والتصوّف(1).

    نلاحظ أنّ الصدر أعطى لمشكلة العلاقة بين العقل والدين صورة جديدة، فهو لم يحلل هذه العلاقة خارج أبعادها الاجتماعية والسياسية والفلسفية، فالصدر تجاوز الفقه في صورته القديمة عندما بحث عن المفاهيم المتضمنة في الاحكام الشرعية من أجل صياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي، هذا الموقف يعتبر قطيعة إبستمولوجية(2) مع كلّ من الفلسفة الإسلامية ومع الفقه كما طُرح قديماً.

    [align=center]نظرة جديدة[/align]

    فعلى العكس من أكثر المفكّرين المسلمين فإنّ الصدر ينظر إلى العقل لا كمجرّد كلمة بل كمفهوم، أي ينظر إلى العقل داخل إشكالية العقل النقدي، انطلاقاً من هذا الموقف نظر الصدر نظرة جديدة إلى كلّ من الفلسفة الإسلامية القديمة وعلم الكلام وأصول الفقه. وهكذا فمقاربة الصدر للفكر الإسلامي في كلّ جوانبه، قد أصبحت مقاربة نقدية، فمعالم الفلسفة الإسلامية المعاصرة التي صاغها الصدر تحدّدت خارج كلّ من الفلسفة الإسلامية واتجاهات علم الكلام، فمسار فلسفة الصدر تم انطلاقاً من موقف نقدي تجاه الفكر الإسلامي القديم والمعاصر، أي انطلاقاً من قطيعة إبستمولوجية وجّهت الفكر الإسلامي توجيهاً

    _______________________________

    1- ويعتبر هذا دحضاً لموقف محمد عابد الجابري الذي يقسم الفكر الإسلامي إلى بيان وبرهان وعرفان، ففلسفة الصدر تتضمن كل هذه الجوانب بصورة منسقة وكذلك فلسفة الإمام الخميني.

    2- القطيعة الإبستمولوجية تعني: الطرح الجديد للموضوع، فهي لا تعني اختلاف المواضع، بل تعني الاختلاف في المنهج وفي الطرح.





    [align=center][9][/align]

    جديداً.

    لقد تجاوز الصدر الاختلاف بين ابن رشد والغزالي فيما يخصّ علاقة العقل بالدين، فطرح الصدر لهذه المشكلة يعتبر نقداً جذرياً لفلسفة ابن رشد، كما يعتبر، من الناحية المنهجية، نقداً لفلسفة الغزالي على اعتبار أنّ هذا الأخير قد انتقد محتوى الفلسفة اليونانية، ولم ينتقد المنهج الذي كانت تقوم عليه هذه الفلسفة.

    [align=center]آفاق جديدة[/align]

    إنّ الرجوع النقدي إلى التراث وتفسير القرآن الكريم في أفق إجتماعي وتأريخي، كما يتجلى في كتابات الصدر، فتح مجالا فلسفياً جديداً وواسعاً أمام الفكر الإسلامي المعاصر، ويتجلّى ذلك فيما يلي:

    1 ـ محاولة الصدر إعادة صياغة الفكر الإسلامي ورفعه إلى مستوى التحديات، أي مستوى مجابهة الفكر الغربي بكلّ تياراته، وطرح البديل الإسلامي في المجال المعرفي والمنهجي والاجتماعي والحضاري.

    2 ـ إعادة صياغة الفكر الإسلامي صياغة جديدة كما حاولها الغزالي، قد وصلت إلى صورتها القصوى على يد الصدر.

    3 ـ تأثر الصدر في تنظيره للرؤية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الإسلامية بالفقه لا بالفلسفة، فالمفاهيم التي تمّ من خلالها التنظير في المجالات السابقة هي مفاهيم متضمنة في الأحكام الشرعية، لذلك يمكن القول: بأنّ الصدر تجاوز القطيعة بين الفقه والفلسفة، كما تجلّت في الفكر الإسلامي قديماً، وأحدث العملية التركيبية بين الفقه والفلسفة(1).

    [align=center]العلاقة بين الذات والموضوع[/align]

    لقد حدّد الصدر معالم فلسفة جديدة من خلال نظرية المعرفة، التي استنبطها من التفسير الموضوعي، وهي نظرية للمعرفة أخرجت الفكر من العلاقة العقيمة بين الذات والموضوع. لا شك أنّ هيجل قد صاغ فلسفته كفلسفة وفّقت الذات مع الموضوع، وقد ظنّ هيجل أنه أوصل الفلسفة إلى منتهاها من خلال هذه العملية التركيبية بين الذات والموضوع، وهي العملية التي حولت الواقع كلّه الى مفهوم، فلا وجود للذات، ولا وجود للموضوع، ولا وجود لله وللإنسان، ولم يبق إلا المفهوم، فالكلّ تحول إلى مفهوم. فعندما نقارن فلسفة هيجل بفلسفة الصدر كما تتجلّى من خلال التفسير الموضوعي، يبرز عطاء الصدر بكلّ وضوح، فالتفسير الموضوعي يعتمد على نظرية للمعرفة منقطعة النظير، خاصة فيما يخصّ إشكالية العلاقة بين الذات والموضوع ماذا يعني التفسير الموضوعي في المجال المعرفي؟ إنّه يعني أنّ المعرفة لا تتم من خلال العلاقة بين الذات والموضوع فحسب، بل هناك جانب ثالث يعطي للمعرفة معنى جديداً، ويفتح أمامها آفاقاً لا نهاية لها: إنه النصّ الموحى، فنظرة الإنسان إلى الموضوع (الواقع)من خلال القرآن الكريم من جهة، ومن خلال علاقة الذات بالموضوع من جهة أخرى (أي نظرة الإنسان إلى القرآن الكريم حسب وضعية المرحلة التاريخية)إنّ هذا الإطار من العلاقات تنتج عنه فلسفة لا تذيب الذات في الموضوع، ولا تختزل كلا من الذات والموضوع في عملية تركيبية على الطريقة الهيجلية، فلا وجود نهاية للفلسفة ولا وجود نهاية للتأريخ، ذلك أنّ علاقة الإنسان مع القرآن الكريم كما تتجلّى في التفسير الموضوعي، ليست في حقيقتها إلا

    _______________________________

    1- العملية التركيبية بين الفقه والفلسفة بدأت في الفكر الإسلامي المعاصر على يد السيد جمال الدين وانتهت إلى صورتها المنسقه عند كل من الإمام الخميني والصدر.



    [align=center][10][/align]

    منهجاً لعلاقة الإنسان بالمثل الأعلى، وهذا ما لم يستوعبه الفلاسفة المسلمون قديماً حيث وضعوا هم كذلك نهاية للفلسفة بلجوئهم إلى التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية، أي التوفيق بين القرآن المطلق والفلسفة اليونانية النسبية، فبدلا من فتح آفاق جديدة لصياغة فلسفة جديدة من مبدإ علاقة العقل النسبي بالدين المطلق، أخضع الفلاسفة المسلمون المطلق إلى النسبي، فوضعوا حدّاً لصيرورة الفكر ولصيرورة الأمة تماماً كما فعل هيجل عندما أخضع العقل الكوني (الله في نظر هيجل)إلى التأريخ، في حين نلاحظ عكس ذلك بصورة جذرية في فلسفة الصدر، فهو قد أخضع الإنسان إلى المثل الأعلى، وأخضع التأريخ إلى الله، وأخضع نتيجة لذلك الفلسفة إلى القرآن الكريم.

    [align=center]مشكلة الفلسفة اليونانية[/align]

    إنّ الفلسفة الإسلامية قد انتهت إلى (نهاية)، لأن مقولات الفلسفة اليونانية لا قدرة لها على استيعاب المبادئ والمفاهيم الإسلامية. فالقرآن الكريم قد أتى بنظرة جديدة إلى الألوهية والكون والإنسان وتغيير العالم تختلف عن الفلسفة اليونانية، لذلك اصطدمت الفلسفة الإسلامية في تنظيرها للنبوة بصعوبات، كما يتجلّى ذلك في فلسفة الفارابي، فعلى الرغم من محاولة هذا الأخير تبرير النبوة معرفياً فهو قد ابتعد عن حقيقة النبوة، لأنه لم يستوعب مبدأ نسبية الفلسفة اليونانية ومبدأ إطلاقية مصدر النبوة(1).

    لذلك بقيت فلسفته في هذا المجال بعيدة عن النبوة، التي لا يمكن أن يتم تنظيرها عن طريق مقولات الفلسفة اليونانية، التي تختزل الألوهية في المفهوم.

    [align=center]فلسفة النبوة[/align]

    وقد يتجلّى في هذا المجال عطاء الصدر حيث إنه قدم للفكر الإسلامي الإطار العام لعلاقة الفلسفة بالدين، وضمن هذا الإطار صاغ نظرية المعرفة في مجال النبوة، لم يرفض الصدر الفكر الغربي رفضاً جذرياً، ولم يحاول أن يوفق بين الإسلام والفلسفة الغربية، وإذا كان الصدر لم يرفض الفكر الغربي جملةً وتفصيلا، فإنه أعاد صياغة كثير من مفاهيم الفلسفة الغربية، ويتجلّى ذلك في نقده ورفضه لكلّ من النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، فالصدر يرى أن العوامل الاجتماعية والتاريخية لظهور النبوة هي شروط ضرورية، ولكنها ليست كافية، فالبعد الاجتماعي والتاريخي عنصر ضروري في نظرية المعرفة لتفسير النبوة، ولكن الدراسة الاجتماعية والتاريخية غير النزعة الاجتماعية والتاريخية، فالصدر يرى في هذا السياق أنّ القول بأنّ العوامل الاجتماعية والتاريخية في الحجاز وفي العالم كانت تتطلب ظهور النبوة، لا يعني أن النبوة قد فسّرت بصورة كلية وشاملة بحيث يمكن نفي المصدر الغيبي للرسالة على غرار ما تفعله نظرية المعرفة المتضمنة في النزعة الاجتماعية والتاريخية، فالعوامل الاجتماعية والتاريخية تفسر النبوة ولا تفسر مصدرها(2).

    وهكذا يأتي الصدر بنظرية جديدة في مجال المعرفة تعتبر نقيضاً لنظرية المعرفة في الفلسفة الوضعية، التي تسيطر على الفكر منذ القرن الثامن عشر والتي تنفي الغيب باسم العلم، فالتفسير العلمي للنبوة عند الصدر لا ينفي الغيب، ويتجاوز الصدر التفسير العلمي، كما يتمثل في الدراسات الاجتماعية والتأريخية، ليعتمد على المنهج التجريبي ليفسر عن طريق الاستقراء النبوة كظاهرة تاريخية واجتماعية ذات مصدر

    _______________________________

    1- يرى كثير من النقاد أن الفارابي وضع الفيلسوف في درجة أعلى من النبي.

    2- محمد باقر الصدر: المرسل، الرسول، الرسالة، كذلك: أهل البيت (ع) تنوع أدوار ووحدة هدف.



    [align=center][11][/align]
    غيبي.

    [align=center]الفرق بين الصدر وابن رشد[/align]

    لقد وصلت الفلسفة الإسلامية إلى منتهاها عند ابن رشد في خضوعها للفلسفة اليونانية، وفي اخضاع الإسلام لمتطلبات مفاهيم الفلسفة اليونانية إلى درجة أن ابن رشد نفى البعث ونفى خلق العالم، فعن طريق فلسفة ابن رشد وصل التناقض إلى أعلى درجة بين الفلسفة والغيب، في حين أنّ الفلسفة الإسلامية التي صاغها الصدر قد كسرت هذه الثنائية: ثنائية العقل والغيب، فالصدر اعتمد على المنهج التجريبي للاستدلال على وجود الله وللاستدلال على حقيقة النبوة، وإذا كانت فلسفة ابن رشد قد أحدثت قطيعة بين الفلسفة والحياة، بين العقل والغيب إلى درجة أن ابن رشد جعل الفلسفة للخاصة والشريعة للعامة، فإن فلسفة الصدر تجاوزت هذه الثنائية عندما ربطت الفلسفة بالحياة، فالصدر صاغ فلسفة اجتماعية وسياسية لتغيير الواقع ولاعادة بناء الحضارة الإسلامية وجعل معنى الوجود أساساً لعملية التغيير، كما أنه أعاد صياغة العلاقة بين العقل والدين من موقع إطلاقية الدين ونسبية العقل ونسبية الفلسفة، وأعاد، تبعاً لذلك، صياغة مفهوم الخاصة ومفهوم العامة حيث جعل الجماهير عاملا رئيسياً وحاسماً في عملية التغيير، فالصدر هنا انطلق من مفهوم قرآني هو مفهوم المستضعفين، الذي يستقطب عملية التغيير وعملية إعادة بناء الحضارة الإسلامية، وإضافة إلى هذا فإن الصدر عكس كلا من الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية، صاغ فلسفة جديدة للإنسان انطلاقاً من مفهوم الخلافة، وهو مفهوم يكاد يكون لا وجود له لدى الفلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة اليونانية المحتقرة للشعوب، لذلك قسم هؤلاء الفلاسفة الناس إلى خاصة وعامة ورعاع وأوباش وغوغاء... الخ.

    [align=center]التحرر من التبعية[/align]

    فالصدر فتح آفاقاً جديدة للفكر الإسلامي، فهو قد حرّر هذا الفكر من محاولة التوفيق بين الإسلام والفلسفة الغربية، لقد حرر الصدر الفكر الإسلامي من محاولة التوفيق، التي ليست في الحقيقة إلا صورة من صور التبعية، ويتجلّى هذا العطاء الجديد لفلسفة الصدر في محاولته لاكتشاف الرؤية الإسلامية للإنسان والمجتمع.

    وقد انطلق الصدر في كلّ ذلك من مبدإ تعبدي وعقائدي وإبستمولوجي في نفس الوقت: الإسلام ليس مجرّد موضوع للفلسفة، فمصدر الدين يفوق الفلسفة ويفوق العقل: فكلمة الله لا تنفد في حين أن كلّ المذاهب الفلسفية قد وصلت إلى منتهاها بحكم نسبية العقل ونسبية المثل الأعلى الذي يتطلع إليه كلّ فيلسوف، فالصدر إعتمد على منهج في معالجته لعلاقة العقل بالدين، في حين أن الفلاسفة المسلمين انطلقوا من مسلمة لا أساس لها: الدين حق والفلسفة حقّ، والحقّ لا يتناقض مع الحقّ، أو «الفلسفة والشريعة أختان رضيعتان» كما يقول ابن رشد.

    [align=center]عزلة الفلسفة والتصوف عن الواقع الاجتماعي[/align]

    وهكذا فالصدر تجاوز كّلا من الفلسفة الإسلامية والتصوف، لا في المجال المعرفي فحسب، بل في المجال العملي كذلك أي في مجال الفلسفة بالحياة وعلاقة الفيلسوف أو المتصوّف بواقع الأمّة واهتمامات الشعوب الإسلامية، لقد كانت علاقة الفلاسفة والمتصوفة باهتمامات الأمة علاقة مفككة. فالفلاسفة المسلمون، رغم عمق فلسفاتهم، لم يقفوا مواقف نقدية من الأوضاع الاجتماعية والسياسية، فموقفهم تجاه السلطات المستبدة في العالم الإسلامي كان موفقاً مهادناً، فهم قد تجاهلوا هموم الجماهير بما في ذلك أبو حامد الغزالي،



    [align=center][12][/align]

    الذي مثّل هو الآخر خط الضعف: صاغ مفهوم «السلطان المطاع» كما أنه لم يتخذ أي موقف من الحروب الصليبية، ونفس الأمر بالنسبة للمتصوفة، لقد كان تشوقهم إلى الله محصوراً في الدائرة الذاتية، ولم يعبر عن نفسه في المجال الاجتماعي والسياسي.

    [align=center]ارتباط فلسفة الصدر بالواقع الاجتماعي[/align]

    وليس الأمر كذلك بالنسبة للصدر، فقد كانت فلسفته فلسفة ملتزمة باهتمامات الشعوب الإسلامية، وباهتمامات الإنسانية على العموم. فالصدر لم يحدث العملية التركيبية بين الفقه وعلم الكلام والفلسفة فحسب، بل أحدث العملية التركيبية بين الفلسفة والتصوف والجهاد، فطرح الصدر للقضايا كان طرحاً فلسفياً واجتهادياً وجهادياً في نفس الوقت، لذلك يمكن القول: بأنّ النموذج الذي اقتدى به الصدر هو سيدنا الإمام الحسين عليه السلام، فهو قد كسر حاجز الخوف(1) كما كسر الإمام عليه السلام حاجز كربلاء، فحبّ الله نتج عنه عند الصدر حبّ البشرية والالتزام بقضاياها.

    لقد فتح الصدر الفكر الإسلامي على البعد الفلسفي انطلاقاً من محاولته لربط الوحي المتعالي بالتاريخ، أي ربط الحقيقة المطلقة بحركة التأريخ، فالصدر لم يحصر المسألة في إطار علاقة الوحي بالعقل، بل عالج المسألة في إطار علاقة العقل بالوحي وبالواقع، ومن هنا يمكن القول بأن الصدر فتح الفكر الإسلامي على الفلسفة باسم الاجتهاد، فهو قد صاغ وحلل المفاهيم الاقتصادية والسياسية والمعرفية حسب متطلبات الدين.

    [align=center]نقد الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية[/align]

    إنّ نقد الصدر للفلسفة الإسلامية وللفلسفة الغربية لا يعني أنه رفض العقلانية ورفض الفلسفة بإطلاق، هذا النقد يتضمّن رفضاً لعقلانية معينة، أي لعقلانية تزعم أنها تكفي نفسها بنفسها (الفلسفة الغربية)أو تزعم بأنها لا تختلف عن الدين (الفلسفة الإسلامية التي وفقت بين الدين والفلسفة اليونانية)فالصدر انتقد الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية باسم رؤية فلسفية جديدة تربط العقل بالدين وبالتاريخ.

    لذلك يمكن القول: بأن الصدر جابه الفكر الغربي عن طريق إرث ثقيل، أي عن طريق إرث لا يخلو من جوانب سلبية كالطابع المجرّد للفلسفة الإسلامية، وكطغيان فقه العبادات على فقه المعاملات، وكطغيان فقه الفروع على أصول الفقه، والقطيعة بين الفقه والفلسفة وما نتج عنها من غياب للمذهب الاجتماعي الإسلامي، وقد رجع الصدر إلى كلّ جوانب هذا التراث رجوعاً نقدياً، وهذا ما جعله لا يجابه الفكر الغربي بالاعتماد على فقه الفروع، بل بالاعتماد على مفاهيم فلسفية صاغها انطلاقاً من مقاربته النقدية للتراث، وهي مقاربة جعلته يربط المفاهيم الفقهية بالمفاهيم الفلسفية، لصياغة المذهب الاجتماعي ولصياغة الرؤية الإسلامية إلى التأريخ التي يحدد ضمنها المذهب الاجتماعي الإسلامي(2).

    [align=center]من الدفاع الى الهجوم[/align]

    لم يحصر الصدر الفكر الإسلامي في موقف المدافع عن الإسلام تجاه تيارات الفكر الغربي من موقع ردّ الفعل الدفاعي والانفعالي على غرار كثير من المفكّرين المسلمين، بل تناول الصدر مذاهب الفلسفة الغربية بالتحليل والنقد، وطرح البديل الإسلامي عن طريق تحديد معالم العقلانية خارج الرؤية الوضعية وخارج

    _______________________________

    1- مع العلم بأن استبداد السلطة في العراق هو استبداد لا نظير له.

    2- المحدثون في العالم الإسلامي يظنون بأنهم هم وحدهم الذين ينتقدون التراث خاصة محمد أركون الجابري وفؤاد زكريا.



    [align=center][13][/align]

    النزعة العلمية، وقد تمّ كلّ هذا انطلاقاً من «تفسير موضوعي»(1) للقرآن الكريم، أي انطلاقاً من النظر إلى القرآن الكريم من موقع علاقة الدين بتطور الفكر وبحركة التأريخ.

    [align=center]جهد جيل قام به فرد[/align]

    إنّ هذا العمل الذي يتمثل في استيعاب ونقد كلّ مذاهب الفلسفة المعاصرة، هو عمل لا يمكن أن يتم إلا عن طريق جيل من الفلاسفة والمفكّرين، هذا العمل قد قام به الصدر وحده، فهو قد فتح الفكر الإسلامي المعاصر أمام تساؤلات جديدة تتمحور حول العقل ونظرية المعرفة والمنهج والتقدم، وإعادة بناء الحضارة الإسلامية، لذلك لقد أعاد الصدر النظر في كثير من جوانب الفكر الإسلامي القديم والمعاصر كما أعاد النظر في الفكر الغربي.

    [align=center]عقلانية الصدر[/align]

    والعقلانية كما تتجلّى في فلسفة الصدر هي عقلانية تختلف عن العقلانية كما تتجلى في كلّ من الفلسفة الإسلامية والنزعة العلمية، إنّها عقلانية تستمد قوتها من تواضعها وهي، نتيجة لذلك، عقلانية إنتقادية تجاه ذاتها وتجاه الموضوع، موضوع المعرفة، فالعقل هنا يستوعب إمكانياته ويستوعب نسبيته في الميدان الميتافيزيقي والاجتماعي، فالصدر عبر هذا الموقف، قد انتقد وأعاد صياغة نظرية المعرفة في ميدان الاجتهاد وعلم الكلام والفلسفة والميتافيزيقا.

    [align=center]كيف حلّ الصدر مشكلة نسبية الحقيقة؟[/align]

    لقد جابه الصدر مشكلة نسبية المعرفة ونسبية الحقيقة، فالفلسفة الغربية كالماركسية والوضعية وغيرهما من المذاهب، التي تنفي كلّ مصدر مطلق للوجود وللمعرفة وللحقيقة تهدّد الفكر الإسلامي، الذي يعتمد على الدين كحقيقة مطلقة، فكيف يمكن للفكر الإسلامي أن يقدم المعايير لإعاده بناء الحضارة الإسلامية؟

    عالج الصدر هذه المشكلة خارج الإطار الضيق للاختيار بين إطلاقية الحقيقة أو نسبيتها، فعلاقة الإنسان بالحقيقة أي بالدين هي علاقة بحث مستمر، لا شك أنّ الدين من حيث هو وحي يعتبر كحقيقة معطاة رحمة من الله، ولكن هذه الحقيقة لا يستوعبها الإنسان بصورة نهائية، فهو في وضعية بحث مستمر من موقع نسبيته ومن موقع علاقته بالدين المطلق، وقد صاغ الصدر مفهوم «منطقة الفراغ» كمنهج يعبر عن العلاقة بين إطلاقية الحقيقة ونسبية الحوادث وما ينجم عن ذلك من نسبية للمعرفة على المستوى الإنساني، ويعتبر هذا دحضاً للفكر المحدث الذي يتهم الفكر الإسلامي بأنه فكر يعتمد على أفكار جاهزة، وبأنه يطرح نفسه كحقيقة مطلقة(2). مع العلم بأنّ نسبية المعرفة في نظرية الصدر تختلف عن نسبية المعرفة في الفلسفة الغربية، كما تتجلى مثلا في المذهب التجريبي، الفكر مرتبط بالتجربة كما يرى الصدر، ولكن هنا يقف الاتفاق مع الفلسفة التجريبية، التي تعطي الأهمية للتجربة، ولكنها لا تتجاوز الحوادث،

    _______________________________

    1- محمد باقر الصدر: التفسير الموضوعي.

    2- المحدثون في العالم الإسلامي ليسوا نزهاء فلأنهم يعتبرون أن الفكر الإسلامي المعاصر هو مجرد وعظ وإرشاد ولا يتضمن مفاهيم فلسفية، ويستدلون على ذلك بلجوئهم إلى بعض الكتابات ذات الاسلوب الوعظي ولكنهم يتغافلون ـ عمداً ـ عن ذكر مفكرين من أمثال الصدر ومالك بن نبي وعلي شريعتي ومرتضى مطهري.




    [align=center][14][/align]

    وعلى العكس من ذلك، فلأنّ فلسفة الصدر لا تربط العقل بالحوادث، إلا من أجل وضعه في وضعية التجاوز: تجاوز المعطيات التجريبية لفتح باب الميتافيزيقيا.

    [align=center]فلسفة الصدر: من وصف الواقع الى تغييره[/align]

    ويمكن القول على العموم: بأن فلسفة الصدر لا تتخذ موقعها في الميدان الوصفي وحده (وصف الواقع)على غرار منهج العلوم الاجتماعية السائدة اليوم، أي فلسفة الصدر لا تكتفي بوصف الواقع وتحليله، كما أنّها لا تتخذ موقعها في خط فلسفات «المدن الفاضلة» ففي كلتا الحالتين تتحول الفلسفة إلى فلسفة محايدة، لأنها إما أن تكتفي بوصف الواقع، أو تكتفي بصياغة أفكار عامة ومجرّدة، وعلى العكس من كلّ ذلك فإن الصدر حاول أن يقدم من خلال كلّ كتاباته الأسس المنهجية والنظرية لفلسفة إسلامية معاصرة، كما حاول من خلال هذه الفلسفة أن يرسم معالم مسار الأمة نحو إعادة بناء الحضارة الإسلامية، ففلسفة الصدر تجمع بين الواقع والمثال، فإذا كانت هناك مثالية في فلسفة الصدر فهي مثالية نوعية أي مثالية لها خصوصيتها على اعتبار أنها ليست من أنواع المثاليات الحالمة، بل هي مثالية متجذرة في تاريخ الأمة وفي الواقع، فهي تنطلق من الواقع لتغييره.

    [align=center]الواقعية التبريرية والمثالية الحالمة[/align]

    فالصدر قد فتح بموقفه هذا طريقاً جديداً للفلسفة، فهو قد رسم معالم فلسفة إسلامية معاصرة خارج الواقعية التبريرية والمثالية الحالمة. الحقيقة عند الصدر لا تتمثل في توافق العقل مع نفسه، كما أنّ الحقيقة ليست في توافق العقل مع الوجود. مفهوم الخلافة تنتج عنه رؤية فلسفية تتمحور حول التطلع إلى المثل الأعلى، وما ينجم عن هذا التطلع من إرادة التجاوز: تجاوز عجز العقل وتجاوز الواقع المعطى، إنّ ما يميز فلسفة الصدر هو التحليل لمواضيع قرآنية جديدة ولمفاهيم جديدة، وقد نتج عن هذا فتح مجال أوسع للبحث أمام الفكر الإسلامي المعاصر، إنّ طرح الصدر لمشكلة علاقة الفلسفة بالدين من موقع نسبية الفلسفة يعبر عن موقف نقدي تجاه الفلسفة وتجاه العقل.

    [align=center]اكتشافات قرآنية[/align]

    إنّ هذه الرؤية الجديدة لعلاقة الفلسفة بالدين، جعلت فلسفة الصدر في موقف بحث مستمر، فبدلا من التوفيق بين الفلسفة والدين بصورة مبسطة ومتسرعة، وجّه الصدر الفلسفة الإسلامية المعاصرة نحو تجاوز مفهوم التوفيق، وتوسيع مجال البحث أمام الفكر الإسلامي المعاصر، لقد كشف الصدر عن قضايا ومواضيع فلسفية جديدة في القرآن الكريم كالفطرة والعقل والقيم والمجتمع والأمة والانحطاط والتقدم، وحركة التأريخ وعلاقتها بسنن الله... الخ. هذا إضافة إلى المواضيع الفقهية، التي كشف الصدر عن أبعادها المفهومية التي يتم من خلالها تنظير المذهب الاجتماعي الإسلامي.

    [align=center]القطيعة بين الفقه والفلسفة[/align]

    لقد تميز الفكر الإسلامي القديم بالقطيعة بين الفقه والفلسفة، وقد فقد الفقه حركيته عندما جمد ضمن إطار فقه الفروع، فبدلا من تحليل المواضيع الفقهية في أفق فلسفي، حُصر الفقه في النظرة التجزيئية للقضايا وابتعد نتيجة لذلك عن الرؤية الكلية، التي يمكن من خلالها صياغة الرؤية الاجتماعية الإسلامية.

    وهكذا كانت النتيجة الأولى، على الصعيد المعرفي، للقطيعة بين الفقه والفلسفة،القطيعة بين الفقه والسياسة، التي انتهت إلى غياب وجود فكر اجتماعي انطلاقاً من القضايا والمفاهيم الفقهية. فالفقه قد تاه وتشتت في جزئيات فقه الفروع، والفقهاء لم يطرحوا القضايا الاجتماعية وحلولها ضمن رؤية اجتماعية


    [align=center][15][/align]

    كلية، فالاحكام الشرعية المرتبطة بالصيام والزكاة والعمل والجهاد والامامة والخلافة، لم يتم تحليلها ضمن رؤية كلية ومفهومية بسبب غياب الطرح الفلسفي للأحكام الشرعية.

    وهناك نتيجة أخرى خطيرة بالنسبة للفكر الإسلامي: إنّ القطيعة بين الفقه والفلسفة قد دفعت بالفلسفة الإسلامية نحو التجريد والابتعاد عن واقع الأمة واهتمامات الشعوب الإسلامية.

    لا شك أنّ علم الكلام قد استنبط بعض المفاهيم من القرآن الكريم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتأكيد على مسؤولية الإنسان، غير أنّ علماء الكلام لم يحددوا عن طريق هذه المفاهيم رؤية إلى الإنسان والمجتمع، فهذه المفاهيم قد عزلت عن النظرة الإسلامية إلى الكون والإنسان.

    [align=center]اللقاء الصدر بين الاجتهاد والفلسفة[/align]

    ويتجلّى في هذا السياق عطاء الصدر، فلسفة الصدر تتحدّد في خط الاجتهاد، نقطة الاتفاق بين اجتهاد الصدر والاجتهاد في القديم تتمثل في الموقف التعبدي من النص، وقد تجاوز الصدر الاجتهاد بمفهومه القديم عندما فتح العملية الاجتهادية على الفلسفة، وهذا ما مكنه من صياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي، ومن صياغة الإطار العام لعلوم اجتماعية إسلامية تختلف عن العلوم الاجتماعية ذات المصدر الغربي، وهي العلوم الاجتماعية السائدة اليوم.

    [align=center]المشكلة المتافيزيقية[/align]

    فالصدر اتخذ موقفاً من رؤية الفلسفة الغربية إلى الانسان، وهي رؤية منفصلة عن الغيب، وعالج في هذا السياق المشكلة الميتافيزيقية من الناحية المعرفية، كما أنّه طرح هذه المشكلة من موقع علاقتها بالدين، وحلّل مدى تأثير الميتافيزيقيا على الحياة الاجتماعية.

    رفض الصدر الموقف الماركسي والوضعي من الميتافيزيقا، وهو رفض مبني على التحليل النقدي، وطرح الفلسفة الإسلامية كبديل، إنّ الميتافيزيقا في نظر الصدر ضرورية من الناحية العقلية ومن الناحية الدينية، فهي ليست مرتبطة بتطور العقل، كما تزعم الوضعية التي تنفي الميتافيزيقا باسم تاريخ الفكر (مذهب أجوست كونت)، كما يرى الصدر بأنّ الميتافيزيقيا ليست مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة تاريخية معينة كما ترى الماركسية، فالتساؤلات الميتافيزيقية تساؤلات تصدر عن الإنسان بصورة فطرية. هناك تناسق في نظر الصدر بين العقل والوجود بين نظام الكون وتطلع العقل نحو معرفة معنى الوجود، فبنية العقل ليست غريبة عن الوجود، فالمبادئ الموجهة للعقلانية وللمعرفة كالعلية والغائية هي مبادئ ضرورية لا يمكن تصور العقل بدونها. إنّ الصدر يرفض المذاهب الفلسفية، التي ترى أن الله خارج الكون، ويرفض في نفس الوقت، المحايثة التي تذيب الله في الكون، فصفات الله وأسماؤه تنفي المحايثة، كما تتجلى في المذاهب الفلسفية التي لا تميز بين الله والكون، فالصدر انتقد المحايثة باسم التعالي، غير أنّ التعالي في فلسفة الصدر لا ينفي المحايثة من حيث هي تعبير عن علاقة الله بالكون.

    [align=center]نظرية الاستقراء[/align]

    وعلى الرغم من أنّ الصدر يعتمد على المنهج التجريبي للاستدلال على وجود الله (اكتشف الصدر دليلا جديداً للاستدلال على وجود الله هو الدليل الاستقرائي أو العلمي)فعلى الرغم من ذلك، فإنّه يرى بأن حقيقة الله سبحانه وتعالى والبعث الجسدي هي أمور تفوق قدرة العقل ومن هنا ضرورة الدين، فالدين يتضمّن الغيب لكن الغيب بدوره لا ينفي العقل، فالدليل الاستقرائي يبرهن على وجود الله، ولكنه لا ينفي نسبية العقل أمام حقيقة الله، ويرى الصدر بأنّ القول بمعنى الوجود يتماشى مع الرؤية العلمية إلى العالم،



    [align=center][16][/align]

    وهذا هو التناقض الذي تصطدم به الفلسفة المادية في نظر الصدر، لأنّ هذه الفلسفة تنظر إلى الطبيعة كمجرّد صدفة، أي لا مبرر لوجود الطبيعة ولوجود نظام الطبيعة، وتؤكد الفلسفة المادية، من جهة أخرى، على النظرة العلمية إلى الطبيعة، وهكذا فالصدر يرى بأن وجود الله يبرر الرؤية التي تعتبر أن العالم يخضع لنظام، أي يبرّر مبدأ خضوع العالم إلى قوانين. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الصدر اعتمد كذلك على المنهج العلمي (الاستقراء)، ليستدل على وجود نظام للكون وعلى وجود الله، فالصدر عالج المشكلة الميتافيزيقية من منظور ديني وعلمي وعقلي واجتماعي، قوة العقل بالنسبة إليه لا تكمن في العقل ذاته، بل تكمن في علاقات العقل مع الدين ومع العالم، فكل تغيير اجتماعي لا يتحقق إلا عن طريق تغيير نظرة الإنسان إلى الكون.

    [align=center]الخـلاصـة[/align]


    ونتيجة لما تقدم يمكن القول بأن الصدر أعاد صياغة الفلسفة الإسلامية القديمة والفكر الإسلامي على العموم، وأعاد كذلك صياغة فلسفة كل من الغزالي وابن رشد، فصاغ عن طريق هذا النقد، نقد الفلسفة الإسلامية ونقد الفلسفة الغربية، فلسفة إسلامية معاصرة ثرية من حيث المفاهيم والمنهج، فهي فلسفة لها موقعها ضمن الاتجاهات الفكرية المكونة للثقافة المعاصرة، بل وأكثر من ذلك، فقد قدم الصدر للثقافة الإنسانية عامة فلسفة جديدة تسعى إلى ربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى وبالقيم عن طريق ربطه بالنبوة والإمامة

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    الدراسة الثانية: الأبعاد الفلسفية للفكر الاجتماعي والسياسي عند الصدر

    نلاحظ، ابتداءً من السيد جمال الدين الأفغاني، بروز قابلية على استحضار الفكر الإسلامي للمفاهيم القرآنية المرتبطة بالمجتمع وبالتاريخ،وقدرة على ربط حالة الأمّة الاجتماعية والسياسية والثقافية بلغة القرآن الكريم.

    ثمّ تطور الفكر الاسلامي إلى مستوى آخر، حيث بدأ يتعامل، بشكل مباشر ومن منظور قرآني، مع المذاهب الاجتماعية والسياسية، وبدأ يرصد الآيات ويستخلص دلالاتها من أجل اكتشاف إطار للمذهب الاجتماعي السياسي الاسلامي.

    وتعبّر كتابات الشهيد السيد محمد باقر الصدر، في هذا السياق،عن مرحلة جديدة في تطور الفكر الاسلامي، وانتقاله من المبادئ والأفكار العامة إلى مستوى التنظير وتحديد المفاهيم، ونقد النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية.

    وهنا يبرز فكر الشهيد كفكر اسلامي بالمعنى الشرعي للكلمة، فهو فكر يختلف عن التيارات، التي حاولت أن تصوغ فكراً اسلاميا بالاعتماد على مناهج فكرية غير اسلامية. فهذه التيارات تبرّر الواقع باسم التوفيق بين الاسلام والمعاصرة، أما فكر الشهيد فهو فكر يرفض كلّ تأويل أوتفسير يختلف مع مقاصد الاسلام ومضامينه.

    لقد حرص الشهيد على أن لا يسقط في فخ النزعة التوفيقية، التي سقط فيها الفلاسفة المسلمون قديماً

    [align=center][17][/align]

    والمحدثون في العالم الاسلامي في عصرنا. انطلاقاً من هذا التحفظ المبني على التقوى ذات الأبعاد التعبدية والمنهجية. حاول الشهيد السيد محمد باقر الصدر استنباط المفاهيم القرآنية المؤطرة والموجهة لتنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي. فتصنيف الشهيد لهذه المفاهيم هو تصنيف يؤكد على وحدتها وترابطها وتكاملها.فهو يتجنب النظرة التجزيئية كما يتجنب الاسراف في التأويل والتسرع في الاستنتاج. فالفكر الاجتماعي السياسي هو جزء من كل، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر يرى أنه من الخطإ العلمي والمنهجي فصله عن النسق العام الذي يتمحور حول العقيدة الاسلامية، فالشهيد انطلق في تنظيره للمذهب الاقتصادي الاسلامي، ولسائر القضايا الاجتماعية والسياسية والفلسفية التي عالجها من استيعاب هذه القضايا في كليتها، أي في ترابطها مع كلّ جوانب النظرة الاسلامية إلى الكون والانسان. فالشهيد يرى أن فهمنا وتنظيرنا للحياة الاجتماعية يتوقف على النظرة الكلية إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة لا على النظرة الانتقائية

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    أصول الفقه كإطار معرفي ومنهجي للفكر الاجتماعي السياسي


    [align=center]منبع النظرة الكلية[/align]

    تحرّر الشهيد من العائق الإبستمولوجي المتمثل في فقه الفروع، والذي وقف أمام ظهور المذهب الاجتماعي الاسلامي.

