العلامة المرجع فضل الله : امريكا ودكتاتورية تطبيق الحرية!
الحرية المفروضة
الحرية، الديمقراطية، التحرر، من أبرز مفردات المنظومة السياسية الأمريكية التي ترسم ملامح سياستها الخارجية، والتي تسعى من خلالها لإتمام سيطرتها على العالم.
الكيان الصهيوني أحد نماذج الحرية الأمريكية
فضل الله: أميركا تسعى للانتقال بالمنطقة من طغيان الداخل إلى الاحتلال القادم من الخارج
سئل سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، في ندوته الأسبوعية: عن مفهوم الحرية التي تسعى لها أميركا في المنطقة؟
فأجاب: "لعلّ المشكلة مع إدارة الرئيس الأمريكي، بوش، أو مع الإدارات الأمريكية التي سبقته لم تنطلق من المفردات أو التعابير التي تطلقها هذه الإدارات لتوصيف الوضع في المنطقة أو للتأكيد على حاجة المنطقة للحرية. ذلك أن المنظومة السياسية الأمريكية تزخر بالكثير من هذه المفردات التي يقدمها المسؤولون الأمريكيون كمثل عليا في خطابهم السياسي لتتحول إلى سلم يصعد عليه هؤلاء لتحقيق مصالحهم على حساب مصالح الشعوب العربية والإسلامية وقضاياهم، حتى غدا مصطلح الحرية أحد المصطلحات التي يقدمها هؤلاء كدواء للمنطقة العربية والإسلامية، حيث يزعمون أن هذه المنطقة تتنكر لهذا المصطلح حتى على مستوى المفهوم وأنها لا تعرف في تاريخها وتراثها إلا مصطلحات النفي والإبعاد للآخر أياً كان هذا الآخر.
ونحن نعتقد أن لإدارة الرئيس بوش مفهوماً مختلفاً للحرية عندما تتحدث عن تعميمه على المنطقة انطلاقاً من العراق، فهي مع إعطاء الحرية لأي نظام للالتحاق بركب سياستها وبخاصة في ما تخطط له على صعيد عراق المستقبل. وهي مع إطلاق سراح أي نظام في المنطقة ليأخذ حريته في العلاقات مع إسرائيل، وهي مع هذ الشعب أو ذاك في أن يختار النظام الذي يريده على مستوى الدعاية والإعلان، ولكنها تتحرك لتعطيل خيار هذا الشعب عندما يقرر اختيار الإسلام بملء إرادته وبمحض اختياره، وإلا فكيف نفسّر التصريحات الأمريكية المتلاحقة عن رفض قيام نظام إسلامي في العراق، وآخر هذه التصريحات ما تحدث به الرئيس الأمريكي نفسه عندما سئل عن موقفه إذا اختار العراقيون نظاماً إسلامياً حيث قال: "لن يطوروا ذلك"، وكأنه يضع للشعب العراقي الأسس التي لا بد أن يركّز عليها دعامته السياسية القادمة ليصبح مقبولاً بالمنطق الأمريكي. إن ما يؤمن به الأمريكيون والبريطانيون على مستوى إدارتي بوش وبلير هو السيطرة على الشعوب باسم العمل لتحريرها ونقلها من مرحلة الخضوع لطاغية الداخل إلى مرحلة الخضوع لطغيان الاحتلال القادم من الخارج.
وعندما يقول الرئيس الأمريكي أن سوريا وإيران لم تطبقا ما تريده أمريكا من مسألة الحرية، فهو يريد الإيحاء بأنهما لم تسلكا الطريق التي رسمتها إدارته لكي تخرجا من دائرة الاتهام الأمريكي بأنهما من "الدول المارقة"، لأن القاعدة الأمريكية في الحكم على الأنظمة إن كانت تسلك طريق الحرية أو تتبع المسار الديمقراطي هي قاعدة سهلة وبسيطة، فيكفي أن تتنازل عن ثوابتك الإسلامية أو الوطنية أو القومية لتلتحق بالمسار الذي تحدده أمريكا حتى تحصل على شهادة بأنك تسير في الخط الصحيح، وأنك بدأت تتحرك في خط التغيير المطلوب، وقد تحدث الرئيس الأمريكي عن هذا الأمر بكل صراحة مادحاً بعض الأنظمة العربية الخليجية في إطار تصوره لمسارها السياسي الذي يحاكي المشروع الأمريكي في المنطقة أو ينسجم معه بطريقة وأخرى، في الوقت الذي لا يتحدث بإيجابية عن الاستفتاءات الشعبية والانتخابية في إيران، وعن الحرية السياسية التي تفسح في المجال لصراع تيارين سياسيين بكل هذه الحيوية بقطع النظر عن بعض الظروف السلبية التي قد ترافق هذه التجربة كغيرها من التجارب في الشرق أو في الغرب.
إننا نعتقد بأن الصورة التي يحاول المسؤولون الأمريكيون رسمها لمستقبل المنطقة على أساس الوعود بتطبيق مبادىء الحرية والديمقراطية هي صورة كاذبة، لأنهم يحرصون على بقاء الأنظمة البوليسية والديكتاتورية في المنطقة وعلى حمايتها وتوفير الدعم اللازم لها ما دامت تمثّل حاجة لهم، وقد عملوا على إسقاط نظام صدام حسين الذي وفروا له كل الإمكانات والدعم في حربه على إيران وفي تشجيعه على اجتياح الكويت، لأن مهمته انتهت ودوره استنفد... وعندما يتحدثون عن التغيير فإنما يقصدون به التغيير الذي يلائم المشروع الأمريكي تماماً كما عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي عندما تحدث عن تغيير المنطقة على صورة المصالح الأمريكية، لتكون شعارات التغيير ومفردات الحرية والديمقراطية بمثابة الوعيد والتهديد الذي يلوح به المسؤولون الأمريكيون ضد الدول والحركات التي تتحرك في خط الممانعة ورفض السياسة الأمريكية في ضغوطها المتواصلة ضد العرب والمسلمين.
إن ثمة كياناً واحداً في المنطقة يستحصل يومياً على الشهادة الأمريكية بأنه يسلك طريق الحرية وهو الكيان الصهيوني الذي يأخذ حريته الكاملة في أن يعتدي بشكل يومي على الفلسطينيين وأن يرتكب المجزرة تلو الأخرى وأن يرسم الحدود والوقائع الميدانية بحسب ما تقتضيه مصلحته أو ما يراه مناسباً، لأن من ورائه إدارةً أمريكية راضية وعالماً مستكبراً داعماً... والمطلوب هو حركة شعبية فاعلة تعمل على التصدي لهذا الإرهاب اليومي، كما تعمل على تغيير الواقع الفاسد في البلدان العربية والإسلامية في الوقت الذي تتحرك لسحب البساط من تحت أقدام الإدارة الأمريكية من خلال فضح ادّعاءاتها بالعمل لتعميم الحرية والديمقراطية، ومن خلال التأكيد على أصالة الحرية واحترام الآخر في المفاهيم الإسلامية والعربية، والسعي لتطبيقها ذاتياً ومن خلال إمكانات شعوبنا وطاقاتها المبدعة القادرة على العطاء وصناعة التغيير من الداخل في أحلك الظروف وأصعبها".