    فبفضل منهجية أصول الفقه وصل الفكر الاسلامي في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي عند الشهيد محمّد باقر الصدر إلى مستوى صياغة المفاهيم كأساس ضروري للمذهب الاجتماعي.

    ذلك أن مبحث أصول الفقه هو الذي يسمح للفكر الاسلامي بطرح القضايا الاجتماعية والسياسية طرحاً كلياً لا جزئياً، فعملية التنظير الاجتماعي كانت معطلة من طرف فقه الفروع أوالنزعة الفقهية، التي تتناقض مع الرؤية الكلية للقضايا في الشريعة الاسلامية.

    فالشهيد، باعتماده على أصول الفقه ومنهجيته، قد اتخذ الفكر المتريث والنظرة الشمولية لصياغة المذهب الاجتماعي الاسلامي على أساس أحكام الشريعة. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد تمت صياغته ضمن فقه مُفلسف، أي ضمن أصول الفقه كاطار نظري. فمبحث أصول الفقه هو الذي جعل الفكر الاسلامي يستعد، منذ السيد جمال الدين الأفغاني، لاستيعاب مشكلات الحياة الانسانية ومستجداتها والنهوض بالدور المطلوب إزاء معطيات الحضارة الحديثة.

    [align=center]الجمع بين الاصالة والعمق والتجديد[/align]

    وقد وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى أقوى درجة من العمق في كتابات الشهيد، وهذا العمق لم يكن أبداً على حساب الاسلام ومتطلباته،بل تمت صياغة الفكر الاجتماعي السياسي لدى الشهيد ضمن اشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع على العموم، وضمن أطر أصول الفقه على الخصوص.

    إنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم تتمّ صياغته كفكر خارج عن بنية الفقه الاسلامي، فلا وجود عنده لفصل أوتمييز بين مصطلح الفقه ومصطلح التجديد. فقضية المذهب الاجتماعي طرحت عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر في إطار العلاقة بين الثوابت والمتغيرات، بين الأحكام والأحوال.

    [align=center]التجديد عند الصدر[/align]


    [align=center][18][/align]

    هذا هو الفرق الأساسي بين الفكر الاسلامي والفكر المحدث، ذلك أنّ هذا الأخير قد طرح اشكالية التغيير والتجديد كمصطلحات يتم تحليلها وفق المنهج الوضعي، الذي لجأ إليه المحدثون كمنهج بديل عن الفكر الاسلامي بكلّ مكوناته. في حين أنّ الشهيد يطرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من موقع الاستجابة الاسلامية لمستجدات العصر وتحديات الحضارة الغربية. فهو لم يُخضِع الشريعة للواقع أي للانتاج القيمي والمفهومي للتفاعلات الاجتماعية المنفصلة عن شريعة الله، لأنّ الواقع بابتعاده عن هدى الله هو واقع فاسد بالنسبة للشهيد السيد محمد باقر الصدر، وكلّ لجوء إليه كقوة مرجعية أي كمصدر وحيد للتنظير هو خروج عن متطلبات الشرع واخضاع حكم الله لحكم الواقع. أي اخضاع المطلق للنسبي.

    [align=center]تفاعل النص مع الواقع[/align]

    وهذا لا يعني أن منهجية الشهيد هي منهجية أحادية الجانب، تنطلق من النصّ دون أي اعتبار للواقع،بل على العكس فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لديه، من حيث هو فكر اجتهادي، يعطي للواقع كلّ ثقله شريطة أن لا تخرج عملية التنظير عن الثوابت الاسلامية. وهنا تتجلّى ثورية الفكر الاجتماعي المعتمد على هذا المنهج حيث إنّ استجابة المفاهيم الاجتماعية والسياسية لحركة الواقع تكون دائماً من موقع تأثير الاسلام عقيدةً وعبادةً وشريعةً في حركة الواقع لا اضفاء المشروعية عليها وتبريرها.

    وهكذا فالفكر الاجتماعي الاسلامي الذي صاغه الشهيد هو فكر تحويل لا فكر تبرير. فكلّ محاولة للتقدم والخروج من التخلف ليست في جوهرها ـ انطلاقاً من هذا المنهج ـ إلا الرجوع إلى النصّ وإلى عصر الرسالة، أي إعادة الانتماء للحضارة الاسلامية في مسارها السابق على الانحراف.

    فالشهيد حدّد مفهوم الفكر الاسلامي بوضوح ودقة، وطرح البديل الإسلامي على الصعيد النظري والمنهجي. العقلانية المرتبطة بالنصّ هي عقلانية مفتوحة تتمتع بقوة لاستيعاب مستجدات الحركة التاريخية. فهي ليست مجرّد عقلانية خطابية، أوعقلانية مريحة تنمو في عالم المجرّدات.

    والفكر الاجتماعي ـ السياسي المؤهّل لإعادة بناء الأمّة والحضارة الاسلامية هو ذلك الفكر الذي يرتبط ارتباطاً كلياً بالنصّ، وتتم صياغته في اطار العقلانية الاسلامية.

    [align=center]صياغة المفاهيم لا فقه الفروع[/align]

    ومعنى هذا أنّ الفكر الاسلامي الذي لم يصل إلى مستوى صياغة المفاهيم من منظور أصول الفقه هو فكر عاجز عن انتاج فكر اجتماعي ـ سياسي يحرّر الأمة ويحدث نهضة الشعوب الاسلامية. فهذا الفكر عقيم ونظرته نظرة تجزيئية تتناقض مع صياغة المفاهيم وتنسيقها. فصياغة المفاهيم هي الشرط الضروري لصياغة المشروع الحضاري الاسلامي.

    إنّ تطويق العلاقة بين الدين والواقع في الإطار الضيق لفقه الفروع أحدث فجوة بين الاسلام والحضارة، بين الأمة وحركة التاريخ. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد جاء نتيجة لبعث الحياة في الفقه باستعمال وسائل الاجتهاد ومفاهيمه.

    إنّ الصيغة الجديدة للطرح، التي تتجلى في فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي تختلف عن الفكر الاسلامي المرتبط بالنظرة التقليدية للطرح الديني. لقد كان الفكر الإسلامي قديماً فكراً مُجزأً: فالفقه من جهة، وعلم الكلام من جهة أخرى، والفلسفة من جهة ثالثة. ولم يقدم المفكرون نظرة تركيبية لهذه الجوانب الثلاثة إلاّ نادراً.

    [align=center]تفاعل الفقه والكلام والفلسفة[/align]


    [align=center][19][/align]

    والحقّ أنّ التحليل الذي تناول الفكر الاسلامي في تفاعل عناصره الفقهية والكلامية والفلسفية قد بدأ مع السيد جمال الدين الأفغاني، إلاّ أنه أخذ طابعه الأعمق عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الذي صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي بصيغة تربط الجانب الغيبي العبادي بالجانب الفلسفي والعلمي من خلال تأكيده على ما يتضمنه الاسلام من مفاهيم عن الكون والحياة وحركة التاريخ ونهضة الحضارات وسقوطها.

    هذا الموقف ليس عنصراً جديداً ومستحدثاً، بل هو موقف نابع من عمق الاسلام. فالارشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم تفسح المجال للنظرة الشمولية وللتحليل العلمي، وتتناقض مع تقديم الدين في صورة ضبابية تحكمها القداسة من دون أن تفتح الباب للنظرة العقلانية.

    [align=center]اعتماد المنهج القرآني[/align]


    فالشهيد باعتماده على الارشادات المنهجية القرآنية غيّر الطرح الذي وضع فيه الدين من قبل الفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الاسلامي. ففتح الباب واسعاً من الناحية المعرفية والمنهجية لصياغة فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. إنّه صاغ الفكر الاجتماعي السياسي خارج اشكالية طرح الواقع من خلال المفهوم وطرح المفهوم من خلال الواقع. فالفكر الاجتماعيـ السياسي كما صاغه الشهيد تمّ ضمن اشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع. وهو طرح يخلق جوّاً جديداً، لاستنطاق القرآن الكريم والسنة الشريفة في كلّ جوانب الحياة الاجتماعية.

    إنّ منهج التعامل مع النص أثناء محاولة تنظير الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يشكّل مصدراً لابتغاء الرشد. ويعتبر منهج التعامل مع النص العامل الأساسي والمصيري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي. فالتعامل هنا معناه بناء المفاهيم وبناء المنهج البديل الذي يتأسس عليه صرح المعرفة في العلوم الاجتماعية. والمشكل المطروح هنا هو كيف يمكن للفكر الاسلامي المعاصر أن يدرك المكنونات القرآنية في مضمار الفكر الاجتماعي السياسي؟ فالقرآن الكريم، بالنسبة للشهيد، لا يقف عند حد الدعوة إلى مجتمع تسوده العدالة والقيم الأخلاقية، ولكنه قدم الاطار الذي يتم فيه تحول المجتمع.

    فالقرآن الكريم منذ بداية النزول في المرحلة المكية تفاعل مع الواقع ومع الحياة في كلّ جوانبها وعمل على تغيير الواقع في ضوء متطلبات القيم والمفاهيم الربانية، وعليه يرى الشهيد أنّ التعامل مع القرآن الكريم من خلال دمج القضايا المطروحة على الأمّة في إطارها الاجتماعي والحضاري سيفتح آفاقاً جديدة لعملية تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي اسلامي.وهذا النموذج في التعامل مع القرآن الكريم من منطلق شمولي نجده في التفسير الموضوعي للشهيد السيد محمّد باقر الصدر:

    [align=center]فكرة التفسير الموضوعي للقرآن[/align]

    «لماذا كانت الطريقة التجزيئية عاملا في إعاقة النمو؟ ولماذا تكون الطريقة الموضوعية والاتجاه التوحيدي عاملا في النمو والإبداع وتوسيع نطاق حركة الاجتهاد؟...

    إنّ المفسر التجزيئي دوره في التفسير على الأغلب سلبي، فهو يبدأ أولا بتناول النص القرآني المحدّد آية مثلا أومقطعاً قرآنياً دون أي افتراضات أوأطروحات مسبقة، ويحاول أن يحدّد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ... العملية في طابعها العام عملية تفسير نص معيّن، وكأن دور النص فيها دور المتحدث ودور المفسر هو دور الإصغاء والتفهم، وهذا ما نسميه بالدور السلبي. المفسر هنا شغله أن يستمع لكن بذهن مضيء بفكر صاف، بروح محيطة بآداب اللغة وأساليبها... وبمثل هذا الفكر يجلس بين يدي القرآن


    [align=center][20][/align]


    ليستمع. فهو ذودور سلبي، والقرآن ذودور ايجابي. والقرآن يعطي حينئذ وبقدر ما يفهم هذا المفسر من مدلول اللفظ يسجل في تفسيره.

    وخلافاً لذلك، المفسر التوحيدي والموضوعي فانه لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة. يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أوالاجتماعية أوالكونية، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الانساني حول ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الانساني من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة ومن نقاط فراغ، ثمّ يأخذ النص القرآني، لا يتخذ من نفسه بالنسبة إلى النص دور المستمع والمسجل فحسب، بل يطرح بين يدي النص موضوعاً جاهزاً مشرباً بعدد كبير من الأفكار والمواقف البشرية، ويبدأ مع النص القرآني حواراً (سؤال وجواب...) لا يجلس (أي المفسر) ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً... وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح، والنظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النص، من خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع واتجاهاته.

    ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيار التجربة البشرية، لأنها تمثل المعالم والاتجاهات القرآنية لتحديد النظرية الاسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة...

    إذن فهنا يلتحم القرآن مع الواقع، يلتحم القرآن مع الحياة، لأنّ التفسير يبدأ مع الواقع وينتهي إلى القرآن. لا أنه يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن، فتكون عملية منعزلة عن الواقع، منفصلة عن تراث التجربة البشرية، بل هذه العملية تبدأ من الواقع وتنتهى بالقرآن بوصفه القيّم، والمصدر الذي يحدد على ضوئه الاتجاهات الربانية بالنسبة إلى ذلك الواقع. ومن هنا تبقى للقرآن حينئذ قدرته على القيمومة دائماً، قدرته على العطاء المستجد دائماً، قدرته على الابداع، لأنّ المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، فإنّ طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات على أنه لا ينفد وصرح القرآن الكريم بأن كلمات الله لا تنفد» (1)

    [align=center]تجديد «الاصالة» لا تجديد «التلفيق»[/align]


    إنّ منهج التعامل هذا ضرورة شرعية وعلمية وواقعية، لأنّ إعادة بناء الأمة الاسلامية عملية تقتضي التبصر في الأحداث من منظور تفاعل وتداخل عوامل انتاج هذه الأحداث. وهنا ينبغي التمييز بين المنهج التلفيقي الانتقائي في التعامل مع النص، وهو ذلك المنهج الذي يُخضِعُ القرآن الكريم للواقع ولمفاهيم الفكر الغربي، وبين المنهج المبني على منطلق شمولي وتعبدي في علاقته مع النص: ينطلق من الواقع إلى النص ومن النص إلى الواقع كما أشار الشهيد السيد محمد باقر الصدر في النص السابق.

    وقد أبعد هذا الطرح فكر الشهيد عن الانبهار بالحضارة الغربية وبالمفاهيم، التي تتضمنها سائر مذاهبها الاجتماعية والسياسية. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد لم يتم على حساب المفاهيم الاسلامية، بل نبع منها وتشكل بفضلها.

    ومعنى هذا أنّ الشهيد السيد محمد باقر الصدر قد ضبط مفهوم الفكر الاسلامي والفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي ضبطاً دقيقاً، حرّر هذا الفكر من النزعة التوفيقية، التي تميز بها الفكر المحدث في العالم

    _______________________________

    1- السيد محمد باقر الصدر: التفسير الموضوعي للقرآن: 18 ـ 32 دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت 1981م.



    [align=center][21][/align]

    الاسلامي والتي انتهت إلى مزيج عجيب بين الاسلام والاشتراكية، أو بين الاسلام والرأسمالية، فالفكر المحدث بانبهاره بالفكر الغربي وصل إلى تغريب المصطلحات القرآنية عن طريق المفاهيم الغربية.

    فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي بالاعتماد على وضع الحدود الاسلامية لمفاهيم الفلسفة الاجتماعية ـ السياسية، المفاهيم التي صاغها الشهيد تنطلق من ارتباطها بالحكم الشرعي فيما يمثله من الواجب والحلال والحرام. فهو قد عالج المشكلة الاجتماعية ـ السياسية على هذا الأساس، وانتقد الفكر الاجتماعي الغربي على هذا الأساس كذلك. وقد أدى هذا إلى صياغة الفلسفة الاجتماعية والسياسية في نطاق العلاقة بين القرآن الكريم والواقع.

    وعلى عكس الفكر المحدث، الذي راح يوفق بين الاسلام والنظم الاقتصادية والاجتماعية الغربية فإنّ النموذج المعرفي، الذي انطلق منه الشهيد ـ وهو نموذج تمت صياغته ضمن إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع ـ جعله يواجه مشاكل الأمة الاسلامية من خلال الحلول الواقعية لا المثالية. ويتضح ذلك في المصطلحات والمفاهيم والعبارات التي استخدمها الشهيد في كلّ كتاباته مثل: منابع القدرة في الدولة الاسلامية ومثل: مفهوم «انسان العالم الاسلامي».

    فالشهيد واجه الفكر الغربي ـ من موقع الفكر الاسلامي المؤسس على جهاز مفهومي يستطيع من خلاله أن يواجه المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية خارج الشعارات العاطفية والمواقف الانفعالية.

    كما أنّ التأكيد على خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي حرّر هذا الأخير من النزعة التوفيقية بين الفكر الاسلامي والفكر الغربي، فالشهيد نقد الماركسية والرأسمالية معاً، ولم يطرح أبداً إشكالية الاختيار بين هذا النظام أوذاك. فالشهيد وقف أمام الفكر الماركسي والرأسمالي موقفاً علمياً. فقد فلسف، في هذا السياق، النظرة الاقتصادية الاسلامية، وتجاوز ـ تبعاً لذلك ـ اطار الأحكام المتناثرة. لقد وقع على يد الشهيد انفتاح أصول الفقه على الفلسفة، وانفتاح الفلسفة على اصول الفقه.

    إنّ العلاقة بين الأحكام الشرعية والمفاهيم الاقتصادية والاجتماعية هي التي أدت إلى صياغة المذهب الاقتصادي والسياسي في كتابات الشهيد. (1)

    _______________________________

    1- انظر اقتصادنا (عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي) 349 ـ 390 دار الفكر ـ بيروت ـ الطبعة السادسة 1974م.


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]المذهب الاقتصادي الإسلامي[/align]

    المذهب الاقتصادي الاسلامي، الذي صاغه الشهيد يهدف إلى التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.

    [align=center]مقولتان أساسيتان[/align]

    وقد انتقد الشهيد كلا ّمن الرأسمالية والاشتراكية من مبدإ التوازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة. وذلك نتيجة لتركيزه صياغة المذهب الاقتصادي على مقولتين أساسيتين: خلافة الانسان، وأن المالك الحقيقي هو الله تعالى.

    ربط الشهيد مبدأ الملكية الخاصة ذات الوظيفة الاجتماعية بهاتين المقولتين السابقتين. فالملكية الخاصة

    [align=center][22][/align]

    ذات البعد الاجتماعي هي تلك الملكية التي لا تتناقض مع العلاقات الاجتماعية المبنية على التضامن، والتي تميز الحياة الاقتصادية والسياسية للأمة.

    لا شك أنّ الفكر الاقتصادي الاسلامي يولي أهمية كبرى للمصلحة العامة، ويربط حقوق العباد بحقوق الله. إلا أنّ هذا لا يعني أنّ المذهب الاقتصادي الاسلامي يذيب الفرد في المجتمع، فالاسلام،في نظر الشهيد، يختلف اختلافاً جذرياً عن الاشتراكية. فالملكية الخاصة وظيفية أي تلعب دوراً اجتماعياً. إلا أنها ليست ظرفية وتابعة لمرحلة تاريخية معينة، بل هي مبدأ ثابت يعبر عن قيمة الانسان من حيث هو خليفة الله في الأرض.

    فالزكاة والمصلحة العامة وتحريم الربا، كلّ هذه الأحكام والمفاهيم صاغها الشهيد صياغة فقهية وفلسفية، ليرسي عن طريقها المذهب الاقتصادي الاسلامي.

    فالاسلام، في نظر الشهيد، ينبغي أن لا تبرر رؤيته الاقتصادية والسياسية باسم قيم وتصورات أجنبية عنه. فالمذهب الاقتصادي الاسلامي يقوم على مبادئ وقيم إسلامية وكلّ محاولة للتوفيق بين الاسلام والاشتراكية أوبينه وبين الرأسمالية هي محاول غير مشروعة ومتناقضة مع الإسلام. فالملكية الخاصة تعبير عن اهتمام الشريعة بالانسان ومبادراته. هي حكم شرعي ثابت، إلا أنها ليست محايدة تجاه القيم الأخلاقية، لأنّ الملكية الخاصة في المذهب الاقتصادي الاسلامي الذي صاغه الشهيد هي مشروعة ومحدودة ـ في نفس الوقت ـ بمتطلبات أخلاقية تحمل طابع الواجب الديني.

    [align=center]ربط الاقتصاد بالأخلاق[/align]

    إنّ ربط الاقتصاد بالأخلاق معناه أنّ المذهب الاقتصادي الاسلامي لا يعتبر الملكية الخاصة حقّاً مطلقاً يتصرف فيه صاحبه كما يشاء، فالملكية الخاصة تتحدّد من موقع وظيفتها الاجتماعية، ومن موقع مبدإ التوازن الاجتماعي.

    فطرح الرؤية الاسلامية للملكية في إطار توازن العلاقات بين الفرد والمجتمع، وفي إطار العلاقة بين الحياة الاجتماعية والغيب، أدى إلى موقف نقدي رافض لكل من النظامين الرأسمالي والاشتراكي، لأنهما نظامان يفصلان بين الحياة الاجتماعية والحياة الروحية في طرحهما للمشكلة الاقتصادية.

    [align=center]استقلالية الاقتصاد الإسلامي[/align]

    فالشهيد طرح اشكالية تنظير المذهب الاقتصادي خارج الاطار النظري للمذهبين الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي. فالمذهب الاقتصادي الاسلامي شيء آخر غير الرأسمالية والاشتراكية وذلك:

    1ـ أنّه يتمتع بمرجعية تتمثل في كلام الله الذي لا ينفد.(1)

    2ـ صياغة هذا المذهب لها حقلها النظري المتمثل في الأمة الاسلامية، وإنسان العالم الاسلامي بذهنيته وقيمه وتطلعاته.

    اعتمد الشهيد إذن على النظرة الكلية والشمولية لا على النظرة التجزيئية. ومعنى هذا أنّ الرؤية الاسلامية للاقتصاد ليست متروكة لكلّ التأويلات. فهي ليست مجرد انعكاس لأخلاق المسلمين وتضامنهم، بل هي رؤية مؤطرة بمبادئ عامة وأحكام شرعية دقيقة ترسم للمجتهد الطريق لصياغة فكر

    _______________________________

    1- انظر التفسير الموضوعي للقرآن: 22 ـ 23.



    [align=center][23][/align]

    [align=center]اقتصادي اسلامي.[/align]


    [align=center]معالم المذهب الاقتصادي الإسلامي[/align]

    وعلى العموم، العقيدة وخلافة الانسان والتسخير، الأخوة الإيمانية والوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة، كلّ هذه المفاهيم تشكل معالم المذهب الاقتصادي الاسلامي كما صاغه الشهيد.

    من هذا المنظور انتقد الشهيد الأنظمة الاشتراكية في العالم الاسلامي، لأنّها تنظر إلى العلاقة بين الاسلام والاشتراكية نظرة تلفيقية. في حين أن الرؤية الاقتصادية الاسلامية مرتبطة شرعاً وعقلا وبصفة جوهرية وبنيوية بالنظرة الاسلامية للكون والانسان. صياغة المذهب الاقتصادي الاسلامي كما طرحها الشهيد تتمّ في إطار العلاقة بين العقل والشرع. ولهذ الفكر الاقتصادي الاسلامي يتضمن، ضرورة، جانباً يتجاوز العقل. هو فكر اجتهادي نابع من اشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع.

    لا شك أن الفكر المحدث الذي راح يوفق بين الإسلام والاشتراكية انطلق من نفس هذه الاشكالية، لكن خارج اطار الاجتهاد لاداخله، فالفكر المحدث ينطلق من فكرة تكييف الاسلام مع التاريخ ومع الأنظمة الاقتصادية والسياسية، لامن الواجب الشرعي والتعبدي الذي يقتضي تكيف الواقع والتاريخ حسب متطلبات الاسلام.

    [align=center]شروط صياغة المذهب[/align]
    فمن النظرة التعبدية للنص في علاقته بالعقل وبالواقع حدّد الشهيد السيد محمد باقر الصدر الشروط الفقهية والمنهجية والفلسفية، لصياغة المذهب الاقتصادي الإسلامي:

    «إننا في وعينا للاقتصاد الاسلامي، لا يجوز أن ندرسه مجزأً بعضه عن بعض. نظير أن ندرس حكم الاسلام بحرمة الربا، أوسماحه بالملكية الخاصة، بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام. كما لا يجوز أن ندرس مجموع الاقتصاد الاسلامي، بوصفه شيئاً منفصلا وكياناً مذهبياً مستقلا عن كيانات المذهب الاجتماعية والسياسية الأخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات... وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الاسلامي ضمن الصيغة الاسلامية العامة، التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع...

    فمن الخطإ أن لا نعير الصيغة الاسلامية العامة أهميتها، وأن لاندخل في الحساب طبيعة العلاقة بين الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب، والتأثير المتبادل بينها في كيانه العضوي العام.

    كما يجب أيضاً أن لا نفصل بين المذهب الاسلامي بصيغته العامة، وبين أرضيته الخاصة التي أعدت له، وهيأ فيها كلّ عناصر البقاء والقوة للمذهب... الصيغة العامة للمذهب ـ أي مذهب كان ـ تحتاج الى أرضية وتربة، تتفق مع طبيعتها، وتمدّها بالعقيدة والمفاهيم والعواطف، التي تلائمها. فلا بدّ لدى تقدير الصيغة العامة للمذهب أن ندرسها على أساس التربة والأرضية المعدة لها، أي ضمن اطارها العام.

    وهكذا يتضح أن الاقتصاد الاسلامي مترابط في خطوطه وتفاصيله، وهو بدوره جزء من صيغة عامة للحياة... ويستقيم منهج البحث في الاقتصاد الاسلامي حين يدرس الاقتصاد الاسلامي بما هو مخطط مترابط، وبوصفه جزءاً من الصيغة الاسلامية العامة للحياة، التي ترتكز بدورها على التربة والأرضية، التي أعدها الاسلام للمجتمع الاسلامي الصحيح».(1)

    وهكذا فالمسألة ليست مسألة اختيار بين الاسلام والعقلانية كما يدعي الفكر الغربي والفكر المحدث

    _______________________________

    1- اقتصادنا: 269 ـ 270.

    [align=center][24][/align]

    التابع له في العالم الاسلامي. بل الاختيار يتم بين عقلانية مبنية على الوضعية، وهي رغم محدوديتها تطرح نفسها كمطلق، وبين عقلانية مرتبطة بالغيب وتعي، تبعاً لذلك، نسبيتها التي تشكل قوتها، لأنها تجعلها عقلانية مفتوحة قادرة على استيعاب حركة التاريخ والتحكم فيها.

    وعلى العموم فالرؤية الاسلامية للاقتصاد لا ترتكز على مجرّد نظرة أخلاقية. فالأحكام والمفاهيم المستنبطة من الشريعة عن طريق الاجتهاد تؤطر وتقود صياغة المذهب الاقتصادي الاسلامي.

    [align=center]أثر البعد الغيبي على المذهب الاقتصادي[/align]

    وبفضل علاقته بالجانب الروحي وبالغيب، يمكن للمذهب الاقتصادي الاسلامي أن يساهم في طبع العلاقات الدولية بطابع إنساني. فمساهمة الفكر الاقتصادي الاسلامي كما صاغه الشهيد، يمكن أن تكون حاسمة تجاه الأزمات التي تعاني منها شعوب العالم، وتجاه علاقة الاستغلال التي تمارس على المستضعفين من طرف المستكبرين. ذلك أن الشهيد بفضل نظرته الشمولية قد كشف عن الرؤية الأخلاقية الاقتصادية الموجودة بصفة ضمنية وصريحة في الشريعة الاسلامية، تلك الرؤية التي ترى أنّ الإنسان هو الهدف والغاية لا الاقتصاد.

    فالشهيد قد بيّن أنّ الملكية في مفهومها الاسلامي تختلف عن الملكية في الحضارة الغربية، حيث تقوم على التصور المادي للكون، الأمر الذي أدى بها إلى الاستناد على الاسراف والتبذير وحرية التصرف اللا أخلاقية واللا إنسانية. في حين أنّ الملكية في الرؤية الاسلامية هي ذات وظيفة فردية واجتماعية وروحية. إن إرجاع الملكية إلى الله (الله هو المالك الحقيقي)، ومفهوم الاستخلاف يجعلان الملكية خارج شمولية الاشتراكية التي تذيب الأفراد في المجتمع وخارج فردانية الرأسمالية، هي تقوم بوظيفة اجتماعية طالما أن صاحبها، سواء كان فرداً أوجماعة، هو مستخلف، أي هو مسؤول أمام الله والمجتمع عن تصرفه. يقول الشهيد:

    «...وأما المجتمع الاسلامي فلا تنطبق عليه الصفة الأساسية لكلّ من المجتمعين (الرأسمالي والاشتراكي)، لأنّ المذهب الاسلامي لا يتفق مع الرأسمالية في القول: بأنّ الملكية الخاصة هي المبدأ، ولا مع الاشتراكية في اعتبارها للملكية الاشتراكية مبدأً عاماً. بل إنّه يقرّر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد، فيضع بذلك مبدأ الملكية المزدوجة (الملكية ذات الأشكال المتنوعة)بدلا عن مبدإ الشكل الواحد للملكية، الذي أخذت به الرأسمالية والاشتراكية. فهو يؤمن بالملكية الخاصة، والملكية العامة، وملكية الدولة...

    وليس هناك أدلّ على صحة الموقف الاسلامي من الملكية، القائم على أساس مبدإ الملكية المزدوجة... من واقع التجربتين الرأسمالية والاشتراكية. فان كلتا التجربتين اضطرتا إلى الاعتراف بالشكل الآخر للملكية،الذي يتعارض مع القاعدة العامة فيهما، لأنّ الواقع برهن على خطإ الفكرة القائلة بالشكل الواحد للملكية...

    والثاني من أركان الاقتصاد الاسلامي، السماح للأفراد على الصعيد الاقتصادي بحرية محدودة بحدود من القيم المعنوية والخلقية التي يؤمن بها الإسلام»(1)

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 852 ـ 952 ـ 620.

    [align=center][25][/align]

    لقد كانت إحاطة الشهيد بالفكر الاجتماعي الغربي وافية ونقدية. ويتجلّى عمق تحليله في تشخيصه لظاهرة الفردانية في النظام الرأسمالي وظاهرة الشمولية وذوبان الفرد في المجتمع في النظام الاشتراكي.

    وينتهي الشهيد إلى أنّ الفكر الاجتماعي الغربي لم يحلّ مشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما يبرز الشهيد عجز الفكر الغربي في الميدان العلمي (العلوم الانسانية)، وهو الجانب الذي فتن كثيراً من المفكّرين في العالم الاسلامي دون نقد وتفكير وإعادة النظر.

    وقد أكد الشهيد على المبادئ والمفاهيم الاسلامية، لا في جانبها الروحي والتعبدي فحسب،بل في جانب الاستفادة منها لصياغة علوم اجتماعية وتوجيهها حسب متطلبات النص، ومتطلبات انسان العالم الاسلامي.

    إنّ ربط الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالغيب يؤدي إلى نموذج للتنمية يتناقض مع النموذج الغربي، الذي يكون فيه الانتاج والاستهلاك غايات في ذاتها. فنموذج التنمية، كما أرسى معلمه الشهيد، مرتبط بالقيم الروحية، ووسيلة لتجسيد خلافة الانسان لله في الأرض.

    نموذج التنمية في التصور الاسلامي لا يخضع للعبث، بل لعقلانية صارمة تستمد قوتها من معنى الوجود الإنساني. فغايات النموذج التنموي ليست في ذاتها، لأنّ عملية التنمية، من حيث هي جهاد، مرتبطة بالمطلق:

    «... إنّ اتجاه إنسان العالم الاسلامي إلى السماء، لا يعني بمدلوله الأصيل استسلام الانسان للقدر، واتكاله على الظروف والفرص، وشعوره بالعجز الكامل عن الخلق والابداع... بل إنّ هذا الاتجاه لدى الانسان المسلم يعبر في الحقيقة عن مبدإ خلافة الانسان في الأرض، فيما يميل بطبيعته إلى ادراك موقفه في الأرض باعتباره خليفة لله. ولا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته، التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون، لا أعرف مفهوماً أبعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف، لأنّ الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه... ولهذا قلنا: إنّ إلباس الأرض اطار السماء يفجر في الانسان المسلم طاقاته، ويثير إمكاناته، بينما قطع الأرض عن السماء يعطل في الخلافة معناها... فالسلبية لا تنبع عن طبيعة نظرة انسان العالم الاسلامي الى السماء بل عن تعطيل قوى التحريك الهائلة في هذه النظرة بتقديم الأرض إلى هذا الإنسان في إطار لا ينسجم مع تلك النظرة»(1).

    وهكذا يتبيّن بوضوح أنّ صياغة المذهب الاقتصادي الاسلامي لا تتمثل في عملية تلفيقية بين الاسلام والمذاهب الاقتصادية الغربية. فالمذهب الاقتصادي الاسلامي يتضمن عناصر ترتبط كلها بنظرة الاسلام إلى الكون والانسان. فالمذهب الاقتصادي الاسلامي هو جزء من كل. هو عنصر من عناصر الرؤية الاسلامية للحضارة ولحركة التأريخ وللإنسان.

    وعليه، فبفضل المجتهدين من أمثال الشهيد محمد باقر الصدر، الذين ساهموا في صياغة المذهب الاقتصادي الاسلامي، أصبح الفكر الاسلامي في المجال الاجتماعي له ما يقوله في ساحة صراع المذاهب والايديولوجيات.

    _______________________________

    1- نفس المصدر: (ص ـ ع).



  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]النقد الجذري للفكر الغربي وطرح البديل الإسلامي[/align]


    إنّ نقد الشهيد لفكرة التوفيق بين الاسلام والرأسمالية، أو بين الإسلام والاشتراكية، لم يبرز من خلال نموذج صراعي محض، بل انطلق من نقد عميق للحضارة الغربية كحقل نظري لكلّ من النظامين الرأسمالي والاشتراكي.

    وهكذا فالصراع بين الفكر الاسلامي والفكر الغربي كما يطرحه الشهيد، ليس مجرّد صراغ انفعالي وعاطفي، بل هو صراع عن طريق القيم والمفاهيم انطلاقاً من رؤية إلى الكون والانسان والتاريخ.

    إنّ الفكر المحدث في العالم الاسلامي يشبه، من بعض الوجوه، الفلسفة الاسلامية القديمة. فإذا كانت هذه الأخيرة قد انبهرت بالفلسفة اليونانية، وانتهت إلى اخضاع الدين الاسلامي لمقولات الفلسفة اليونانية. فإنّ الفكر المحدث في العالم الاسلامي قد انطلق في موقفه من الفكر الغربي من نفس الموقع الأبستمولوجي(1): يحلل الفكر الاسلامي والمجتمع الاسلامي وصيرورته من خلال النسق المعرفي والقيمي الغربي. الشيء الذي جعل الفكر المحدث فكراً تابعاً ونخبوياً عقيماً لا علاقة له بالشعوب الاسلامية، التي تكوّن المادة الخام لكلّ تنظير.

    [align=center]الاجتهاد كأداة للمعرفة في مقابل الوضعية[/align]

    أما الفكر الاسلامي كما طرحه الشهيد فهو، بحكم اعتماده على الاجتهاد، كأداة معرفية وشرعية، لاستيعاب حركة التاريخ وتوجيهها، ولاستيعاب ثقافات الشعوب ومواجهة المستجدات، مؤهل لصياغة طريق جديد ـ غير الطريق الرأسمالي أوالاشتراكي ـ للتنمية والتقدم.

    فالاجتهاد بمعناه الواسع هو الإطار الذي صاغ الشهيد ضمنه نقده للفكر الغربي، كما صاغ ضمنه،كذلك،الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي.

    لقد لجأ الشهيد إلى إطار مفهومي وقيمي وفّر له الامكانيات، التي تحرّر الفكر الاسلامي من سجن الوضعية وغياب البعد الروحي من النظام المعرفي.

    فالشهيد يرى في هذا السياق أنّ صياغة الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية لا يمكن أن تبرز إلى الوجود بمجرد تصحيحات للنظام الاشتراكي، أو بمجرّد التلفيق بين الاشتراكية والرأسمالية. يرى الشهيد أنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي لا يمكن صياغته إلا نتيجة لثورة على صعيد القيم والمفاهيم تنبع من القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومعنى هذا أنّ الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية يلازمها نموذج معرفي يختلف جذرياً عن مسلمات وبديهات النموذج المعرفي المؤسس على الوضعية.

    النظامان الرأسمالي والاشتراكي ينبعان، بالنسبة للشهيد، من مصدر واحد: الوضعية. فكلّ محاولة توفيق بين الاسلام وأحد هذين النظامين معناه ادماج الاسلام في الرؤية الوضعية لحركة التاريخ.

    وهكذا بينّ الشهيد أن نشاط الفكر الاسلامي من خلال النموذج المعرفي للفكر الغربي يؤدي إلى التلفيق والتكرار بدلا من الابداع والابتكار اللذين يحتاج إليهما العالم اليوم.

    إنّ فكر الشهيد كمحاولة للبحث خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ. أي البحث عن نموذج

    _______________________________

    1- الابتسمولوجيا: معناه الاشتقاقي علم العلم. فهذا المفهوم يعني لدى الدارسين: الشروط التي تساهم في انتاج المفاهيم في علم من العلوم.

    [align=center][27][/align]

    إسلامي للاقتصاد وللتطور، هي محاولة لها مشروعيتها المنهجية والعلمية ومتطلباتها الواقعية والتاريخية.

    بالنسبة للشهيد، كلّ المفاهيم التي تتم صياغتها من منظور وضعي هي تعبير عن رؤية الخطإ والانحراف. فالنموذج الحضاري الاسلامي ومرتكزاته النظرية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة لا يمكن أن يستخرج من مجرّد عملية تركيبية بين الرأسمالية والاشتراكية، بل يبرز إلى الوجود نتيجة لعملية تصحيحية جذرية للخلفية الفلسفية، التي يرتكز عليها الفكر الغربي، لتشمل بعد ذلك المفاهيم الاقتصادية والسياسية والثقافية.

    وهكذا، فموقف الشهيد في هذا المجال بين لنا أنه انطلق ـ في صياغته للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي ـ من موقع البحث عن الرؤية الاسلامية، لأنّ نشاط الفكر من خلال المرتكزات المنهجية والفلسفية للفكر الغربي لن ينتهي إلا إلى مسلمات وبديهيات الفكر الغربي، ولن يتحرر الفكر الاسلامي من القيم والمفاهيم، التي تقف عائقاً أمام تحرر الرأسمالية والاشتراكية من الأزمة ذات الأبعاد المعرفية والانسانية والأخلاقية.

    فالرؤية الاسلامية للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتاريخ ينبغي، حسب منهجية الشهيد السيد محمد باقرالصدر، أن تتم في اطار نظري مختلف اختلافاً جذرياً عن الإطار النظري، الذي صيغت ضمنه المذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية، وبعبارة أخرى: إنّ صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي لاتتم باللجوء إلى الفكر الغربي، بل باللجوء إلى النص وواقع الأمة وتاريخها.

    [align=center]الطعنة النجلاء في قلب الماركسية[/align]

    ومن هذا المنظور انتقد الشهيد النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية كأساس للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي على العموم والفكر الماركسي على الخصوص، وذلك ضمن نقده للمادية التاريخية:

    «وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة، في تحليلها الاجتماعي، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها. فنادت المادية التاريخية كحقيقة مطلقة، وأعلنت عن قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية، التي لا تقبل التغيير والتعديل، ولا يصيبها شيء من عطل أوعجز في المجرى التاريخي الطويل للبشرية. حتى كان المفهوم الماركسي للتاريخ، نقطة انتهاء للمعرفة البشرية كلّها. ولم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل: من أين نشأ هذا المفهوم الماركسي؟ أوأن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة.

    ولوكلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك ـ كما يحتمه الحساب العلمي ـ لاضطرت إلى القول: بأنّ المادية التاريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها.

    وهكذا نجد، كيف أنّ المادية التاريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها تعتبر كلّ نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه. ولا تعدوهي بدورها أيضاً، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن انساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطوِّرة تبعاً لتطورها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة للتأريخ»(1).

    وهكذا بيّن الشهيد أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي هو مجرّد انعكاس سلبي لمؤثرات ظرفية أو

    _______________________________

    1- اقتصادنا: 65.


    [align=center][28][/align]


    لمرحلة تاريخية معينة. فنسبيته نسبية انعكاس لأوضاع معينة، وليست نسبية كتلك التي تلازم الفكر العلمي وتجعله منفتحاً وقابلا للتطور.

    [align=center]الثابت والمتغير النص والاجتهاد[/align]


    أما الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الصدر فهويتمتع بالقوة التي تؤهله لعدم الاهتزاز أمام تحديات الواقع وحركة التاريخ، لأنه فكر مبني على العلاقة بين المطلق والنسبي، بين الثوابت والمتغيرات، بين النص والاجتهاد. فهوفكر يعي، منذ البداية، متغيراته وثوابته.

    فالاسلام يحلّ المعادلة الصعبة التي انهزمت أمامها كلّ الفلسفات المتمثلة في العلاقة بين المتغير والثابت. يحلّها عن طريق منهجية صاغها المفكّرون المسلمون بفضل ارشادات ربانية. هذه المنهجية هي الاجتهاد.

    فالشهيد عندما صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، صاغه من موقع المجتهد، وانطلاقاً من مفاهيم الاجتهاد حول الثوابت والمتغيرات. فهولا يفكر خارج التاريخ بل بالتاريخ، لكن دون أن يسقط في فخ النزعة التاريخية، لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي مرتبط بالنصّ لا بالواقع أوبالتاريخ فحسب.

    إنّ طريق صياغة الفكر الاسلامي المحقق لانتصار الأمة ونهضتها هوالطريق الذي تتم فيه صياغة هذا الفكر حسب شروط الدين أي من موقع الاجتهاد وعلاقة الفكر بالنص من حيث هي علاقة النسبي بالمطلق. أما الطريق الذي تستنبطه عقلانية الانسان المنفصلة عن اللّه تعالى فهودائماً طريق خاطئ يزيد في انحطاط الأمة.

    اللاواقعية واللاعقلانية صفتان ملازمتان للفكر الغربي بحكم عدم ارتباطه بالمطلق، وفصله الرؤية الاجتماعية ـ السياسية عن أبعادها الميتافيزيقية.

    وعلى العكس من ذلك فإنّ خصائص الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من الناحية المنهجية والمعرفية تتمثل في العلاقة بين العقل والدين والواقع. وتتمثل من ناحية الهدف في العمل على تجسيد متطلبات خلافة الانسان للّه في الارض.

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يسعى، بحكم هذه الخصائص، إلى صياغة منهجه للتغير حسب متطلبات الاسلام ومتطلبات الواقع شريطة أن تخضع هذه الأخيرة لمبدإ إعادة الاسلام إلى أرض الواقع، أي تكييف هذا الأخير حسب متطلبات الشريعة.

    وهذا ما يجعل الفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي يحتوي الواقع كلّه، لأنه يستقطب كلّ مواقع التصور الانساني على أساس المنهج والهدف اللذين يرتكز عليهما هذا الفكر.

    ولهذا فنقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر للاشتراكية والرأسمالية كان من موقع النموذج الحضاري الاسلامي، لا من موقع التوفيق بين الاسلام والفكر الغربي. فتحليله يجمع بين رفض الماركسية والرأسمالية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة من موقف معرفي يسعى إلى البحث خارج الطرح البشري للمسألة الاجتماعية والسياسية.

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي هوإذن ـ بحكم مرجعيته ـ عقيدة إسلامية على مستوى المفاهيم (ومن هنا شعور المسلمين بالالتزام تجاه هذه المفاهيم).

    إن مسار الفكر الاجتماعي ـ السياسي، كما طرحه الشهيد، يتّجه نحوالابداع، لأنّه وضع نفسه في موقع متحرر وناقد لنموذج التفكير الاجتماعي ـ الغربي.

    [align=center]شبهة وردّها[/align]


    [align=center][29][/align]


    قد يقال: بأنّ فكرة التوجيه في الحياة الاقتصادية والعقلنة، وإعطاء أهمية للمبادرات الفردية في إدارة الاقتصاد هي خصائص غربية واضحة، ولا يعطي الاستشهاد الدائم بالقرآن الكريم والسنة الشريفة والأحكام الفقهية المشروعية ـ الاسلامية لهذه الخصائص.

    لاشك أنّ بعض الجوانب والعناصر قد تكون مشتركة بين كلّ الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. إلا أنّ هذه العناصر تتشكل حسب المجموعة التي تنتمي إليها وحسب نسق العلاقات، التي تربطها مع العناصر الأخرى ومع القاعدة التي يرتكز عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهي العقيدة الاسلامية بالنسبة للفكر الاجتماعي الاسلامي، وما تنتجه هذه العقيدة من مفاهيم وقيم ونظرة إلى الكون والانسان تنعكس على نفسية الأفراد وعلى العلاقات الاجتماعية بشكل يجعل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتخذ مساراً له خصوصيته، ولا يشبهه مسار الأنظمة المرتكزة على الوضعية(1).

    وعلى هذا النحو لم يعد معيار النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية معياراً من خارج المواقع فحسب (المصدر الالهي للقيم والمفاهيم في مجال الحياة الاجتماعية ـ السياسية)، وإنما معيار يلتقي مع قانون موضوعي لتطور الواقع(ذهنية إنسان العالم الاسلامي وتطلعه إلى تجسيد متطلبات الشرعية في الواقع الحي). فهنا يلتقي الشرع مع الواقع ولا يتناقض معه(2).

    وهكذا فالاسلام والواقع (الحقل النظري المتمثل في الأمة) يوفّران الأرضية لصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة تملك الاستعداد على الصعيد الذهنيوالنفسي لممارسة المفاهيم الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية، ولعملية التغيير التاريخي حسب متطلبات الاسلام.

    فنقد الشهيد للفكر الغربي جعل هذا الأخير معطى نسبياً، وأوضح التناقض الذي ينتج عن كلّ محاولة لنقل البناء الثقافي والفكري الغربي إلى العالم الاسلامي.

    [align=center]من الدفاع إلى الهجوم[/align]

    لقد نقل الشهيد مواجهة الفكر الغربي من موقف الاستسلام والرفض الهزيل إلى موقف النقد، وطرح البديل الاسلامي في ميدان الفكر الاجتماعي ـ السياسي على العموم وميدان العلوم الاجتماعية على الخصوص، يقول السيد محمد حسين فضل الله:

    «السيد محمّد باقر الصدر الذي كان فكره وقلمه يمثلان النقلة المتقدمة لحركة الاتجاه الاسلامي الراشد، قد كتب في تلك الفترة كتاب فلسفتنا، الذي يعتبر بحق الكتاب الذي نقل الصراع مع الشيوعيين من أسلوب الغوغاء إلى أسلوب الفكر العلمي، مما يعطي الانطباع بأنّ الاتجاه الاسلامي الجديد لا يتحرك في مواجهته للشيوعية من المواقع السياسية الموجهة لمصلحة الغرب، بل يتحرك من موقع الايمان بأنّ الطريق الوحيدة لتحصيل القناعات العقيدية هوالحوار الفكري المبني على القواعد الجديدة»(3)

    _______________________________

    1- انظر اقتصادنا: 270 ـ 273.

    2- انظر اقتصادنا: و ـ ز ـ ط ـ ي ـ م ـ ن (من مقدمة الكتاب).

    3- السيد محمد حسين فضل الله: مقدمة رسالتنا: 15 ـ 16، ذكر في: 134 ـ 135 الحوار الفكري والسياسي ـ المركز الإسلامي للأبحاث السياسية 1985م.



    [align=center][30][/align]


    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد يتبنى تاريخ الأمة الإسلامية ويرتبط بالجذور الحضارية للشعوب الاسلامية. وهذا الربط بين الفكر الاجتماعي والتاريخ هو ربط بين هذا الفكر والعقيدة، لأنّ التاريخ يتضمن العقيدة والعقيدة تتضمن التاريخ، على اعتبار أن مسار الأمة تشكل بفضل القيم والمفاهيم التي ـ تتضمنها العقيدة.

    يقول الشهيد منتقداً المادية التاريخية:

    «... فإنّ الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسألة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلّها الصحيح. ذلك أنّ الحل يتوقّف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للإنسانية، لأنّ الدين هو الطاقة الروحية، التي تستطيع أن تعوض الانسان عن لذائده الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملا في النعيم الدائم، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأنّ هذا الوجود المحدود الذي يضحي به ليس إلاّ تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمها التجارية المادية... وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني».(1)

    [align=center]المضمون الجوهري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي[/align]


    الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي كما طرحه الشهيد هو فكر له منهج، إنّه يشكل بناءً نظرياً متكاملا، له وجهته الخاصة في الكون والمجتمع والانسان والتاريخ، فجوهر الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يقوم فى الاطار التاريخى على تصور مجتمع الخلافة، وفى الاطار الاقتصادي على الملكية المزدوجة (خاصة وعامة) وفى الاطار السياسى على الولاية التى هى دولة ـ الأمة واستمرار لدولة المدينة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله بأمر من الله تعالى.

    فهذه المفاهيم كلّها تشكل مضمون الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي باستمرار بحيث لا يمكن أن يغير عنصر من هذه العناصر دون أن يحدث تغييراً جوهريا وتحولا في كل مرتكزات هذا البناء. وهو تحول يعني، في الحقيقة، المروق عن شرع الله.

    فالبناء النظري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي ليس وليد ظروف اجتماعية واقتصادية، وليس وليد مرحلة تاريخية. بل هو مجموع الثوابت، التي ترتكز عليها عملية التنظير في المجال الاجتماعي ـ السياسي.

    [align=center]الإنسان فاعل في الإسلام ومنفعل في الماركسية[/align]

    وهذا يعني، في إطار علاقة الانسان بالواقع وبالتاريخ، أنّ الانسان هو الذي يملك مبادرة التغيير، وليست الظروف الاجتماعية أووسائل الانتاج كما هو الحال في الماركسية، التي ترى أنّ المحتوى الداخلي للانسان لا ينمو ولا يتغير إلاّ بعد إحداث تغيير في طريقة الانتاج ونوعية القوى المنتجة، يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر:

    «فهو (أي الانسان) بصورة مستقلة عنها لا يمكنه أن يفكر تفكيراً اجتماعياً، أوأن يعرف ما هو النظام الأصلح؟ وإنما القوى المنتجة هي التي تملي عليه هذه المعرفة»(2).

    _______________________________

    1- اقتصادنا: 285 ـ 286.

    2- السيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 16 ـ 17 دار الزهراء الطبعة السادسة ـ 1987م.



    [align=center][31][/align]

    ونتيجة لذلك فإنّ الالتزام بالمصلحة الاجتماعية يزداد نمواً مع زوال الملكية الخاصة، ذلك الزوال الذي يقضي على أنانية الإنسان، والجري وراء مصالحه.

    وهكذا فالماركسية ترى أن تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، لنزع ميوله الفردية وزرع ميول اجتماعية مكانها هي عملية مرتبطة بعوامل خارجية (الملكية العامة) لا بالقيم الأخلاقية. وفي المقابل نرى عكس ذلك تماماً بالنسبة للنظام الرأسمالي، الذي يربط حرية التملك بالحرية المطلقة، التي ينبغي للانسان أن يتمتع بها. فالحرية وحقّ التملك عنصران مترابطان.

    ويرى الشهيد أن الاسلام يتجاوز فكرة الحرية في مفهومها الرأسمالي، بتأكيده على مبدإ الحرية في نطاق محدود بحدود القيم، التي تحافظ على سلامة مسيرة البشرية عبر التاريخ.

    أما بالنسبة للعلاقة بين الانسان والظروف الاجتماعية، فالشهيد يرى أن الاسلام لا ينكر تدخل هذه الأخيرة في تشكيل الانسان وتشكيل الفكر الاجتماعي، لكن الإنسان يبقى أساس عملية التغيير لا وسائل الانتاج ونوع الملكية، وبالنسبة للعلاقة بين الفكر الاجتماعي السياسي والمجتمع، فان تأثير العوامل الاجتماعية هو تأثير مضبوط ـ من الناحية الشرعية والمنهجية والمعرفية ـ داخل منطقة الفراغ، التي حدّد الشرع إطارها من جهة، وحسب ثوابت الاسلام حول الكون والانسان والتاريخ من جهة أخرى.

    [align=center]منطقة الفراغ ومنهجية الاستيعاب[/align]


    يقول الشهيد محدّداً منهجية الاسلام في استيعاب حركة التاريخ: لماذا وضعت منطقة الفراع؟.

    والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه، تقوم على أساس: أنّ الاسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً، أوتنظيماً مرحلياً، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم. وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور. فكان لابد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب، أن ينعكس تطور العصور فيها، ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة.

    ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أواهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث. بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة، لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أواهمالا، وإنما حددت للمنطقة أحكامها، بمنح كلّ حادثة صفتها التشريعية الأصلية، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، حسب الظروف»(1).

    إنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الرأسمالي والاشتراكي يحمل بذور تشيئ الإنسان وتحوله إلى كائن سلبي نتيجة للإطار العام الذي تشكل فيه الفكر الغربي والمتمثل في انقطاعه عن المطلق.

    [align=center]دور الإنسان في التغيير[/align]

    إنّ الماركسية، بالنسبة للشهيد، لا تعطي دوراً حاسماً للانسان في التأريخ، لأنّها ترد حركة التاريخ كلها إلى البنية التحتية (الاقتصادية). ولكن الرأسمالية ليست، بالنسبة للصدر، بأحسن من الماركسية في مجال دور الإنسان في تحريك التاريخ، لأنّ الديمقراطية لا تحمل في طياتها علاج مشكلة الانسان. ذلك لأن فكرة

    _______________________________

    1- اقتصادنا: 638 ـ 641.


    [align=center][32][/align]

    الديمقراطية فكرة توجد في الفراغ لأنّها تفتقد الأساس الحقيقي، الذي يثبتها ويمدّها بالقوة اللازمة لتقوم بدورها في تحريك التاريخ.

    فالفاعلية اللازمة لتغيير الواقع تنبع من المحتوى الروحي الداخلي للانسان بالنسبة للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي. وهنا تتجلّى ثوابت الفكر الاسلامي، التي صاغها الشهيد يفضل الارشادات المنهجية من القرآن الكريم والسنة الشريفة: كالفطرة وسنن الله في الكون. يقول الشهيد مفسراً قوله تعالى: (... إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيّر مَا بِقَوم حَتَّى يُغَيِرُوا مَا بِأَنفُسِهِم...)(1):

    «هذه السنة التاريخية للقرآن... بيّنت بلغة القضية الشرطية، لأنّ مرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والانسانية، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية، أنّه متى وجد ذلك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم»(2).

    [align=center]المحتوى الداخلي والمثل الأعلى[/align]


    وهكذا المحتوى الداخلي للإنسان هو ـ بالنسبة للشهيد ـ القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية.

    إلا أنّ المحتوى الذهني ليس محتوى غائماً مطاطياً بدون شكل. وهنا يتساءل الشهيد: «ما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للانسانية؟. المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للانسانية هو المثل الأعلى»(3).

    فالمحتوى الداخلي للانسان كمحرك للتاريخ يحدده المثل الأعلى، يُحدّده ويحدّد مدى امكانياته وطاقاته التغييرية:

    «فإنّها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للانسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي. فالغايات بنفسها محركات للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كلّ تلك الغايات، وتعود إليه كلّ تلك الأهداف.

    فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أومنخفضاً تكون الغايات المنبثة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً».(4)

    [align=center]التطلع إلى المثل الأعلى[/align]

    _______________________________

    1- الرعد: آية 11.

    2- التفسير الموضوعي للقرآن: 105.

    3- نفس المصدر.

    4- نفس المصدر: 145.




    [align=center][33][/align]


    وهكذا ينتهي الشهيد إلى الكشف عن خصوصية مفهوم الصيرورة التاريخية في الاسلام. إنّها صيرورة نابعة من تطلع النسبي إلى المطلق. إنّ نسبية الإنسان لا ينتج عنها إلاّ تطلع نسبي ومثل أعلى نسبي. وهنا يبرز دور الدين، لا في مستوى دفع الإنسان نحو المثل الأعلى فحسب، بل كذلك في تصور المثل الأعلى. فالمثل الأعلى الذي طرحه الدين يقتضي حركةً للتاريخ تفوق كل اطروحات فلسفات التاريخ الغربية، هذه الفلسفات التي تتأسس عليها المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية تفتقر إلى الواقعية والسمو.

    فكلّ فكر اجتماعي يؤمن بالدور الفاعل للانسان يرتبط حتماً بالتطلع إلى المثل الأعلى، فلا يمكن الثورة على الأوضاع وتغيير الواقع دون التطلع إلى ما يجب أن يكون، لكن أهداف هذا التطلع تتسع إلى ما لا نهاية، وتمتد حركة الانسان، تبعاً لذلك، إلى ما لا نهاية إذا كانت (هذه الأهداف) مرسومة من طرف الدين.

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لا يمكن أن يحدث التغييرات المطلوبة بالاعتماد على مجرد التصور البشري للأهداف أوللمثل الأعلى.

    فالتصورات المادية للكون والحياة والإنسان، لا يمكنها أن تتجاوز حدود نسبيتها، كما لا يمكنها أن تدفع بالانسان خارج نسبيته. في حين أنّ الدين يفتح مجالا واسعاً للنسبي، كي يتجاوز نقصه بتطلعه إلى المطلق(1).

    وهكذا فالنسبية المنبثقة من التصور المادي للكون تحمل في داخلها بذرة فنائها، في حين أنّ النسبية المنبثقة من علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب تحمل في داخلها بذرة قوتها واستمراريتها.

    [align=center]مفهوم الخلافة[/align]


    وهكذا، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر قد حلّل مفهوم خلافة الانسان واستنبط القيم والمفاهيم، التي يتمتع بها هذا المفهوم. فالخلافة، في تحليل الشهيد، هي رؤية حضارية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الروحية مع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد طرح الشهيد الخلافة كعملية مستمرة الفاعلية في الزمان، ولذلك أصبح مفهوم الخلافة يشكل منظوراً للتاريخ، لأنه مفهوم حركي بتفاعله المستمر مع الواقع المتحرك.

    فالخلافة تتطلب رؤية اجتماعية ـ سياسية تختلف جذرياً عن الفكر الاجتماعي الغربي. فهذا الأخير سقط في النزعة الاجتماعية والنزعة التأريخية، فأصبح الإنسان في منظور العلوم الانسانية الغربية مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية، ومجرّد نتيجة حتمية لحركة التاريخ.

    فالخلافة كما حلّلها الشهيد هي إطار نظري وقيمي لفكر اجتماعي سياسي يولي الأهمية للانسان في عملية التغيير. فالخلافة لا تذيب الانسان في الأرض أوفي المجتمع، بل هو كائن في تحقق مستمر.

    انطلاقاً من هذا المفهوم للخلافة صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي خارج الاطار النظري والمنهجي للاشتراكية والرأسمالية اللتين تتناقضان تناقضاً جذرياً مع مفهوم الخلافة. فالرأسمالية تؤدي بحياة الانسان إلى التمحور حول بعد واحد هو البعد المادي، الذي لا يخرج عن الأفق الضيق للعلاقة بين الانتاج والاستهلاك. في حين أن الاشتراكية اضافة إلى بعدها المادي، تذيب الفرد في المجتمع.

    _______________________________

    1- انظر خلافة الانسان وشهادة الأنبياء ـ السيد محمد باقر الصدر ـ مؤسسة البعثة ـ طهران ـ ايران ـ (بدون تأريخ).



    [align=center][34][/align]

    وعلى العكس من ذلك فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي الذي صاغه الشهيد مبني على مبدإ التفاعل بين الفرد والمجتمع بإعطاء الأولوية للجانب الداخلي الروحي في عملية البناء والتغيير. وهذا ما يجعل الانسان جديراً بصنع التاريخ.

    وهنا تتجلى قيمة الخلافة كمفهوم وكخلفية معرفية في مجال تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. ذلك أنّ الفكر الغربي الذي يؤكد على دور الانسان في حركة التاريخ يقع في التناقض، عندما يجعل هذا الأخير مجرّد نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية. إنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي المفصول عن الإيمان بالله ليس مؤهلا ـ على الصعيد المعرفي والمنهجي ـ لصياغة فلسفة للتاريخ، يكون فيها الانسان هو أساس الحركة. في حين أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من حيث هو فكر يربط المجتمع بالغيب، ويؤكد على خلافة الانسان، مؤهل لطرح فعالية الانسان ودوره في حركة التاريخ أكثر من أي فكر آخر.

    فالخلافة كما طرحها الشهيد معناها أنّ الانسان ليس هذا الجسم فحسب وليس هذا الفكر فحسب. بل هو كائن يتمتع بقوة تؤهله للتعالي على الأوضاع، لينظر إليها من موقع الفاعلية، لا من موقع التأثير المنفعل فحسب.

    فالاسلام، بالنسبة للشهيد محمد باقر الصدر، يؤكد على ذات الانسان كقوة داخلية تعبر عن نفسها في المجتمع وفي التاريخ، وهذا التعبير ليس تعبيراً آلياً أحادي الجانب، بل هو نتيجة لعلاقة متبادلة بين الانسان والواقع، علاقة يمتلك فيها الانسان قوة المبادرة وقوة التوجيه، فارتباط الخلافة بالواقع وبالتجربة يعني بالدرجة الأولى أنها صيرورة لا واقع معطي.

    وهكذا يمكن القول: إنّ الصدر صاغ منظومة مفهوم الخلافة، منظومة تشكل دعماً قوياً لإعادة بناء الفلسفة الاسلامية، التي يفتقر إليها الفكر الاسلامي المعاصر أشدّ الافتقار، منظومة الخلافة ليست فلسفة مجرّدة بعيدة عن الواقع، لأنّ الانسان الخليفة هو كائن تجريبي يؤثر في التاريخ ويتأثر به كذلك.

    يرى الشهيد أنّ مفهوم الخلافة يدفع العقل إلى القيام بوظائفه في كشف السنن المتحكمة في الطبيعة والمجتمع فتحقيق الخلافة لا يتم إلا بتسخير هذه السنن لصالح الانسان، فالخلافة كما حللها الشهيد تتناقض مع التفسير اللاهوتي للمجتمع والتاريخ، ذلك التفسير الذي يعتمد على الغيب بمعناه المبتذل الذي يناقض الخلافة والتسخير.

    [align=center]الغيب القرآني والغيب اللاهوتي[/align]


    وهذا الموقف هو دحض لنظرية (Auguste Conte) أوجست كونت، الذي يميز بين الحالة اللاهوتية والحالة الوضعية، على اعتبار أنّ في الحالة اللاهوتية تفسر البشرية الظواهر الطبيعية والاجتماعية بقوى غيبية، فتحليل الشهيد لمفهوم سنة الله وخلافة الانسان جعله يحدّد موقف الاسلام من الناحية المنهجية والمعرفية من الفلسفة الوضعية.

    يرى الشهيد أنّ علاقة المجتمع بالغيب معناها أنّ الله هو الخالق والسبب النهائي للظواهر ومايحكمها من سنن ثابتة، فالغيب ليس هو السبب المباشر للظواهر في نظرية المعرفة الاسلامية التي استنبطها الشهيد في القرآن الكريم:

    «... إنّ السنة التاريخية ربانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، سنة الله كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أنّ كلّ قانون من قوانين التاريخ، فهو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار ربّاني... وقد يتوهم البعض أنّ هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتأريخ،


    [align=center][35][/align]

    الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكّرين المسيحيين اللاهوتيين... لكن الحقيقة أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية، وبين ما يسمى بالتفسير اللإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت، وحاصل هذا الفرق هو أنّ الاتجاه اللاهوتي يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلا عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث... بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء... بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرّر أولا ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التأريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى... وبنائه التكويني للساحة التأريخية...»(1).

    فهناك فرق بين الرؤية الاسلامية لعلاقة الغيب بالمجتمع وبالتاريخ وبين الرؤية المبتذلة للغيب، تلك الرؤية التي تفسر الظواهر الاجتماعية بالغيب بصفة مباشرة.

    [align=center]مبادئ وأهداف الطرح الإسلامي[/align]


    إنّ الإسلام ـ بالنسبة للشهيد ـ لم يكتف برسم الغايات الأخلاقية للحياة الاقتصادية والسياسية، بل رسم كذلك المبادئ العامة، وقدم المفاهيم لصياغة مذهب اجتماعي ـ سياسي.

    ومعنى هذا أنّ عمليه الاجتهاد لاستيعاب المستجدات لاينبغي أن تنطلق من مبدإ تكييف الاسلام حسب متطلبات العصر، بل تكييف العصر حسب متطلبات الاسلام وهذا ما جعل الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد ينطلق من مقولة التفاعل بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والروحية.

    إنّ التركيز على الطرح الاجتماعي للقضايا في اجتهاد الشهيد حرّر الفكر الاسلامي من الطرح التجريئي أو الفردي، الذي كان عائقاً أمام صياغة مذهب اجتماعي إسلامي. فالطرح الاجتماعي للقضايا لا يرتكز فحسب على تصور الفرد الذي يسعى إلى ممارسة متطلبات الشريعة ـ بل يرتكز ـ في الأساس على تصور لنموذج حياة اجتماعية إسلامية، أي في إطار مشروع حضاري إسلامي لا في إطار النظرة التجزيئية.

    ولذلك تمت صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد من موقع أصول الفقه لا من موقع فقه الفروع. فهذا الأخير تابع لأصول الفقه لا العكس.

    [align=center]أثر الفكر الغربي في فكر الشهيد الصدر[/align]


    لا شك أن الصراع الايديولوجي والحضاري عند الغرب أثر في فكر الشهيد وجعله يجتهد، ليجابه التحدي بسلاح الخصم. ومن هنا كان طرحه لموقف الاسلام في ميدان الاجتماع والسياسة في مستوى إشكالية الفكر الاجتماعي الاسلامي.

    هذا صحيح، إلا أنّ الاعتماد على مبدإ الاجتهاد في التنظير يؤهل الفكر الاسلامي للطرح الشمولي للقضايا، ويؤهله لتنظير المذهب الاجتماعي الاسلامي.

    _______________________________

    1- التفسير الموضوعي: 77 ـ 78.


    [align=center][36][/align]


    فتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية تنظيماً اسلامياً هو الشرط الضروري، الذي يسمح للأفراد بممارسة واجبات الشريعة الاسلامية.

    إنّ الطرح الاجتماعي للقضايا عند الشهيد لا يعني إهمال الفرد أو صياغة المذهب الاجتماعي السياسي الاسلامي في إطار النزعة الاجتماعية، التي تتميز بها العلوم الاجتماعية الغربية فالفرد كما يتجلّى في كتابات الشهيد، يتجاوز إطار الفردية المرتبطة بالمجتمع: هو خليفة الله في الأرض. ومن هنا كانت عملية التغيير تنطلق من البناء الداخلي للفرد لتشمل البناء الاجتماعي.

    وهنا تتجلّى. أصالة الفكر الاجتماعي ـ السياسي لدى الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي حرر هذا الفكر الاسلامي من النموذج المعرفي الغربي (الوضعية والنزعة الاجتماعية)، وجعل عملية التنظير تتمّ من منظور متطلبات الشريعة في الميدان المعرفي (أصول الفقه) ومن منظور فلسفي في نفس الوقت.

    ولهذا كان المذهب الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي كما صاغه الشهيد يختلف عن كل النظريات والمذاهب الاجتماعية ـ السياسية التي تفصل الانسان عن جانبه الروحي، وتذيبه في كلًّ أكبر منه هوالمجتمع. لا وجود لثنائية في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، لأنه لا تقابل بين الفرد والمجتمع، ولا انفصال بين الإنسان وخالقه.

    وعلى الرغم من أنّ للفرد روحانيته التي يتعالى بها على المؤثرات الاجتماعية، ليوثر فيها بدوره، إلا أن المجتمع شرط ضروري للوجود الفردي، فكل تحليل لقضايا الفرد ينبغي أن يتم في أفق التحليل الاجتماعي. لكن إذا كانت الحياة الاجتماعية ضرورية للحياة الفردية، فإنّها ليست شرطاً كافياً لهذه الأخيرة. فالمجتمع شرط ضروري لوجود الأفراد وليس شرطاً كافياً.

    وهنا تبرز روحانية الانسان الخليفة الذي يختلف عن الإنسان، كما طرحته العلوم الاجتماعية الغربية، وخاصة الماركسية التي جعلته مجرّد مجموع العلاقات الاجتماعية.



  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    402

    افتراضي

    احسنت اخي الله يبارك فيك ونتظر منك البقية

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]مفهوم الاُمّة الإسلامية[/align]

    ونتيجة لذلك، صاغ الشهيد علاقة الفرد بالمجتمع حسب المبدإ الاسلامي للحياة الاجتماعية، وهو مبدأ الأمة، ولهذا كانت العلاقات في المجال الاقتصادي وفي المجال السياسي (العلاقة بين الجمهور والدولة) مرتكزة على أخلاقية التضامن، التي تختلف عن الصراع الطبقي، كما تختلف كذلك عن النظام الاشتراكي، الذي يذيب الأفراد في المجتمع.

    ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يختلف اختلافاً جذرياً عن كلّ الأنظمة الاقتصادية والسياسية، التي تتصور المساواة بين الأفراد من منظور آلي يذيبهم فى المجتمع كحقيقة قائمة بذاتها (تأليه المجتمع).

    فالانسان، فى المجتمع الاسلامي من حيث هو أمّة، له غاية فى ذاته، ولا يكون المجتمع تبعاً لذلك مادة خام تشكّلها الدولة فى أية صورة شاءت.

    [align=center]مفهوم الأمة ومفهوم القومية[/align]

    لقد حلّل الشهيد مفهوم الأمة بصفة ضمنية أوصريحة كعنصر رئيسي فى الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي. فالصدر يرى أنّ القومية تختلف عن مفهوم الأمّة على اعتبار أنّ هذا الأخير نابع من العقيدة الإسلامية، ويشكل جزءاً لا يتجزأ منها.

    [align=center][37][/align]


    فالعلاقة بين مفهوم الأمة والاسلام هى علاقة دينية أي علاقة تعتبر الاسلام وحياً من عند الله لا ديناً بالمعنى السوسيولوجي، وهو المعنى الذى ينتهى إلى أنواع مختلفة من الاسلام، إسلام عربي وإسلام تركي وإسلام بربري وإسلام ايراني... الخ. أي إسلامات سوسيولوجية. وهي إسلامات تنتج بالضرورة عن مفهوم القومية المفتت لوحدة الأمة الاسلامية.

    ويتجلّى التقابل بين مفهوم الأمة ومفهوم القومية بصفة واضحة في الميدان السياسي، حيث يرفض الفكر القومي مبدأ الاسلام (دين ودولة) ويتمسك بالفصل بينهما.

    فالاختلاف بين مفهوم القومية ومفهوم الأمّة هو اختلاف التناقض لأنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي المرتكز على مفهوم القومية يريد أن يغير المجتمع ويطوره انطلاقاً من التراث، الذي يمتد إلى ما قبل الرسالة الاسلامية، فى حين أنّ مرجعية مفهوم الأمة، التي تتضمن تطبيق الشريعة في جوانبها العبادية والاقتصادية والسياسية هي مرجعية لا تتصور الرجوع إلى الأصل ومفهوم التراث إلاّ ابتداءً من عصر الرسالة.

    فهذه المرجعية تميز بين الإسلام وبين الجاهلية، مع العلم أنّ هذا المفهوم الأخير (الجاهلية) ليس مفهوما عقائدياً فحسب،بل الجاهلية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية مبنية على النظرة المادية، وعلى الصراع بين المستضعفين والمستكبرين.

    إنّ الفكر الذي يعتمد على القومية كإطار لحياة اجتماعية ـ سياسية للشعوب الاسلامية هو فكر ينظر إلى الاسلام نظرة ظرفية مجزأةً وناقصة، في حين أنّ فكرة الأمة هي نتيجة لنظرة كلية وشاملة للإسلام وللحضارة الاسلامية. هي نظرة تعبر عن شمولية الاسلام وصلاحيته لكلّ زمان ومكان، تلك الشمولية، التي جعلت الثقافة الاسلامية تستوعب الثقافات الهندية والفارسية واليونانية.

    إنّ مفهوم الأمة كما طرحها الشهيد ليس مجرد رد فعل عاطفي تجاه مأساوية ظروف الشعوب الاسلامية منذ القرن التاسع عشر، بلى، هذا المفهوم جزء من العقيدة وجزء من المذهب الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي.

    فالشهيد عالج مشروع إعادة تأسيس الدولة الاسلامية، ومشروع تحقيق الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الاسلامية في اطار فكرة الأمة كخلفية حضارية لكل جوانب الحياة الاجتماعية الاسلامية. يقول الشهيد:

    «... فلا بدّ للامة اذن بحكم ظروفها النفسية التي خلقها عصر الاستعمار وانكماشها تجاه ما يتصل به أن تقيم نهضتها الحديثة على أساس نظام اجتماعي ومعالم حضارية لا تمت إلى بلاد المستعمرين بنسب.

    [align=center]القومية وعاء فارغ[/align]

    وهذه الحقيقة الواضحة هي التي جعلت عدداً من التكتلات السياسية في العالم الاسلامي تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة وأساساً للتنظيم الاجتماعي، حرصاً منهم على تقديم شعارات منفصلة عن الكيان الفكري للاستعمار انفصالا كاملا. غير أنّ القومية ليست إلاّ رابطة تاريخية ولغوية وليست فلسفة ذات مبادئ ولا عقيدة ذات أسس حيادية تجاه مختلف الفلسفات والمذاهب الاجتماعية والعقائدية والدينية. وهي لذلك بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاة الكون والحياة، وفلسفة خاصة تصوغ على أساسها معالم حضارتها ونهضتها وتنظيمها الاجتماعي.

    ويبدو أنّ كثيراً من الحركات القومية أحسّت بذلك أيضاً، وأدركت أنّ القومية كمادة خام بحاجة إلى الأخذ بفلسفة اجتماعية ونظام اجتماعي معين، وحاولت أن توفق بين ذلك وبين أصالة الشعار، الذي ترفعه

    [align=center][38][/align]


    وانفصاله عن الانسان الأوروبي فنادت بالاشتراكية العربية...

    وهي تغطية فاشلة لا تنجح في استغفال حساسية الأمة، لأنّ هذا الإطار القلق ليس إلا مجرد تأطير ظاهري وشكلي للمضمون الأجنبي، الذي تمثله الاشتراكية... وإلى جانب الشعور المعقد للأمة في العالم الاسلامي تجاه الاستعمار، وكلّ المناهج المرتبطة ببلاد المستعمرين يوجد هناك تناقض آخر... وهو التناقض بين هذه المناهج والعقيدة الدينية التي يعيشها المسلمون...

    وخلافاً لذلك لا يواجه النظام الاسلامي هذا التعقيد... بل إنه إذا وضع موضع التطبيق سوف يجد في العقيدة سنداً كبيراً له وعاملا مساعداً على إنجاح التنمية الموضوعة في إطاره...

    فهناك في الواقع أخلاقية إسلامية تعيش بدرجة وأخرى داخل العالم الاسلامي... وهنا تبرز أهمية الاقتصاد الاسلامي بوصفه المنهج الاقتصادي القادر على الاستفادة من أخلاقية إنسان العالم الاسلامي... وتحويلها إلى طاقة دفع وبناء...»(1).

    ثم يشير الشهيد إلى شمولية المنهج الاسلامي في طرحه للمشروع الحضاري:

    «وإضافة إلى كلّ ما تقدم نلاحظ أنّ الأخذ بالاسلام أساساً للتنظيم العام، يتيح لنا أن نقيم حياتنا كلّها بجانبيها الروحي والاجتماعي على أساس واحد، كأنّ الإسلام يمتد إلى كلا الجانبين، بينما تقتصر كثير من المناهج الاجتماعية الاخرى غير الاسلام على جانب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من حياة الانسان ومثله...»(2).

    وهكذا فالقومية ترتكز على نظرة علمانية لعلاقة الدين بالدولة، في حين لا تتصور الفلسفة السياسية الاسلامية هوية المجتمعات الاسلامية خارج الواجب الشرعي لتضامن المسلمين واخوتهم.

    إنّ التضامن بين المسلمين يعبر عن نفسه في الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فالأمة بنية اجتماعية ـ سياسية وثقافية مؤسسة على قيم دينية وأحكام شرعية، فالأمة الاسلامية من هذا المنظور هي المجتمع، الذي يتأسس على مبدإ الاسلام دين ودولة، وهو المبدأ الذي يشكل أساساً للفلسفة الاجتماعية والسياسية الاسلامية، فهذا المبدأ هو الذي يميز الأمة عن القومية، فكرة القومية طرحها المحدثون في العالم الاسلامي ضمن مفاهيم سوسيولوجية (اللغة، العرق، التراب والثقافة)في حين أنّ الأمة طرحها الشهيد محمد باقر الصدر ضمن مفاهيم دينية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية.

    فالشهيد حلل مفهوم الأمة من خلال العلاقة بين الدين والمجتمع، فهو قد طرحها كتنظيم اجتماعي ـ سياسي مثالي انطلاقاً من معطيات واقعية وشرعية: ذهنية إنسان العالم الاسلامي، حضور العصر الذهبي (دولة المدينة المنورة) في عواطف وأفكار الشعوب الاسلامية، وتطلعها لتحقيق الوحدة الاسلامية(3).

    وهكذا يتجلى الاختلاف بين مفهوم الامة كما حلّله الشهيد، وبين المدينة الفاضلة في الفلسفة الاسلامية وهي المدينة التي لم تتحقق في التاريخ، فالرجوع إلى دولة المدينة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله

    _______________________________

    1- اقتصادنا: (مقدمة: ز ـ ح ـ ط ـ ي ـ ص).

    2- نفس المصدر: المقدمة: ع.

    3- انظر مقدمة اقتصادنا والإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية.


    [align=center][39][/align]

    ينتهي إلى مثالية لها خصوصيتها، فهي ليست إسقاطاً لتطلعات نحو مستقبل مبهم وغير محدّد، بل هي تطلع نحو تحقيق قيم تحققت في تاريخ الأمة بالفعل، وهي قابلة للتحقيق من جديد.

    هذه المثالية النوعية يؤكد عليها الشهيد كثيراً، وهي موجودة بصفة ضمنية أو صريحة في فكره الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة في نظر الشهيد تستمد ثوريتها من هذه المثالية، التي تدعم قوتها التعبوية، فالشهيد طرح مفهوم الأمة من أفق النظرة المستقبلية المتجذرة في الواقع (إنسان العالم الاسلامي)وفي التاريخ (دولة المدينة المنورة).

    ولهذا، وعلى العكس من القومية، التي ركزت على الجانب السياسي، فإنّ مفهوم الأمة كما طرحه الشهيد يتضمن بالضرورة مشروعاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً، أي يقتضي مشروعاً حضارياً.

    فالقومية لا تقدم مشروعاً حضارياً، ولذلك عمدت الدول القومية في العالم الإسلامي إلى الضغط على الشعوب، لتستمر في الحكم رغم التناقض الموجود بين نماذج التنمية ذات الأساس العلماني وبين ذهنية هذه الشعوب والقيم الاسلامية التي تتمسك بها.

    [align=center]فكر واقعي[/align]


    فالشهيد السيد محمد باقر الصدر هنا لا يرجع إلى الاسلام من موقع مجرّد بل يرجع إليه من خلال الواقع الذي تعيشه الأمة، ذلك الواقع الذي يشكل ذهنية انسان العالم الاسلامي وعواطفه في قوالب إسلامية بصورة أوبأخرى. ومن هنا فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي طرحه الشهيد ليس فكراً مجرّداً، بل هو فكر مرتبط بالواقع وبالنص. والواقع هنا هو الواقع الاجتماعي والثقافي للشعوب الإسلامية.

    وهكذا فالأمة ليست قيمة دينية أو واجباً شرعياً فحسب، أومجرد حالة عاطفية، بل هي هوية سياسية وثقافية كذلك. فمفهوم الأمة متجذر في أعماق الوعي لدى إنسان العالم الاسلامي. فالانتماء إلى الماضي يمثل عند المسلمين واجباً شرعياً يتطلب بالضرورة نموذجاً حضارياً يتماشى مع ذهنية انسان العالم الاسلامي وتطلعاته، التي لا ينفصل فيها الجانب الروحي عن الجانب الاقتصادي والسياسي. فالفعالية الاقتصادية والتكنولوجية مطلب من مطالب الاسلام، إنها تحقق خلافة الانسان في الأرض.

    [align=center]مشاريع التنمية[/align]


    غير أنّ تجارب التنمية في العالم الاسلامي قد اخفقت،كمايرى الشهيد، بسبب عدم انطلاقها من مفهوم الأمة الاسلامية كإطار حضاري وقيمي للتحرر من التخلف.(1) فتصور المستقبل الملازم لكل محاولة تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي يقتضي الرجوع إلى تحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع عملية استفزازية تفرض على الجماهير من أعلى وتستأصلها من جذورها.

    ففي هذا السياق، يرى الشهيد أنّ نماذج التنمية كما طبقت في العالم الاسلامي سواء بثوبها الليبرالي أوالاشتراكي، هي خيانة للرسالة الحضارية للأمة الاسلامية، فالثورات ضدّ الاستعمار في العالم الاسلامي قامت باسم الاسلام، لتأسيس مجتمع حسب متطلّبات الشريعة، وليس من أجل انتصار الاشتراكية أوالليبرالية.

    ونتيجة لذلك يرى الشهيد أنّ هناك علاقة بنيوية وجوهرية بين الأمة والنموذج الحضاري: شمولية الأمة

    _______________________________

    1- انظر المصدرين السابقين.



    [align=center][40][/align]


    معناها شمولية النموذج الحضاري الاسلامي، هذه الفكرة تعتبر واجباً شرعياً، وإلغاؤها هو إلغاء للأمة وإلغاء للاسلام.

    وهنا يلجأ الشهيد إلى النصّ وإلى الواقع ليبرّر شرعاً وعقلا حتمية لجوء الشعوب الاسلامية إلى مبدإ الأمة، وإلى النموذج الحضاري الاسلامي، لتحديد العلاقة بين الفرد والمجتمع، ولتحديد الرؤية السياسية ونموذج التنمية.

    فالعلمانية جعلت الشعوب الاسلامية تفقد الأمل في قدرة القومية والفكر العلماني على توفير وسيلة نهضة الأمة.وعلى الرغم من اهتزاز القيم الدينية لدى الجماهير المسلمة وميوعة ذهنية إنسان العالم الاسلامي، إلاّ أن الشعوب الاسلامية ما زالت فى نظر الشهيد، مرتبطة بالاسلام كدين وكهوية. فالخيار الاسلامي أقرب إلى الواقع ومعبر عن هوية الشعوب الاسلامية.

    النموذج الحضاري الاسلامي مؤهل للاستمرارية والريادة، لأنه يتمتع ـ زيادة على بعده الروحي الثابت ـ بالمرونة، التي تسمح له باستيعاب الصيرورة التاريخية. هذا الاستيعاب ليس أحادي الجانب. لاشك أن النموذج الاسلامي يوجه الصيرورة بفضل مبادئه وقيمه ذات المصدر الإلهي، ولكنه من جهة أخرى، يثري نفسه بمعطيات التجربة التأريخية(1) فالاجتهاد يجعل المجال مفتوحاً أمام النموذج، ليؤثر ويتأثر بمعطيات التاريخ، وثقافات الشعوب، وعطاء اتها من حيث هي تجارب بشرية.

    إنّ النموذج الحضاري الاسلامي مرتبط بمفهوم الأمة وملازم له. ذلك أن مفهوم الأمة في المنظور الاسلامي، الذي صاغه الشهيد، هو مجتمع مفتوح أمام التاريخ والشعوب: فالأمة في تحقق مستمر.

    _______________________________

    1- انظر التفسير الموضوعي.



  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]الفكر السياسي[/align]

    بيّن الشهيد خصوصية التصور السياسي الاسلامي، واختلافه عن الثيو قراطية والديمقراطية. فالضبط العقائدي للأمة هو الذي يحميها في مواجهتها للتيه السياسي والحضاري في نظر الشهيد.

    ولهذا فتأسيس الدولة الاسلامية من حيث هي دولة الأمة، أي دولة الحضارة الاسلامية يدخل في صلب العقيدة الاسلامية. فمشكلة الدولة الاسلامية كثابت من ثوابت الاسلام ليست مطروحة ولا واردة إلا في الفكر (الاسلامي) الذي تاه في متاهات الفكر الغربي.

    [align=center]فلسفة الإمامة[/align]

    وقد عالج الشهيد الامامة والولاية على أساس الأدلة الاجتماعية، وحلل الأبعاد الفلسفية لهذه الأدلة من موقع إدخال القضية الاجتماعية والسياسية في صميم ايمان المؤمن. فهو لم يعالج مسألة الامامة من خلال النص فحسب بل عالجها كذلك من خلال الموقف النقدي من التاريخ ومن خلال تحليل علمي للظروف الاجتماعية والمستوى الفكري والذهني للمسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله. فالإمامة حكم شرعي فهي تمثّل حالة من الوعي الاسلامي باعتبار ارتباطها بالنبوّة وهي في نفس الوقت، ضرورة يحتمها الواقع.

    وهكذا فالامامة واجب شرعي وظاهرة تاريخية، تتطلب وجودها المرحلة اللاّحقة لعصر الرسول


    [align=center][41][/align]

    صلى الله عليه وآله. فبهذا المعنى هي امتداد للنبوة.

    فالشهيد السيد محمد باقر الصدر عالج قضية الامامة من خلال فقه الشرع، وفقه الواقع. فمرحلة الإمامة كامتداد للنبوّة لا يمكن تصور وجودها خارج المشروع الحضاري الاسلامي، أي خارج مبدإالاسلام دين ودولة. ومبدأ الاسلام صالح لكلّ زمان ومكان(1).

    [align=center]اجتهاد مفلسف[/align]

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو اجتهاد مفلسف. فالشهيد يتناول الجانب الاجتماعي والسياسي كقضايا دينية تمسّ مصير انسان العالم الاسلامي الدنيوي والاخروي. انطلاقا من هذا الأساس طرح الشهيد الفكر السياسي طرحاً فلسفياً.

    وهنا يتجلّى مقدار الثراء الذي فتحته كتابات الشهيد في المجال السياسي والآفاق التي فتحتها. فهذه الكتابات رفعت الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي الى مستوى مجابهة تحدي الفكر الغربي. لقد قاد فراغ المحتوى الفلسفي لكثير من جوانب الفكر الاجتماعي ـ الاسلامي المعاصر إلى مواقف ضعيفة، لا تتمتع بالعمق الضروري، لخوض معركة الصراع الايديو لوجي التي تميز هذا العصر. وهنا يتجلى بوضوح اثراء الشهيد للفكر الاسلامي المعاصر حيث اعطاه بعده الفلسفي، الذي يمثل الشرط الضروري لاستيعاب مستجدات العصر، واتخاد المواقف النقدية تجاه الفكر الإسلامي الغربي.

    [align=center]التوحيد هو الاساس والغاية في النظام[/align]

    التوحيد هو أساس وغاية النظام الاجتماعي الاسلامي، ومن هنا نزوع هذا النظام إلى تحرير الانسان من استلاب الأنظمة الاسلامية والسياسية، التي يكون فيها الانسان مقطوع العلاقة بالله، ومجرّد وسيلة ضمن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. يقول الشهيد: «إنّ الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً. وهذه الحقيقة الكبرى تعتبر أعظم ثورة شنّها الأنبياء، ومارسوها في معركتهم من أجل تحرير الانسان من عبودية الانسان.

    وتعني هذه الحقيقة أنّ الانسان حرّ، ولا سيادة لانسان آخر أولطبقة أولأي مجموعة بشرية عليه، وإنما السيادة لله وحده وبهذا يوضع حدّ نهائي لكلّ ألوان التحكم وأشكال الاستغلال، وسيطرة الانسان على الانسان.

    وهذه السيادة لله تعالى التي دعا إليها الأنبياء تحت شعار (لا الله إلاّ الله) تختلف اختلافاً أساسياً عن الحق الإلهي الذي استغله الطغاة والملوك والجبابرة قروناً من الزمن، للتحكيم والسيطرة على الآخرين، فانّ هؤلاء وضعوا السيادة اسمياً لله، لكي يحتكروها واقعياً، وينصبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض»(2).

    فالنظام الاجتماعي ـ السياسي في الاسلام مؤسس على مبدإ خلافة الانسان، التي ترجع الانسان إلى مكانته الكونية.

    _______________________________

    1- انظر بحث حول الولاية (الشهيد) مكتبة أهل البيت (ع) باريس 1983م ـ المرسل،الرسول، الرسالة (الشهيد) مكتبة أهل البيت (ع) باريس 1983م.

    2- السيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية: 17دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت ـ 1979م.



    [align=center][42][/align]


    ومن هنا يتجه النظام الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي إلى إنشاء حضارة تلغي الاستقطاب الأحادي وتنفي أسس الاستكبار وعوامله، وما يتبعه من الاستعلاء على الحضارات الأخرى.

    [align=center]الدولة الإسلامية[/align]

    على صعيد علاقة القيم والمفاهيم الاسلامية بالواقع، يؤكد الشهيد على أنّ الدولة الاسلامية هي وحدها المؤهلة لتنظيم الشعوب الاسلامية لأنها هي الدولة الوحيدة التي يتوافق محتواها القيمي والمفهومي مع ضمير الأمة وذهنية انسان العالم الإسلامي(1).

    فالدولة عندما تكون متناقضة مع العقيدة، تتناقض كذلك مع سلوك المسلم وبنائه النفسي، ويؤدي ذلك إلى استحالة تحقيق النهضة وإنجاح مشاريع التنمية. فالتجارب التشريعية التي اعتمدتها الدول القومية في العالم الاسلامي خير شاهد على ذلك في نظر الشهيد. فقد أدّت هذه المشاريع إلى استلاب الشعوب الاسلامية والازدياد في تخلفها وتبعيتها للغرب.

    السياسة ليست إلا جزءاً من كلّ. فالدولة ليست المطلق الذي يذوب فيه النسبي كما يقول (Hegel) (هيجل)، بل هي عنصر من المشروع الحضاري الاسلامي الملازم لمفهوم الأمة، الذي له علاقة بمفهومين آخرين: خلافة الانسان وشهادة الأنبياء(2).

    ومن هنا فالدولة، بالنسبة للشهيد، رسالة ذات جانبين مترابطين ومتداخلين: الجانب العقائدي والجانب السياسي، فالدولة الاسلامية بحكم أسسها العقائدية لها أهداف وغايات عقائدية وحضارية: تحرير المستضعفين وتحقّق مستمر للقيم الملازمة لخلافة الانسان:

    «ومن ناحية وظيفة الدولة ترفض إسلامياً المذهب الفردي، أومذهب عدم التدخل المطلق (أصالة الفرد) والمذهب الاشتراكي أو أصالة المجتمع، وتؤمن بأن وظيفتها تطبيق شريعة السماء، التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع لا بوصفه وجوداً هيغلياً مقابلا للفرد، بل بقدر ما يعبر عن أفراد، وما يضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية»(3).

    [align=center]الحرية في الإسلام والديمقراطية[/align]


    إنّ الديمقراطية من حيث هي حرية لا تلتزم باطار قيمي معين، يمكن أن تحتضن أي فكر مهما كان اتجاهه. فالمعيار الوحيد هو اختيار الشعب له. ان فكرة تدخل الشعب في الحياة السياسية فكرة يستوعبها الاسلام كواجب شرعي بالنسبة للشهيد. إلا أن هذا لا يعني بأن النظام السياسي الاسلامي نظام ديمقراطي بالمعنى الغربي لهذه الكلمة. فالاسلام يؤمن بالحرية ويعتبرها قيمة سياسية تجسد خلافة الانسان لله في الأرض. فالحرية من هذا المنظور مرتبطة بالمصلحة التي حددتها الشريعة. يقول الشهيد:

    «وأما الاسلام فموقفه من الحرية يختلف بصورة أساسية عن موقف الحضارة الغربية، فهو يعني بالحرية

    _______________________________

    1- انظر منابع القوة في الدولة الإسلامية للسيد محمد باقر الصدر.

    2- انظر خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

    3- السيد الشهيد محمد باقر الصدر: لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 25 دار التعارف للمطبوعات الطبعة الثانية ـ بيروت ـ 1979م.



    [align=center][43][/align]

    بمدلولها السلبي، أوبالأحرى معطاها الثوري الذي يحرّر الانسان من سيطرة الآخرين، ويكسر القيود والأغلال التي تكبل يديه. ويعتبر تحقيق هذا المدلول السلبي للحرية هدفاً من الأهداف الكبرى للرسالة السماوية بالذات: (وَيَضَعُ عَنهُم إِصرَهُم وَالأَغلاَلَ الَّتِي كَانَت عَلَيهِم)(1). بل إنه يقف على صعيد العبودية المخلصة لله، مع المجموعة الكونية كلها على قدم المساواة.

    فالقاعدة الأساسية للحرية في الاسلام هي: التوحيد والإيمان بالعبودية المخلصة لله الذي تتحطم بين يديه كل القوى الوثنية، التى هدرت كرامة الانسان على مرّ التأريخ».(2)


    [align=center]الولاية والحكم المطلق[/align]


    وقد طرح الشهيد مسألة الولاية والمرجعية طرحاً بعيداً عن صورة الحكم المطلق الذي يوحي بالاستبداد. فمن خلال تحديده لمفهوم الحرية في الإسلام، وتحديده لخلافة الأمة، وصل الشهيد إلى طرح مفهوم ولاية الفقيه طرحاً يستوعب عطاءات العصر في تنظيم الحكم. فالأسس الفقهية والمجال الاجتهادي الذي صاغ فيه مفهوم الدولة الاسلامية ومفهوم الولاية، كلّ هذه العوامل جعلت الولاية والاستبداد مفهومين متناقضين إلى درجة أنّ مفهوم الولاية، لا يمكن تصوره بدون مقولة الجماهير. فالحقل النظري في الميدان السياسي، يجعل الولاية مطلباً جماهيرياً إلى جانب كونها مقولة شرعية. وهكذا تشكل الولاية، والدولة الاسلامية تركيبا متناسقاً ومتيناً بين متطلبات الشرع ومتطلبات الواقع. يقول السيد محمد حسين فضل الله في هذا السياق:

    «محاولته (أي الشهيد السيد محمد باقر الصدر) التخطيط للمرجعية وإخراجها من واقعها الحالي، الذي يجعلها مرجعية شخص يملك المؤهلات العلمية، التي توصله إلى مركز القيادة، فتنطبع بطابعه في نطاق العلاقات والاتصالات والأوضاع. ثم تعتبر كلّ وسائله ومشاريعه تركة شخصية لأهله من دون أن تبقى للمرجع الآخر. الأمر الذي يعقد كثيراً من الأعمال الإسلامية، ويضيع كثيراً من الجهود، ويخلق حالة من الارتباك في العلاقات العامة، التي قد تكون مرتبطة بالمرجع القديم في نطاق استمرارها مع المرجع الجديد: فقد كان الشهيد السعيد قدّس سرّه يفكّر في أن تكون المرجعية مؤسسة على علاقاتها ومشاريعها وأعمالها في الإطار العام، بحيث تكون الخصوصية في شخصية المرجع وطريقته في القيادة والعمل، بينما يتحرك في خط المؤسسات التي يتحرك فيها في الخط العام وبذلك يجد المرجع الجديد كلّ شيء جاهزا أمامه، فلا يبدأ من نقطة الصفر، بل حيث انتهى أسلافه الآخرون»(3).


    [align=center]حساسية المصطلحات[/align]


    إنّ مصطلحات مثل الديمقراطية، البرلمان، الانتخاب... الخ قد لا تتعارض مع الاسلام،ولكنها مع ذلك ليس بوسعها أن تؤدي مضمون رؤية الإسلام الاجتماعية السياسية.

    _______________________________

    1- سورة الأعراف: 157.

    2- السيد الشهيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 108 ـ 109 دار الكتاب الايراني ـ طهران 1981م.

    3- السيد محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الإسلام: 188 ـ 189 مؤسسة الوفاء ـ بيروت 1985م.



    [align=center][44][/align]

    وقد اهتم الشهيد بمسألة المصطلح، وبين خطورته على خصوصية الفكر الاسلامي، فالشهيد انتقد، في هذا السياق، النزعة التوفيقية التي ولع بها الفكر المحدث في العالم الاسلامي حيث صار يصف النظام الاقتصادي الاسلامي بأنه اشتراكي، على اعتبار أنه يؤكد على الملكية الجماعية، كما وصفه آخرون بأنه رأسمالي، لأنّه يأخذ بالملكية الخاصة.(1)

    فالشهيد يرى أنّ للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي نسقه الخاص، ومصطلحاته المرتبطة أصلا بالشريعة الاسلامية ونظرتها إلى الكون والانسان.


    [align=center]مفهوم السيادة الشعبية[/align]

    إنّ مفهوم السيادة الشعبية مفهوم رئيسي في الفكر السياسي الإسلامي الذي طرحه الشهيد. وقد حدّد هذا المفهوم في إطار الشريعة الاسلامية، لكي لا يصبح قابلا لكلّ تأويل. وهذا التحديد مرتبط، في الحقيقة، بمقولة الاسلام دين ودولة ارتباطاً مباشراً ووثيقاً. تلك المقولة تنفي كلّ التباس عن النظرة السياسية للاسلام.

    فسيادة الشعب أوعلاقة المجتمع بالدولة ينبغي، في نظر الشهيد، أن تدمج في نسق المنظور السياسي الإسلامي، الذي يتأسس على العناصر الآتية:

    1 ـ الحاكمية لله فهو مصدر السيادة.

    2 ـ سيادة الشعب ينبغي أن تمارس في اطار الشريعة وحسب متطلباتها.

    3 ـ إشراف العلماء على ممارسة الشعب لسيادته.

    وعلى الرغم من أنّ الشهيد يؤكد ـ انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة ـ على ممارسة الشعب للسلطة، إلا أنه ينتقد المرتكزات المعرفية والقيمية للديمقراطية في مفهومها الغربي. فهو يرى أنها عاجزة عن حلّ مشاكل الانسان وذلك:

    1 ـ أنها لا ترتكز على نظرة شاملة للحياة. فهذه النظرة ضرورية، لأنّ بفضلها يقتنع المجتمع بمتطلبات الطرح السياسي ويستبطنها كقيم ملزمة.

    2 ـ النزعة المادية والفردانية للديمقراطية الرأسمالية، تجعل هذا النظام نظاماً محدوداً بواقعية مختزلة لانسانية الإنسان، بسبب افتقادها للقيم الأخلاقية، التي تحافظ على المجتمع ومساره عبر التاريخ.

    فمحدودية النظام الديمقراطي الرأسمالي نتيجة حتمية للنظرة الوضعية، التي يتميز بهاالفكر الغربي عامة. وعلى العكس من ذلك النظرة الاسلامية، التي تربط الانسان بالله سبحانه وتعالى والسياسة بالجانب الروحي والغيبي، فتفتح آفاقاً لا نهاية لها لحركة الانسان والمجتمع نحو المطلق.


    [align=center]القاسم المشترك بين الديمقراطية والماركسية[/align]


    غير أنّ نقد الشهيد للديمقراطية الرأسمالية، لا يعني أنّه يرى أنّ هناك اختلافاً بين هذه الأخيرة وبين الماركسية. بل هو يرى أنّ هذين النظامين ينبعان من مرتكزات نظرية واحدة: الفصل بين حياة الانسان والغيب. وهذا ما أدى بالفكر الغربي إلى تشيئ الإنسان وغلق حياته ضمن واقع محدود.

    وهكذا يتجلّى الجانب المعرفي والقيمي لعلاقة الانسان بالغيب. فالنظام السياسي المبتور عن الغيب

    _______________________________

    1- اقتصادنا: 297 ـ الطبعة 71 ـ بيروت 1986م.


    [align=center][45][/align]

    يؤدي إلى نظرية في المعرفة محدودة الامكانيات المفهومية، ولا يمكن أن ترسم أهدافاً لحركة المجتمع إلاّ ضمن محدوديتها.

    ومعنى هذا أنه لا يمكن اعتبار الماركسية كحلّ بديل للديمقراطية الرأسمالية، ولا هذه الأخيرة كحلّ بديل للماركسية. فالطرح الصحيح لمشكلة الانسان يكمن، في نظر الشهيد، خارج اطار الفكر الغربي بكلّ مكوناته واتجاهاته.


    [align=center]موقف سوسيولوجي وابستمولوجي معاً[/align]

    فالشهيد قد حلل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي تحليلا سوسيولوجيا وإبستمولوجيا، تمهيداً لصياغة وطرح الرؤية الاسلامية في ميدان الاجتماع والسياسة.

    كما وقف في تنظيره للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي خارج الأرضية الفكرية والقيمية الغربية. إنّ رفض الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي جاء نتيجة لتحليل علمي داخل إشكالية العلاقة بين الاسلام والعقل والواقع، وهي اشكالية تحتم التحليل السّوسيولوجي والإبستمولوجي للفكر الغربي، ذلك التحليل الذي يتم بواسطته إسقاط التداخل بين المفاهيم الاجتماعية الاسلامية والمفاهيم الاجتماعية الغربية.

    هذا النوع من التحليل متجذر في الإسلام، ومتجذر على المستوى النظري. فإذا كانت بعض جوانب الفكر الاسلامي المعاصر تتميّز بالشعارات والمقولات العامة، التي حجزت هذا الفكر في العموميات، وذلك نتيجة للجوء لا منهجي إلى الإسلام، فإنّ الشهيد ربط عملية التنظير الاجتماعي ـ السياسي بمرتكزات منهجية، سمحت له أن يفتح طريقاً شرعياً وفلسفياً نحو الدين، ليكون مصدر ثراء يمدّ عملية التنظير بمفاهيم وقيم لا حصر لها، لأنّ الرصيد المفهومي والقيمي للاسلام هو رصيد لا نهاية له.

    «... فإنّ هذه الحياة المحدودة ان كانت بداية الشوط لحياة خالدة تنبثق عنها،وتتلون بطابعها،وتتوقف موازينها على مدى اعتدال الحياة الأولى ونزاهتها... فمن الطبيعي أن تنظم الحياة الحاضرة بما هي بداية الشوط لحياة لا فناء لها، وتقام على أسس القيم المعنوية والمادية معاً.

    واذن فمسألة الايمان بالله... ليست مسألة فكرية خالصة لا علاقة لها بالحياة، لتفصل عن مجالات الحياة، ويشرع لها طرائقها ودساتيرها، مع اغفال تلك المسألة وفصلها، بل هي مسألة تتصل بالعقل والقلب والحياة جميعاً.

    والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها: أن الفكرة فيها تقوم على أساس الايمان بعدم وجود شخصية أومجموعة من الأفراد، بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها، إلى الدرجة التي تبيح ايكال المسألة الاجتماعية إليها، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها. وهذا الأساس بنفسه لا موضع ولا معنى له، إلاّ إذا أقيم على فلسفة مادية خالصة، لا تعترف بإمكان انبثاق النظام إلاّ عن عقل بشري محدود».(1)


    [align=center]الدولة الاسلامية[/align]

    وهكذا، فبالنسبة للشهيد، الدولة الاسلامية ليست مجرّد جهاز حاكم، بل هي ظاهرة روحية في الأساس، وحضارية في النتيجة، لتساعد الانسان على تحقيق خلافته. فدور الدولة الاسلامية هو أن تدفع

    _______________________________

    1- الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 48 ـ 49.


    [align=center][46][/align]

    بالبشرية في صيرورة لا نهاية لها عن طريق وضع الله تعالى كهدف للمسيرة الانسانية.

    والدولة الاسلامية وحدها قادرة على تفعيل الهدف بفضل مرجعيتها الربانية من جهة، وارتباطها بتطلعات الشعوب الاسلامية وقيمها من جهة أخرى.

    فالإسلام يمنح الحرية في الميدان السياسي وفقاً لأخلاقيته،وعلى العموم فكلّ المفاهيم السياسية الغربية ينبغي ـ في نظر الشهيد ـ إعادة النظر فيها ونقدها نقداً جذرياً من خلال علاقة السياسة بالجانب الروحي، أي من خلال متطلبات الشريعة. فبهذا الشرط تدمج هذه المفاهيم في نسق الرؤية الاسلامية أوترفض.

    فمفهوم سيادة الشعب يأخذ معنى إسلامياً عندما يدمج في اطار النظام الاسلامي، ويأخذ معان مختلفة عندما يدمج في سائر الأنظمة الوضعية الأخرى. فسيادة الشعب كما طرحها الشهيد مرتبطة، فحاكمية الله «مصدر السلطات جميعاً».(1)

    فالله سبحانه وتعالى يمارس حاكميته على الناس عن طريق «المدلول الموضوعي»(2) أي عن طريق الشريعة الاسلامية.


    [align=center]حرية الإنسان في حاكمية الله[/align]

    وتتجلّى في هذا السياق مسؤولية الانسان وحريته بالنسبة للشهيد، لأن حاكمية الله تعني «أنّ الانسان حرّ ولا سيادة لانسان آخر أولطبقة أولأي مجموعة بشرية عليه. وإنما السيادة لله وحده، وبهذايوضع حد نهائي لكلّ ألوان التحكم وأشكال الاستغلال وسيطرة الانسان على الانسان».(3)

    فالحاكمية معناها اذن العبودية لله وحده والتحرر من كلّ الطواغيت. وقد ربط الشهيد بين الحاكمية وخلافة الانسان لله في الأرض. وجعل هذا المفهوم الأخير أساسا للحكم يفتح المجال واسعاً للجماعة ـ من الناحية الشرعية ـ أن تمارس حكم نفسها بنفسها. ففي إطار حاكمية الله التي تنتج عنها خلافة الانسان وممارسة الجماعة لحكم نفسها يرى الشهيد:

    «أنّ السلطة التشريعة والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمّة. فالأمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور، وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى.

    وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة الى قمة شعورها بالمسؤولية، لأنها تدرك بأنها تتصرف بوصفها خليفة لله في الأرض. فحتى الأمة ليست هي صاحبة السلطان، وإنما هي المسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى عن حمل الأمانة وأدائها (إِنَّا عَرضنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَات وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا وَحَمَلَهَا الإِنَسانُ).(4)

    _______________________________

    1- لمحة تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية: 17.

    2- نفس المصدر: 18.

    3- نفس المصدر: 17.

    4- نفس المصدر: 19.


    [align=center][47][/align]

    وهكذا فسيادة الشعب نتيجة حتمية لعبودية الانسان لله، التي ترفض عبودية انسان لانسان وترفض، بالتالي، الاستبداد. وهكذا ينتهي الشهيد في تحليله إلى أنّ سيادة الشعب لا تتناقض مع الاسلام فحسب، بل تلزم عنه لزوماً شرعياً ومنطقياً.

    [align=center]الدولة العلمانية مصادرة لماضي الأمة وقفز فوق ثقافتها[/align]

    لقد كشف الشهيد في تحليله لمنابع القوة في الدولة الاسلامية عن لا تاريخية الفكر العلماني، الذي تسير بمقتضاه الدولة القومية في العالم الاسلامي، فالأنظمة السياسية في العالم الاسلامي أدخلت الحاضر (الغرب قيمه ومفاهيمه) كقوة مستقلة عن ماضي الأمة وذهنية إنسان العالم الاسلامي، وعلى العكس من ذلك فالدولة الاسلامية ـ كما حلّلها الشهيد ـ تدمج الماضي في الحاضر، فالماضي يشكّل الحاضر ضمن العلاقة بين الثوابت والمتغيرات في الرؤية السياسية الاسلامية.

    فالدولة الاسلامية متجذرة في تاريخ الأمة وفي ذهنيتها وتطلعاتها، وهكذا ينتهي الشهيد إلى أنّ الأنظمة السياسية العلمانية في العالم الاسلامي تلغي الإنسان، لأنها تحدث تناقضاً بينه وبين الطرح السياسي، وتفرض عليه قيماً وأهدافاً متناقضة مع تاريخه وذهنيته وعقيدته. وإذا كان الوعي السائد يشكل عائقاً لقيام دولة علمانية متجذرة حقاً في المجتمع، وعائقاً لكلّ نموذج تنموي تابع لهذه الدولة، فإنّ هذا الوعي يشكل ـ في نفس الوقت ـ أرضية صالحة لقيام دولة اسلامية، وتشكيل مؤسسات اسلامية.(1)

    ولهذا تمثل الدول القومية في العالم الاسلامي، بالنسبة للشهيد، قفزاً فوق البناء الثقافي للشعوب الاسلامية وتجاوزاً له. فهذه الدول ليست وليدة ظروف المجتمعات الاسلامية، وإنما وليدة الغرب بكل ما يحمله من مفاهيم وقيم تختلف عن الاسلام.

    فالحقل النظري لهذه الدول هو الغرب، في حين أنّ الدولة الإسلامية تنبع من عمق المجتمع، الذي يشكل حقلها النظري في إطار الشريعة. فالدولة الاسلامية متصلة بالأمة من حيث هي وعي وحركة عبر التاريخ.

    [align=center]الدولة العلمانية دكتاتورية بالضرورة[/align]

    وهكذا يرى الشهيد أنه لا يمكن لأي نظام سياسي أن يحرك الأمة، ويدفع بها نحو التقدم، ما لم يكن مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالنسق الثقافي الاسلامي ومركباته الداخلية، لأنّ هذا الارتباط يعني الارتباط بالواقع وبذهنية انسان العالم الإسلامي، ذلك الانسان الذي هو أساس التغيير وأساس حركة الأمة. ومعنى هذا أنّ الدولة غير المؤسسة على الاسلام تتعامل مع الشعوب تعاملا فوقياً لا علاقة له بمشكلات ومشاعر الجمهور المسلم. ومن هنا لجوء هذه الدول إلى الضغط والقهر. ولهذا كانت كلّ الدول السائدة في العالم الاسلامي والمتبنية للعلمانية دولا دكتاتورية بحكم التناقض الجذري بينها وبين الشعوب الاسلامية المتشبعة بالقيم الاسلامية بصورة أوبأخرى.

    أما الدولة الإسلامية فهي، على العكس من ذلك، مرتبطة بوعي الجماهير، ومن هنا الامكانيات، التي تفتحها في مجال التنمية وإعادة بناء الحضارة الاسلامية.


    [align=center]مصدران لقوة الدولة الإسلامية[/align]


    فالشهيد لا يبرّر قوة الدولة الاسلامية بمصدرها الإلهي فحسب،بل يبرّر هذه القوة بارتباط هذه الدولة

    _______________________________

    1- انظر: منابع القوة في الدولة الإسلامية.

    [align=center][48][/align]

    بالواقع كذلك، فمنابع القوة في الدولة الاسلامية هي نتيجة للشرع والواقع معاً، ذلك الواقع الذي جسد عبر التاريخ القيم والمفاهيم الاسلامية رغم الانحرافات.

    [align=center]ملتقى الفقه والكلام والفلسفة[/align]


    وهكذا قد أحدث الشهيد نقلة نوعية في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، فهذا الأخير كان موجوداً بصفة مبعثرة بين الفقه والكلام والفلسفة، لقد عالج الفكر الاسلامي القديم مفاهيم النبوّة والإمامة والخلافة والشورى والبيعة والملك ضمن طرح فقهي أو كلامي أوفلسفي، ولم تبرز النظرة الكلية التي يتفاعل فيها الفقه مع علم الكلام والفلسفة إلاّ ابتداء من السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، الا أن هذه النظرة لم تصل إلى أعلى مستوى من الكلية والشمول إلاّ عند الشهيد السيد محمد باقر الصدر. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد، لم ينظر إلى الاسلام كقوة تعبوية فحسب، فالمسألة ليست مجرّد غليان عاطفي عفوي، بل غليان عاطفي مؤطر بأحكام الشريعة وبالبعد العقلاني والسياسي للاسلام.

    وهكذا تتجاوز الفلسفة السياسية الاسلامية، كما صاغها الشهيد، الثنائية التي تحدث قطيعة بين الجانب الروحي للانسان وبين نشاطاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

    فالشهيد صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من خلال المفاهيم الاسلامية والأحكام الشرعية. ومعنى هذا أنّ تأسيس الدولة الاسلامية بالنسبة للفكر السياسي الاسلامي ضرورة عقلية وحضارية، كما أنها واجب شرعي في نفس الوقت. فالدليل العقلي والدليل الشرعي متلازمان ومتداخلان في نظر الشهيد.

    [align=center]بين الجهادية والتبريرية[/align]

    وتجدر الاشارة إلى أنّ فكر الشهيد السياسي يتميز، على غرار الفكر الاسلامي النابع من المدرسة الشيعية، بمثالية جهادية. وهذا ما يجعله فكراً سياسياً يختلف عن الواقعية المتطرّفة والمبرّرة للواقع، التي تميز كثيراً من جوانب فكر مدرسة أهل السنة والجماعة.

    فإذا كانت السياسة الشرعية حسب تعبير ابن تيمية تولي أهمية كبرى لأحوال العصر ومتطلباته، فالإمامة وحالياً ولاية الفقيه كما حللها الشهيد، مرتبطتان بالمبادئ الاسلامية وبالمثل الأعلى الاسلامي.

    فالولي الفقيه يصوغ الفكر السياسي الإسلامي، وينشئ المؤسسات التي تجسد هذا الفكر، وذلك بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنّة الشريفة بصورة تعبدية تسعى إلى تكييف الواقع مع متطلبات الشريعة لا العكس.

    وعلى العموم فالمشكل المطروح على الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي وخاصة على مفهوم ولاية الفقيه هو قدرته على استيعاب المستجدات عن طريق اجتهاد ينظر إلى النصّ بصفة حركية، أي ينظر إليه من خلال الوعي التاريخي، ومن خلال الأحوال الجديدة للحضارة المعاصرة.

    وقد عالج الشهيد هذا المشكل حيث رأى بأنّ القوة التعبوية للاسلام شرط ضروري لإعادة بناء الدولة الاسلامية، ولكنه ليس شرطاً كافيا، فتأسيس الدولة الاسلامية وإعادة بناء الأمة الاسلامية يتطلّبان فكراً اجتماعياً ـ سياسياً.

    [align=center]مفاهيم سياسية معاصرة في قوالب شرعية اصيلة[/align]

    فالشهيد اجتهد انطلاقاً من هذه الرؤية. ولهذا استوعب فكره الاجتماعي ـ السياسي استيعاباً اسلامياً المفاهيم السياسية للفكر المعاصر، كما استوعب المؤسسات السياسية العصرية من منظور إيماني وإسلامي (الدستور، البرلمان، الانتخاب...الخ).

    [align=center][49][/align]

    ولهذا يرى الشهيد أنّ الانتخاب يتماشى مع المبادئ الإسلامية ومع حقيقة ولاية الفقيه، فالشورى والبيعة ينشآن علاقات متبادلة بين الأمة والسلطة.

    فنظرية الدولة الاسلامية كما يطرحها الشهيد مؤسسة على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإرادة الشعبية (المبادئ السياسية صيغت صياغة مفهومية وتحققت في ولاية الفقيه). فالدولة الاسلامية هي إذن واجب شرعي ومطلب شعبي:

    «فالنبيّ هو حامل الرسالة من السماء باختيار من الله تعالى له... والإمام هو المستودع للرسالة ربانياً، والمرجع هو الانسان الذي اكتسب من خلال جهد بشري ومعاناة طويلة الأمد استيعاباً حيّاً وشاملا ومتحركاً للاسلام ومصادره، وورعاً معمقاً يروض نفسه عليه حتى يصبح قوةً تتحكم في كل وجوده وسلوكه،ووعياً إسلامياً رشيداً على الواقع وما يزخر به من ظروف وملابسات ليكون شهيداً عليه...

    والنبيّ والامام معينان من الله تعالى تعييناً شخصياً، وأما المرجع فهو معينّ تعييناً نوعيا، أي أن الاسلام حدّد الشروط العامة للمرجع، وترك أمر التعيين والتأكيد من انطباق الشروط إلى الأمّة نفسها.

    ومن هنا كانت المرجعية كخط قراراً إلهياً، والمرجعية كتجسيد في فرد معين قراراً من الامّة».(1)

    [align=center]ولاية الفقيه[/align]

    إنّ الدولة عبر تاريخ الأمة لم تكن إسلامية إلا بالمعنى السّوسيولوجي، لأنّ السلطة كانت مؤسسة على القوة العسكرية والقبلية، ولهذا تبرز ولاية الفقيه (المرجع) كما صاغها الشهيد كإعادة نظر جذرية لكلّ الأنظمة السياسية السائدة في البلدان الإسلامية. إن ولاية الفقيه ـ إضافة إلى أساسها الديني ـ لها بعدٌ جماهيري. ذلك أنّ الشهيد يرى أنّ خلافة الأمة والشورى تنتج عنها دولة ذات قاعدة شعبية، أي دولة تكون نتيجة لانتخابات شعبية لا لانتخابات العلماء فحسب.

    لكن رغم هذه العلاقة بين الدولة والجمهور، فان ولاية الفقيه وبارتكازها على الأساس الديني، تتجاوز الانسان بحكم مرجعيتها الإلهية. لكنه من جهة أخرى، تنبع من الاُمّة، هي مطلب جماهيري. فالولاية (المرجع) كما حللها الشهيد، مؤسسة على مشروعية دينية وشعبية ودستورية.

    وهكذا فصياغة الشهيد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي هي صياغة ترتكز على منهجية قبلية: التحفظ من كلّ محاولة التوفيق بين الرؤية السياسية الاسلامية وبين الرؤية السياسية الغربية.

    انطلاقاً مما تقدم. صاغ الشهيد الفكر الاجتماعيـ السياسي الاسلامي خارج الليبرالية والاشتراكية، ورأى بأن المبادئ الاجتماعية الاسلامية لا تتفق مع ديمقراطية من النوع الليبرالي، ولا مع نظام سياسي يذيب الأفراد في المجتمع ويربطهم بوسائل الانتاج.

    إنّ موقف الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن موقف المحدثين وبعض الإسلاميين، الذين حاولوا أن يوفّقوا بين الاسلام والفكر الغربي، فهم قد أدخلوا، في رؤيتهم للاسلام، الفلسفة الاجتماعية والسياسية الغربية بكامها.

    وهكذا يمكن القول: إنّه قد ظهر مع الشهيد خطاب جديد للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.

    _______________________________

    1- خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: 16 ـ 17.



  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]معنى الوجود والمنهج[/align]


    لقد كرّر الشهيد السيد محمد باقر الصدر مقولة معنى الوجود أكثر من مرّة في كتاباته الاجتماعية والسياسية، وفي صياغته للمنهجية الاسلامية إلى درجة تسمح لنا بأن نضع هذه المقولة في عمق نظرياته، ونطرحها في مجابهتها للفكر الغربي المبني على مقولة العبث الناتجة، حتماً، عن الوضعية وفصل الدين عن الدولة، أي فصل المذهب الاجتماعي والنظرية الاجتماعية عن المطلق.

    إنّ عدم الانطلاق في عملية التنظير من معنى الوجود كاطار مرجعي لرؤية التاريخ، وتطور المجتمعات والحضارات، وصياغة سلوكات الفرد والمجتمع في العلاقات الاجتماعية والسياسية يعتبر نوعاً من الهذيان مهما حاول الفكر الغربي تغطيته تحت أسماء مثل الوضعية، المنهج العلمي والابستمولوجية.

    إنّ معنى الوجود كما طرحه الشهيد هو الأساس والمنطلق والغاية. هذه ليست نظرة صوفية أولاهوتية إلى المجتمع والتاريخ، فمعنى الوجود هو الاطار الذي يتداخل فيه الروحي مع السياسي والحضاري.

    إنّ هذه المقولة تحصل، في الاسلام، بربط التاريخ والمجتمع والفرد بالمطلق لاعلى الطريقة الهيجلية (نهاية التاريخ بذوبان الأفراد في الكلّ) بل على الطريقة القرآنية، التي تجعل الصيرورة عملية مستمرة لا نهاية لها بحكم عبودية الانسان وعلاقة الخليفة بالله تعالى. فمن هذا المنظور تصبح هذه المقولة منتجة للمفاهيم على الصعيد التنظيري، وأداة لتحليل التاريخ والمجتمع. فالروحانية الملازمة لمعنى الوجود، أي في مفهومها الاسلامي الذي طرحه الشهيد، تصون الفكر من الانزلاق في متاهات الأحكام النهائية، كتلك التي تعوّد على اطلاقها الفكر الغربي، الذي يتسرع في تعميم الأحكام، وحجز تطورات الشعوب ضمن منظور للتقدم.

    [align=center]فكر الصدر ثالث ثلاثة[/align]


    إنّ فكر الشهيد يختلف اختلافاً جذرياً عن نمطين من التفكير:

    1ـ الفكر الإسلامي المبني على العواطف وردود الفعل الانفعالية. وهو فكر تجزيئي لا ينطلق من نظرة كلية إلى النص وإلى الواقع، بل ينطلق من نظرة جزئية وتجزيئية إلى علاقة الواقع مع النص.

    2ـ الفكر المحدث الذي يبرّر الواقع باسم الحضارة الغربية نتيجة لإخضاعه المفاهيم والقيم الاسلامية لمتطلبات هذه الحضارة.

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد هو فكر محارب لكلّ المطلقات المزيفة، ولا يرتبط إلاّ بالله تعالى المطلق الحقيقي. هذه المرتكزات النظرية والمنهجية هي التي جعلت الشهيد يبين بوضوح نسبية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي، وذلك بتحليل العوامل، التي ساهمت في انتاج هذا الفكر وفي تشكيله.

    لقد تعمق الشهيد في تحليل أسباب النهضة والسقوط، وتعامل مع تاريخ الأمة، ومع الفكر الغربي بعقلانية صارمة، ولم يلجأ إلى التفسيرات الغيبية كقاعدة لحركة التاريخ. وقد برّر الشهيد موقفه هذا بمفاهيم قرآنية كسنن الله في الكون وخلافة الانسان، فالسنة تحتم علاقة بين الأسباب والنتائج، وتحتم عقلانية مرتبطة بالواقع، للوصول إلى معرفة الحياة الاجتماعية وحركة التاريخ بصفة علمية، وعندئذ يمكن للإنسان أن يمارس خلافته.

    غير أنّ منهجية الشهيد هذه لا تعني استبعاد الغيب. فالمسألة مسألة منهج: كيف نفسّر ـ على الصعيد المعرفي ـ علاقة الغيب بالتاريخ؟

    فالشهيد حلّل المشكلة الاجتماعية والسياسية من خلال ذهنية إسلامية، أي من خلال الإخلاص لله

    [align=center][51][/align]


    ولرسوله وللمؤمنين. وهو إخلاص يؤدي إلى موضوعية من نوع خاص، موضوعية أكثر قوة وأكثر عمقاً من الموضوعية في منظور فلسفة العلوم الغربية. ذلك أن النظر إلى المشكلة الاجتماعية والسياسية من موقع إيماني اجتهادي يحقق للدارس رؤية جديدة للأشياء، لأنها تربط النسبي بالمطلق. فالارشادات المنهجية الموجودة في القرآن الكريم والسنة الشريفة تؤدي إلى عقلانية تفتش عن عوامل حركة المجتمع والتاريخ. وهكذا يصبح الفكر عنصراً متجدداً يلاحق حركة التاريخ في كل اتجاهاتها وآفاقها.


    [align=center]الغيب العقلاني والغيب المبتذل[/align]

    فالتنظير الذي طرحه الشهيد وصل إلى مستوى التحليل المفهومي. فانطلاقه من الدين ومن موقع الملتزم إيمانياً بالاسلام لم يكن عائقاً أمام التفسير العلمي والعقلاني للظواهر الاجتماعية ولتاريخ الأمة.

    إنّ رفض الشهيد للفكر الوضعي ومناهجه لا يعني إذن أن فكره مستغرق فيما يسمى بالذهنية الغيبية بالمعنى المبتذل. فالشهيد عالج القضايا على الصعيد المعرفي والاجتماعي من منظور المنهج الاسلامي، الذي يربط عالم الشهادة بعالم الغيب، ويهيئ الفكر الاسلامي للإبداع في مجال المنهج العلمي. فليس المنهج الإسلامي منهجاً لاهوتياً على طريقة الفكر الغربي في العصور الوسطى.

    إنّ كلّ رؤية لا ترتكز في دراستها للمجتمع والتاريخ إلاّ على الصيرورة التاريخية وحدها باعتبارها المعيار الأساسي والوحيد، هي رؤية تختلف عن موقف الإسلام، لأنّها تتضمن، بصفة ضمنية أوصريحة، نفي البعد الغيبي وعلاقته بالتاريخ. فعلاقة الغيب بالشهادة تعنيـ من منظور المنهجية الاسلامية التي صاغ الشهيد معالمهاـ علاقة الثابت بالمتغير، وعلاقة حركة التاريخ بالقيم الموجهة لها.

    هذا الموقف يختلف جذرياً عن أرضية العلوم الاجتماعية الغربية المتمثلة في الوضعية والماركسية. هذه المدارس الاجتماعية تنتهي إمّا إلى عقلانية تدعي الاطلاقية أوإلى عقلانية نسبية. والنسبية في العلوم الاجتماعية الغربية هي نسبية تجزيئية، تعتبر عائقاً أمام تطور هذه العلوم أكثر من كونها دافعاً نحو المعرفة والإبداع.


    [align=center]عالم الغيب وعالم الشهادة[/align]

    إنّ علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب كمقولة في الفكر الإسلامي الذي نظّره الشهيد، تنتهي إلى نسبية من نوع خاص: هي نسبية متطلعة نحو المطلق(1) وهذا التطلع يعني، من ناحية فلسفة العلوم، أنّ المعرفة في ميدان العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية هي معرفة مفتوحة وفي تطور مستمر. وهكذا فالفكر الإسلامي يتطلع إلى الحقيقة، في حين أنّ الفكر الغربي أنزل الحقيقة إلى مستواه وأخضعها إلى معاييره. أي أخضع ما يجب أن يكون لما هو كائن. ومن هنا المذاهب النفعية والبرغماتية وغيرها. ومن هنا كذلك خضوع المعرفة للأمر الواقع وللممارسات اليومية. في حين أنّ النموذج المعرفي الاسلامي، كما يتجلّى في اًفكر الشهيد، يقتضي أن المعرفة تتأثر بالواقع، لكنها من جهة أخرى، تنير الطريق للممارسة بفضل المبادئ والمفاهيم، التي ترتكز عليها هذه المعرفة، والتي بفضلها تتحقق الممارسة في الواقع الحي.

    فصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي من طرف الشهيد لا تتماشى ـ من ناحية فلسفة العلوم ـ مع الفكر الغربي الذي يعتبر نفسه فكراً مطلقاً، ويزعم بصفة جنونية أنه قادر على اكتشاف الحقيقة.

    _______________________________

    1- انظر التفسير الموضوعي: 181 ـ 184 حيث يحلل الشهيد مفهوم المثل الأعلى من خلال علاقة النسبي بالمطلق.


    [align=center][52][/align]


    ومعنى هذا أنّ الفكر الاجتماعيـ السياسي الاسلامي يقوم على أسس فكرية تتناقض مع النزعة الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. فالفكر الاسلامي يرفض النموذج المعرفي الغربي، الذي ينفي العلاقة بين العلم والدين، ولا يتصورها إلاّ ضمن مقولة التناقض.

    وهكذا فالعقلانية التي طرحها الشهيد تعتمد قوتها وصيرورتها من انفتاحها على الغيب، ولهذا فهي تتمتع بقوة نقدية تقوض نقدية الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة عن الغيب.




  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]فلسفة التاريخ كاطار للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي[/align]

    هذا المنطلق (علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب) هو الذي جعل فكر الشهيد يتمكن من الطرح الشمولي للقضايا. فهو لم يركز نهضة الأمة وتقدمها على أمل واحد كالعالم التربوي أوالسياسي أوالاقتصادي أوالروحي. ذلك أنّ الشهيد ركز الرؤية الاجتماعية ـ السياسية على المنظور الإسلامي للتاريخ.

    فصياغته الفلسفية للفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي، لا يمكن تصور وجودها دون اللجوء إلى التاريخ لجوءاً اجتماعياً. أي لجوءاً يحاول تفسير الحوادث وربط بعضها ببعض، واستخلاص النتائج والمفاهيم، التي تساهم في صياغة الفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي.

    إنّ نقد الشهيد لكلّ من الرأسمالية والاشتراكية يعتبر، من بعض الوجوه، ردّاً مسبقاً على مقولة نهاية التاريخ، التي طرحت عقب الانهيار الاشتراكي، مفاد هذه المقولة أنّ الصراع الايديولوجي في العالم قد انتهى لصالح النظام الليبرالي.(1)

    لقد اختزلت هذه المقولة كلّ مشاكل الحياة والعالم في التناقض بين الليبرالية والاشتراكية. فتوقّف الصراع بين هذين النظامين ينتج عنه توقف لحركة التاريخ حيث تصبح الليبرالية هي منتهى التطور.


    [align=center]ثنائية فوكوياما[/align]

    وهكذا ففكرة نهاية التاريخ هي نتيجة حتمية لحصر صيرورة التاريخ في الرؤية الغربية للكون والإنسان. فمقولة نهاية التاريخ كما طرحها الامريكي Francis Fukuyamaفرانسيس فوكوياما هي فكرة قديمة في ثوب جديد. حيث إنّ الفكر الغربي ومقلديه في العالم الاسلامي قد حصروا حركة الشعوب ضمن نظامين لا ثالث لهما: الرأسمالية والاشتراكية.

    فنقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر للفكر الغربي، ورفضه لثنائية الاختيار بين الرأسمالية والاشتراكية هو جواب صريح ومباشر لكلّ الرؤى الغربية، التي تقول بنهاية التاريخ كمفهوم ينفي كل البدائل التي يمكن أن تطرحها شعوب أخرى للتطور والصيرورة.

    فمهما كان الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، فان الفكر الغربي يرى أن نهاية التاريخ تتجسد في الحضارة الغربية، وأنه لا وجود لبديل آخر خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ.

    [align=center]ثنائية الصدر[/align]

    إنّ المنظور الاسلامي للتاريخ وللحياة الاجتماعية والسياسية كما صاغه الشهيد، يؤدي إلى القول: بأن نهاية الصراع بين الاشتراكية والليبرالية لا يعني نهاية التاريخ، على اعتبار أن هذا الصراع ليس هو

    _______________________________

    1- (Francis Fukuyama) فرانسيس فوكوياما: نهاية التأريخ .. مقال مترجم من الانجليزية إلى الفرنسية في مجلة (Commentaire) كومنتار عدد 74 ـ 1989م باريس.

    [align=center][53][/align]

    الصراع الوحيد في العالم، بل هناك صراع آخر أشدّ وهو الواقع بين رؤيتين مختلفتين إلى الكون والانسان:

    الرؤية المادية التي يتأسس عليها كلّ من النظامين الاشتراكي والرأسمالي، والرؤية الروحية المميزة لفلسفة الاسلام الاجتماعية والسياسية.

    إنّ نظرة الاسلام إلى التاريخ من حيث هو تجسيد لخلافة الانسان لله في الأرض، هي نظرة تتناقض تناقضاً جذرياً مع كلّ النظريات الفلسفية للتاريخ من هيجل وماركس إلى فوكوياما صاحب مقولة نهاية التاريخ. حيث إنّ خلافة الانسان لله في الأرض تفتح الباب لصيرورة نحو المطلق، أي لحركة تاريخية تربط بين الدنيا والحياة الأخرى ربطاً، لا يمكن للعقل البشري أن يصوغه ضمن مفاهيم، فمحاولة العقل صياغة نظرية أومذهب اجتماعيـ سياسي من موقع الادعاء أن هذا المذهب هو الطرح الوحيد والحل النهائي والأخير لمشاكل البشرية (هيجل، ماركس وأخيراً فوكوياما) هي محاولة تقوم من الناحية المنهجية والمعرفية والعقائدية على الشرك، الذي يجعل المفكّر يرى بأنه يمتلك القدرة الشاملة على تحديد شروط المعرفة، هذا الادعاء هو نوع من الشرك يصير فيه الانسان عبداً لعقله.

    وهنا يتجلّى تناقض صريح في الفكر الاجتماعي والسياسي، الذي يدور في فلك الاشتراكية والرأسمالية، فهذا الفكر هو محاولة في نظر أصحابه ومعتنقيه، لتجاوز الاستلاب والتحرر منه، إلاّ أنه بانقطاعه عن الله تعالى قد سقط في فخ استلاب أشد وأقوى، إنّه الاستلاب الذي يختزل من الانسان ـ فرداً وجماعة ورؤية ـ بُعدَهُ الروحي ويسليه خلافته التي تميزه عن سائر المخلوقات، والتي ينبغي أن تكون حاضرةً حضوراً مستمراً وأساسياً في صياغة مفهومية في الميدان الاجتماعي والسياسي.

    إنّ الفكر الغربي كما يتجلّى في النظامين الرأسمالي والاشتراكي هو فكر وضعي، ومن هنا فهو يدعي أنه وحده الذي يمتلك الطابع العلمي، وأن الحضارات الاخرى ليس لديها من شي جديد تقوله.

    وهنا تتجلّى كتابات الشهيد في الفكر الاجتماعيـ السياسي لتدحض هذه المقولة، التي تزعم أنّ الاسلام ليس لديه ما ينازع به الغرب على صعيد المذاهب الاجتماعية والسياسية.

    فقبل انهيار الماركسية كان الفكر الغربي لا يتصور تطوراً للعالم الاسلامي خارج نمط التطور الغربي، فالشعوب الاسلامية، بالنسبة للفكر الغربي والفكر المحدث في العالم الاسلامي ستعيش في ازدواجية الارتباط الملفق بالاسلام من جهة، وبالحضارة الغربية من جهة أخرى، فمستقبل الأمة مرهون بعملية الاختيار هذه، وذلك بحكم المنهجية التي يرتكز عليها الفكر الغربي والتي تصوغ المذهب الاجتماعي والسياسي في اطار التفسير الوضعي للظواهر في الميدان الانساني. فكلّ تفسير خارج عن الوضعية يعتبر بحكم هذه المنهجية تفسيراً لاهوتياً وغير علمي.

    إنّ ما يقوله الفكر الغربي على صعيد التحليل العقلاني، يقوله الشهيد على صعيد تحليل عقلاني ذي أسس قيمية ومفهومية، وتجعل هذا التحليل أكثر تجذراً وتعمقاً في العقلانية.

    [align=center]الحلّ الإسلامي[/align]


    إنّ نقد الشهيد للمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية يبين كيف أنّ الحلّ الاسلامي ليس واجباً شرعياً فحسب، بل هو حلّ تتطلبه حركة الأمة كذلك.

    وهكذا فتح الشهيد باباً جديداً للفكر الاسلامي، ليقول كلمته في مجال فلسفات التاريخ، وخاصة تلك التي تركز اليوم، وبعد انهيار الماركسية، على أنّ البشرية لم يبق أمامها سوى خيار واحد ووحيد هو

    [align=center][54][/align]


    الليبرالية. إنّ التحليل النقدي للاشتراكية وللرأسمالية من قبل الشهيد، وصياغة مفاهيم الرؤية الاجتماعية والسياسية الاسلامية يفتح مجالا واسعاً أمام المفكرين المسلمين في أيامنا هذه، لدحض مقولة نهاية التاريخ التي يطرحها الفكر الغربي.

    فالرأسمالية ـ كما حلّلها ونقدها الشهيدـ ليست مؤهلة، بحكم نظرتها المادية إلى الكون والانسان، أن تقود العالم. فافلاس الرأسمالية يكمن، في نظر الشهيد، في ماديتها المدمرة لإنسانية الإنسان، حيث جعلت هذا الأخير مجرّد كائن مستهلك، تمحور حياته كلّها حول الانتاج والاستهلاك.

    لقد توقع الشهيد، من خلال نقده للفكر الغربي، بفساد النظرية الاجتماعية والمذهب الاجتماعي اللذين يعتمدان على الفكر البشري وحده. أي بفساد المنهج الوضعي في مجال العلوم الانسانية. وليس انهيار الماركسية إلاّ بداية النهاية إذا ما نظرنا إليها من خلال نقد الشهيد للفكر الغربي. ولهذا تختلف كتابات الشهيد في مجال الفكر الاجتماعي عن كلّ الكتابات، التي تعتمد التوفيق بين الاسلام والفكر الغربي. فهناك بالنسبة للشهيد، نظرتان متناقضتان للكون والانسان:

    l النظرة الغربية التي تفصل وجود الانسان عن الله تعالى.

    l والنظرة الإسلامية التي تربط الانسان بالله.

    l ومعنى هذا أن هناك مشروعين للحضارة: المشروع الغربي

    والمشروع الاسلامي.


    إنّ الخلفية الفلسفية لتحليل التاريخ في الفكر الغربي هي الوضعية، في حين أن الفكر الاسلامي كما صاغه الشهيد ينطلق من خلفية فلسفية تختلف عن الوضعية، وذلك عندما يربط هذا الفكر عالم الشهادة بعالم الغيب. ومعنى هذا أن الرؤية الاسلامية لحركة التاريخ تدمج الإمداد الغيبي ضمن سنن الله في الكون.

    [align=center]فلسفة التأريخ في الفكر الغربي وليدة الاستعلاء لا الاستقراء[/align]

    إنّ فلسفة التاريخ كما تتجلّى عند هيجل وماركس، وفي الفكر الغربي على العموم هي: فلسفة غير محايدة. أي لم تبرز كنتيجة لاستقراء موضوعي وعلمي لحركة التاريخ، بل ظهرت من موقع استعلاء الثقافة الغربية، وأصبحت عن طريق الاستعمار بكل أشكاله ايديولوجية متعسفة، ولا إنسانية، تمنع الشعوب غير الغربية من أن تعيش عقيدتها، وتتبنى قيمها الأخلاقية والحضارية. وهذا دليل على عجز الفكر الغربي عن الوصول إلى مستوى الفكر الشمولي الذي يؤهله لقيادة العالم.

    ففلسفات التاريخ الغربية تنقصها الرؤية المستقبلية، فهي تنطلق من الفهم المستعجل لحركة التاريخ. إنّ هذا المستوى من الإدراك لمجرى الحوادث ناجم من الغشاوة، التي تتخبط فيها نظرية المعرفة في العلوم الانسانية في الثقافة الغربية بحكم النظرة المبتورة عن الغيب للواقع، تلك النظرة الملازمة للمنهج الوضعي.

    إنّ تحليل الواقع من حيث هو مرتبط بالمطلق، يجعل نتائج الدراسة أكثر واقعية، لأنه يحرّرها من الفهم المتسرع، الذي ينظر إلى الوقائع مفصولة بذاتها، فتفوق الغرب مثلا لم يربط دائماً، من طرف المفكرين الغربيين بالعوامل التاريخية، التي ساهمت في نشوئه (عطاء الحضارات وخاصة الحضارة الاسلامية ثمّ الاستعمار والتبعية واستغلال الشعوب).

    وإذا كانت مقولة تفوق الحضارة الغربية في فلسفة التاريخ ذي النمط الغربي مبتورة الصلة بالماضي،فهي كذلك مبتورة الصلة بالمستقبل، لأنّ النظر إلى النموذج الليبرالي أوالاشتراكي من موقع الآفاق المستقبلية يؤدي إلى نتيجة حتمية هي: عدم وجود قوة ذاتية تؤهل هذين النموذجين للاستمرار ولريادة العالم

    [align=center][55][/align]
    وقيادته.

    في حين أنّ الرؤية الاسلامية للتاريخ، كما طرحها الشهيد، تنظر إلى الحاضر من خلال التطلع إلى المسستقبل. فكرة التطلع أساسية هنا، لأنّ التطلع في المنظور الاسلامي قوة لا تنفد بحكم ارتباط انسان العالم الاسلامي بالمطلق. وهذا ما جعل الحضارة الاسلامية تنفر من مقولة«شعب الله المختار» أومقولة«نهاية التاريخ» بمعناها الهيجلي والماركسي والغربي على العموم.

    فالفلسفة الاسلامية للتاريخ كما تتجلّى في كتابات الشهيد وخاصة في كتابه «التفسير الموضوعي للقرآن» مبنية على مفهوم الأمة من حيث هو نموذج حضاري مفتوح لكل الشعوب والحضارات.

    وهذا ما يجعل الأمة في تحقق مستمر وفي صيرورة تحررها من أوهام المدن الفاضلة، ومن غطرسة الحضارات المستكبرة الملغية للشعوب.

    إنّ فلسفة التاريخ ذات النمط الغربي تنظر إلى التاريخ من زاوية غير موضوعية، لأنه بدلا من تحليل التاريخ للوصول إلى نتائج (الطريقة الاستقرائية) فهي تنظر إلى مسار التاريخ من خلال النتائج التي تفرضها مسبقاً. ومن هذه الأفكار المسبقة، التي أخذت شكل البديهيات في الفكر الغربي، سيادة الغرب على باقي شعوب العالم...الخ.

    [align=center]انتظار المهدي[/align]

    وعلى العكس من ذلك فلسفة التاريخ التي تستمد أسسها من الاسلام، حيث إنّ نصر الله للمؤمنين ينقل من ميدان النظرة التعبدية الإيمانية إلى ميدان الصياغة العلمية والفلسفية للتأريخ.(1) فالنتيجة هنا ليست مفترضة أو مفروضة، بل منتظرة بثقة وعقلانية منقطعتي النظير، فلا تناقض هنا بين العقلانية والإمداد الغيبي.

    لذلك يتجلّى بوضوح في كتابات الشهيد وخاصة في بحث حول المهدي عليه السّلام أنّ انتظار الظهور ليس من نوع المدن الفاضلة، لأنّ العامل الانساني(الجهاد أوالانتظار الايجابي) من العوامل، التي تساهم في تشكيل المرحلة التأريخية، التي تحتم ظهور الامام المهدي عليه السّلام. فالانتظار يشكل وعياً دينياً هو محور الوعي الرسالي الحضاري في نظر الشهيد.

    لا توجد في التحليل الفلسفي لظهور الامام المهدي عليه السّلام من قبل الشهيد، معاندة للتأريخ، لأنّ هذا الأخير عبرة تستمد منه المفاهيم والمقولات ولا تفرض عليه.

    لكن هذا لا يعني أن موقف الشهيد من التاريخ ينتهي إلى النزعة التأريخية، التي تفسر كلّ شي عن طريق الصيرورة التاريخية، فالمطلق يتجاوز التأريخ، والمبادئ الإلهية تتعالى على الصيرورة وتؤثر فيها، مع العلم بأنّ الانسان كائن يعيش في التأريخ، ويتأثربالصيرورة، لكن هذا التأثير ليس تأثيراً سلبياً، أوأحادي الجانب في الإنسان يتأثر بالتأريخ ويؤثر فيه.

    وهكذا فالربط الشرعي والمنهجي بين الغيب والتأريخ، يفتح آفافاً لا حدود لها للمعقولية وللفعل. فانتظار المهدي عليه السلام لا يعني إذن استقالة العقل واستقالة الفعل. فالانتظار يتضمن إذن نقد الواقع كما يتضمن الجهاد.

    _______________________________

    1- انظر التفسير الموضوعي وخاصة الدرس الثالث: السنن التأريخية في القرآن الكريم: 39 وما بعدها.


    [align=center][56][/align]

    وهناك عوائق تتفق ضد رفع مقولة الانتظار إلى المستوى المنهجي والعلمي. هذه العوائق هي نتيجة للتخبط في إشكال معرفي وتخلف علمي وفقهي.

    الانتظار السلبي الذي ينتج عنه عدم معاينة الحوادث بموضوعية، مما يتسبب في أسر ذهنية انسان العالم الاسلامي في المواقف العاطفية والتواكلية.

    الانتظار السلبي نتيجة لغياب النظرة المنهجية في تحليل العلاقة بين الغيب والشهادة، بين الغيب والتاريخ. وقد حلّل الشهيد هذه المشكلة من خلال نظرة كلية وشمولية، فانتهى إلى تحليل فلسفي لظهور الامام المهدي عليه السلام كعملية مخاض ذات بعد تاريخي وحضاري مرتبط بسنة الله في الكون.

    فالظهور، من هذا المنظور، يعبر عن النظرة المستقبلية، التي ترسم معالم لحركة التاريخ ولإعادة بناء الحضارة الإسلامية(1)، وهكذا فانقاذ العالم والبشرية، الفكرة الملازمة لانتظار المهدي عليه السلام وظهوره، يقتضي ثورة فكرية على صعيد المفاهيم وثورة سياسية. يقتضي إبستمولوجية" جديدة مختلفة عن الإبستمولوجية الراهنة، التي هي في أكثر جوانبها انعكاس للخطإ والانحراف، الذي ابتليت به الحضارة الغربية لانقطاعها عن النبوّة وعن الوحي.

    إن الإبستمولوجية التي تحرّر الفكر من غبار أوهام التمركز على الذات، قد طرحها الشهيد في كل كتاباته دون أن يستخدم هذا المصطلح. وهي ابستمولوجية تستمد مقولاتها ومفاهيمها من منظور ارتباط الأرض بالسماء، والشهادة بالغيب، والدنيا بالآخرة، والجسم بالروح، والفرد بالمجتمع، والشعوب ببعضها البعض.

    وخلاصة القول: إنّ الإبستمولوجية المحررة للبشرية هي: ابستمولوجية خلافة الانسان وشهادة الأنبياء.

    إنّ فلسفات التاريخ تنطلق من واقعية تبريرية تعكس المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها هذه الفلسفات. لكن هذه الأخيرة لاتخرج عن صنمية ثوابت الفكر الغربي. فالشحنات العاطفية التي تسعى إلى تغطيتها محاولة التحليل الموضوعي والاستنتاجات العلمية ليست إلا شحنات انفعالية عقيمة. إنّها تتحرك ضمن صراع المصالح. انه انفعال الذاتية الضيقة المناقضة للانفعال المبدع الناتج عن انتظار الظهور، ذلك الانتظار، الذي يجعل الأمة تنفتح نحو الانسانية ومصيرها.

    هذه الحالة العاطفية التي تشكل عائقاً مفتعلا أمام التفكير الوضعي، لا يمكن أن تصدر عن ثقافة التمركز على الذات. إنّها عاطفة مجتمع خلافة الانسان وشهادة الأنبياء.

    إنّ تحليل الشهيد لفكرتي الانتظار والظهور والطرح المفهومي لهما، يفتح الباب أمام الفكر الاسلامي لتفسير حركة التاريخ من خلال العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تؤهل الأمة الاسلامية للإمداد الغيبي. فانتظار الإمام المهدي عليه السلام كما حلله الشهيد لا علاقة له بالفلسفات المثالية البعيدة عن واقع الناس، ولهذا فالظهور يتشكل من توافر العنصر البشري مع تدخل الغيب. ولهذا فالمجتمع الاسلامي المنشود لا يمكن أن يتحقق، في نظر الشهيد، إلاّ بفقه الدين والواقع، ثمّ الجهاد لتجسيد متطلبات الاسلام ضمن حركة التأريخ. هنالك تستحق الأمة نصر الله. ففقه الواقع والجهاد عمليتان تقرّبان عصر الظهور وتعجّلانه.

    _______________________________

    1- انظر بحث حول المهدي عليه السلام للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ـ مكتبة أهل البيت (ع) باريس 1983م.

    [align=center][57][/align]


    وهكذا فتحليل الشهيد لانتظار الامام المهدي عليه السلام تمّ في إطار معرفي يتفهّم العلاقة مع الغيب خارج الأطر الأسطورية واللاّهوتية. أي خارج الأطر الضيقة بسبب غياب المنهج.

    إنّ التحليل الشرعي والفلسفي، كما يتجلّى عند الشهيد، ربط انتظار الامام المهدي عليه السلام وظهوره بحركة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، بين الحق والباطل. فمرحلة الوصول إلى دولة الإمام عليه السلام هي نتيجة لمقدمات ومراحل تهيئ لها ظروفها وأرضيتها. فالرؤية الفلسفية للتاريخ هنا ليست مجرد فلسفة للتاريخ. فجوهر هذه الرؤية وفكرها عقائدي وليس فلسفياً. والبعد السياسي هو نتيجة من نتائج البناء العقائدي.

    [align=center]مفهوم التغيير[/align]

    اضافة إلى ما سبق تتجلّى الرؤية الفلسفية للتاريخ عند الشهيد في طرحه لمفهوم التغيير. فهو يرى أنّ المنظور الاسلامي للتغيير يختلف عن الوضعية: الانسان ليس مجرد نتيجة حتمية للمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية. فهو يتجاوز معطيات البيئة ببعده الروحي، الذي يؤهله لإحداث التغيير في الواقع من خلال المبادئ، لا من خلال المؤثرات الاجتماعية والتاريخية المحيطة به فحسب. فمبادئ التغيير ومعاييره ليست تابعة للواقع من حيث المصدر، مبادئ التغيير مصدرها متعالي على المجتمع وعلى التأريخ، لأنها ذات أصل إلاهي.

    فكرة تدخل الانسان في عملية التغيير وفي حركة التاريخ واضحة ولا نقاش فيها بالنسبة للشهيد. وهو يرى أنّ الفرق بين الفكر الوضعي والفكر الإسلامي بالنسبة لمفهوم التغيير يكمن في مسؤولية الانسان في إحداث عملية التغيير. فالفكر الإسلامي يرى أنّ عملية التغيير ينبغي أن تسير وفق الخط الذي يريده الله تعالى. فالتغيير يتمّ من خلال علاقة الانسان بالله تعالى، ومن هنا كانت قاعدة التغيير في الاسلام تعتمد على الانسان. فتغيير الذات هو الشرط الضروري الذي يؤدي إلى تغيير الواقع والتاريخ:

    «المحتوى الداخلي النفسي الروحي للانسان هو القاعدة، الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي. لا يتغير هذا البناء العلوي إلاّ وفقاً لتغير القاعدة... هذه الآية (إنّ الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم...)(1) تتحدّث عن علاقة معينة بين القاعدة والبناء العلوي، بين الوضع النفسي والروحي والفكري للانسان، وبين الوضع الاجتماعي، بين داخل الانسان وبين خارج الإنسان. فخارج الانسان يصنعه داخل الانسان... فإذا تغير ما بنفس القوم تغير ما هو وضعهم»(2)

    ويقول في هذا السياق كذالك: «بما ذكرناه توضّح دور الانسان في المسيرة التاريخة، توضّح أنّ الانسان هو مركز الثقل لا بجسمه الفيزيائي، وإنما بمحتواه الداخلي».(3)

    [align=center]مفهوم التقدم[/align]

    الحضارة الاسلامية، في نظر الشهيد، لا ترتبط بالتاريخ على الطريقة الغربية، ومن منظور النزعة

    _______________________________

    1- الرعد: 11.

    2- التفسير الموضوعي: 64 ـ 65.

    3- نفس المصدر: 199 ـ 200.



    [align=center][58][/align]

    التأريخية. إنّ ارتباط الأمة بالتاريخ وإيمانها بفكرة التقدم، لا معنى لهما خارج علاقة الانسان بالله تعالى، وعلاقة الشهادة بالغيب.

    وهكذا فإن كان الأساس الذي تقوم عليه النظريات والمذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية هو الإيمان المطلق بفكرة التقدم، فان الفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي يقوم على أساس مفهومي وقيمي يستوعب التاريخ ويتجاوزه. فخلافة الانسان تؤهل الأمة إلى الصيرورة نحو المطلق أي إلى حركة لا نهاية لها.

    هذا مع العلم أنّ التقدم بمفهومه الغربي قد اختزل الكون في الماركسية أوفي الرأسمالية. وهنا يصل الشهيد إلى القول: بأنه لا فرق، من حيث الأساس بين النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي. فالرؤية المادية إلى الكون والانسان تنفي التناقض بين هذين النظامين، في حين أن علاقة الأمة بالغيب تحتم نظرة أخرى إلى مفهوم التقدم، وينعكس ذلك على المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

    وهكذا بلور الشهيد مفاهيم إسلامية جديدة على صعيد النظرة إلى التاريخ، وإلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجابهة الفكر الغربي، والوقوف كحاجز أمامه عن طريق طرح البديل الحضاري.

    [align=center]الثقافة الإسلامية[/align]


    إنّ الثقافة الاسلامية التي تقوم على مبدإ التوازن بين المادة والروح، بين الفرد والمجتمع هيـ في نظر الشهيدـ نقيضة التركيب الغربي للثقافة، الذي يتمحور حول البعد المادي. في حين أنّ الثقافة الاسلامية، بربطها عالم الشهادة بعالم الغيب، لا تنتهي إلى اعتبار الإنسان كجزء من الثروة وأدوات الانتاج، بل هو موجه لأدوات الانتاج المسخرّة له بقرار إلهي. فهو إذن صانع التاريخ بقرار إلهي.

    إنّ العلاقة الروحية بين الانسان والله تعالى هي التي تنتج العلاقات الاجتماعية وتشكلها كعامل دفع لحركة التاريخ. من هذا المنطلق يرى الشهيد أنّ كلّ انفصال بين الجانب الذاتي للانسان والجانب الخارجي في عملية إعادة بناء الأمة والحضارة الاسلامية، هو انفصال يؤدي إلى ثنائية محبطة لا يمكن أن تنتج تقدماً. وهذا ما تعانيه الأمة نتيجة لاعتماد الدول القومية في العالم الاسلامي على الجوانب الاقتصادية والسياسية في عملية التنمية واهمالها للفرد كذات تملك طاقة تغييرية هائلة شريطة أن تربط هذه الطاقة بفكر اجتماعيـ سياسي نابع من الاسلام. لقد بقيت نماذج التنمية في العالم الاسلامي مجرد ألفاظ جوفاء لا علاقة لها بإنسان العالم الاسلامي وبنيته النفسية وتطلعاته.

    [align=center]المثل العليا المطلقة والتكرارية[/align]


    وهكذا قد تجاوز الشهيد في صياغته لفلسفة التأريخ كلّ طروحات الصيرورة والتقدم. ذلك أنّ كلّ فلسفات التاريخ الغربية أسرت نفسها في النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، ولم تستطع أن تتصور أهداف الحركة التاريخية إلاّ ضمن مثل عليا من انتاجها، أي من انتاج فكر محدود ومشروط بالظروف الاجتماعية والتاريخية.

    وهذا ما يتناقض جذرياً مع اطلاقية المثل الأعلى الاسلامي وقدسيته، لأنه ينبع من مصدر إلهي عن طريق النبوّة والامامة، ويفتح ـ تبعاً لذلك ـ مساراً للتاريخ لا يمكن للعقل الذي ينشط داخل النموذج المعرفي والفلسفي للعلوم الانسانية الغربية أن يتصوره. فكلّ المثل العليا المتضمنة في فلسفات التاريخ الغربية هي مثل عليا نسبية تحولت إلى مطلقات مزيفة:

    «إذن هذه المحدودية في المثل تعكس الأديان التي تفرزها، فالأديان التي تفرزها هذه المثل أوبتعبير آخر الأديان، التي يفرزها الانسان من خلال صنع هذه المثل، ومن خلال عملقة هذه المثل وتطويرها من

    [align=center][59][/align]


    تصورات إلى مطلقات، هذه الأديان تكون أدياناً محدودة ضئيلة، أديان التجزئة، هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد...

    المجتمعات والأمم التي تعيش هذا المثل الأعلى المنخفض المستمد من واقع الحياة، قلنا بأنها تعيش حالة تكرارية. يعني أن حركة التاريخ تصبح حركة تماثلية وتكرارية. وهذه الأمة تأخذ بيدها ماضيها إلى الحاضر، وحاضرها إلى المستقبل، ليس لها مستقبل في الحقيقة، وإنما مستقبلها هو ماضيها».(1)

    وعلى العكس من ذلك المثل الأعلى الذي يطرحه الاسلام كهدف لتطلع الإنسان، يؤدي إلى صيرورة مستمرة بحكم اطلاقية المثل الأعلى.

    «المثل الأعلى الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى، وفي هذا المثل التناقض الذي واجهناه سوف يحلّ بأروع صورة. كنا نجد تناقضاً، وحاصل هذا التناقض هو أنّ الوجود الذهني للانسان محدود، والمثل يجب أن يكون غير محدود، فكيف يمكن توفير المحدود وغير المحدود؟ وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود؟ هذا التنسيق بين المحدود وغير المحدود سوف تجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الانسان، ليس إفرازاً ذهنياً للإنسان، بل هو مثل أعلى عيني له واقع عيني، هو مرجع مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله عدله المطلق...»(2)

    وهكذا نجد الشهيد يؤسس الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي على فلسفة إسلامية للتأريخ، تتمحور حول اطلاقية المثل الأعلى ومفهوم خلافة الإنسان المجسّد لتطلع المخلوق نحو الخالق ضمن صيرورة لانهاية لها.

    فالفلسفة الاسلامية التي صاغ معالمها الشهيد ـ وخاصة فلسفة التاريخ ـ تقضي، بفضل ارتكازها على المثل الأعلى بمعناه الاسلامي، على قوالب ومقولات الفلسفة الغربية المنقطعة الصلة بالمطلق الحقيقي: الله سبحانه تعالى.

    مما تقدم نستنتج أنه لا يبقى ـ في تحليل الشهيد لحركة التاريخ ولمفهومي المثل الأعلى ومنطقة الفراغ ـ من معنى لوضع الحاضر في مقابل الماضي في سياق ثنائية يلغي كلّ طرف الطرف الآخر.

    [align=center]الحداثة أم الاصالة[/align]

    فالدخول في الحاضر، أوما يسمى بالحداثة دون الانطلاق من الماضي من جهة ومن النص من جهة أخرى، باعتباره كلام الله الصالح لكلّ زمان ومكان، يلغي شخصية الأمة ويذيبها في حضارة أخرى.

    فالأصالة كما حلّلها الشهيد ـ أي الأصالة في مفهومها الاسلامي لا القوميـ هي الركيزة الشرعية والمعرفية لشمولية الفكر الاسلامي وقدرته على استيعاب حركة التاريخ. إنّ العلاقة بين القديم والجديد لا تطرح بالنسبة للفكر الاسلامي الذي نظّره الشهيد إلاّ بمعنى واحد: الانفتاح على الواقع ومستجداته، وتقديم الرؤية الاسلامية لمعالجة حركة التاريخ. ومعنى هذا أنه لا وجود ـ في المنظور الاسلامي للتاريخ ـ لرفض الجديد، بل المشكل هو كيف يتم ادخال الجديد في النسق المفهومي والقيمي الاسلامي؟

    وهنا يقدم الفكر الاسلامي، كما حلله الشهيد، رؤيته ضمن إطار الاجتهاد بمعناه العام، وضمن الأبعاد

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 158 ـ 159.

    2- نفس المصدر: 176.


    [align=center][60][/align]

    الشرعية والفلسفية لمفهوم منطقة الفراغ، التي حدّد الدين إطارها ومعالمها.

    ففي ظلال هذا التكون الفكري الاسلامي لايمكن الاتجاه إلى تبني الحداثة بدون شرط، أي تبني الفكر الغربي. إنّ ظاهرة تقليد الغرب ناجمة عن الشعور بالدونية أمام التفوق الغربي نتيجة لفراغ هذا الفكر المواجه للغرب من المرتكزات المعرفية والمنهجية، التي تمكنه من التحرر من الانبهار تجاه الحضارة الغربية. لكن نفس النتائج السلبية تنجم عن غياب الموقف النقدي من التراث وغياب تحديد دقيق لهذا المفهوم.

    [align=center]الموقف من التراث[/align]


    لا شكّ أنّ الرجوع إلى التراث كاستجابة لتحدي الحضارة الغربية قد ظهرت بوادره عند السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني، والحركة الاصلاحية على العموم، تلك الحركة التي حاولت الوصول إلى فهم عوامل انحطاط الأمة وتقدم الغرب. لكن لا نجد في الفكر الاصلاحي تحليلا دقيقاً لمفهوم التراث ونقده. ومن هنا غياب التعامل بفاعلية مع مستجدات العصر.

    وتجدر الاشارة، في هذا السياق، إلى أنّ كتابات الشهيد تنظر إلى التراث في علاقاته مع الظروف التاريخية، وتميز، تبعاً لذلك، بين القرآن الكريم والسنة الشريفة وبين موقف الفكر منهما، ذلك الموقف الذي صار، بعد عصر النبوّة، انعكاساً لانحراف السلطة عن الشريعة. فمن هذا المنطلق طرح الشهيد مشكلة كيفية الرجوع إلى الأصل شرعاً وعقلا وكيفية الاستفادة من التراث في الانفتاح على العصر واللحاق بركب التقدم.

    لقد تجاوز الشهيد قصور الفكر الاسلامي المعاصر، الذي مازال يعاني إلى اليوم من النظرة التجزيئية للقضايا على العموم، ولقضية الرجوع إلى الأصل على وجه الخصوص. ولهذا أصبحت المواقف من فكرتي الانحطاط والتقدم مواقف مضطربة تعالج المشكلة في بعض جوانبها وتهمل الجوانب الأخرى. كأن يرد التقدم إلى العامل التربوي أوإلى العامل السياسي.

    هذا القصور تجاوزه الشهيد بفضل طرحه لقضية الرجوع إلى الأصل في اطار رؤية فلسفية إلى التاريخ. تلك الرؤية التي انتجت موقفاً نقدياً من التراث على العموم ومن الحضارة المعاصرة من موقع فكر اسلامي متشبع بالقيم والمفاهيم الاسلامية.

    [align=center]الصراع بين القرآن والسلطان[/align]

    هذه الظاهرة، ظاهرة الموقف النقدي من التاريخ صفة ملازمة للفكر الاسلامي في إطار المدرسة الشيعية. ذلك أنّ هذا الفكر قد تمّ بناؤه ضمن صراع مرير وطويل مع السلطات المنحرفة. ولهذا يرى الشهيد أن اكتشاف عوامل وأسباب انحطاط المسلمين لا يتم إلاّ بواسطة قراءة تاريخ الأمة الاسلامية من زاوية الصراع بين القرآن والسلطان.

    فقراءة الشهيد للتاريخ هي قراءة نقدية تختلف عن القراءات، التي عملت على تبرير وتسويغ الانحرافات من خلال تأويلات للقرآن الكريم وللسنّة الشريفة خارج متطلبات النص ومقاصده.

    فتبرير الانحرافات أدى وما زال يؤدي إلى نقص في تحليل ظاهرة انحطاط الحضارة الإسلامية وتخلفها، في حين أنّ المراجعة النقدية للتاريخ انطلاقاً من الفقه والمفاهيم الاسلامية ستؤدي إلى فهم موضوعي، وأكثر شمولية لعوامل الانحراف والانحطاط، ثمّ لعوامل التخلف (تبرير الأمر الواقع لإرضاء السلطة، وتبعية للغرب على صعيد الفهم والمفاهيم...الخ).

    فبدون اللجوء إلى نظرة نقدية للتاريخ سيبقي الفكر الاجتماعي والسياسي فكراً غامضاً ومبرراً للواقع،

    [align=center][61][/align]

    بدل أن يكون مفجراً للطاقات، ودافعاً للشعوب الاسلامية نحو الجهاد لتغيير الواقع الفساد. فبلورة المشروع الحضاري الإسلامي، لا يمكن أن تتحقق في نظر الشهيد إلاّ على قاعدة تاريخ الأمة وتاريخ السلطان.

    إنّ النظرة التجزيئية والتبريرية إلى الماضي، تؤدي إلى إحداث فجوات في وعي الأمة لذاتها، كما تؤدي إلى خلل شخصيتها. فكيف يمكن تنظير فكر اجتماعي وسياسي دون الرجوع النقدي إلى الأصل؟ ذلك الرجوع الذي يميز تمييزاً واضحاً ودقيقاً بين مظلومية الإمام الحسين عليه السلام وغطرسة وانحراف يزيد بن معاوية.

    فغياب هذه النظرة النقدية للتأريخ معناه: هدم لمحور أساسي من محاور الفكر الاجتماعي والسياسي.ذلك أنّ نقد التاريخ يولد القيم والمفاهيم، لمجابهة الواقع الفاسد وتغييره. أما الموقف المجزئ للتاريخ أوالمهادن، فانه سوف لن ينتهي إلاّ من حيث المقدمات التي انطلق منها: مهادنة الوضع الراهن وتبرير الأمر الواقع.

    [align=center]العلاقة بين الماضي والحاضر[/align]

    إنّ النظرة الثنائية التي تنتهي إلى رفض التراث، أوإلى رفض مستجدات العصر هي نظرة لامنهج لها، لأنها لا تنظر إلى العلاقة بين الماضي والحاضر من موقع شمولية الرؤية الفلسفية للتاريخ.

    وقد توصل الشهيد إلى هذه الرؤية الأخيرة بفضل الاجتهاد من حيث هو منهج يجسد بحسم موقف الاسلام من قضية التراث والحداثة. وهو موقف يراعي السنن الحاكمة لعلاقة الحاضر بالماضي ولمسار الأمة عبر التاريخ. هذه النظرة لا تقيم تقابلا بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، بل ترى بينهما تفاعلا مستمراً في اطار متطلبات الإسلام وصلاحيته لكلّ زمان ومكان.

    وهكذا فمثالية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي هي مثالية لها نوعيتها، لأنها تشكل ضمن رؤية فلسفية نوعية للتأريخ، يكون فيها تطور المجتمع على ارتباط وثيق بالرجوع إلى الأصل كمبدإ شرعي ومنهجي في نفس الوقت.

    لقد اتخذت فكرة الرجوع إلى الأصل طابعاً جهادياً عند الشهيد(1)، لأنها بُنيت منذ البداية على موقف نقدي من تاريخ الأمة من جهة، ولأنها حلّلت دائماً من خلال اهتمامات الحاضر، ومستجدات الحضارة المعاصرة من جهة أخرى.

    من هذا المنظور يمكن القول: إنّ موقف الشهيد من التراث ومن الرجوع إلى الأصل هو موقف محرّر للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من الاستلاب، الذي طغى على هذا الفكر ومازال يطغى عليه نتيجة لعدم التمييز الواضح بين الشريعة من حيث هي وحي من عند الله، وبين الفقه من حيث هو انتاج للفكر البشري انطلاقاً من النص، أي عدم التمييز بين القرآن الكريم والسنة الشريفة من جهة، وبين الفكر الاسلامي الذي تشكل في إطار النص، وفي إطار العوامل الاجتماعية والتاريخية كذلك، ومن جملتها الانحرافات السياسية وما تبعها من فكر تبريري وتابع، بل ومن فقه خاضع للسلطان لا للقرآن.

    [align=center]المثالية الجهادية والواقعية التبريرية[/align]

    فكلّ مدارس الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي القديمة والحديثة تتأرجح بين المثالية والواقعية،

    _______________________________

    1- انظر: بحث حول المهدي ـ وكذلك بحث حول الولاية ـ الشهيد.

    [align=center][62][/align]


    بين مثالية جهادية لا ترضى بالأمر الواقع (موقف الشهيد السيد محمّد باقر الصدر)، وبين واقعية تبريرية للواقع، فكلّ اتجاهات الفكر الاسلامي ومدارسه تسعى بصورة أوبأخرى إلى جعل النص حاضراً في التأريخ، ليتسنى للأمة استيعاب المستجدات، أو ما يسمى بالحداثة أوالمعاصرة.

    وهذا ينطبق حتى على الفكر«الاسلامي» المنحرف أوالمائع، وهو ذلك الفكر الذي يبرّر مواقفه بتأويل للنصّ خارج متطلبات منهجية الاجتهاد كمنهجية تعتمد على التقوى، وعلى النظر إلى النص نظرة تعبدية.

    وهنا يتجلّى لنا عطاء الشهيد في ميدان الفكر الاجتماعي والسياسي، حيث إنّه قد صاغ هذا الفكر من موقع نظرة تعبدية وعلمية في نفس الوقت.

    [align=center]تطبيق الشريعة[/align]

    فإذا نظرنا في هذا السياق إلى مبدإ تطبيق الشريعة الاسلامية، نلاحظ أن الشهيد يختلف عن المفكّرين الآخرين في كونه يطرح قضية تطبيق الشريعة ضمن مشروع لمجتمع إسلامي، وضمن نظرة تربط بين الشريعة والشروط الاجتماعية والتاريخية للأمة.

    هذه العلاقة بين الدين والمجتمع لم يحللها الشهيد في مرحلة من تاريخ الأمة فحسب، بل حلّلها منذ صدر الاسلام حيث ربط بين الرسالة والأوضاع الاجتماعية والتاريخية.(1) لكن دون أن يسقط في فخ النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية، بل درس علاقة الدين بالمجتمع دراسة اجتماعية تنطلق من إلهية الرسالة من حيث هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى.

    إنّ تطبيق الشريعة الاسلامية لا يمكن أن يتحقق إذن دون تصور مشروع حضاري المجتمع اسلامي تصوراً يتشكل من موقع نظرة نقدية وفلسفية للتاريخ. هذا الإطار النظري الذي انطلق منه الشهيد هو الذي جعل الفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي يتجذر في مثالية من نوع خاص، لأنها ليست هروباً من الواقع واللجوء إلى مستقبل موهوم، هي مثالية متجذرة في عمق تأريخ الأمة، وفي عمق واقع الشعوب الإسلامية، لأنها ترجع إلى دولة المدينة المنورة، التي أسّسها الرسول صلى الله عليه آله وإلى الإمامة كاستمرار للنبوّة، وكاستمرار لتحقق دولة الاسلام عبر التاريخ.

    _______________________________

    1- انظر المصدرين السابقين.



  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]خاتمة: اشكالية الفكر الاجتماعي الاسلامي[/align]

    [align=center]صياغة تراعي الحداثة والاصالة[/align]

    في إطار هذه العقلانية المرتبطة بالدين وبالواقع معاً، حاول الشهيد صياغة معالم الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، وهو فكر يجابه مشكلتين:

    الاُولى: رفع الفكر الاسلامي على العموم إلى مستوى استيعاب لغة العصر، دون أنّ يخرج من مجاله النظري المتمثل في العلاقة بين العقل والدين والمجتمع.

    الثانية: خصوصية الفكر الاجتماعي ـ السياسي في العالم الإسلامي، واختلافه عن الفكر الاجتماعي الغربي، الذي لا يتمتع ـ بحكم انفصاله عن الغيب ـ بثوابت تؤهله للاستمرارية وللصلاحية لكلّ زمان



    [align=center][63][/align]


    ومكان.

    فالشهيد رفع الفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي إلى مستوى مجابهة النظريات والمذاهب الاجتماعية الغربية بالنقد والرفض. كما أنه ركّز على خصوصية الفكر الاجتماعي والسياسي الاسلامي من ناحية المنهج، ومن ناحية العقل النظري (الأمة الإسلامية وانسان العالم الاسلامي).

    فالاختلاف بين الفكر الاجتماعي السياسي الإسلامي والفكر الاجتماعي السياسي الغربي، هو اختلاف تمّ باسم الشرع وباسم الواقع (الشعوب الاسلامية، تاريخها وتطلعاتها).

    [align=center]موقف نقدي واجتهادي[/align]

    وهذا يدل على أنّ الشهيد رفع الفكر الاسلامي إلى مستوى النضج والعمق، وحرره من ردود الفعل الدفاعية، وذلك بفضل نقد مزدوج: نقد الجوانب الضعيفة والسلبية في التراث، وفي الفكر الاسلامي على العموم، ونقد الفكر الاجتماعي الغربي، لا باسم القيم والمفاهيم الاسلامية فحسب، بل باسم الحقل النظري لهذا الفكر، وهو حقل نظري يختلف بين الاُمة الاسلامية والغرب، نظراً لاختلاف تاريخ الشعوب وقيمها وتطلعاتها.

    إنّ موقف الشهيد نابع من اجتهاد مفلسف استوعب، من خلال وعي نقدي، مفاهيم الفكر الاجتماعي المعاصر. فالشهيد حلل الفكر الاجتماعي الغربي تحليلا إبستمولوجياً، كشف عن العوامل الاجتماعية والتاريخية والثقافية، التي أدّت إلى إنتاج المفاهيم، التي يتألف منها هذا الفكر. هذه الدراسة الابستمولوجية قام بها الشهيد دون أن يستخدم هذا المصطلح الأخير.

    غير أنّ الابستمولوجيا كما تتجلّى في فكر الشهيد لها خصوصيتها. إنها متجذرة بعمق إيماني وتعبدي ومنهجي في مرجعيتها الاسلامية، فهي فقه للواقع وفقه للعلوم. من هذا المنظور تصبح الابستمولوجيا نتيجة حتمية لأصول الفقه وللاجتهاد.

    إنّ ارتكاز فكر الشهيد الاجتماعي ـ السياسي على الرؤية الاسلامية للكون والانسان، وبروز هذا الفكر في مرحلة تاريخية تتسم بأزمة العلوم الانسانية، كلّ هذه الأسباب تؤهل الفكر الاجتماعي ـ السياسي كماطرحه الشهيد، لإحداث ثورة على صعيد المفاهيم، تكون أقدر على الكشف عن عوامل الأزمة، التي يعاني منها العالم على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي والمنهجي.

    فنقدُ الشهيد للفكرالاجتماعي الغربي تمّ بموازاة صياغته للفكر الاجتماعي الإسلامي، من خلال هذا الموقف وصل الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي إلى مستوى المساهمة في إيجاد حلول لمشكلة الانسان في آخر هذا القرن.

    [align=center]ردم الهوة بين الفلسفة والعلوم[/align]

    لقد تجاوز الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، بفضل اعتماده على مبدإ الاجتهاد، القطيعة التي أحدثتها الوضعية بين العلوم الانسانية والفلسفية، لأنه لا قطيعة، في نظر الشهيد، بين العلم على العموم وبين معنى الوجود والإنسان، إذا كانت الحياة المادية والحياة الروحية متكاملتين، لأنّ هذه الرؤية تؤدي إلى تحليل الحياة الاجتماعية من موقع علاقتها بالغيب.

    إنّ منهج الشهيد في صياغة الفكر الاسلامي المعاصر على العموم، والفكر الاجتماعي ـ السياسي على الخصوص، يضمن شروط نمو وتعمق هذا الأخير، لأنّ الشهيد طرح مشكلة الفكر الاجتماعي الإسلامي، وحلّل المفاهيم المرتبطة بهذا الفكر من خلال دمج منهجي بين الجانب العلمي والجانب الفلسفي، ودمج

    [align=center][64][/align]


    منهجي كذلك بين خصوصية الأمة الاسلامية وظروفها وبين الشمولية أو الكونية.

    فهوية الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي لم يطرحها الشهيد داخل اشكالية ضيقة لمفهوم الهوية، بل طرحها ضمن علاقة الثوابت بالمتغيرات، والهوية أو الخصوصية بالكونية أي ضمن علاقة الأمة الاسلامية بالشعوب الأخرى من حيث هي أمة الخلافة.

    [align=center]التشيع والوهابية موقفان من الحداثة[/align]


    لقد كان الفكر الاسلامي قبل الشهيد يتّسم في كثير من جوانبه، بالطابع الدفاعي تجاه تحديات الحداثة. ولم يكن يتّسم بالعمق في مجال التنسيق النظري إلاّ نادراً.

    وقد وصل الفكر الاسلامي على العموم، والفكر الاجتماعي على الخصوص على يد الشهيد إلى مستوى من العمق النظري والمنهجي.

    والحقّ أنّ الصرامة المبدئية، التي تتميز بها المدرسة الشيعية كانت من العوامل التي أهّلت الفكر الاسلامي عند إخواننا الشيعة إلى اتخاذ المواقف النقدية، وإلى الوصول إلى مستوى من الوعي التأريخي، جعل الفكر الاسلامي يعيد قراءة تاريخ الأمة حسب مستجدات العصر.

    فالقراءة الحرفية أوالتجزيئية للنصّ وللتراث شكّلت عائقاً أمام صياغة المذهب الاجتماعي الإسلامي. وهذا ما يتجلّى بوضوح في الوهابية، التي تنظر إلى النصّ نظرة حرفية وسطحية، تتميز بغياب الوعي التأريخي، الذي يميز الفكر الاسلامي المبني على الاجتهاد من حيث هو مبدأ للحركة ولاستيعاب المستجدات.

    وهكذا فغياب النقد وغياب الوعي التأريخي يشكّلان عائقاً أمام ظهور المذهب الاجتماعي السياسي الإسلامي.

    [align=center]ما بعد سيد قطب[/align]

    فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي كما طرحه الشهيد، يعتبر اذن نقلة نوعية، جعلت الفكر الإسلامي يحلّل القضايا تحليلا فلسفياً. هذه النقلة النوعية جاءت، لتفتح الأبواب التي سدّت بعد كتابات الشهيد سيد قطب. فالملكية والعمل والانتاج والعلاقة بين الفرد والمجتمع في المجال الاقتصادي والسياسي، ومشكلة التغيير وعلاقتها بالثوابت، ومشكلة الأمة والتنمية، كلّ هذه القضايا حلّلها الشهيد من خلال نظرة الاسلام إلى الكون والانسان. فهذا الطرح الشمولي للمشكلة الاجتماعية يتجاوز النزعة الأخلاقية للوعظ والارشاد، ويطرح بصفة صريحة ومباشرة المشكل المنهجي والفلسفي للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي.

    المشكل الاجتماعي مرتبط، في نظر الشهيد، ارتباطاً بنيوياً بنظرة الاسلام إلى الكون والانسان. فالشهيد قد طرح في كتاباته الاسلامية إلى الكون والانسان قبل أن يعالج المشكل الاجتماعي. فقد حلل وانتقد في كتابيه «فلسفتنا» و«اقتصادنا» الركائز الفلسفية للرأسمالية والشيوعية، وحلل العلاقة التي تربط النظرة الإسلامية إلى الكون بمشكل العمل والملكية ونموذج التنمية.

    [align=center]من استنباط الحكم إلى استنباط المنهج[/align]

    فالفكر الاجتماعي تجاوز، على يد الشهيد، مستوى الفتاوى من حيث هي حلول جزئية لقضايا محدودة. فالفتاوى تكون، في أكثر الأحيان، نتيجة لنظرة جزئية للقضايا، التي تطرح على الأمة الاسلامية من جراء علاقتها بالحضارة الحديثة. ولهذا نجد أحياناً جدالات طويلة حول الربا، وحول استخدام

    [align=center][65][/align]

    صكوك البنك، في حين أنّ القضايا المطروحة على الاُمّة نتيجة لمستجدات العصر ومتطلبات الحضارة قد حللها الشهيد انطلاقاً من نظرة شمولية، ومن خلال مفاهيم مؤطرة ومنظمة للتنظير في مجال الفكر الاجتماعي ـ السياسي.

    ومعنى هذا أنّ التنظيم الاجتماعي والسياسي للأمة الاسلامية ليس معطى منذ البداية. بل يحتم، بالضرورة، اللجوء إلى الاجتهاد. فصياغة الرؤية الاسلامية للمجتمع لا تتم بمجرّد الرجوع اللانقدي إلى الماضي، أوعن طريق التفسير الجزئي للقرآن الكريم.

    فارتباط الفكر الاجتماعي الاسلامي بالنصّ وبالواقع جعله فكراً متجذراً في الدين ومتجذراً في التاريخ، من هذا الموقع نظر الشهيد إلى العلاقة بين القرآن الكريم والتاريخ(1).

    وهذا يعني أنّ الشهيد، بصياغته للفكر الاجتماعي، نظر إلى مبدإ الاجتهاد في كلّ أبعاده. وهذه هي النظرة الوحيدة والضرورية لتنظير رؤية الاسلام الاجتماعية والسياسية، هذه الأخيرة مطلب حيوي وضروري للفكر الاسلامي عندما يعالج مشكلة القيم الأخلاقية، وعلاقتها بالمجتمع وبالتاريخ، ومشكلة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وكذلك بالنسبة للمذهب الاجتماعي ـ السياسي الذي يمكّنُ الأمة من التقدم.

    إنّ غياب المذهب الاجتماعي الاسلامي هو الذي جعل الفكر الاسلامي لا يطرح، إلاّ نادراً، مشكلة تقدم الاُمة من خلال نظرة شاملة إلى المجتمع في كلّ جوانبه السياسية والاقتصادية والأخلاقية.

    فالفكر الإسلامي الذي يسعى منذ القرن(19) إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإعادة بناء الدولة الإسلامية، قد وجد القوالب النظرية في الفكر الاجتماعي للشهيد، وهي القوالب التي تمكّن الحركات الاسلامية من أن تمفصل الشريعة بالواقع عن وعي بمتطلبات المرحلة التاريخية.

    [align=center]الجمع بين المعيارية والأخلاقية[/align]


    فالشهيد قد حرّر الفكر الاسلامي المعاصر من العائق ـ على الصعيد المنهجي ـ المتمثل في النزعة الأخلاقية، ذلك أنّ المشكلة التي تطرح أمام صياغة فكر اجتماعي اسلامي تكمن في خطورة النظر ـ على الصعيد المنهجي ـ إلى القضايا من موقع معياري فحسب، فقد عرف الشهيد كيف يتجاوز هذا العائق دون أن يأسر الفكر الاسلامي في المنهج الوضعي، ودون أن يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية تفسيراً لاهوتياً على الطريقة الكنسية في القرون الوسطى، فهو يرى أن الامداد الغيبي لا يتناقض مع سنة الله. فمنهجية العلاقة بين الأحكام التوقيفية (الغيب) والأحكام التوفيقية (المعاملات) تنتج عنها عقلانية مرتبطة بالنصّ وبالواقع معاً كما أشرنا فيما سبق. وهذا ما جعل الدائرة، التي يتحرك فيها فكر الشهيد دائرة واسعة سمحت له بمواصلة استثمار المفاهيم من النص بصفة مستمرة ومنقطعة النظير. فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من هذا المنظور يتحرك في مجال واسع لا حدود له، مجال يستوعب حركة التاريخ ويؤطرها ويوجهها.

    وهذا عكس النظريات والمذاهب الاجتماعية الوضعية، التي تتم صياغتها ضمن علاقة العقل بالواقع. إذ هي نتيجة للتاريخ أكثر مما توجه التاريخ، فالمنهجية الوضعية تؤدي إلى عقلانية خالية من العمق الروحي، الذي يمدّها بالطاقة التي تمكّنُها من صياغة المفاهيم، للتاثير على الواقع المتحرك.

    _______________________________

    1- انظر: التفسير الموضوعي: 18 ـ 23.

    [align=center][66][/align]


    [align=center]المذهب الوضعي شرك[/align]


    وهكذا فالشهيد قد نقض المبدأ الوضعي، الذي يزعم أنّ العلم يفسّر كلّ شيء، واعتبر هذا الموقف نوعاً من الشرك.

    إنّ موقف الشهيد هذا له أهمية في الميدان الابستمولوجي وذلك:

    1ـ أنّ الصفة الاُولى للفكر الاسلامي هي التواضع، الفكر الاسلامي يضع عقلانيته في إطار التعالي أي في إطار التقوى والعبودية لله تعالى، وهذا عكس موقف العالم الغربي الذي لا يثق إلاّ في نموذجه المعرفي الوضعي.

    2ـ هذه العلاقة بين المخلوق والخالق تعبر، إلى جانب البعد الروحي، عن مفهوم ابستمولوجي له اهمية كبرى في مجال المعرفة: يجب على المفكر المسلم ـ بحكم إيمانه ـ أن يستمر في فهم وتفسير الظواهر. هذه بعض النتائج التي استنبطها الشهيد من تفسيره للآية:

    (قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَاداً لِكَلِماتِ رَبّي لَنَفِد البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِماتُ رَبّي وَلَو جِئنَا بِمثِلهِ مَدَداً(1)).(2)

    [align=center]ثورة فكرية[/align]


    ولقد توصّل الشهيد، بفضل موقفه النقدي والجهادي، إلى فتح الطريق أمام المفكرين المسلمين، ليكتشفوا شمولية الصراع بين الاسلام والكفر، ويؤكدوا على تدهور القوالب الفلسفية الغربية عندما تطرح كأداة لتحليل المجتمعات الإسلامية. وهذا ما جعل الفكر الاسلامي يدخل عهد ثورة فكرية، وتحول جذري في الرؤية الفلسفية الاجتماعية، وهو تحول يقتضي من المفكرين المسلمين أن يكونوا في مستوى الأحداث، وفي مستوى القدرة على تجاوز أزمة المنهج، التي تتخبط فيها العلوم الاجتماعية في الغرب. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلاّ بالاتصال المباشر بواقع الأمة، لمعرفته عن طريق البحث في تاريخه، والاحتكاك بالمجتمع وبالجماهير، وعدم النظر إلى هذا الواقع من خلال نظريات العلوم الاجتماعية الغربية وفرضياتها.

    فالعلوم الاجتماعية في وضعها الحالي، وكما تدرس في جامعات العالم الإسلامي، هي مجرّد تغطية ـ باسم العلم ـ للتغريب، فهي تعتمد على أطر منهجية لتجذير الفكر الغربي على حساب الفكر الاسلامي، وتقديم «الاسلام العصري» للجماهير بدلا من الاسلام القرآني.

    وكردّ فعل تجاه هذا الغزو، قد طرح الشهيد قضية العلاقة بين الفكر والمجتمع طرحاً جديداً يختلف عن الفلسفة الإسلامية القديمة، التي تميز بين الخاصة والعامة، كما يختلف عن الحداثة، التي تنظر إلى الجماهير من بعيد وباستعلاء.

    فالمنهج العلمي يحتم مراعاة المنطق الداخلي للمجتمعات، التي هي موضوع الدراسة، والتعامل مع الواقع من خلال مفهوم الأمة ومفهوم «انسان العالم الإسلامي»(3) تنجم عنه آليات للتحليل ذات مردود

    _______________________________

    1- الكهف: 109.

    2- انظر السابق: نفس الصفحات.

    3- هذه العبارة استخدمها الشهيد في كل كتاباته بالتقريب
    .


    [align=center][67][/align]

    فكري مباشر على الشعوب الاسلامية. فالأمة الاسلامية توجد بصورة أو بأخرى، والاعتماد في الدراسة على هذه الحقيقة يجعل الفكر الاجتماعي الاسلامي متلازماً مع تاريخ الأمة وحاضرها وحركيتها للتحقق في المستقبل.

    وهكذا، فبفضل هذا المنهج تمكّن الشهيد من الإبداع خارج الفكر الغربي. ذلك أنّ النصّ كإطار مرجعي أدّى إلى الواقع (الاُمّة الإسلامية) كموضوع للدراسة والتحليل. وهذا يعني أنّ الفكر الاجتماعي الاسلامي الذي نظّره الشهيد ليس إعادة انتاج لتاريخ الغرب، وإسقاطاً لتطور الغرب على الأمة الاسلامية. فلا قيمة للعلوم الاجتماعية إذاكانت مجرّدة ومطلقة. فالعلوم الاجتماعية في العالم الاسلامي ـ كما أرسى معالمها الشهيد ـ هي علوم تستمد مشروعيتها وتستقرئ مفاهيمها من واقع الاُمّة.

    فالاُمة ـ كما طرحها الشهيد في كلّ كتاباته ـ أداة لتحليل التاريخ واستيعاب صيرورته، وهي بالتالي مشروع لتنظير فكر اجتماعي اسلامي على العموم، وعلوم اجتماعية إسلامية على وجه الخصوص.

    وهذه محاولة جادّة ـ لأنها جهادية ـ للتحرر من العلوم الاجتماعية الغربية، التي تزيّف المفاهيم والقيم الاسلامية، وتزيّف، تبعاًلذلك، الواقع الذي هو موضوع الدراسة.

    لقد وضع الشهيد بين أيدي الاسلاميين منهجاً للتحليل، يفتح أمامهم الطريق للإحاطة عن وعي بالمستجدات، وما يجري اليوم في العالم المعاصر. إنّه أعطى بناءً معرفياً للثقافة الاسلامية.




  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]الدراسة الثالثة: الطرح الفلسفي للعبادات عند الإمام الشهيد الصدر[/align]

    استوحى الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر من تشريع العبادات فكرة شاملة، وصلت إلى مستوى الصياغة الفلسفية لعلاقة الإنسان بالغيب وبالتاريخ، هذا البعد الفلسفي للعبادات لم يتم على حساب متطلبات الشرع عن طريق التأويلات القائمة للآيات القرآنية الكريمة وللأحاديث الشريفة، ففلسفة العبادات التي طرحها الشهيد تتمحور كلها حول التقوى من حيث المنطق والغاية التي تحكم العبادات كلّها.

    [align=center]فكرة التقوى[/align]

    وهنا تتجلى الجوانب الاجتماعية والسياسية للعبادات. ذلك أن التقوى كما حلّلها الشهيد ليست حالة عاطفية مجرّدة ومريحة يلجأ إليها الانسان لتعويض هموم الحياة، بل التقوى هي نقطة الالتقاء بين العبادات والمعاملات، وبذلك تمتد التقوى إلى كلّ جوانب الحياة الاجتماعية.

    وفي ضوء هذه النظرة نجد أنّ العبادات لا تمثل خطاً عمودياً فحسب (العلاقة بين الانسان والله تعالى). فالروحانية هنا متعددة الأبعاد، ومن هنا خصوصيتها في الرؤية الإسلامية. ذلك أنّ أنواع الروحانيات الأخرى من بوذية ومسيحية وغيرهما هي روحانيات مريحة وانسحابية (أي منعزلة عن المجتمع). في حين

    [align=center][68][/align]

    أنّ الروحانية في الرؤية الإسلامية ـ كما تتجلّى في تحليل الشهيد للعبادات ـ هي روحانية متجذرة في الحياة الاجتماعية، فهي انطلاقة إيمانية تشمل الحياة كلّها. فالعبادة من هذا المنظور تجعل الانسان يعيش في حالة الالتزام بقضايا المجتمع ووعي بحركة التأريخ.

    [align=center]العبادات حضور إنساني[/align]


    فالعبادات بهذا المعنى ليست حالة انفعالية، بل هي حضور الإنسان كله جسماً وعقلا وعاطفة، فهي تتناقض مع الحالات العاطفية والانفعالية التي يغيب فيها العقل، لأنّ غياب العقل يعني أنّ الفوضى ستدبّ في مسيرة الأمة، وهذا يتناقض جذرياً مع العبادات التي شرعها الله تعالى بنظام منقطع النظير.

    فالعواطف الناجمة عن العبادات ليست عواطف عفوية، بل مؤطرة بالأحكام الشرعية، وما تقتضيه العبادات من نظرة إلى الكون والحياة.

    فلا يمكن إذن النظر إلى العبادات، كما حلّلها الشهيد، من موقع الروحانية أو المادية أو المثالية أو الوضعية. فالفلسفة المستنبطة من العبادات هي فلسفة منقطعة النظير. فمفاهيم الفلسفة الغربية لا تطيق أن تشكل قالباً لما تزخر به العبادات من عواطف وقيم وعقلانية صارمة ووعي بحركة التأريخ(1).

    [align=center]لماذا كانت العبادات ثابتة لا تتطور؟[/align]


    العبادات كما حلّلها الشهيد هي واجب شرعي يلبي حاجة وجودية وضرورة كونية يحسّ بها الانسان بحكم إنسانيته أي بحكم فطرته، فعن طريق العبادات يرتبط النسبي بالمطلق: «ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثل أحد أوجهها الثابتة التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة وظروف التطور المدني في حياة الإنسان إلا بقدر يسير...»

    ففي مجال العبادات يصلي إنسان عصر الكهرباء والفضاء ويصوم ويحج، كما كان يصلي ويصوم ويحج في عصر الطاحونة اليدوية...

    ونستنتج من ذلك أن نظام العبادات يعالج حاجة ثابتة في حياة الانسان، لأنّ العلاج يصيغة ثابتة يفترض أنّ الحاجة ثابتة(2).

    [align=center]علاقة الإنسان بالمطلق[/align]


    لا شك أنّ المذاهب الفلسفية قد صاغت علاقة الإنسان بالمطلق ضمن نظرياتها الميتافيزيقية. لكن الإسلام نظم ـ عن طريق العبادات ـ علاقة الإنسان بالمطلق، ولم يتركها في عموميتها تنزلق في متاهات الفكر المجرّد والتخمينات الميتافيزيقية، فتشريع العبادات يتضمن أنه لا يمكن للإنسان أن يرتبط بالمطلق إلا عن طريق الدين، فنسبية الإنسان تجعله كائناً مفتقراً إلى الله سبحانه وتعالى. لكنه لا يمكن أن يصوغ علاقته بالمطلق لعجز عقله عندما يسعى إلى تعقيل الغيب. فالعبادات كما حللها الشهيد هي الإطار، الذي تتم فيه صياغة الرؤية الإسلامية للمشكل الميتافيزيقي من الناحية المنهجية والمعرفية.

    [align=center]الفرق بين العبادات والمعاملات[/align]
    _______________________________

    1- انظر: نظام العبادات في الإسلام، الفصل الخامس: 145، حيث يطرح الشهيد العلاقة بين الحج والوعي التأريخي، نشر منظمة الإعلام الإسلامي، طهران 1404هـ.

    2- المصدر السابق: 13 ـ 14.



    [align=center][69][/align]


    إنّ عدم طرح العبادات وكلّ ما يتعلق بعالم الغيب (كذات الله سبحانه وتعالى وصفاته) للاجتهاد يعني، من وجهة نظر الشريعة، أنّ الاحكام في هذا المجال هي أحكام توقيفية، ويعني هذا الموقف القرآني، من الناحية الفلسفية والمنهجية، أنّ الاسلام يقف موقفاً نقدياً من المعرفة، لم يدرك الفكر الفلسفي بعض جوانبه إلا ابتداءً من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (E. Kant) في العصر الحديث، في حين طرح القرآن الكريم القضايا العملية للاجتهاد، أي سمح بتدخل العقل حسب متطلبات الشرع ومقتضيات الواقع. فالأحكام المرتبطة بالمعاملات هي أحكام توفيقية ذات علاقة بمنطقة الفراغ، التي صاغ الشرع حدودها ومبادئها.

    أما في مجال العبادات ومجال الغيبيات فلم يكتف القرآن الكريم بإعطاء المبادئ العامة، بل أنه قدمها في صورتها النهائية التي لا تقبل أي تجاوز. فتفسير العبادات ميتافيزيقيا خارج عن طاقة الإنسان، ولا كلام لبشر بعد كلام الله في هذا المجال، لأنّ كلّ محاولة لعقلنة العبادات تخرج بالإنسان عن حدود المعقولية. يقول الشهيد محمد باقر الصدر:

    «نظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثل أحد أوجهها الثابتة، التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة، وظروف التطور المدني في حياة الانسان إلا بقدر يسير، خلافاً لجوانب تشريعية أخرى مرنة ومتحركة، يتأثر أسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطور المدني في حياة الانسان كنظام المعاملات والعقود.

    وهذا يعني أنّ الشريعة لم تعط الصلاة والصيام والحج والزكاة وغيرها من عبادات الإسلام كوصفة موقوتة وصيغة تشريعية محدودة بالظروف، التي عاشتها في مستقبل تاريخها، بل فرضت تلك العبادات على الإنسان وهو يزاول عملية تحريك الآلة بقوة الذرة، كما فرضتها على الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي»(1).

    [align=center]دور العقل في العبادات[/align]


    وهكذا تشكل النظرة القرآنية، بالنسبة للشهيد، منظومة يتداخل فيها الشرع مع العقل والواقع. ويمكن القول، من الناحية الفلسفية وبالإضافة إلى الناحية العقائدية: إنّ هذه النظرة تقوم على أساسين: أساس معرفي يتمثل في نقد العقل وقدرته المحدودة في مجال الغيب، وأساس اجتماعي يسعى إلى ضمان وحدة الأمة عن طريق إبعادها عن كلّ اختلاف يعود أثره بالتفكك الاجتماعي والسياسي.

    وإذا كان العقل لا يتدخل في العبادات باسم المنطق أو باسم الاجتهاد، فإنه يتدخل في تحليل العلاقة بين العبادات والمجتمع والكشف عن أبعادها ونتائجها. فصورة العبادات أوسع مما يتصور أصحاب فقه الفروع، فهي تؤطر وتنظم تطلع الإنسان نحو المطلق، ذلك التنظيم الذي ينعكس إيجابياً على الممارسات الحضارية للإنسان.

    [align=center]الضـياع[/align]


    «لأنّ مشكلة الضياع تعني بالنسبة إلى الإنسان أنه صيرورة مستمرة تائهة، لا تنتمي إلى مطلق يستند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقة الطويلة المدى، ويستمد من اطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف، ويربط من خلال ذلك المطلق حركته بالكون وبالوجود كلّه، بالأزل والأبد، ويجدد

    _______________________________

    1- السيد الشهيد محمد باقر الصدر، الفتاوى الواضحة: 704، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الثامنة، بيروت 1983م.

    [align=center][70][/align]


    موقعه منه وعلاقته بالإطار الكوني الشامل. فالتحرك الضائع بدون مطلق تحرك عشوائي كريشة في مهب الريح، تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثر فيها، وما من ابداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التأريخ، إلا وهو مرتبط بالاستناد إلى مطلق، والالتحام معه في سير هادف»(1).

    [align=center]إخضاع المادة للروح لا إلغاء المادة[/align]


    فارتباط الإنسان بالمطلق عن طريق العبادات يختلف عن التخمينات الميتافيزيقية، التي تنفر من الواقع أو تخضع له وتبرره، فالعبادة ثورة الروح على المادة، لا لرفض هذه الأخيرة بل لإخضاعها إلى القيم الإلهية: «فالسير نحو المطلق كله علم وكله قدرة، وكلّه عدل، وكلّه غنى، يعني أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلا باستمرار ضد كلّ جهل وعجز وظلم وفقر.

    [align=center]المطلق الحقيقي والمطلقات الوهمية[/align]


    وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق، فهي إذن ليست تكريساً للإله، وإنما هي جهاد مستمر من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق المثل العليا (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيُ عَنِ العَالَمِينَ)(2)... وعلى العكس من ذلك المطلقات الوهمية والآلهة المزيفة، فإنها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكلّ تطلعاتها، لأنّ هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز، أو حاجة الإنسان الفقير، أو ظلم الإنسان الظالم، فهي مرتبطة عضوياً بالجهل والعجز والظلم، ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمر ضدها»(3).

    فالارتباط بالله سبحانة وتعالى عن طريق العبادات، يعني إذن ثورة جذرية ضد كلّ المطلقات الزائفة والوهمية. هذا الارتباط هو تحرّر من كلّ العوائق، التي تطرح نفسها كعقبات يستحيل تجاوزها.

    فالعبادة إذن هي كسر للمستحيل الموهوم:

    «إنّ الارتباط بالله تعالى بوصفه المطلق الذي يستوعب تطلعات المسيرة الانسانية كلّها، يعني في الوقت نفسه رفض كلّ تلك المطلقات الوهمية التي كانت تشكل ظاهرة الغلو في الانتماء، وخوض حرب مستمرة ونضال دائم ضد كلّ ألوان الوثنية والتأليه المصطنع، وبهذا يتحرّر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة، التي تقف حاجزاً دون سيره نحو الله وتزور هدفه وتطوق مسيرته»(4).

    [align=center]العبادة دافع للكمال[/align]


    وهكذا فالعبودية تدفع بالإنسان نحو الكمال. فكلما تعمق وعي الإنسان بعبوديته لله، إلا وتقدم خطوة نحو الكمال، وهذا عكس الفكر الوضعي، الذي يتصور التقدم من منظور مادي ينفي وجود الله تعالى ويؤله الإنسان.

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 808.

    2- العنكبوت: 6.

    3- نفس المصدر: 710 ـ 711.

    4- نفس المصدر: 711.


    [align=center][71][/align]


    فالمثالية والعبودية مفهومان مترابطان في الفكر الإسلامي كما طرحه الشهيد، حيث إنّ الإنسان لا يحقق خلافته لله في الأرض بارتباطه بالله تعالى.

    فالعبادات تتميز بالشمولية التي تجعل الانسان يؤسس أعماله ونشاطاته على الإيمان بالله تعالى:

    «وفي ذلك تختلف الشريعة الإسلامية عن اتجاهين دينيين آخرين وهما:

    أولا: الاتجاه إلى الفصل بين العبادة والحياة.

    وثانياً: الاتجاه إلى حصر الحياة في إطار ضيق من العبادة، كما يفعل المترهبون والمتصوفون»(1).

    ومعنى هذا أنّ الإنسان في الإسلام لايعيش تناقضاً داخلياً بين روحه وجسده، بين القيم الدينية ومتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فعدم وجود فصل بين العبادة والحياة، وعدم وجود نزعة روحية على طراز التصوف الفلسفي، ينتج عنه ـ من الناحية الفلسفية ـ أنّ النمط الفكري المستنبط من الإسلام ينفر من الثنائية، ولا يمكن أن يدرج في إطار المثالية أو المادية أو العقلانية:

    «والشريعة الإسلامية ترفض هذا الاتجاه أيضاً (يقصد المؤلف فصل العبادات عن الحياة» لأنها تريد العبادات من أجل الحياة فلا يمكن أن تصادر الحياة، من أجل العبادات. وهي في الوقت نفسه تحرص على أن يسكب الإنسان الصالح روح العبادة في كلّ تصرفاته ونشاطاته، ولكن لا بمعنى أنه يكف من النشاطات المتعددة في الحياة، ويحصر نفسه بين جدران المعبد، بل بمعنى أن يحول تلك النشاطات إلى عبادات»(2)

    [align=center]المنظومة المفاهيمية حول العبادات[/align]


    لا يمكن وجود ممارسة لتغيير الواقع بدون مرتكزات نظرية، بدون منطق أو منظومة مفهومية وقيمية يعتمد عليها العمل على ارساء قواعد مجتمع جديد.

    إنّ المفاهيم والقيم الأساسية المتعلقة بالعبادات توجد في شكل نسق ينتمي إلى المنظومة الإسلامية العامة، التي لا تفصل بين الدين والدنيا، وهذا النسق لا يقل صرامة ـ من الناحية العقلانية ـ عن النسق العلمي، بل إنّ صرامته أقوى وأعمق، لأنّه يجدّد علاقات قدسية وروحية، لها امتدادات اجتماعية وسياسية تتأثر في العلاقة بين الإنسان والله تعالى. فانطلاقاً من هذه الفكرة يتجلّى أنّ موقف الشهيد من العبادات هو النتيجة الحتمية لمتطلبات النص، فليس هذا الموقف موقفاً عاطفياً أو روحياً محضاً، بل هو ينتمي إلى أرضية فكرية تحدّد الرؤية الإسلامية إلى الكون والإنسان والأمة وعلاقتها بالشعوب الأخرى وبالتاريخ. لا يمكن لمفاهيم وأحكام وقيم دقيقة كتلك التي ترتبط بالعبادات أن توجد مبعثرة وعفوية دون نظرية ـ ضمنية ـ تتسق ضمنها تلك المفاهيم والأحكام والقيم.

    فكلّ كتابات الشهيد دليل على أنّ الفكر الإسلامي تتعمق معرفته للواقع بفضل الأحكام والمفاهيم الدينية. وتتعمق، في نفس الوقت، معرفته بمقاصد الشريعة بفضل تحليله للواقع حسب مقتضيات الشريعة.

    إنّ تفهم محتوى العبادات وأبعادها الحضارية لا يعني التدخل عن طريق الاجتهاد للتغيير الظاهري والبنيوي للعبادات.

    فالفكر الإسلامي الذي نَظَّرهُ الشهيد يؤمن بأنّ العبادات فريضة إلهية يجب أن يؤديها المسلمون كما قرّر

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 724.

    2- نفص المصدر: 726.


    [align=center][72][/align]

    النصّ:

    «إذا أخذنا التفاصيل التي تتميز بها كلّ عبادة وآدابها بالدرس والتحليل، فكثيراً ما نستطيع على ضوء تقدم العلم الحديث أن نتعرف على الحكم والأسرار، التي يعبر عنها التشريع الإسلامي بهذا الشأن، واستطاع العلم الحديث أن يكشف عنها...

    ولكن على الرغم من ذلك نواجه في كثير من الحالات نقطاً غيبية في العبادة، أي جملة من التفاصيل لا يمكن للإنسان الممارس للعبادة أن يعي سرّها، ويفسرها تفسيراً مادياً محسوساً، فلماذا صارت صلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة الظهر أكثر من ذلك؟ ولماذا اشتملت كلّ ركعة على ركوع واحد لا ركوعين وعلى سجدتين لا سجدة واحدة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، التي يمكن أن تطرح من هذا القبيل.

    [align=center]الجانب الغيبي وأثره التربوي[/align]

    ونسمّي هذا الجانب الذي لا يمكن تفسيره من العبادات بالجانب الغيبي منها... ومن هنا يمكن اعتبار الغيبية ـ بالمعنى الذي ذكرناه ـ ظاهرة عامة في العبادات ومن ملامحها المشتركة. وهذه الغيبية مرتبطة بالعبادات ودورها المفروض ارتباطاً عضوياً، ذلك لأنّ دور العبادات ـ كما عرفنا سابقاً ـ هو تأكيد الإيمان والارتباط بالمطلق وترسيخه عملياً، وكلما كان عنصر الانقياد والاستسلام في العبادة أكبر، كان أثرها في تعميق الربط بين العابد وربه أقوى. فإذا كان العمل الذي يمارسه العابد مفهوماً بكلّ أبعاده واضح الحكمة والمصلحة في كلّ تفاصيله، تضاءل فيه عنصر الاستسلام والانقياد، وطغت عليه دوافع المصلحة والمنفعة، ولم يعد عبادة لله بقدر ما هو عمل نافع يمارسه العابد، لكي ينتفع به ويستفيد من آثاره...

    وهكذا نستخلص أنّ الغيبية في العبادة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدورها التربوي في شد الفرد إلى ربه، وترسيخ صلته بمطلقه»(1).

    [align=center]العلاقة بين العبادة والحياة الاجتماعية[/align]



    إلا أنّ الشهيد يرى أنّ الرجوع إلى النص، يجعلنا نكتشف بسهولة أنّ العلاقة بين العبادة والحياة الاجتماعية والسياسية هي كذلك علاقة أكّد عليها النص، وليست من انتاج الفكر الإسلامي الاجتهادي فحسب.

    ومعنى هذا أنّ القيم والمفاهيم التي يستخرجها المجتهد من العبادات، ليدعم بها مسيرة الأمة، وإعادة بناء الحضارة الإسلامية، هي مفاهيم يخضع انتاجها لشروط تتمثل في متطلبات المنظومة الإسلامية من جهة، وفي مقتضيات الظروف الاجتماعية والتأريخية من جهة أخرى. لقد كان انحطاط الأمة الإسلامية متوازناً مع انطفاء الشعلة الروحية الناتجة عن انفصال الدين عن الدنيا، أو عن ربط مهلهل بينهما من طرف السلطات المنحرفة، فهذه العلمانية المستمرة بالدين قد بدأت في وقت مبكر في تاريخ الأمة، وما تحويل الدولة الإسلامية المبنية على المبادئ والقيم الإلهية إلى ملك إلا تعبيراً صريحاً عن انفصال الدين عن الدولة، أو عن جعل الدين في خدمة السلطة الحاكمة.

    وقد برز الفكر الإسلامي الذي صاغه الشهيد كفكر متجاوز للأمر الواقع، يحاول أن يعيد الأمة إلى الطريق الإسلامي عن طريق الربط بين الدين والدنيا، حسب متطلبات النص والعقل والواقع. أي من

    _______________________________

    1- نظام العبادات في الإسلام: 32 ـ 33.


    [align=center][73][/align]

    موقع، تعبدي واجتهادي.

    فالشهيد قد حاول أن يبتعد عن النظرة التجزيئية المتناقضة مع شمولية الإسلام. ففي هذا السياق نستطيع استيعاب أهمية تحليل الشهيد السيد محمد باقر الصدر للعبادات، فهو تحليل ينطلق من موقف واعي وحركي للإسلام، ويربط بين الأحكام الإسلامية وقضايا الأمة من منظور فقهي وفلسفي لا يفصل بين العبادة والحياة الاجتماعية.

    فحركة الأمة واستمراريتها على ساحة التأريخ، تستمد ديمومتها من تطلع إنسان العالم الإسلامي إلى الله سبحانه وتعالى، ذلك التطلع الذي يتجلّى بكلّ قواه في العبادات، التي تمثل منطلق الأمة نحو تجاوز كلّ أنواع الاستلاب. فالعبادة تتضمن قيمتين أساسيتين ـ إضافة إلى بعدها الروحي والغيبي ـ الوحدة والحركة. فالوحدة واجب شرعي وضرورة اجتماعية وتأريخية، لتتمكن الأمة من مجابهة كلّ أنواع التحديات، وحركة الأمة وصيرورتها هي بدورها نتيجة لوحدتها:

    «ونلاحظ أنّ العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً عن الارتباط بالمطلق، يندمج فيها عملياً الإثبات والرفض معاً، فهي تأكيد مستمر من الإنسان على الارتباط بالله تعالى، وعلى رفض أي مطلق آخر من المطلقات المصطنعة.

    فالمصلي حين يبدأ صلاته بـ (الله أكبر)يؤكد هذا الرفض... وحين يمسك عن الطيبات، ويصوم حتى عن ضرورات الحياة من أجل الله متحدياً الشهوات وسلطاتها يؤكد هذا الرفض.

    وقد نجحت هذه العبادات في المجال التطبيقي في تربية أجيال من المؤمنين، على يد النبي صلى الله عليه وآله والقادة الأبرار من بعده، الذين جسدت صلاتهم في نفوسهم رفض كلّ قوى الشر وهوانها، وتضاءلت أمام مسيرتهم مطلقات كسرى وقيصر، وكل مطلقات الوهم الإنساني المحدود.

    على هذا الضوء نعرف أنّ العبادة ضرورة ثابتة في حياة الانسان ومسيرته الحضارية، إذ لا مسيرة بدون مطلق تنشد إليه وتستمد منه مثلها، ولا مطلق يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الطويل سوى المطلق الحقّ سبحانه، وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكل حتماً بصورة وأخرى عائقاً عن نمو المسيرة... ولا ارتباط بالمطلق الحق بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكده ويرسخه باستمرار، وهذا التعبير العملي هو العبادة، فالعبادة إذن حاجة ثابتة»(1).

    [align=center]البعد الاجتماعي ليس بعداً وظيفياً[/align]


    إنّ التأكيد على البعد الاجتماعي والحضاري للعبادات، لا يعني ـ في نظر الشهيد ـ أنّ تحليل العبادات قد تمّ من وجهة نظر وظيفية أو سوسيولوجية محضة، أو من وجهة نظر النزعة الاجتماعية، أو النزعة التاريخية التي تفسر الدين باعتباره مجرّد ظاهرة اجتماعية، فترجع نشوءه وشعائره إلى التفاعل الاجتماعي أو إلى العوامل التاريخية، بل على العكس من هذا فإنّ البعد الاجتماعي والحضاري للعبادات قد تمت صياغته في إطار الاجتهاد ومقاصد الشريعة.

    فالشهيد لم يطرح تحليله داخل الاشكالية الضيقة للاختيار بين العبادات كعبادات محضة أو وظيفة اجتماعية محضة، لأنّ هذه الاشكالية الضيقة تتناقض جذرياً، في نظر الشهيد، مع مقاصد الشريعة ومع

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 23 ـ 24.


    [align=center][74][/align]


    فلسفة الإسلام في ذات الوقت: إنّها تنطلق من طرح ناقص وغير مشروع لمفهوم العبادة، وتحدث ثنائية لا وجود لها في الإسلام:

    «العبادة في الأساس تمثل علاقة الانسان بربّه، وتمدّ هذه العلاقة بعناصر البقاء والرسوخ غير أنها صيغت في الشريعة الإسلامية بطريقة جعلت منها ـ في أكثر الأحيان ـ أيضاً أداة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وهذا ما نقصده بالجانب الاجتماعي في العبادة...

    وفي العبادات ما لا يفرض التجمع بنفسه، ولكن مع هذا ربط بشكل وآخر بلون من ألوان التجمع، تحقيقاً للمزج بين الإنسان بربّه، وعلاقته بأخيه الإنسان في ممارسة واحدة...

    وهكذا نلاحظ أنّ العلاقة الاجتماعية تتواجد غالباً بصورة وأخرى، إلى جانب العلاقة العبادية بين الإنسان العابد وربّه في ممارسة عبادية واحدة، وليس ذلك إلا من أجل التأكيد على أنّ العلاقة العبادية ذات دور اجتماعي في حياة الانسان، ولا تعتبر ناجحة إلا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيهاً صالحاً»(1).

    [align=center]في الإسلام: كل عمل عبادة[/align]


    فالفكر الإسلامي الذي صاغه الشهيد ينظر إلى الإسلام على أنه عقيدة وشريعة، دين ودولة إلى درجة أنّ كلّ نشاط يقوم به المسلم لوجه الله يعتبر عبادة.

    وكما أنّ مفهوم العبادة لا يجوز طرحه، في نظر الصدر، من وجهة نظر روحية محضة أو سياسية محضة، فكذلك على الصعيد الفلسفي لا تطرح علاقة الانسان بالطبيعة والمجتمع من وجهة نظر مادية محضة أو مثالية محضة، فنظرة الاسلام إلى العبادة، كما صاغها الشهيد، تعبر عن نظرة كلية وشمولية يمكن أن تستنبط منها فلسفة إسلامية ذات إمكانيات هائلة على مستوى المفاهيم، يمكن أن تجابه كلّ المذاهب الفلسفية المعاصرة مجابهة قوية وجذرية.

    فالإسلام، في نظر الصدر، يؤكد على المقاصد، ولا ينظر إلى العباده مجرّدة عن الغايات والأهداف، فالتأكيد على البعد الاجتماعي للعبادات ليس بُعداً أجنبياً عن هذه الأخيرة، أي بعداً أضيف في صورة إطلاق شعارات جديدة على العبادات، بل هو عنصر جوهري ومقصود من الشارع. فالوظيفة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعبادات، لا تنفي التعبد المفروض أساساً وابتداءً على المسلمين، بل تؤكده وتربطه بشمولية الإسلام ومنهجيته في توحيد الأمة واستمراريتها عبر التأريخ، ونلاحظ في هذا السياق تناسقاً بين الجانب اللامتغير والثابت في العبادات، وبين العمل على استمرارية الأمة عبر التأريخ كواجب ديني، فاستمرارية الأمة تجد مرتكزاً لها في منظومة العبادات من الصلاة إلى الحجّ. فالأمة الإسلامية من حيث أمّة الخلافة في تحقق مستمر نتيجة لجدلية الصراع بين مفهوم الأمّة كمجتمع مفتوح وشمولي، وبين النزعة القبلية قديماً والقومية حديثاً كمجتمع مغلوق. والعبادات بما تتضمنه من شعائر وفرائض ثابتة مهما تغيرت الظروف والأحوال، تدعم تحقق الأمّة بتعبئة المسلمين وتوعيتهم، وجعلهم في وضعية جهادية بصفة مستمرة.

    [align=center]التعامل مع الواقع[/align]

    _______________________________

    1- نفس المصدر: 38 ـ 39.


    [align=center][75][/align]


    لقد قام الشهيد السيد محمد باقر الصدر بتحديد مفهومي للعبادات ضمن تصور كلّي للشريعة وضبط صيغة واضحة في التعامل مع النصّ ومع الواقع، فهو لم يتعامل مع واقع الأمة بطريقة فوضوية، أو بطريقة ميتافيزيقية مثل الفلاسفة المسلمين قديماً، والمحدثين في العالم الإسلامي، الذين يتميزون بالنظرة التجزيئية، التي تحاول دون جدوى فرض المفاهيم الغربية على واقع الأمّة، فليس موقف الشهيد ـ تبعاً لذلك ـ بعيداً عن تطلعات الشعوب الإسلامية، ففكره أقرب إلى عواطف الجماهير وتوقانها لممارسة القيم الإسلامية. أمّا الفلاسفة المسلمون قديماً والمحدثون في عصرنا فإنّهم يخاطبون الناس من بعيد، ويطرحون عليهم مشكلات ليست بمشكلاتهم.

    [align=center]موقف فكري ثابت وقراءة واحدة للنص[/align]


    إنّ النظرة الشمولية إلى النصّ فيما يخص العبادات، جعلت موقف الشهيد يتميز على الصعيد الذهني بعدم التذبذب الفكري، فهو ليس عرضة لتغيير رأيه، بل له القدرة على الثبات في موقع فكري معين، وعدم التبعثر بين منطلقات واتجاهات مختلفة ومتضاربة. ونتيجة لذلك فقراءته للنص ليست قراءة تجزيئية، بل قراءة اجتماعية وتاريخية تنطلق من موقف تعبدي إيماني في الأساس(1). ومعنى هذا أنّ مقاصد الشريعة، التي عن طريقها يتمّ التأكيد على البعد الاجتماعي والسياسي للعبادة ليست مصادر تشريع خارجية، بل هي جزء من المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي، وإلا لما صح أن تكون عملية استنباط الوظائف الاجتماعية للعبادة عملية اجتهادية أي موقفاً تعبدياً ومعرفياً من النص. فالحكم الذي توصل إليه الشهيد وكلّ المفكّرين المسلمين الرساليين فيما يخصّ العلاقة بين العبادة والحياة الاجتماعية، باسم متطلبات الدين ووحدة الأمة واستمراريتها يعتبر حكماً شرعياً من الناحية الفقهية، وهو من الناحية المنهجية والفلسفية نتيجة حتمية لشمولية الإسلام ولاستمرارية الأمّة الإسلامية.


    [align=center]مقولات الصدر في مواجهة التجديد العلماني والاجتهاد المهلهل[/align]


    إنّ الفكر الإسلامي الذي صاغه الشهيد في مجابهة شاملة للعلمانية، التي تعمل من خلال مظلة التجديد، وضد الفكر «الإسلامي» المهلهل الذي يعمل تحت مظلة الاجتهاد، وكلا الموقفين يحاولان عزل الإسلام عن الواقع من خلال الإسلام ذاته عن طريق تفتيت مقولة الإسلام دين ودولة، وتفريغها من مضامينها وأبعادها.

    ويبرز خطأ وانحراف هذه المواقف على الصعيد المنهجي والفلسفي وذلك:

    1 ـ أنّ مقولة الإسلام دين ودولة، وربط العبادات بالحياة الاجتماعية والسياسية كمبدإ تابع لتلك المقولة يُعتبران جزءاً من كلّ وعنصراً من مجموعة. وكلّ محاولة لإحداث قطيعة بين الإسلام والدنيا، بين العبادة والحياة الاجتماعية والسياسية ليست محاولة موضوعية من الناحية العلمية، أي من وجهة نظر فلسفة العلوم، وذلك أنّها نظرة تجزيئية ذاتية تتناول الإسلام بالتحليل من خلال أفكار مسبقة.

    فهذه المواقف تتناقض مع المنهج العلمي، الذي يحتم أن يكون التحليل لكلّ الظواهر تحليلا كلياً وتركيبياً لا انتقائياً وتجزيئياً.

    [align=center]مقولة «الإسلام دين ودولة»[/align]


    _______________________________

    1- انظر: التفسير الموضوعي للشهيد محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات ـ بيروت، الطبعة الثانية 1981م.


    [align=center][76][/align]


    2 ـ أنّ مقولة الإسلام دين ودولة، وما ينتج عنها من منظور سياسي وثقافي واقتصادي لها خلفيتها الفلسفية، التي ساهم الشهيد في اكتشافها وتنظيرها، وهذه الخلفية الفلسفية ذات إشكالية معرفية واجتماعية وميتافيزيقية تختلف عن كل الاشكاليات الفلسفية، التي طرحت منذ افلاطون إلى يومنا هذا، وذلك إذا كانت الفلسفة قديماً وحديثاً تتأرجح بين المادية والمثالية، بين أسبقية الواقع على الفكر، أو الفكر على الواقع، بين التركيز على الجانب الروحي في حياة الإنسان أو على الجانب المادي فهي فلسفة ذات استقطاب أحادي وذات بعد واحد.

    إنّ الفلسفة الإسلامية المعاصرة كما تتجلّى في فكر الشهيد، والمستنبطة من مقولة الإسلام دين ودولة، ومن التلاحم بين العبادات والسياسة تؤكد على النظرة الكلية والتركيبية للظواهر الإنسانية على العموم، وتؤكد تبعاً لذلك، على التشابك والتفاعل والتأثير المتبادل بين الفكر والمادة، بين الجانب الروحي والجانب المادي في حياة المجتمعات.

    [align=center]مقولة «الفطرة»[/align]


    ويرى الشهيد ـ من خلال صياغته للفلسفة الإسلامية المعاصرة ـ أنّ الفلسفة الماركسية مثلها مثل سائر الفلسفات، التي تدور في أحد الفلكين: المادية أو المثالية. وأنّها عالجت مشكلة الإنسان معالجة ناقصة على الرغم من طرحها لفكرة التفاعل بين البنية الاقتصادية والبنيات الثقافية والسياسية، فلا مجال ـ في الفلسفة الإسلامية التي صاغها الشهيد ـ للحديث عن نظرة شمولية دون ربط عالم الشهادة بعالم الغيب، دون تجاوز المقولة الماركسية، التي تحدّد الانسان بأنه «مجموع العلاقات الاجتماعية» فالفلسفة الإسلامية، التي طرحها الشهيد، ترى أنّ العلاقات الاجتماعية، ليست إلا بعداً من أبعاد الانسان، وتضع هذه الفلسفة أطروحة «الفطرة» أو الطبيعة البشرية مقابل النزعة الاجتماعية، التي تميز الفكر الغربي وخاصة الماركسية، فالفطرة تتمتع بصفات أساسية من ضمنها البعد الاجتماعي، فبدلا من القول: بأنّ الطبيعة البشرية ذات مصدر اجتماعي، يجب القول ـ في نظر الشهيد ـ بأنّ المجتمع هو الذي يصدر عن الإنسان ويعبر عن خلافته لله في الأرض، وأنّ العنصر الأعمق في الإنسان هو البعد الروحي، الذي يعطي للمجتمع طابعاً فوق ـ بيولوجي.

    [align=center]ربط الجانب الروحي بالجانب الاجتماعي[/align]


    فهذا الموقف لا يفصل إذن بين الجانب الروحي والجانب الاجتماعي، فأهم مايميز فكر الشهيد هو محاولته المستمرة على أن يطرح رؤيته في سياق مقولة الاسلام دين ودولة، التي تؤدي حتماً ـ فيما يخص الموضوع الذي نعالجه في هذا البحث ـ إلى التلاحم بين العبادة والحياة الاجتماعية، وعلى العموم فعلاقة عالم الشهادة بعالم الغيب ومقولة الاسلام: الإسلام دين ودولة (شمولية الإسلام بتعبير الشهيد)وما يترتب عنها من تلاحم بين العبادات والحياة الاجتماعية، يطرحان إطاراً عاماً لفلسفة إسلامية أصلية يؤهلها بعدها الروحي إلى تجاوز المذاهب الفلسفية الغربية المبنية على النقد وحده.

    هذه العقلانية الإسلامية المرتبطة في الأساس والجوهر والهدف بعالم الغيب، هي القاسم المشترك لكلّ جوانب الإسلام، فهي من مضمنات العقيدة والعبادة والمعاملات. فالعقلانية الإسلامية توجب على المسلمين أن لا يمنحوا ولاءهم لغير الله سبحانه وتعالى، وأن لا يستجيبوا لأية فلسفة أو ايديولوجية من دون الاسلام.

    [align=center]عقلانية العبادات[/align]


    ولأنها عقلانية إسلامية فهي ترتكز ـ كما أشرنا فيما سبق ـ على البعد الغيبي. ويتجلّى هذا الأساس الغيبي

    [align=center][77][/align]


    في العبادات حيث يتداخل الجانب الغيبي مع الجانب العقلي، ويدعمه ويفتح له آفاقاً لا حدود لها نحو تجاوز الأمر الواقع ونحو كسر العوائق ومعادلات الكفر، فالعبادات تمنح للعقلانية المعنى الوجودي، الذي حرم ومنع العقلانيات الغربية، ومن هنا فالغيبية التي ترتكز عليها عقلانية العبادات، ليست غيبية مريحة مبنية على التواكل، بل هي غيبية جهادية مبنية على التوكل، الذي يوفق بين الإمداد الغيبي وسنن التطور الاجتماعي والتاريخي. يقول الشهيد:

    «فنظرة إنسان العالم الإسلامي إلى السماء قبل الأرض، يمكن أن تؤدي إلى موقف سلبي تجاه الأرض، وما في الأرض من ثروات وخيرات يتمثل في الزهد أو القناعة أو الكسل، إذا فصلت الأرض عن السماء، وأما إذا ألبست الأرض إطار السماء، فأعطى العمل مع الطبيعة صفة الواجب ومفهوم العبادة، فسوف تتحول تلك النظرة الغيبية لدى الإنسان المسلم إلى طاقة محركة وقوة دفع نحو المساهمة بأكبر قدر ممكن في رفع المستوى الاقتصادي»(1).

    هذا والعاطفة التي تضرب بجذورها في العبادات ليست ـ في معناها الإسلامي ـ عاطفة عمياء أو عفوية، فالعقلانية كما صاغها الشهيد هي عقلانية تتم في إطار الدين: إسلام الإنسان فكرهُ وروحه لله سبحانه وتعالى إسلاماً كلياً على صعيد المعرفة وعلى صعيد الممارسة، ففكر الشهيد الذي ينظر إلى العبادات حسب آفاقها الاجتماعية والحضارية، يطرح نفسه ضمن خلفية فلسفية إسلامية تتجاوز كلا من النزعتين العقلية والروحية بمفهوميها الغربي، أي تتجاوز الاختيار الزائف بين العقلانية الغربية والروحانية الإسلامية، فالفكر الغربي إذ يطرح هذا التناقض بين العقل والروح، إنما يسعى إلى طرح نفسه على أنّه الفكر الوحيد الذي يتمتع بالمعقولية، وكلّ ما سواه إنما هو فكر خرافي أو روحاني لا يمكنه أن يشيد حضارة.

    فنظرة الإسلام ـ كما تتجلّى عند الشهيد ـ إلى العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة، والأهداف الاجتماعية والسياسية التي يعطيها الإسلام للعبادات لدليل على أنّه لا وجود لتناقض ـ في نظر الشهيد ـ بين البعد الغيبي والبعد الاجتماعي والسياسي في حياة الامة، فكلّ خطاب سياسي يجب أن يطرح في أفق ميتافيزيقي، وكلّ خطاب ميتافيزيقي يجب أن يكون مرتبطاً بالبعد الاجتماعي والسياسي.

    [align=center]العبادة والسياسة[/align]


    فالعبودية (التوحيد) والعبادة كما تتجلّيان في كتابات الشهيد، تعبران بدقة ووضوح عن التلاحم بين الدين والدنيا، لأنهما تتضمنان بعدين متداخلين: البعد الغيبي والبعد الاجتماعي ـ السياسي: إله واحد وأمّة واحدة، فالتوحيد والعبادة يطبعان الحياة الاجتماعية والسياسية بطابع خاص، ويتضمنان طاقة تحررية جهادية هائلة، فالمؤمن لا يخضع لأية قوة، بل يخضع لله سبحانه وتعالى وحده.

    إذن، وكما يتجلّى من كتابات الشهيد، يحدث الإسلام تغييراً جذرياً في المعايير، التي يتم بمقتضاها تصنيف الثقافات والمذاهب الفلسفية والسياسية، فمن جهة توجد الجاهلية أي المجتمعات، التي لا ترتكز في حياتها على القيم الإلهية (استبداد، ترف، استغلال للشعوب)، ومن جهة أخرى يوجد التوحيد وتوجد العبادة المنتجان للعقلانية الجهادية المحرّرة.

    _______________________________

    1- السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، (المقدمة: ن)، دار الفكر، الطبعة السادسة ـ بيروت 1984م.


    [align=center][78][/align]


    وهكذا لا وجود، في المنظور الإسلامي للعبادات، للتناقض بين الجانب الغيبي والجانب العقلي والجانب السياسي، فموقف الشهيد السيد محمد باقر الصدر من العبادة يعبر ـ من الناحية الشرعية والمنهجية ـ عن العاملين الأساسيين، الذين يشكلان المفهوم الإسلامي لاستمرارية الأمة: الاجتهاد والجهاد، فالاجتهاد في هذا السياق هو إدراك العلاقة بين العبادة وواقع الأمة، والجهاد معناه رفض الواقع الفاسد وتغييره.

    وهذا الموقف هو في الحقيقة إجابة للمثقفين المتغربين، الذين أرادوا حجز الطاقة الدينية في الجانب الصوري للعبادات، وإفراغها من قوتها الاجتماعية والحضارية باسم نظرة تجزيئية وناقصة إلى الاسلام.

    إنّ ما سبق يبين لنا أنّ العبادات ـ في نظر الشهيد ـ ليست حيادية، فهي جزء من منطق الإسلام ومنهجه في تغيير الواقع وبناء الأمة والدولة، وهو منهج جهادي وتشريعي طرحه الاسلام منذ المرحلة المكية للرسالة.

    [align=center]التوحيد، العبادات والثورة[/align]


    وهكذا تأتي العبادات كنتيجة حتمية لعقيدة التوحيد، لتدعم ثورية الإسلام الجذرية والشاملة، وتطرحها على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.

    فعقيدة التوحيد رفض للأوثان بكل صورها المادية والمعنوية، والعبادات تتماشى في تناسق إلهي دقيق، مع هذا الرفض فتجسده في كلّ جوانبه وترفعه إلى أعلى درجه عن طريق تربية وتوعية مستمرتين لإنسان العالم الإسلامي:

    «ونحن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد (لا إله إلا الله) نجد أنها قرنت فيه بين شدّ المسيرة الإنسانية إلى المطلق الحق، ورفض كلّ مطلق مصطنع، وجاء تاريخ المسيرة في واقع الحياة على مرّ الزمن، ليؤكد الارتباط العضوي بين هذا الرفض وذلك الشد الوثيق الواعي إلى الله تعالى، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن الإله الحق ينغمس في متاهات الآلهة والأرباب المتفرقين، فالرفض والاثبات المندمجان في (لا إله إلا الله) هما وجهان لحقيقة واحدة، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانية على مدى خطّها الطويل، لأنها الحقيقة الجديرة بأن تنقذ المسيرة من الضياع، وتساعد على تفجير كل طاقاتها المبدعة، وتحرّرها من كلّ مطلق كاذب معيق»(1).

    فالشهيد لا يرى عدم انفصال الدين عن السياسة فحسب، بل يرى أنّ السياسة جزء من الدين، ومعنى هذا أن المسلمين يجب عليهم أن يعيشوا الإسلام في إطاره الشامل الكامل، وعلى هذا الاساس طرح الشهيد العبادات كثورة على صعيد القيم والمفاهيم، لأن العبادات إذا فهمت واستُبطنت في إطار شمولية الإسلام، ترفع الأمة إلى مستوى الصراع الحضاري مع الغرب، فتكون لها كلمتها في العلاقات غير العادلة بين المستكبرين والمستضعفين، ويكون للفكر الإسلامي كلمته القطعية فيما يخصّ الاستبداد الذي يسود العالم الإسلامي.

    [align=center]الشمـولـية[/align]


    ونتيجة لذلك تتجلّى فكرة الشمول كالأساس أو المعيار الذي يميز فكر الشهيد، من حيث هو فكر رسالي، عن غيره، فكرة الشمول التي يؤخذ الإسلام بمقتضاها على أنه كلّ تترابط أجزاؤه، فالعقيدة

    _______________________________

    1- انظر نظام العبادات في الإسلام: 21 ـ 22.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي


    [align=center][79][/align]

    والعبادة والشريعة يتداخل بعضها في الآخر، ومن هنا فلا مجال للفصل بين الدين والدنيا، بين العبادة والحياة الاجتماعية.

    فطرحُ مبدإ إعادة بناء الدولة الإسلامية هو النتيجة الحتمية لفكرة الشمول، التي تتضمن مبدئية وحدة الشعوب الإسلامية ضمن حياة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية في إطار الأمة القومية، كما يتجلّى ذلك من كتابات الشهيد.

    فشمولية الإسلام هو جوهره وحقيقته، التي لا يكون الإسلام إسلاماً إلا بها، فالشهيد يرى أنّ كلّ خلل يصيب شمولية الإسلام هو خلل يعمّ الإسلام كلّه، ويعطل أحكامه عن التأثير في الواقع الحي(1). ومعنى هذا أنّ المساس بشمولية الإسلام هو مساس بروح الشريعة الإسلامية وبصلاحيتها لكلّ زمان ومكان.

    وهكذا ففصل الدين عن السياسة، والعبادة عن الحياة الاجتماعية يمثل عملية ترقيع في الشريعة الإسلامية، وقد كان هذا الفصل دائماً وأبداً ملازماً للفصل بين السلطة والجماهير، ولا يمكن اعتبار الملك الذي ظهر بعد الدولة الإسلامية ممثلا لمقولة الإسلام دين ودولة، عبادة وسياسة الا بالمعنى السُوسْيُولُوجي، أي بالمعنى المنحرف عن موقف الإسلام من الواقع.

    إنّ التناقض المفتعل بين العبادات وشؤون الحياة مهدّد لوحدة الأمة ولمصيرها في نظر الشهيد، فوحدة الأمة تتشكل أساساً من الثقافة، التي توحد نظرة إنسان العالم الإسلامي إلى الكون والحياة، والثقافة بدورها تتشكل معالمها وأسسها من العقيدة ومن العبادات. فكلّ فصل بين العبادات والحياة الاجتماعية هو في الحقيقة فصل الروح عن الجسد.

    [align=center]العبادات والرفض والتغيير[/align]


    إنّ العبادات تمثل قمة الرفض الإسلامي للتبعية، والإسلام كما طرحه الشهيد من خلال كتاباته في الاقتصاد والسياسة والعبادات، لا يكتفي بالرفض، بل يقدم في نفس الوقت، الحلّ البديل والأفكار المضادة للغزو السياسي والثقافي والاقتصادي.

    فالأمة الإسلامية تتطور وتتقدم بقدر تشبع الفكر الإسلامي بالمفاهيم الدينية وتتدهور وتحطّ بقدر انفصاله عنها، هنا تبرز أهمية العقيدة والعبادة في تحديد ذهنية انسان العالم الإسلامي وتعبئته، لتحويل وضعيته الاجتماعية والسياسية.

    فالعقيدة والعبادات تشكّلان منطلقاً لتغيير الواقع، إذ بفضل العقيدة والعبادات يتحدّد موقف المسلم من الواقع في جميع جوانبه.

    إنّ كلّ عملية بناء حضاري تتطلب تجاوز العقلية الفردية، والتركيز على الروح الجماعية، وذلك أنّ العمل على تطوير المجتمع يحتم تعبئة شاملة، وهذه القيمة الأخيرة لم يطرحها الإسلام كمجرّد قيمة أخلاقية مرتبطة بضمير الفرد، بل يتجاوز الميدان الأخلاقي عندما أطر الروح الجماعية بالعقيدة وبالأحكام الشرعية والفرائض، ومن جملة هذه الفرائض العبادات، التي لا يمكن فهمها إلا كوحدة وككل، أي أبعادها الغيبية والاجتماعية والسياسية.

    _______________________________

    1- انظر اقتصادنا (الاقتصاد الاسلامي جزء من كل): 269 ـ 277.


    [align=center][80][/align]


    إنّ التأكيد على الجوانب الاجتماعية والسياسية للعبادات هو ـ الى جانب أسسه الروحية والغيبية ـ يمثل الطرح الفلسفي والاجتماعي لبناء الفرد والأمة، ويرفع الشعوب الإسلامية إلى مستوى الصراع الثقافي والسياسي والاقتصادي ضد الغرب.

    فكلّ قطيعة بين العبادات واهتمامات الأمة هو تعبير عن فوضى فكرية لا يمكن أن تولد وعياً صحيحاً بالواقع ووضعية الشعوب الإسلامية في معركة الحضارة، إنّ الطرح الإسلامي التعبدي للعقيدة وللعبادات يعبر عن المنهج الإلهي لتسخير طاقات الواقع لصالح العباد. إنّ القطيعة بين العبادات والواقع هي وليدة لتأملات مجرّدة في النصوص وللنزعة الفقهية، التي سادت أثناء عصر الانحطاط.

    إنّ الفكر الإسلامي الذي صاغه الشهيد هو فكر أعاد للواقع ثقله، لأنّه وليد للتفاعل الإيماني والمنهجي بين الاسلام والواقع، وليس هذا التفاعل إلا تعبيراً عن الاجتهاد الذي بفضله صار الشهيد السيد محمد باقر الصدر ينظر إلى الاسلام في شموليته، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الموقف أن اعتبرت السياسة عبادة والعبادة سياسة، أي أصبحت شمولية الإسلام بالنسبة للشهيد عقيدة مقررة.

    [align=center]فلسفة واقعية وثورية في آن[/align]


    لا أعرف فلسفة أكثر واقعية وأكثر ثورية من فلسفة الاسلام ونظرته إلى الحياة والإنسان كما طرحها الشهيد، وتتجلّى هذه الواقعية الثورية أو الجهادية في تحليل الشهيد للعبادات وعلاقتها بالحياة، إنّ العبادات التي تمثل أعلى مستوى من الروحانية والتجريد النفسي والفكري تلتصق وتتلاحم مع اهتمامات الأمة في الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية.

    فالدين الإسلامي، كما يرى الشهيد، هو دين شمولي يؤطر الممارسات، ويجعل المسلمين ينطلقون دائماً من موقع العقيدة لا من الفوضى والغوغائية أو تمييع العقيدة والعبادات. فالاسلام كما يتجلّى في فكر الشهيد رسم الإطار الذي يعيش فيه المسلم عقيدته وعبادته، هذا الإطار يتناقض مع كلّ الرؤى الفلسفية الغربية المادية والمثالية معاً. والعقيدة والعبادات يجب أن يعيشها المسلم في نظر الاسلام بأبعادها الروحية والاجتماعية: هذا هو الشرع وهذا هو المنهج.

    فالعبادات ـ إضافة إلى بعدها الغيبي ـ تجربة ومعاناة على مستوى الفكر وعلى مستوى العاطفة، وعلى مستوى الممارسة في الميادين الاجتماعية والسياسية(1). وهذا ما يجعل نفسية انسان العالم الإسلامي ذات امكانيات هائلة للجهاد والعمل على تغيير الأوضاع الفاسدة وتجاوزها لتأسيس الأمة والدولة.

    [align=center]العبادات تصنع أمّة[/align]

    إنّ تطلع المسلمين نحو أمة موحدة ليس تطلعاً غائماً، أو تطلعاً من نوع المثاليات الضبابية، فالإسلام ـ كما يتجلّى في فكر الشهيد ـ خطط ونظم الطريق المؤدي إلى وحدة الأمّة، ولم يترك المسلمين يعيشون في حالة عفوية أو مجرّد حالات انفعالية وعاطفية، فالإسلام خطط لتفجير طاقات إنسان العالم الإسلامي(2).

    فالعبادات تؤدي إلى ثورة ليست كسائر الثورات، لأنها مرتبطة شرعاً وعقلا بعالم الغيب.

    _______________________________

    1- انظر نظام العبادات في الاسلام (خاصة الملامح الخاصة لتشريع كل عبادة).

    2- انظر مقدمة اقتصادن.


    [align=center][81][/align]


    فالأمة الإسلامية هي النتيجة الحتمية والمنطقية لختم النبوّة ولشمولية الإسلام(1). ولا تحقق الأمة الإسلامية وجودها واستمراريتها إلا عن طريق الجهاد المستمر، ومن عناصر الاستمرارية العبادات، فالجهاد والأمة مترابطان، والمنهج الإسلامي قد عالج هذا الترابط عن طريق الأحكام الشرعية في الميادين السياسية والاقتصادية وعن طريق العبادات.

    فالجهاد (أو الثورة) لا يستمد من الإسلام أسسه العاطفية فحسب، بل يستمد، في نفس الوقت ـ أسسه الفكرية، فالعقيدة والعبادات تشكل نظرة المسلم إلى الكون والحياة، ومن هنا فكل مذهب اجتماعي وسياسي في العالم الإسلامي ينبغي أن تتم صياغته من خلال الميتافيزيقا في نموذجها الإسلامي (علاقة الشهادة بالغيب)، فالاستلاب ينشأ عندما يصطدم الإنسان في تنظيره للواقع، أو في ممارسته بالكون والفطرة، أي يصطدم مع معنى الكون والحياة، فتأتي في نظريته وممارسته مبتورتين.

    فمن هذا المنطلق طرح الشهيد قصور المذاهب الفلسفية الغربية من ماركسية ووجودية وغيرها عن تفسير وعلاج الاستلاب وأزمة الحضارة(2). فالرؤية الإسلامية التي ترجع الأمة الحضارية إلى انقطاع الإنسان عن الجذور الحقيقة للوجود، تتجاوز هذا الانقطاع وتزيله عن طريق العقيدة والعبادات التي تجعل الإنسان متصلا باستمرار بعالم الغيب، وهذا هو سرّ المقاومة التي تجعل المسلم يتحدى ويقاوم قوى الشر.

    [align=center]العبادات وامكانية التغيير[/align]


    فالعبادات تتضمن أن التغيير عملية ممكنة مع أصعب الحالات، ومن هنا فلا معنى لليأس والشعور بالعجز، لأنهما يتناقضان مع العبادة وخلافة الانسان لله في الأرض، فعن طريق العبادات تحصل داخل ذهنية الأمة وثبة عقلية ترفض كلّ التصورات غير الإسلامية للكون والإنسان، ومن هذا البناء النفسي الجديد تمتد العملية التغييرية إلى الواقع في كلّ مظاهره، وتعمل على قلبه تماماً.

    فالعبادات، بهذا المنظور، تشكل حركة المسؤولية الإيمانية بكلّ أبعادها الروحية والمادية، فحصر العبادات في الجانب التعبدي الصوري والمنفصل عن الحياة هو من عمل الفكر المتخلف، ويعتبر جناية كبيرة على الإسلام والمسلمين ومصير الأمة.

    إنّ الطموح الذي يحمله الإسلام لتغير المجتمع وبناء الأمة العالمية، قد يظهر لأول وهلة أمراً مستحيل التحقيق أمام صعوبات الواقع الراهن. لكن هذا الطموح يصبح معقولا ومنطقياً في ضوء التصور الإسلامي للحوادث ولعلاقة الدين بالدنيا.

    فالإسلام قاوم النظرة الغيبية المحضة أو المبتذلة في تفسير الحوادث، واعتبرها موقفاً استسلامياً، لأن القرآن الكريم يربط دائماً عالم الغيب بعالم الشهادة: فالامداد الغيبي لا يتحقق إلا ضمن شروط أساسها العمل الانساني.

    فحركة الإنسان هي التي تأذن بالتدخل الإلهي: الاستقامة على طريق الله من دواعي التدخل الإلهي، فتعامل الشهيد مع حركة التأريخ ومع العبادات تمَّ داخل فلسفة الإسلام، التي لا تحدث قطيعة بين الروحي والمادي، فالعبادات، إذا نُظر إليها من خلال شمولية الإسلام، تدعم الحسّ النقدي لدى المؤمنين وتعمق

    _______________________________

    1- انظر (للشهيد): (خلافة الانسان وشهادة الانبياء)، فصل: الوصاية على الثورة ممثلة في الإمام: 31، وفصل: المرجعية بوصفها المرحلة الثالثة من خط الشهادة: 35، نشر قسم الاعلام الخارجي لمؤسسة البعثة، طهران (بدون تأريخ).

    2- نظام العبادات في الإسلام: (الايمان بالله هو العلاج): 19 ـ 22.


    [align=center][82][/align]


    وعيهم بمجرى الحوادث، وهما عاملان ضروريان في كلّ عملية تغييرية.

    فالعبادات بهذا المعنى تهزّ ضمائر المسلمين وعواطفهم، وتعجل بالمسيرة نحو الجهاد، وتدفع بالشعوب الإسلامية إلى القيام بعملية تسريعية لبناء الأمة والدولة الإسلامية. إنّها، حسب تعبير الشهيد، تُفجر الطاقات الكامنة في الشأن العام الإسلامي(1).

    [align=center]العبادات كمصدر للعلاقات الإنسانية[/align]


    وهكذا فمن وجهة نظر الشرع والعقل والمنهج لا أساس لفصل العبادات عن الحياة الاجتماعية وعن حركة التأريخ وعزلها، لتكون معبرة عن علاقة الإنسان بالله، بل إنّ العلاقة بين الإنسان والله سبحانه وتعالى في إطار العقيدة وفي إطار العبادات، تنتج عنها علاقة أخرى هي علاقة الإنسان بالإنسان، وذلك مما ينتج عن العقيدة والعبادات من إمكانيات روحية وأخلاقية لدى إنسان العالم الإسلامي، وهي إمكانيات يجب تجسيدها، شرعاً، في الواقع الحي بالالتزام باهتمامات الأمة.

    فالعبادات بهذا المنظور هي عاطفة وعقل وجهاد، وكلّ موقف مضاد هو الشذوذ والخضوع للأمر الواقع، فبمجرّد ربط الدنيوي بالروحي ينتهج المجتمع الإسلامي أسلوباً جهادياً يتجاوز كلّ الصيغ الثورية المطروحة في الفكر المعاصر، ذلك أنّ ثورية المجتمع الإسلامي هي ثورية ذات استمرارية تستمدها من مصدرها الإلهي، الذي ينتج عنه صيرورة تاريخية لا نهاية لها، في حين أنّ مفهوم الثورة في المذاهب الفلسفية الغربية هو مفهوم ذو دلالة وأبعاد ونتائج جدّ نسبية بحكم نسبية الفكر البشري الذي أنتجه وبحكم نسبية أهدافه فبالنسبة للشهيد «المثل الأعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع، ويكون منتزعاً عن الواقع الذي تعيشه الجماعة، هذا مثل أعلى تكراري. وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الأعلى حركة تكرارية...»(2).

    [align=center]الارتباط بالمطلق[/align]


    أما حركة التأريخ التي ترتكز على علاقة الشهادة بالغيب، فهي حركة مفتوحة نحو المطلق:

    «... المثل الأعلى الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، في هذا المثل التناقض الذي واجهناه (أي المثل العليا النسبية) سوف يحل بأروع صورة، كنا نجد تناقضاً، وحال هذا التناقض هو أن الوجود الذهني للإنسان محدود، والمثل يجب أن يكون غير محدود، فكيف يكون توفير المحدود وغير المحدود؟ وكيف يمكن التنسيق بين المحدود وغير المحدود؟ هذا التنسيق... سوف نجده في المثل الأعلى الذي هو الله سبحانه وتعالى.

    لماذا؟ لأنّ هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الإنسان، ليس إفرازاً ذهنياً للإنسان.. هو موجود مطلق في الخارج، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق. هذا الموجود العيني بواقع العين يكون مثلا أعلى لأنه مطلق، لكن الانسان حينما يريد أن يستلهم من هذا النور، حينما يريد أن يمسك بحزمة من هذا النور، طبعاً هو لا يمسك إلا بالمقيد، إلا بقدر محدود من هذا النور، إلا أنه يميز بين ما يمسك وبين مثله الأعلى، المثل الأعلى خارج حدود ذهنه، لكنه يمسك بحزمة من النور، هذه الحزمة مقيدة لكن المثل الأعلى مطلق.

    _______________________________

    1- انظر: اقتصادنا: خاصة المقدمة.

    2- التفسير الموضوعي: 155.


    [align=center][83][/align]


    [align=center]عبادة المسمى لا الاسم[/align]

    ومن هنا حرص الإسلام على التمييز دائماً بين الوجود الذهني وما بين الله سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى، فرق حتى بين الاسم والمسمى، وأكد على أنه لا يجوز عبادة الاسم، وإنما العبادة تكون المسمى، لأنّ الاسم ليس إلا وجوداً ذهنياً، إلا جهة ذهنية لله سبحانه وتعالى. بينما الواجهات الذهنية دائماً محدودة. العبادة يجب أن تكون للمسمى لا للاسم لأنّ المسمى هو المطلق، أما الاسم فهو مقيد ومحدود...

    [align=center]تقدم مسؤول وفسحة لا نهائية[/align]


    حينما تتقدم الإنسانية في هذا المسار واعية على المثل الأعلى وعياً موضوعياً يكون التقدم تقدماً مسؤولا، يكون عبادة بحسب لغة الفقه، لوناً من العبادة، يكون لهم امتداد على الخط الطويل وانسجام مع الوضع العريض للكون...

    وبحكم أنّ الله سبحانه وتعالى هو المطلق اذن الطريق أيضاً لا ينتهي، هذا الطريق طريق الإنسان نحو الله، اقتراب مستمر بقدر التقدم الحقيقي نحو الله. ولكن هذا الاقتراب يبقى اقتراباً نسبياً... لأنّ المحدود لا يصل إلى المطلق... فالفسحة الممتدة بين الإنسان وبين المثل الأعلى هنا فسحة لا متناهية، أي أنه ترك له مجال الابداع إلى اللانهاية، مجال التطور التكاملي إلى اللانهاية، باعتبار أنّ الطريق الممتد طريق لا نهائي»(1).

    فضمانة الاستقامة الجهادية ترجع إلى الأساس العقائدي، الذي ترتكز عليه ممارسات المسلمين السياسية والاقتصادية والثقافية، وكلّ فصل ولو كان بسيطاً بين القاعدة الروحية والممارسة يؤدي إلى تلاشي الشعلة الجهادية في ذهنية انسان العالم الإسلامي.

    فالأساس الروحي والالتزام بالنص التزاماً تعبدياً ومطلقاً يعتبران القاعدة العامة، التي يستنبط منها نمط العلاقة بين الدين والدنيا عموماً، وبين العبادة والحياة الاجتماعية على وجه الخصوص.

    إنّ حركة الأمة الإسلامية واستمراريتها تصطدم بكثير من العقبات والعراقيل، إذا لم تتضمن حافزاً عميقاً يدعو إلى التفاعل معها والتفاني في سبيلها، وتجسد العبادات ـ إذا فهمت في إطار شمولية الإسلام ـ الحدّ الأقصى في تعبئة المسلمين ودفعهم نحو الالتزام بمتطلبات وحدة الأمة.

    [align=center]الخـلاصـة[/align]


    مما تقدم يتبين لنا بوضوح أنّ الشهيد السيد محمد باقر الصدر قد طرح العبادات طرحاً إسلامياً مقابل الطرح الناقص، وقد تم هذا الطرح من خلال عملية اجتهادية خاضعة لشروط الشريعة الإسلامية، أي في إطار منهجي ومعرفي في عالم يتمثل في إشكالية العلاقة بين العقل والنص والواقع.

    فتحليل الشهيد للعبادات يبين بوضوح أنّ ربط هذه الأخيرة بالحياة الاجتماعية ليس واجباً شرعياً فحسب، بل هو كذلك ضرورة تحتمها المنظومة الإسلامية نفسها على الصعيد المنهجي والمعرفي، وبقطع النظر عن عقيدة الدارس وموقفه من الإسلام.

    وهكذا فكلّ قطيعة بين العبادات والحياة الاجتماعية تؤدي إلى فوضى في المنظومة الإسلامية، لأنها تأخذ مصدرها من قراءة غير شرعية وغير علمية، في نفس الوقت، للقرآن الكريم وللسنة الشريفة.

    _______________________________

    1- التفسير الموضوعي: 176 ـ 181 ـ 184.



  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2003
    الدولة
    طائر لا أرتضي الأرض مسكنا
    المشاركات
    4,760

    افتراضي

    [align=center]الدراسة الرابعة: الأخلاق والدين[/align]

    [align=center]المدخل

    فلسفة الأخلاق فراغ في الفكر الإسلامي
    [/align]

    لم يحلل الفكر الاسلامي المعاصر المشكلة الاخلاقية تحليلا فلسفياً إلا نادراً، ويعدُّ هذا الموقف تناقضاً صريحاً مع الأهمية التي يوليها الفكر الإسلامي إلى دور القيم الأخلاقية في إعادة بناء الأمة.

    لا شك في أنّ دراسة العلاقة بين المبادئ الدينية والحياة العصرية، قد دفعت ببعض المفكّريين المسلمين إلى طرح مشكلة القيم الأخلاقية، لكن مازال الفكر الإسلامي لم يُنظر بعدُ فلسفةً أخلاقيةً، لا توجد هذه الأخيرة إلا بصورة ضمنية في الغالب، فالخطوط العريضة لفلسفة أخلاقية إسلامية مازالت في طور الإطار العام، ويرجع الفضل إلى بعض المفكّرين المسلمين المعاصرين (في مجال فلسفة الأخلاق) الذين تجاوزوا الطرح الفلسفي الضمني للمشكلة الأخلاقية، ووصلوا إلى الطرح الفلسفي المباشر والصريح.

    [align=center]كيف ملأ الشهيد الصدر هذا الفراغ؟[/align]


    فقد طرح الشهيد السيد محمد باقر الصدر المشكلة الأخلاقية بصورة فلسفية مباشرة من موقع منهجية خاصة لا تحدث قطيعة بين القضايا. فالمشكلة الأخلاقية طُرحت في كتابات الشهيد بالموازاة مع المشكلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والفقهية. فالشهيد طرح أصول الفقه وعلم الكلام والفلسفة طرحاً جديداً انتهى إلى الانفتاح على إشكالية جديدة في مجال القيم الأخلاقية، فهو كان واعياً وعي مجتهد، بأن تعقّد أحوال العصر تقتضي تجاوز حجز الفكر الإسلامي في دائرة الوعظ والإرشاد في دائرة الرؤية المبسطة لمبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأحوال العصر تقتضي ـ في نظر الشهيد ـ تجاوز النظرة التجزيئية للمبادئ والقيم الإسلامية، للوصول إلى مقاربة فلسفية للمشكلة الأخلاقية.

    فالشهيد لم يكتف في كتاباته بعرض مجموعة من الفضائل، التي يجب التمسك بها، ومجموعة من الرذائل، التي يجب تركها والابتعاد عنها، بل اعتمد الصدر على التحليل المفاهيمي للقيم، لذلك اتسمت كتاباته في المجال الاجتماعي والأخلاقي بالطابع الفلسفي لا الطابع الوعظي الإرشادي.

    لاشك أنه لا توجد كتابات خاصة بالأخلاق عند الشهيد على غرار ما كتبه فلاسفة الأخلاق في هذا الميدان. لكن كتابات الشهيد تعرضت كلّها ـ تقريباً ـ للمشكلة الأخلاقية. وهذا راجع إلى منهج الشهيد الذي يتميز بالطرح الشمولي للقضايا. فهناك تداخل في الرؤية الإسلامية للمشكلة الاجتماعية بين الجوانب الروحية والسياسية والأخلاقية والمعرفية والحضارية والميتافيزيقية في كتاباته.

    [align=center]منهجان في فلسفة الأخلاق[/align]


    يمكن أن نميز بصورة عامة بين اتجاهين في فلسفة الاخلاق في الفكر الإسلامي المعاصر، اتجاه استلهم

    [align=center][85][/align]


    الفكر الغربي وأحياناً قلّده. واتجاه آخر حاول الارتباط بفلسفة الاخلاق كما تجلت في الفكر الإسلامي قديماً، كما حاول بعض أصحاب هذا الاتجاه صياغة رؤية أخلاقية انطلاقاً من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهذا ما حاوله الشهيد على غرار محاولة محمد عبد الله دراز في أطروحته دستور الأخلاق في القرآن(1). مع العلم بأن هناك بعض أوجه الاختلاف بين الصدر ومحمد عبد الله دراز كما سنرى.

    [align=center]منهج الصدر[/align]


    منهج الصدر في طرح المسألة الأخلاقية يختلف عن أصحاب الاتجاه الأول كالأخلاق الاجتماعية عند كلّ من منصور فهمي وعبد العزيز عزت وقباري إسماعيل، والأخلاق الوجودية عند كلّ من عبد الرحمن بدوي وعادل العوا وزكريا إبراهيم. ذلك أن أصحاب هذين الاتجاهين قد طرحوا المشكلة الأخلاقية دون محاولة طرح مشكلة العلاقة بين الفكر الأخلاقي والواقع (واقع العالم الإسلامي)، أي طرحوا المشكلة الأخلاقية بقطع النظر عن المشكلة الابستمولوجية. فالدراسة الابستمولوجية هي التي كشفت عن عوامل تَشَكُل الأفكار والقيم والمذاهب الفلسفية والأخلاقية. فأصحاب هذين الاتجاهين (الاجتماعي والوجودي) تبنوا مذاهب أخلاقية جاهزة أي من حيث هي نتاج إنساني عام، أو بعبارة أدق من حيث هي مذاهب أخلاقية كونية، في حين أن الابستمولوجيا تميّز في هذه المذاهب الأخلاقية بين جوانبها النسبية المرتبطة بظروف الغرب وبين جوانبها الكونية، لذلك لم يبحث هؤلاء المفكرون عن مدى ملائمة هذه المذاهب لظروف العالم الإسلامي واهتمامات شعوبه والقيم الروحية التي تتمسك بها هذه الشعوب.

    [align=center]الانطلاق من النص والواقع معاً[/align]


    تتميز الجوانب الأخلاقية في كتابات الصدر بانطلاقها من القرآن الكريم والواقع في نفس الوقت، فالصدر يطرح رؤيته الأخلاقية كمجتهد فيلسوف، ففكره في المجال الأخلاقي هو عملية تركيبية للفقه وعلم الكلام والفلسفة، هذا ما تتميز به فلسفة الأخلاق عند الصدر إذا ما تمت مقارنتها مع كتابات المفكرين الآخرين من أمثال محمد عبد الله دراز وأحمد عبد الرحمن إبراهيم(2) وغيرهما، أما ما تتميز به فلسفة الصدر الأخلاقية عن الاتجاه الاجتماعي والوجودي، فيكمن في ربط الصدر للفلسفة الاجتماعية والأخلاقية بظروف الشعوب الإسلامية واهتماماتها من موقع قيمومة النص، بل إن انطلاق الصدر من النص يتضمن في نفس الوقت، الانطلاق من الواقع.

    فالنسق الفلسفي لا يكفي نفسه بنفسه في نظر الصدر، بل يجب ربطه بالظروف الاجتماعية والنفسية والتأريخية، انطلاقاً من هذه الفكرة انتقد الصدر المذاهب الاجتماعية والاخلاقية الغربية، الصدر لم يرفض هذه المذاهب رفضاً غير مشروط، بل انتقدها نقداً علمياً معتمداً على التحليل الابستمولوجي، الذي يكشف عن عوامل تشكيل المفاهيم الفلسفية والعلمية.

    إن مبدأ الاسلام دين ودولة ودين ودنيا الذي ينطلق منه الفكر الإسلامي المعاصر جعل الاخلاق جزءاً من كل. فالاخلاق ذات علاقة بالدين، بل مصدرها ديني في نظر الفكر الإسلامي المعاصر، لذلك فهي عنصر من مجموعة، أي هي ذات علاقة بمعنى الكون والانسان والمجتمع.

    _______________________________

    1- محمد عبد دراز: دستور الأخلاق في القرآن ـ ترجمة عبد الصبور شاهين ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1973م.

    2- أحمد عبد الرحمن ابراهيم: الفضائل الخلقية في الإسلام ـ دار الوفاء ـ بيروت 1988م.


    [align=center][86][/align]


    وإذا كان الفكر الاسلامي يرى بأن الأخلاق هي مجموعة من القيم المطلقة والثابتة، بينما يرى الفكر الغربي، والفكر المحدث في العالم الإسلامي، بأن القيم الاخلاقية نسبية ومرتبطة بأحوال تأريخية و اجتماعية، فما هي الأبعاد الفلسفية لموقف الفكر الإسلامي على العموم وموقف الصدر على الخصوص بالنسبة لهذا المشكل؟ هل انتهى الصدر إلى صياغة فكر أخلاقي مجرّد، ومرتكز على ما ينبغي أن يكون، أي صياغة فكر يتطلع إلى مجتمع مثالي بعيد المنال، أم هو فكر أخلاقي ينطلق من الواقع لتحقيق التحولات الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية؟ ألا يمكن القول بأن ارتباط القيم بالتعالي أو الغيب يحرم الإنسان من كلّ مبادرة في المجال الأخلاقي؟

    لقد قدم الصدر من خلال كلّ كتاباته الإطار النظري والمنهجي للمذهب الأخلاقي الإسلامي، فهو قد طرح مشكلة مصدر القيم الأخلاقية، وعلاقة القيم الأخلاقية بالتحولات الاجتماعية والتأريخية، كما طرح مسألة إلزامية القيم والواجبات الأخلاقية، ومسألة النية والمسؤولية، والتطلع إلى المثل الأعلى، فالصدر قد أثار من جديد مشكلة القيم الأخلاقية من خلال كتاباته حول الاقتصاد والمشكلة الاجتماعية والسياسية، ومشكلة السنن التأريخية، وبحوثه حول العبادات، والميتافزيقا، وهذا في مرحلة تأريخية (مرحلة الستينيات وبداية السبعينيات) كان الفكر الغربي، والفكر الإسلامي التابع له ـ إلا نادراً ـ يولي الاهتمام الكلي للمشكلة الاقتصادية إما انطلاقاً من الفلسفة الماركسية التي تعتبر أن الاخلاق انعكاس للبنية التحتية المتمثلة في الاقتصاد (قوى الانتاج ووسائل الانتاج)، أو انطلاقاً من الرأسمالية التي تتمحور حول البعد المادي، فالاطار العام للفكر المعاصر في مرحلة الستينيات والسبعنيات هو أن حل المشكلة الاقتصادية هو الحل الحاسم لمشاكل الانسان، وفي نفس هذه الفترة، وكرد فعل على هذا الموقف، ركز بعض المفكريين في العالم الإسلامي على الاخلاق دون ربطها بالأبعاد الاجتماعية والاقتصادية في حياة الإنسان، وهذا عكس فلسفة الصدر التي ابتعدت عن هذه النزعة الأخلاقية لما ربطت بين الأخلاق والحياة الاقتصادية والاجتماعية من منظور الطرح الكلي لا الجزئي للقضايا.

    لذلك يمكن القول: بأن الاطار العام، على الصعيد المنهجي والمفاهيمي للمذهب الأخلاقي الإسلامي، موجود في كتابات الصدر. فالصدر لم يكتف بعرض لمبادئ عامة أو أفكار مجردة في صياغته للبديل الحضاري الإسلامي، بل قدم مشروعاً اجتماعياً حدّد من خلال الرؤية الإسلامية في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي، فهو قد تجاوز مستوى الشعارات ومستوى الوعظ والإرشاد، الذي تتميز به النزعة الأخلاقية، التي سيطرت على الفكر الإسلامي المعاصر. فالصدر لم يعتمد في تنظيره للأخلاق، على الانسان كمفهوم ميتافيزيقي مجرّد، بل عملية التنظير عنده انطلقت من الإنسان ككائن تأريخي يتأثر بالظروف الاجتماعية والتأريخية ويؤثر فيها، كما أنّ فلسفة الصدر الأخلاقية تختلف عن المذاهب الأخلاقية القديمة، التي طرحت المشكلة الأخلاقية على مستوى الحياة الفردية، فالصدر تجاوز هذا الطرح الناقص عندما عالج المشكلة الأخلاقية في إطار علاقة الفرد بالمجتمع، أي من منظور اجتماعي وتأريخي للإنسان كوحدة مادية وروحية، لذلك كانت القيم الأخلاقية في نظر الصدر ملازمه للوعي التأريخي الضروري لكل تغيير اجتماعي وحضاري.

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني