صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 19 من 19

الموضوع: عقائد و مفاهيم

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    401
    قل لي من تصاحب أقل لك من أنت



    الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء اللّه المرسلين.

    الصداقة في الإسلام:

    لقد ركّز الإسلام في الكثير من مفاهيمه وتعاليمه على أسس وثوابت العلاقات الإنسانية التي تخدم حياة الإنسان، فتبلور مكنونات عقله من خلال علاقة الإنسان بالإنسان التي تترك تأثيرها على الكثير من جوانب حياته الداخلية والخارجية، باعتبار أنَّ طبيعة العلاقة تخلق جوّاً من الألفة والمحبّة والحميمية، ما يجعل الإنسان ينجذب إلى الآخر انجذاباً عقلياً وشعورياً. ولهذا فقد تحدّث الإسلام في الكتاب والسنّة عن مسألة الصداقة في ما يحتاجه الإنسان إلى هذه العلاقة، باعتبار أنَّ الصداقة تمثّل الإنسان في الصديق الذي يساعد الآخر ويعاونه ويكون موضع سرّه وأمانته وأنسه، لأنَّ الإنسان لا يرغب بالوحدة، بل يحبّ أن يعيش مع الآخر لأنّه اجتماعيّ بالطبع.

    وربّما كانت علاقة القرابة لا تملأ كلّ ذات الإنسان، فقد يحتاج إلى من يكون قريباً له في العقل وفي الروح، ممن يمكن أن تكون قرابته أكثر من قرابة النسب، لأنَّ قرابة النسب تمثل هذا التواصل في الآباء والأجداد، وربّما لا يحمل التواصل بين هؤلاء في داخله تواصل العقل بالعقل والقلب بالقلب والروح بالروح، ففي الحديث عن الإمام علي(ع): ((ربّ أخٍ لكَ لم تلده أمّك)).

    الصداقة في القرآن:

    وعلى ضوء ذلك، ولخطورة تأثير الصديق في الصديق، أراد اللّه من الإنسان أن يعرف كيف يختار صديقه؟ وقد تحدّث اللّه سبحانه وتعالى عن الصداقة بشكلها الإيجابي، كما تحدّث عنها بشكلها السلبي في كتابه المجيد. أمّا الصداقة في شكلها الإيجابي فهي الصداقة المبنيّة على التقوى، وهي أن تصادق الإنسان الذي يعيش تقوى الفكر فلا يفكّر إلاّ حقاً، وتقوى القلب فلا ينبض قلبه إلاّ بالخير، وتقوى الحياة فلا تتحرّك حياته إلاّ في الخط المستقيم. وإذا كان الإنسان تقيّاً فلا بدّ من أن يكون ناصحاً لصديقه، لأنَّ الدين النصيحة، ولابدّ من أن يكون الوفيّ لصديقه لأنّ الوفاء يمثّل عنصراً من عناصر الإيمان، وإذا كان الإنسان تقيّاً فلابدّ أن يعين صديقه وأن يساعده وينصره وأن يؤثره على نفسه، لأنّ ذلك من عناصر أخوّة الإيمان. ولهذا حدّثنا اللّه سبحانه وتعالى أنَّ صداقة التقوى تتحرّك في الحياة لأنّها تبدأ باللّه وبرسوله وبأوليائه، وترتكز على قاعدة الإسلام في عقائده كلّها وشرائعه ومناهجه وأهدافه، فما دمت مسلماً تقيّاً فإنّ هذه هي العروة الوثقى التي لا تنفصم، لأنَّ اللّه سبحانه وتعالى جعل الإنسان الذي يسلم وجهه للّه وهو محسن المستمسك بالعروة الوثقى.

    ثم يحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن الصداقة التي سوف تستمر إلى الآخرة، لأنّ صداقة الدنيا التي ترتكز على قاعدة الإيمان باللّه وتقواه، تجد مكانها الرحب في الآخرة، لأنَّ الآخرة هي مواقع رضوان اللّه ونعيمه. وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة: ]الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ[. فالمتقون هم الذين تبقى صداقتهم وخلّتهم خالدة، لأنّها انطلقت من الموقع الثابت، فلا زوال لها بالموت، بل تمتدّ لتكون حياة المحبّة في الدار الآخرة كما كانت حياة المحبّة في دار الدنيا.

    الأصدقاء في الآخرة:

    ويحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن هذه الصداقة في الآخرة، وذلك عندما يلتقي أصدقاء التقوى وأصدقاء الإيمان في الجنّة ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِل[ [الحجر:47]، فقد جاءوا إلى الآخرة وليس في قلوبهم أيّ حقد، بل كانت المحبّة تغمر قلوبهم، لأنّ محبة الإنسان للّه تجعله يحبّ الناس الذين يلتقي بهم ليتعاون معهم، ويحبّ الناس الذين يختلف معهم ليهديهم، ولذلك فأن تكون مؤمناً يعني أن تغمر المحبّة قلبك بحيث تطرد الحقد منه. وهذا ما تعلّمناه من رسول اللّه (ص) عندما كان يواجه قومه وهم يؤذونه وهو يقول: ((اللّهمّ اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون)). فالذين لا يحملون الغلّ في قلوبهم هم الأتقياء حقّاً، الذين يحبّون اللّه سبحانه وتعالى فيحبّون خلقه ((الخلقُ عيال اللّه فأحبّ الخلق إلى اللّه من نفع عيال اللّه وأدخل على بيت سروراً)).

    وقوله]إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ[. متحابّين، يعيشون سعادة الإيمان ورضوان اللّه ]وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أكبر[.

    من نصادق؟

    ونرى أنَّ القرآن أيضاً يؤكد على المجتمع الذي تصادقه وتعيش معه، فمن هم هؤلاء الذين تعيش معهم وتصادقهم؟ ]وَاصْبِرْ نَفْسَكَ[ والحديث هنا مع رسول اللّه(ص)، واللّه سبحانه وتعالى يخاطب الناس بأسلوب خطابه للرسول (ص) ليعرف الناس أهمية هذا الخطاب، لأنّ اللّه إذا كان يطلب أمراً من رسوله (ص) وهو حبيبه وأقرب الخلق إليه، فكيف لا يطلبه من الناس؟ فمعنى ذلك أنَّ لهذا الأمر أهمية بالغة عند اللّه سبحانه وتعالى. ]وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا[. أي صادق الذين يخلصون للّه ويعبدونه ويبتهلون إليه ويخلصون له، لأنَّ هؤلاء هم الذين يزيدون إيمانك، وهم الذين يحفظون لك ودّك ويفون لك الوعد والعهد.

    قيمة الصديق:

    ويحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن قيمة الصديق من خلال نداء أهل النار عندما يدخلونها .. ما هي استغاثتهم هناك؟ ]فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ^ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ[. ويتحدث الإمام الصادق (ع) عن هذه الآية فيقول: ((لقد عظمت منزلة الصديق حتى إنّ أهل النار يستغيثون به ويدعون به في النار قبل القريب الحميم، قال اللّه مخبراً عنهم ]فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ^ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ[)) ومعنى ذلك أنّ الصديق الحميم هو الذي يفي لك، وهو الذي يعينك، حتى إن أهل النار يتلفّتون يميناً ويساراً، ويتطلّعون إلى من كانوا يصادقون من أمثالهم فلا يرون أحداً، فيتساءلون: أين هو الصديق الحميم؟ ولكنهم يعرفون أن صداقة غير المؤمنين صداقة لا ترتكز على أساس، فهي لا تمتدّ بأصحابها إلى الآخرة ]الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ[ .

    أصدقاء السوء:

    ويحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن الأصدقاء في الجانب السلبي، الذين يعيش الإنسان في الآخرة في حسرة من صداقته لهم، بقوله: ]وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ[ والمراد بالظالم الذي ظلم نفسه بالكفر أو بالضلال والمعصية ]عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا[. يا ليتني عشت في خط الرسول (ص) وكان لي طريق إليه وإلى رسالته في ما تمثّله من الهداية إلى اللّه ]يَاوَيْلَتِي[ فينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور ]لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا[. أي ليتني لم أتخذ فلاناً صديقاً، لماذا؟ ]لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي[ فلقد جاء ذكر اللّه على لسان رسول اللّه (ص)، وكان عقلي منفتحاً عليه، وكان قلبي منفتحاً عليه، وجاء هذا الرجل فكان حاجزاً بين عقلي وذكر اللّه، فانحرف بعقلي عن مساره الطبيعي، كما انحرف بقلبي عن مساره الطبيعي. ثم عندما واجهت الموقف المصيري خذلني ]وَكَانَ الشَّيْطَانُ[ شيطان الجنّ أو شيطان الإنسان، لا فرق ]لِلإِنسَانِ خَذُولا[.

    ويحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن طريقة الشيطان في التسويل للإنسان وخذلانه فيقول: ]كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ[. وفي يوم القيامة يقف الشيطان في المحشر ويندفع الناس ليقولوا يا ربّنا لقد أضلّنا الشيطان فحمّله المسؤولية ، ولكن الشيطان يتحدّث بطريقة أخرى ليدافع عن نفسه وليحمّلهم المسؤولية كاملة ]وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ[. فقد قال لهم ]وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[. وها أنتم ترون المتقين كيف يسيرون إلى الجنّة ]إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ[. لأنّ مهمتي هي أن أعد فأخلف، وأن أوسوس، وأزيّن القبيح وأقبّح الحسن، لأنّ العداوة قد نشأت بيني وبينكم منذ أبيكم آدم وأمّكم حواء، وقد قال لكم اللّه ]إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ [ فماذا يصنع العدو مع عدوّه؟ ينصحه أو يغشه؟ ]فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ[. فقد أنزل اللّه في كتابه ]وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ[.] إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ[. ]فَلا تَلُومُونِي[. فمنذ البداية ]قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم* ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ[. فوظيفتي وهدفي كانا منذ البدء واضحين، فلقد أردت بغوايتكم التنفيس عن حقدي وثأري من أبيكم آدم. ]وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ[ فلقد أعطاكم اللّه عقلاً وأرسل لكم رسلاً وأعطاكم إرادة وهداكم النجدين، فلماذا لم تنطلقوا في طريق الجنّة بل انطلقتم في طريق النار وأنتم تعرفون أنّ حزبي هو حزب أهل النار ]مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ[ فلو أنّكم صرختم لما أغثتكم ]وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ[ ولو صرخت فلن تغيثوني، فلكل امرئ يومئذ شأن يغنيه ]إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي[. فأنا أكفر بشرككم بأن تجعلوني شريكاً للّه تعالى.

    الصداقة في أحاديث المعصومين (ع):

    ومن خلال ذلك كلّه، نجد أنّ هذه الآية تعطي وحياً لأحاديث كثيرة، فهناك حديث للرسول (ص) يقول فيه: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)). باعتبار أنه يأخذ من دينه من جهة المؤثرات التي تؤثرها الخلّة والصداقة في نفس الشخص الآخر، فإذا أردت أن تصادق فعليك أن تدرس دين من تصادقه، حتى تعرف أنّ من تصادقه لن يضلّك عن دينك، بل قد يقوّي لك دينك. والصداقة أيضاً وسيلة من وسائل الحكم على الأشخاص، فإذا أردت أن تحكم على شخص، سواء كان هذا الحكم إيجابياً أو سلبياً، فما هي القاعدة التي ترتكز عليها في الحكم عليهم؟ فعن سليمان بن داود ((لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب)). على قاعدة " قل لي من تصاحب أقل لك من أنت"، فإنّما يعرف الرجل بأشكاله وألوانه لأنّ كلّ شكل لشكله ألف.

    وجاء في الحديث عن الرسول (ص) أيضاً: ((اختبروا الناس بأخدانهم))، أي بأصدقائهم، فالخدين هو الصديق، "فإنّما يخادن الرجل من يعجبه". وهذه الأحاديث تؤكد أنّ الصداقة تنطلق من المشاكلة، فإنّك عندما تنجذب إلى شخص إنّما تنجذب إلى خصائصه لأنّها تلتقي مع خصائصك، ولأنّ عناصره تلتقي مع عناصرك.

    فعن الإمام علي (ع): ((النفوس أشكال فما تشاكل منها اتفق، والناس إلى أشكالهم أميل)). ويقول الإمام علي (ع) أيضاً في ما روي عنه ((فساد الأخلاق معاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق بمنافسة العقلاء، والخلق أشكال، فكلّ يعمل على شاكلته، والناس إخوان، فمن كانت أخوّته في غير ذات اللّه فإنّها تحوز عداوة، وذلك قوله تعالى: ]الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ[.

    ويحدّثنا القرآن الكريم عن قرين السوء عندما تحين ساعة الحساب أو العذاب: ]قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ^ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ[ أي أنّ هذا الرجل عندما كان في ساعة الحساب أو عندما أدخل النار، أراد أن يجد لنفسه عذراًَ، فقدّم تقريراً عن خلّفيات كفره باليوم الآخر. فهذا القرين كان يقول له هل تصدّق هذه الخرافة؟ وأية خرافة؟ ]أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ[ أي هل أنّنا إذا متنا سوف ندان ونحاكم ونجازى؟ ]قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ[ أي هل ترون القرين؟ ]فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ[. فلتختر أصدقاءك من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، فإنّما يعرف الناس بالإيمان وبالعمل الصالح.

    ويحدّثنا القرآن عن مشاعر الإنسان يوم القيامة عندما يرى قرين السوء ]قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ[. فياليتني لم أرك، وياليت المسافة بيني وبينك كانت من البعد بحيث لا أراك، فأذكر كيف كنت توسوس لي وتضلّني حتى وصلت إلى هذا المصير المحتوم في نار جهنم. ويحدّثنا اللّه سبحانه وتعالى عن موقف قرين السوء عندما يبدأ الحساب، وقد قدّم الإنسان إلى المحكمة بين يدي اللّه، فيحاول هذا الشخص أن يقدّم عذره ليحمّل قرينه الذي كان إلى جانبه مسؤولية ضلاله ]قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ[ فأنا لا أتحمّل المسؤولية ]وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ[ فهو سيئ ولا دخل لي في اجتذابه لي، فما ضغطت عليه ولا أكرهته على ذلك، فهو صاحب عقل يفكّر؟ ]قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ[ فقد صدر الحكم ]وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ^ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ[ فاللّه سبحانه وتعالى يقول أن لا خصام في اليوم الآخر ]وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[. واللّه سبحانه وتعالى يحدّثنا عن الأشخاص الذين يحيطون به وهم قرناء السوء ]وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ[. صحيح أنّ اللّه سبحانه وتعالى ينسب الأمر إلى نفسه في هذه الآية، ولكن ليس معنى ذلك أنّه أرسل إليهم قرناء السوء، ولكنّهم عندما يتحرّكون من خلال ما أعطاهم اللّه من إرادة واختيار، فإنهم يتحمّلون مسؤوليتهم في اختيار قرنائهم.

    اختبار الصديق:

    ويحدّثنا الإمام الصادق (ع) عن بعض العلامات التي يختبر فيها الإنسان صديقه ((من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك شرّاً فاتخذه لنفسك صديقاً)). فقد تحدث بين الأصدقاء مشاكل وخلافات تجعل أحدهما يغضب من الآخر، لكّنه يبقي على خطّ المودّة، فلا يحاول أن يتكلّم عنك بالشرّ، فإذا حصل ذلك لمرات ثلاث فاعتبره متوازناً وأنّه يملك قاعدة أخلاقية فلا يدفعه غضبه إلى أن يقول ما ليس له بحقّ.

    وقد ورد في الحديث عنه (ع) : ((لا تسمّ رجلاً صديقاً سمة معروفة حتى تختبره بثلاث، فتنظر غضبه يخرجه من الحقّ إلى الباطل، وعند الدينار والدرهم)). أي هل يبقى حليماً عند الغضب فلا يتنكّر للحقّ وللحقيقة؟ وهل يخونك أو يكون أميناً على الدينار والدرهم، بحيث يبيع صداقته لك في مقابل دراهم معدودات؟ فقد لا تكون عنده قيمة للدينار والدرهم، بل القيمة عنده في الصداقة ((وحتى تسافر معه)). لأنّ السفر يمثل التعب الذي ربما يخرج الإنسان عن توازنه، فإذا بقي في خطّ التوازن فإنّ معنى ذلك أنّه ينطلق من قاعدة أخلاقية رصينة.

    أصدقاء إيجابيون:

    وقد وردت الأحاديث عن طبيعة الذين نتخذهم أصدقاء. فعن الصادق (ع) ((إصحب من تتزيّن به ولا تصحب من يتزيّن بك)). أي صاحب من تستفيد منه ومن يكون في صحبتك له زينة لك من خلال علمه وأخلاقه، لا الشخص الذي لا تستفيد منه وهو يعتبر نفسه صديقاً لك ولكنه ليس في مستوى الصداقة.

    ومن مواعظ الإمام الحسن بن علي (ع) في آخر لحظات حياته، قال لجنادة في مرضه الذي توفي فيه: ((إصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونةً أعانك، وإن قلت صدّق قولك، وإن صلت شدّ صولك)) في الدفاع عن نفسك ((وإن مددت يدك بفضل مدّها، وإن بدت عنك ثلمة سدّها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكتَّ عنه ابتداك، وإن نزلت إحدى الملّمات به ساواك)).

    وعن علي (ع) : ((أكثر الصواب والصلاح في صحبة أولي النهى والألباب)). وعنه(ع): ((صاحب الحكماء))، بحيث يعطيك الصديق الحكيم من حكمته حكمة، ((وجالس الحلماء))، وهم الذين يملكون سعة الصدر، فالطبع يكتسب من الطبع ((وأعرض عن الدنيا تسكن جنّة المأوى)). وعنه (ع): ((عجبت لمن يرغب في التكثّر من الأصحاب كيف لا يصحب العلماء الألبّاء الأتقياء الذين يغنم فضائلهم، وتهذّبه علومهم، وتزيّنه صحبتهم)). وقال (ع): ((من دعاك إلى الدار الباقية)) أي انفتح بك على الآخرة ((وأعانك على العمل)) الذي يرضي اللّه سبحانه وتعالى ((فهو الصديق الشقيق))، لأنّه هو الذي يؤدّي إلى نجاتك وحسن سلامة مصيرك.. وعنه (ع) : ((قارن أهل الخير تكن منهم)). أي اقترن بهم وصاحبهم ((وباين أهل الشر)) أي ابتعد وافترق عنهم ((تبن عنهم)).حتى تكون مختلفاً في أخلاقك وشخصيتك عنهم.

    والحمد لله رب العالمين

    28 ربيع الثاني 1421ه‍- 29 تموز 2000م

  2. #17
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    401
    الصداقة تترك أثرها العميق في ذهنية الإنسان ومشاعره وأحاسيسه وانطباعاته وحركته

    الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء اللّه المرسلين.

    استكمالاً للبحث:

    تقدّم الكلام عن مفهوم الصداقة وحركيتها في الإسلام، ولاسيما من خلال التراث الطاهر الذي تركه لنا الأئمة من أهل البيت(ع)، لأنَّ الصداقة من المسائل التي تتركُ تأثيرها العميق في ذهنية الإنسان من جهة، وفي مشاعره وأحاسيسه وانطباعاته وحركيته من جهة أخرى، ولأنَّ الصداقة تمثّلُ هذا النبض العاطفي الذي يجعل الصديق يدخل في قلب صديقه، ثم ينطلق ليدخل في عقله، ثم ينطلق ليدخل في حياته، ولذلك قيل: ((قل لي من تصاحب أقل لك من أنت)).

    ومن منطلق التزامنا بإمامة الأئمة من أهل البيت(ع)، أن نبحث عن خطّهم في الحياة، الذي يمثّل الخط الإسلامي الأصيل في كلّ كلماتهم وسيرتهم وكلّ ما انفتحوا به على الإسلام وعلى الناس كافّة، لأنَّ معنى الالتزام بالإمامة هو الالتزام بالإسلام، من خلال أخذهم بكتاب اللّه وسنّة نبيّه، ومن خلال أن سنّة النبي(ص) هي سنّتهم، لأنَّ حديثهم هو حديث الرسول (ص).

    ولذلك علينا أن نملأ حياتنا بهم(ع) ولا نقتصرُ على أحزانهم وأفراحهم، فإنَّ أحزانهم هي أحزان الإسلام، لأنّهم تحمّلوا ما تحمّلوا من ظلمٍ من خلال الإسلام كلّه. وهذا ما نستوحيه من سيدتنا سيدة نساء العالمين الطاهرة المعصومة فاطمة الزهراء (ع). فعندما نقرأ كلَّ ما قالته، ولاسيما في مرحلة الفتنة، نرى أنَّ الإسلام كان محور كلماتها كلّها، وكانَ دفاعها عن علي (ع) من خلال أنَّهُ إمام الإسلام وأميره، لا دفاعاً عن الإمام الزوج، وإن كنّا لا نفرّق بينهما. وهذا ما ينبغي لنا أن نعيشه، وأنْ يكونَ ارتباطنا بأهل البيت (ع) ارتباطاً في الفكر والخط والحركة وكلّ ما عاشوه وما ساروا عليه، حتى نستطيع أن ندخلهم في العصر ولا نبقيهم - كما أبقيناهم في مدى التأريخ - في زوايا مغلقة.

    إنّنا نريد أن نجعل أهل البيت (ع) في ذهنية المسلم وغير المسلم، وفي ذهنية الإنسان المعاصر الغربي والشرقي، لأنّ فكرهم هو الفكر الذي ينفتح على الحياة كلّها، والإنسان كلّه. فلا تحجّموهم ولا تصغّروهم ولا تجعلوهم مجرد دمعة، ولكن اجعلوهم منطلق فكر وحضارة وانفتاح على العالم كلّه.

    الجانب السلبيّ من الصداقة:

    تعالوا لنستلهم كلماتهم، كما نستلهم كتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه (ص) في الجانب السلبيّ من الصداقة. فمن هم الذين لا ينبغي لنا أن نصادقهم؟ فالكلمة العامّة لعلي (ع) كما في (الغرر والدرر): ((صحبة الأشرار تكسب الشرّ)). فإذا كان الأشرار هم أصحابك، فإنَّ معنى ذلك أن تكون الإنسانَ الذي يكتسب الشرّ منهم ((كالريح إذا مرّت بالنتن حملت نتناً)). ومن الطبيعيّ فإنّ هناك ريحاً خفيّة، وهي الريح العاطفية التي تنطلق من أهواء الصديق لتلتقي بأهواء صديقه.

    ويقول (ص): ((مصاحب الأشرار كراكب البحر إن سَلِمَ من الغرق لم يسلمْ من الفرق)). والفَرَق هو الخوف، فالإنسان الذي يركب البحر قد تهجم الأمواج المتلاطمة لتهزّ مركبه وقد تقلبه ليغرق صاحبه، وقد ينجو ولكنه يعيش القلق والفزع والخوف الذي يجتاح كيانه كلّه، وربما يترك تأثيراته النفسية على مشاعره كلّها في المستقبل.

    ويقول الإمام الجواد(ع)، والقليل منّا من يعرف الجواد في فكره وتراثه: ((إيّاكَ ومصاحبة الشرير، فإنَّهُ كالسيف المسلول يحسن منظره)) في لمعانه وصفائه ((ويقبح أثره)) في نتائجه عندما يقتل ويسفك الدماء.

    الأصدقاء المنهي عن مصاحبتهم:

    ونسترشد بكتاب اللّه وأحاديث المعصومينَ (ع) في تحديد نوعية الأصدقاء المنهي عن مصاحبتهم، والقاعدة التي ترتكز عليها صداقة المؤمنين، حيث يقول سبحانه وتعالى: )وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ(. الظالم لنفسه بالكفر أو بالفسق أو بالانحراف )يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا( يا ليتني وجدت طريقاً إلى السير في خط الرسول (ص) لأسير معه. ثم ينادي بالويل والثبور )يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا( أي الشخص الكافر الضال الذي اتخذه خليلاً، وها هو يتحسّر على تلك الخلّة، لماذا؟ )لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي(. وهو الذكر الذي جاء به رسول اللّه(ص)، وهو القرآن الكريم الذي يمثّل الكتاب الذي يذكّر الإنسان باللّه سبحانه وتعالى، وبمصيره بين يدي اللّه من خلال السير على خط اللّه ودينه. )وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولا(. فلم يتحمّل مسؤوليته يوم القيامة.

    وهناك أناس آخرون يخوضون في آيات اللّه، فيجحدونها ويهزأون بها ويضادّونها (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). فإذا كان اللّه سبحانهُ وتعالى لا يرضى لنا أن نجلس في المجالس التي يخوض فيها الناس في الحديث السلبيّ عن الإسلام، ويأمرنا بترك هذه المجالس، فكيف هو الحال بالنسبة للصداقة التي تتمثل بالحضور الدائم؟؟

    ويحدّثنا اللّه تعالى أيضاً عن الصداقة المرتكزة على الإيمان والتقوى، فمن كان مؤمناً يلتقي معك في الإيمان باللّه ورسوله وأوليائه واليوم الآخر والتقوى والخوف من اللّه والخشوع والطاعة له فصادقه، لأنّ هذه الصداقة سوف تستمر حتى تدخلا الجنّة معاً فتكونا أصدقاء الجنّة كما كنتم أصدقاء الدنيا.

    أمّا الذين لا يلتقون معك في الدين ولا في التقوى، فإنّ صداقتك لهم تنقطع وتتحوّل يوم القيامة إلى عداوة (الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ). فهم الذين تستمر صداقتهم إلى يوم الدين (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ ^ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ). فليكن أصدقاؤك من المتقين، وإذا أردت صداقة يرعاها اللّه ورسوله وأولياؤه والمؤمنون وتستمر معك إلى يوم القيامة، فهي صداقة التقوى التي تنتهي بك إلى ما ذكره اللّه تعالى (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ).

    وفي الحديث عن الإمام علي (ع): ((من لا يصحبك معيناً على نفسك فصحبته وبال عليك)). فالصاحب الذي إذا رأى عيباً لم ينهك عنه، وإذا رأى فيك انحرافاً لم يقوّمه، وإذا رأى فيك خطأً لم يحاول أن يصوّبه، فإيّاك أن تصاحبه، لأنّ صحبته لك لا تفيدك في شيء، بل ربّما يجعلك سكوته وعدم قيامه بالنصيحة لك تمتدّ في انحرافك وضلالك وخطأك، وبذلك يكون وبالاً عليك.

    وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) ((من لم تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته، ومن لم يوجب لك فلا توجب له ولا كرامة)). فالإمام (ع) يريد أن يقول إنّ العلاقة الإنسانية لابدّ أن تكون نتيجة المصلحة غير المحرّمة. والحياة بطبيعتها قائمة على تبادل المنفعة، وهذا ليس أمراً سيئاً، فإن للإنسان أن يبحث عن منفعته في الدنيا إذا لم يكن فيها حرام، وعليه أن يبحث عن منفعته في الآخرة، ولذلك لم يلغ اللّه سبحانه وتعالى حبّ الذات، لكنّه وسّعه وحدّد الخط المستقيم له، لأنّ حب الذات على قسمين: فتارةً تحبّ ذاتك فتكون أنانياً بحيث تجعل الدنيا منحصرة في ذاتك فتعيش في سجن ذاتك، فلا تتطلّع إلى الناس من حولك، ولا تتحمّل مسؤوليتك عنهم، ولا تتطلّع إلى الحياة وحاجتها إليك، فهذه الأنانية ممقوتة ولا يريدها الإسلام للمسلم، لأنَّ اللّه تعالى يريد له أن يكون الإنسان الذي ينفتح على الحياة فيأخذ منها ويعطيها، وتارةً أخرى تحبّ ذاتك لتوردها موارد النجاة والخير والسعادة، فهذا حب محبّب ومستحبّ ولا ضير فيه.

    حب الذات:

    ولذلك ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وقد سأله بعض الناس ((من أسوأ الناس معاشاً؟ قال: من لم يعش غيره في معاشه)). أي الذي يعيش لنفسه ولا يستفيد غيره من معاشه، ولا من علمه، ولا من خبرته، ولا من قوّته، ولا من ماله، ولا من جاهه، وما إلى ذلك. فحبّ الذات في هذا الاتجاه مرفوض إسلامياً.

    وهناك حبّ الذات من خلال ما تطلبه من لذّات وشهوات محرّمة، وهذا حبّ يريد اللّه أن تجاهد نفسك فيه، بأن تمنع نفسك من كلّ شهوة محرّمة ولذّة لا يرضاها الله لأنّها تذلك وتسقطك.

    وكذلك حبّ الذات من خلال دعم الظالم أو الخضوع للكافر أو مساعدة المستكبر، فهنا لابدّ لك من أن تجاهد نفسك إذا أرادتك أن تكون مع الظالمين والمستكبرين والكافرين، وكن مع اللّه سبحانه وتعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين].

    أمّا حب الذات من أجل العيش في الدنيا ضمن الحاجات الشرعية التي أحلّها الله، مثل المأكل والملبس والمسكن والتجارة، فأمر تحصيل هذه الحاجات من الموارد المحبّبة عند الله وقد ورد في الحديث في ذلك ((الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل اللّه)). و((العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال)). فأن تحبّ ذاتك بهذا اللون من الحب يعني أن تطلب الدرجة الرفيعة في الآخرة، فاللّه خاطبنا بالآخرة على أساس حبّ الذات، فإذا كنتم تحبّون أنفسكم فاعملوا للّه سبحانه وتعالى [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خيراً يَرَه]. لذلك فحبّ الذات ليس سلبياً مطلقاً ولا إيجابياً مطلقاً، فأن تحبّ ذاتك من خلال ما أحلّه اللّه لك في الدنيا، وما وعدك في الآخرة، فهذا حبّ لا مشكلة فيه [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ]. ففكر إذاًَ فيمن تصادق، هل تنتفع منه في دينك؟ هل تنفتح من خلاله على دنياك ف يما تتحمّل من مسؤولية في هذه الدنيا؟ صادقه وضع في حسابك أنّ لكلّ صداقة شروطها، وأمّا من لا تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته ((ومن لم يوجب لك فلا توجب له))، فمن لم يتحمّل مسؤوليتك فلا تتحمّل مسؤوليته ((ولا كرامة)). فالحبّ والكرامة لمن هو أهلٌ للحبّ والكرامة.

    ويقول الإمام جعفر الصادق (ع): ((انظر كلّ من لا يفيدك منفعةً في دينك فلا تعتدّنّ به ولا ترغبنّ في صحبته، فإنّ كلّ ما سوى اللّه تبارك وتعالى مضمحلّ وخيم عاقبته)). أي حاول أن تصادق الإنسان الذي يساعدك في طاعة اللّه ويقوي لك دينك، وينفتح بك على آخرتك، لأنّ ما عدا ذلك زائل، بل سيكون وبالاً عليك.

    إحذر هؤلاء:

    ويقول الإمام علي (ع) في ما روي عنه ((إحذر من إذا حدّثته ملّك)). أي لا يستمع إلى حديثك حتى لو كان خيراً، بل يظهر لك الملل والبرم بحديثك ((وإذا حدّثك غمّك)). أي يجلب لك الغموم في حديثه من خلال تعقيد حياتك ((وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك)). فإذا ضررته فإنه لا يصفح عنك، وإنّما يردّ الضرر بالضرر ((وإن فارقته ساءك مغيبه بذكر سوءتك)). فما دام معك يتحدث عنك بالخير، فإذا غاب عنك أو غبت عنه تحدّث عنك بالسوء ((وإن وافقته حسدك واعتدى)). فهو حسود لك حتى لو وافقته، لأنه لا يطيق أن يرى مزاياك، فإذا رأى منك حسن الخلق فإنّه يحسدك ولا يحمدك بل يعتدي عليك.

    ((وإن خالفته مقتك ومارى)). فإذا اختلفت معه فإنّه يبغضك ولا يفسّر المخالفة تفسيراً موضوعياً على أساس اختلاف وجهات النظر. ((يعجز عن مكافأة من أحسن إليه)). فإذا أحسن إليه شخص فإنّه لا يكافئه ولا يردّ الجميل بالجميل ((ويفرِّط على من بغى عليه)). فإذا اعتدى عليه شخص فإنّه لا يعتدي عليه بمثل ما اعتدى، بل يفرط في ذلك بأن يعتدي عليه بردّ الصاع صاعين. ((يصبح صاحبه في أجر ويصبح هو في وزر)). فالذي يصاحب رجلاً مؤمناً يصبح في أجر ومثوبة لفلاحه، لكنّه يصبح في معاصي اللّه لفساده ((لسانه عليه لا له)). أي ضد صاحبه ((ولا يضبط قلبه قوله)). أي لا يتوافق ما في قلبه مع ما في كلامه. ((يتعلّم للمراء)). لا للثقافة ولا للتعليم وإنّما للجدال ((ويتثقّف للرياء)). حتى يراه الناس فقيهاً. ((يبادر الدنيا)) أي أنّ مبادراته ليست للآخرة وإنمّا هي للدنيا ((ويواكل التقوى)). فإذا اقتضت التقوى شيئاً فإنّه يؤخّر العمل ولا يبادر إليه.

    ويقول الإمام الحسن (ع): ((إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك فإنّ أشقى الأعراض به معارفه)).

    ويقول علي (ع): ((احذر مصاحبة الفسّاق والفجّار والمجاهرين بمعاصي اللّه)).

    ويقول الصادق (ع): ((احذر من الناس ثلاثة: الخائن والظلوم والنمّام، لأنّ من خان لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نمّ إليك سينمّ عليك)). أي أنّ الصاحب الذي يخون ويظلم وينمّ فإن هذه الخصال الذميمة تجري في دمه وتغدو ملكات في نفسه، فإذا خان لك أو ظلم لك أو نمّ إليك فإنّه سيفعل كلّ ذلك ضدّك أيضاً، فإذا جاءه شخص وطلب منه ذلك كلّه فإنّه سيستجيب له، فإذا أردت أن تسلم فلا تصاحب أمثال هذا.

    ويقول الإمام علي (ع): ((عدوٌ عاقل خير من صديق أحمق)). لأنّ العدوّ العاقل معروف بعداوته الصريحة ولديه أصول في عداوته فتستطيع الاحتراس منه، أمّا الأحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك لأنّه لا توازن لديه.

    وقد ورد في الأحاديث تحديد آخر للمنهي عن مصاحبتهم، ففي الحديث عن الإمام علي (ع): ((إياك ومصاحبة أهل الفسوق)). الذين يكون طابع حياتهم الفسق الذي يمثّل تجاوز الحدّ في معصية اللّه ((فإن الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم)). فاللّه كما يحاسب الإنسان على فعله يحاسبه كذلك على رضاه عن فاعل الشرّ وتأييده له. وقد ورد في الحديث عن علي (ع): ((الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى الداخل إثمان: إثم الرضا وإثم العمل)).

    وقال علي (ع): ((إن ما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرضا، فقال: فعقروها فأصبحوا نادمين)). فلقد كان العاقر شخصاً واحداً، لكن العشيرة رضيت بفعله أو شجّعته عليه، فأصبحوا شركاء في عملية العقر، لأنّ المشاركة تارة تكون بالدعم الكلامي المعنوي، وتارةً بالدعم الفعلي، ولذلك فعلى الإنسان المسلم أن يظل دقيقاً في نبضات قلبه وفلتات لسانه بالنسبة للذين يفعلون الشرّ أو يقومون بالظلم.

    وفي الحديث أيضاً: ((الظالم والراضي بالظلم والمعين له شركاء ثلاثتهم)). لأنّ اللّه يريد للإنسان أن يقتلع الشرّ من عقله وقلبه وحياته، لأنّ وجود الشرّ في العقل يعني أنّ هناك بذرة سوف تنمو عندما تتوفر الظروف المناسبة لنموّها، ولذلك فالراضي بالظلم هو مشروع ظالم في المستقبل، ذلك أنّ بعض الناس لا يظلم لأنّه غير قادر على الظلم، لكنه اذا قدر فإن قدرته قد تدفعه إلى ذلك.

    ويقول علي (ع): ((إياك ومصاحبة الفسّاق فإنّ الشرّ بالشرّ ملحق)). ويقول الصادق (ع): ((إيّاك ومخالطة السفلة فإنّ مخالطة السفلة لا تؤدّي إلى خير)). والسفلة هم الذين يتحرّكون في المواقع الدنيئة وينطلقون في المشاريع التي تضرّ بالناس ولا ترتفع بهم.

    وعن علي (ع): ((إيّاك وصحبة من ألهاك عن ذكر اللّه وأغراك بالمعصية، فإنّه يخذلك عند حاجتك إليه ويوبقك)). أي لا يعينك في قضاء حاجتك بل ويساعد على هلاكك.

    ويقول (ع): ((إياك ومصاحبة الكذّاب، فإذا اضطررت إليه)) بسبب ظروف اجتماعية أو مادية أو رحمية ((فلا تصدّقه)). إرحم نفسك منه، فما دام كاذباً فإنّه يختلق الكذب اختلاقاً، فالأصل في كلامه أن يكون كذباً ((ولا تعلمه أنك تكذبه)). أي حاول أن تواجه الموقف بلباقة فلا تقل له إنّك تكذّبه ((فإنّه ينتقل عن ودّك ولا ينتقل عن طبعه)).

    وعن الإمام الباقر (ع): ((قال لي علي بن الحسين (عليهما السلام): يا بنيّ إيّاك ومصاحبة القاطع لرحمه)) العاقّ لأبويه، المقاطع لأقربائه ((فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب اللّه في ثلاث مواضع)).

    وعن الصادق (ع): ((إياك وصحبة الأحمق)) الذي لا يملك توازن العقل وعمق الفكر، بل قد يرى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً ((فإنه أقرب ما تكون منه أقرب ما يكون إلى مساءتك)).

    وعنه (ع): ((إياك وصحبة الكذّاب، فإنّه يريد نفعك فيضرّك، ويقرّب منك البعيد ويبعّد منك القريب، إن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك هانك)). إما بأن يتحدث معك بسوء أو بطريقة مهينة ((وإن حدّثك كذبك، وإن حدّثته كذّبك، وأنت منه بمنزلة السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً)).

    أصدقاؤك وأعداؤك:

    ويصنّف الإمام علي (ع) الأصدقاء، من هم؟ والأعداء، من هم؟ فيقول: ((أصدقاؤك ثلاثة: صديقك وصديق صديقك وعدوّ عدوك، وأعداؤك ثلاثة: عدوّك، وعدوّ صديقك، وصديق عدوّك)). وهذا المنهج الذي ركّزه الإمام (ع) ينبغي أن لا نقتصر به على المسائل الفردية، بل نمتدّ به حتى في المواقع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على المستوى الدولي والسياسي من خلال المنظمات العالمية، فنحن مثلاً في عداء مع الكيان الصهيوني، وهو العدوّ الذي دخل فلسطين وطرد أهلها منها، ويخطط دائماً لجمع كلّ يهود العالم للإقامة فيها على حساب أهلها، وهو عدوّ الإسلام [لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا]، بل هو العدوّ الذي أربك المنطقة في مدى أكثر من خمسين سنة سياسياً واقتصادياً وأمنياً وربما ثقافياً، لذلك كان العدوّ بكلّ مقاييس العداوة.

    لذلك علينا أن ندرس المسألة في المحاور الدولية، فمن هو صديق الكيان الصهيوني، بحيث يكون معه مئة بالمئة وضد العرب والمسلمين بما يتفق مع مصلحة هذا الكيان مئة بالمئة؟ إنّها (أميركا)، وليس لدينا مشكلة مع الشعب الأميركي، فهو شعب مسالم بطبيعته، وهناك الكثير من الأميركان الذين دخلوا في الإسلام، وإذا أحسنّا الدعوة إلى اللّه هناك، فربما يدخل الكثيرون منهم في الإسلام، وبالتالي فلا مشكلة لنا مع الشعوب كلّها، فاللّه سبحانه وتعالى أمرنا أن نحوّل أعداءنا إلى أصدقاء [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]. لكن أميركا تعتبر أنّ (إسرائيل) هي الولاية الحادية والخمسون من الولايات المتحدة، بل إنها ترجّح بعض مصالح هذا الكيان الغاصب على بعض مصالح الولايات المتحدة، لأنّ رؤساء أميركا والحزبين الكبيرين (الجمهوري والديمقراطي) يطلبون، خصوصاً في المراحل الانتخابية، أصوات اللوبي الصهيوني، حيث يتسابق المرشّحون للرئاسة الأميركية لمخاطبة هذا اللوبي بما يدعم إسرائيل، حتى إن أميركا تصرّح بكلّ وقاحة بأننا نعمل على أن تكون (إسرائيل) الأقوى عسكرياً في المنطقة، هذا بالإضافة إلى المساعدات الاقتصادية والسياسية. فأميركا اليوم تمنع مجلس الأمن من إدانة (إسرائيل) في كلّ جرائمها، كما رفضت إدانتها في (مجزرة قانا) وحمّلت الضحايا مسؤولية المجزرة، حتى إنّ الأمين العام للأمم المتحدة في حينه (بطرس غالي) عندما طرح وثيقة الإدانة لإسرائيل بارتكاب المجزرة عاقبته أميركا بمنعه من أن يكون أميناً عاماً لدورة ثانية. فهي مع (إسرائيل) على طول الخط، وهذا ما برز واضحاً في قمة (كامب ديفيد) الأخيرة، حيث إن فشل القمّة نتج عن مطالبة الراعي الأميركي من (عرفات) وفريقه التنازل عن قضية القدس والقبول بالمشروع الأميركي الذي هو بالأصل المشروع الصهيوني، حتى إن (كلينتون) أعلن أن الفشل يتحمّله عرفات.

    هذا هو الواقع الأميركي المستعدّ لتخريب مصالح أميركا في المنطقة لحساب (إسرائيل)، وهذا ما يعرفه كلّ عربي وكلّ مسلم. لذلك نقول: إن أميركا هي العدو الأكبر لقضايانا كلّها، ونعني الإدارة الأميركية التي غالبيتها من اليهود.

    ولذلك ينطبق قول الإمام علي (ع) ((صديق عدوّك)) على أميركا، فلابد في الخط الإسلامي للعلاقات الدولية عندما نريد أن نفرّق ما بين الأصدقاء وبين الأعداء، أن نعرف من هم أصدقاء أصدقائنا؟ ومن هم أعداء أعدائنا؟ لنصنّفهم كأصدقاء سياسيين بحسب شروط الصداقة السياسية، وعلينا أيضاً أن نحدّد أعداءنا في العالم على أساس أن يكون عدوّ صديقي عدواً لي، لأنّ طبيعة الصداقة تفرض أن يكون موقفي مع صديقي إذا كان في مستوى الصداقة فيكون عدوّه عدوّي. وهكذا فإن صديق عدوّي هو عدوّي لأنّه ضدّي، والإمام (ع) عندما حدّد هذا المنهج أراد لنا أن نكون واقعيين، بأن ندرس حركتنا في الواقع من خلال حركة الآخرين في هذا الواقع، ويريدنا من خلال ذلك أن نحصل على وعي اجتماعي وسياسي واقتصادي، فالكثيرون اليوم في العالم يقفون في الضد من اقتصادنا ويعطّلونه ويحاصرونه، وهناك الذين يتعاونون معنا اقتصادياً.

    أقسى مراحل التاريخ:

    إنّ المرحلة التي نعيشها الآن تمثّل أقسى المراحل التاريخية بالنسبة للعرب والمسلمين، لأنَّ طبيعة التحدي الذي نواجهه من خلال الاستكبار العالمي، ولاسيما الدول السبع التي انضمت إليها روسيا أخيراً فصارت ثمان، من خلال التخطيط لنهب ثروات دول العالم الثالث، وتعطيل مشاريعها، فهي تقف حائلاً دون أن تصبح هذه الدول مصنّعة، لأنّها سوف تستغني عن الكثير من منتوجات الدول الغنية، ولذلك فإن المشاكل الحدودية وما شابهها التي تنشب بين الحين والآخر لاستنزاف طاقات الدول المتصارعة، سواء الاقتصادية أو البشرية، مثل حرب الخليج الأولى التي فرضت على إيران، والثانية التي فرضت على الكويت، هي حروب من أجل إسقاط الاقتصاد العربي، ولاسيما اقتصاد الخليج الذي تحمّل كلّ تكاليف الحرب الأولى والثانية، وإلاّ فمتى كان الخليج مديناً وهو الذي كان يعين البلاد العربية وغير العربية الفقيرة؟! لقد أضحى النفط رهينة جرّاء هذه الديون الثقيلة المفروضة على منطقة الخليج.

    ولذلك، لابدّ أن يكون لنا وعي سياسي، ولا أقول إنَّ علينا أن ننطلق عشوائياً بالشعارات الحماسية، بل لابدّ من أن نخطّط ولو للخمسين سنة القادمة، وعلينا أن نفكّر كأمّة لا كأفراد، لأنّهم ينفذون إلينا من خلال مصالحنا الفردية على حساب مصالح أمتنا، ولذلك يقول الإمام علي (ع): ((لا تتخذن عدوّ صديقك صديقاً فتعادي صديقك)). ويقول الباقر (ع): ((صديق كلّ إمرىء عقله وعدوّه جهله)). فعندما تجعل العقل حاكماً في حياتك كلّها، فأنت تعيش مع صديق مخلص يحفظ الصداقة، وأمّا الجهل فقد يدخلك في متاهات كثيرة لا تعرف أولها ولا آخرها.

    وهذا ما حدثنا عنه الله في كتابه الكريم ورسوله(ص) وأولياؤه(ع)، فتعالوا نفكّر فيه ونحوّله إلى سلوك في حياتنا، وعلينا أن نفهم الحياة جيداً، وأن ننظّمها، وأن ندرس النقاط الإيجابية والسلبية ونقاط الضعف والقوّة، لأنَّ كلّ إنسان يحمل جنّته على ظهره من خلال الخط المستقيم الذي يسير عليه، ويحمل ناره على ظهره من خلال الخط المنحرف الذي قد يختاره. علينا أن نعيش العقل والرسالة والانفتاح على المصير في الدنيا والآخرة.

    والحمد للّه ربّ العالمين

    5 جمادي الأولى 1421ه‍- 5 آب 2000م

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    401
    الاختبار قبل الصداقة ينجّي من صرعة الاسترسال

    الحمد للّه رب العالمين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وعلى جميع أنبياء اللّه المرسلين.

    مبدأ التواصل:

    يعتبر عنوان الصداقة من العناوين التي تعالج حركة العلاقات الإنسانية وفق ما ورد في نهج أهل البيت(ع)، الذين تعهّدونا منذ انطلقت الإمامة في حركة الحياة بالتوجيه والإرشاد وتأكيد طبيعة تأسيس المجتمع الإسلامي على الأسس التي يشعر فيها كلّ فرد من أفراد المجتمع بالمسؤولية عن رعاية الفرد الآخر، سواء من خلال الأخوّة الإيمانية أو من خلال الصداقة الشخصية، أو من خلال العلاقة الإنسانية، كما جاء عن إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبى طالب (ع) في عهده ل‍(مالك الأشتر) عندما قال له: ((فإنّ الناس صنفان، إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)). فالإنسانية صلة بين الإنسان والإنسان الآخر، حيث يعيش أحدنا إنسانيته في إنسانية الآخر، وقد يدخل في عقل الآخر ليستقيم له عقله، أو يدخل قلبه لينفتح له قلبه، أو يتحرّك في حياته من أجل أن تنطلق حياتهما في دروب الخير معاً.

    ففي الإسلام المبدأ هو التواصل لا التقاطع، فعملية التواصل بين الإنسان والإنسان الآخر يمكن لها أن تسدّ الثغرات الاجتماعية، فيما يخلق البعد بين الناس أوهاماً يحملها كل طرف عن الآخر نتيجة التقاطع، ما يعمّق الفجوة بينهما. لكن التلاقي والتواصل والحوار يعمِّق عملية فهم الآخر، فيتطلع إلى تفكيره ويدرك ما هي مبادئه؟ وما هي أحلامه؟ وما هي تطلّعاته؟ وأن يفهم الإنسان الإنسان الآخر فإنّ ذلك يعني سرّاً من أسرار التنظيم الإسلامي للمجتمع في الحياة، ولذلك فما نأخذ به في حياتنا الاجتماعية من حيث مقاطعة بعضنا بعضاً، وعدم محاورة بعضنا بعضاً، هو أمر لا ينفتح على الخطّ الإسلامي الأصيل.

    الحشمة في الصداقة:

    وفي غمار الحديث عن الصداقة، نلتقي بكلمةٍ للإمام الكاظم (ع) يقول فيها: ((لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك وابق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء)). أي عندما تكون هناك صداقة بين إنسان وإنسان آخر، فهناك أسلوبان في التعامل: الأسلوب الذي يخرق فيه الحشمة بينه وبين الآخر، أي يخرق حجاب الحياء، بحيث ينتفي كل شيء يحشم فيه الإنسان نفسه وذاته عن الآخر. والإمام الكاظم (ع) ينصح بإبقاء شيء من الحياء الذي يمثل العلاقة بالصديق، وهذا هو الأسلوب الثاني، لأنّ الستور إذا تمزّقت بين الأصدقاء فإنّ الصداقة قد تهتز من خلال ذلك، وربما يمزّق ذلك الحجب، فيذهب الاحترام من العلاقة فيؤدي ذلك إلى شيء من الاحتقار والإحساس بالتفاهة التي توحي بابتعاد أحدهما عن الآخر بوحي عدم احترامه له.

    ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق (ع): ((إنْ أردت أن يصفو لك ودّ أخيك فلا تمازحنّه)). والمراد هنا المزاح الثقيل ((وتمارينّه)). أي لا تدخل معه في جدال قاسٍ يفسد الصحبة، ((ولا تباهينه)). بحيث تستعرض وجاهتك ومالك في حضرته كما لو كنت تباهيه بما عندك لتكسر مكانته عندك ((ولا تشارنّه)). أي لا تدخل معه في معاملة يمكن أن تكون شرّاً إذا فسّرنا ذلك بالشرّ، أو في عملية تخلق الخلاف بينك وبينه.

    المراء مفسد للصداقة:

    يقول الإمام علي الهادي (ع): ((المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّل العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون فيه المغالبة)). أي أن يعمل على أن يغلبك وتعمل أنت على أن تغلبه، ما يؤدّي إلى نتائج سلبية في علاقتكما من خلال ما يمكن للمغالبة أن تتركه من تأثير سلبي في النفس اتجاهك. ويقول الإمام(ع): ((والمغالبة أسّ أسباب القطيعة)). فهي الأساس الذي ترجع إليه أسباب القطيعة كلّها، بما تخلقه في النفس من الشعور بالسقوط أمام الغالب في نفسية المغلوب، والشعور بالاستعلاء في نظرة الغالب إلى المغلوب، فيختل التوازن في قاعدة العلاقة بينهما.

    الوشاية تضيّع الصداقة:

    ويقول الإمام علي (ع) وهو يوجّهنا إلى أنّنا إذا كان لنا أصدقاء وجاءنا الوشاة الذين ينقلون إلينا عنهم كلاماً سيئاً، فإنّ علينا أن لا نطيع الواشي ((من أطاع الواشي ضيّع الصديق))، لأنّ شغل الوشاة الذين ينقلون عن صديقك كلاماً سلبياً هو أن يهدموا صداقتك، وإلاّ فماذا يريد الواشي من وشايته غير السوء والوقيعة؟

    مفسدات أخرى:

    وورد في حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في وصيته لولده محمد بن الحنفية: ((إيّاك والعجب)). أي أن تعجب بنفسك من خلال انتفاخ شخصيتك في نظر نفسك ((وسوء الخلق)). بأن تبادر الذين تعاشرهم ويعاشرونك بالخلق السيئ لتكون كلماتك قاسية، وقلبك قاسياً، ومعاملتك قاسية ((وقلّة الصبر)). وهي أن لا تصبر على ما تواجهه من الناس الآخرين عندما يسيء إليك أحدهم، أو عندما يأتيك أذى منه من حيث يريد أو لا يريد، ويعني أيضاً أنّك لا تتحمّل الأذى والفعل الذي يسيء إليك، ولا تنتظر حتى يجلو لك الوقت طبيعة ما حدث من أخيك، ((فإنّه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب)). فإذا كنت تستعرض عضلات شخصيتك أمام صاحبك لتوحي له أنّك الأعلى وهو الأسفل، أو لتكون معاشرتك له سيئة، أو لا تصبر على سلبيات العلاقة، فسوف لن يبقى على صحبته لك ((ولا يزال لك عليها من الناس مجانب)). فسوف يجانبك الناس عندما تتمثل هذه الخصال في شخصيتك.

    النهي عن سوء الظنّ:

    كما وينهانا الإمام علي (ع) عن سوء الظنّ عندما يواجه الأصدقاء بعضهم بعضاً، فقد يبدو منهم، أو من الناس كافة، فعل يمكن أن يُحمَل على الخير ويمكن أن يحمل على الشرّ، ففي هذا المجال يقول الإمام (ع) ((إيّاك وسوء الظنّ)). أي إيّاك أن تغلّب الظنّ السيئ على الظنّ الحسن، لأنّ ذلك يجعلك لا تثق بالآخرين، وإذا فقدت الثقة بهم، لاسيما إذا كان الآخرون من أصدقائك وإخوانك، فإنّ ذلك يؤدّي إلى تهديم العلاقة وتصدّع الصداقة وتعقيد الصلة بالناس الآخرين.

    وقد ورد عن الإمام علي (ع) في الاتجاه نفسه ما يركّز المبدأ بطريقة شاملة في ما يواجه الإنسان مما يصدر من أخيه من قول أو فعل، حيث يقول (ع): ((ضع أمر أخيك على أحسنه)) فإذا انطلق أخوك في أمر من الأمور وكانت هناك عدة احتمالات، ومنها الاحتمال السيئ، ومنها الاحتمال الحسن، فغلّب الحسن على السيئ، ومعنى ذلك أن لا تحكم عليه بالسوء، بل اعتبر أنّ من الممكن أنه قد أراد الحسن. ((ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملا)). فلو فرضنا أنّه كان يقصد السوء بنسبة 99%، ويقصد الخير بنسبة 1% فقل ربّما أراد الواحد بالمائة، وهذه النظرة التربوية تلتقي مع خط العدالة الإسلاميّ القائم على قاعدة " المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، فقد تجد شخصاً يحمل المسدس وثمة شخص مقتول أمامه، فلا تتعجّل الحكم على صاحب المسدس، فالعدالة تقول إنّ هذا الشخص هو المتهم ولا تقول إنّه المجرم حتى تأتي الأدلّة التي تثبت جريمته، لأنّ من الممكن جداً أن تكون هناك ظروف خفيّة تبرّئ ساحة هذا الإنسان.

    ولكن ليس معنى أن تحمل أخاك على الأحسن أن تحكم بالأحسن مطلقاً، ولكن أن تثير احتمال إرادته للأحسن فلا تحكم عليه بالأسوأ، فالملحوظ هنا هو نفي الجانب السلبي وليس تأكيد الجانب الإيجابي، لأنّه كما لا يجوز لك أن تحكم عليه بالسوء، إذا لم يثبت لك السوء بدليل قاطع، فلا يجوز أن تحكم عليه بالخير إذا لم يكن هناك دليل قاطع للحكم بالخير، لكن لا تحمله على السوء إذا كان ثمة احتمال للخير في هذا أو ذاك.

    ولذا يقول الإمام علي (ع): ((لا يغلبنّ عليك سوء الظنّ فإنّه لا يدع بينك وبين صديق صفحاً)). فبعض الناس الذين يعيشون العقدة في علاقاتهم الاجتماعية، فإذا صدرت من الآخر كلمة حسنة فإنه يقلبها إلى كلمة سيئة، لأنه لا يستطيع أن يرى الشيء الحسن في الآخرين، وهذا أشبه شيء بالمتشائم الذي ينظر نظرة سوداء إلى الحياة. فيذكر مثلاً عن (ابن الرومي) الشاعر العباسي الذي كان معروفاً بتشاؤمه، أنّه بعث إليه جماعة من أصحابه ليكون معهم في نزهة، فأرسلوا إليه شخصاً اسمه (حسن) فلما بلغه سأله: ما اسمك؟ فقال له: حسن، فقلب الاسم بطريقة ما فأصبح نحساً فأغلق الباب بوجهه. فأرسلوا إليه شخصاً اسمه (إقبال) فقلب اسمه، فقال: لا بقاء، فأغلق الباب. فبعض الناس مثله مثل ابن الروميّ مصاب بعقدة حمل الناس على الأسوأ، لذلك فقد يتكلّمون كلاماً يمكن أن يحمل على الخير والمعاني الصحيحة، لكن أصحاب النفوس المريضة يحاولون تغليب احتمال السوء ليحكموا به على احتمال الخير، وهذا أمر نواجهه في القضايا السياسية والعقيدية والشرعية والاجتماعية، فهناك أشخاص لا همّ لهم سوى سوء الظنّ، وعندما تحدّثهم في ذلك فإنهم يقولون لك: ((سوء الظنّ من حسن الفطن)). وهم لا يعرفون أنّ سوء الظنّ، خصوصاً إذا حكم الإنسان على أساسه، فهو خلاف مقتضى العدالة وخلاف حكم الشرع في ذلك.

    ويتحرّك الحديث عن الإمام علي (ع) لتأكيد الصداقة، حيث يقول: ((من ناقش الإخوان قلّ صديقه)). فلا تحاول أن تناقش صديقك في كلّ شيء بحيث تحصي عليه أنفاسه، فما من أمر، صغيراً كان أو كبيراً إلاّ وتدخل في نقاش محتدم معه، وهذا ما صوّره بعض الشعراء، بالقول:

    إذا كنت فـي كلّ الأمـور معاتـباً صديقك لن تلق الذي لا تعاتبه

    فلو بحثت في عالم الأصدقاء كلّه، لما رأيت صديقاً لا يمكن معاتبته أو محاسبته، فكلّ إنسان قد تصدر عنه هفوات أو إساءات أو مفارقات بسيطة يمكن التغاضي عنها، وتلك هي طبيعة البشر بصفة عامّة، ولذا يقول الإمام (ع): ((من ناقش الإخوان قلّ صديقه)).

    ما يوجب كثرة الأصدقاء:

    هذا ما يوجب قلّة الأصدقاء، أمّا ما يوجب كثرتهم، ولابدّ لنا هنا أن نعرف أنّنا أمام هذه الأحاديث تلاميذ الأئمة من أهل البيت (ع) في المسألة الاجتماعية. فعن الإمام الحسن العسكري(ع): ((من كان الورع سجيّته والكرم طبيعته والحلم خلّته، كثر صديقه والثناء عليه)). فهذه الخصال والصفات تفتح قلوب الناس على صاحبها، وبذلك يكثر أصدقاؤه ومحبّوه. ((وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه)). أي استطاع أن يحصل من أعدائه على النصر بأن يجبرهم على أن يذكروه بخير. وعن الإمام علي (ع) في كلماته القصار ((من لان عوده كثفت أغصانه)).

    المسلمون إخوتك:

    ومن مواعظ الإمام زين العابدين (ع) للزهري عندما رآه حزيناً مما رأى من جهة الحسّاد ومن أحسن إليه. والزهري من أصحاب الإمام الذي تكثر روايته عنه، ولذا سأله الإمام (ع) عن سبب حزنه، فقال له إنّه يحسن إلى الناس والناس يسيئون إليه، وإنّه يعيش في مجتمع يكثر فيه الحسّاد الذين يحسدونه على ما أعطاه اللّه تعالى من فضله، ما يخلق له مشاكل نفسية واجتماعية ككل إنسان يشعر أنه محاصر من قبل منْ يحسدونه أو ممن يسيئون إليه في مقابل إحسانه لهم.

    فقال له الإمام (ع): ((أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك)). أي إذا أردت الخلاص من مشكلتك فانظر إلى مجتمع المسلمين كأسرة، وانظر كيف يتعامل الإنسان مع الكبير ومع الصغير من أسرته، فتعامل مع المسلمين كذلك، وقد أراد اللّه لنا أن نعيش معنى العلاقة الحميمة مع المسلمين في قوله تعالى: ]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[، حيث إنّه جعل الإيمان نسباً أقوى من النسب، فاعتبر المسلمين بأجمعهم أسرةً واحدةً يعيشون في داخل هذه الأسرة كما يعيش الأخوة، ((فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك)). فتحترمه كما تحترم والدك وتوقّره كما توقّر والدك، ((وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك)) فتحنو عليه كما تحنو وتعطف على أولادك ((وتجعل تربك)) أي الذي هو في سنّك ((بمنزلة أخيك، فأيّ هؤلاء تحبّ أن تظلم؟!)). فهل يحب الإنسان إذا كان سوياً عاقلاً ظلم أبيه أو ولده أو أخيه؟ فإذا اعتبرت المسلمين بهذه المنزلة من إحساسك وشعورك، فإن معنى ذلك أنّك سوف تتعامل معهم بروح لا ظلم فيها، لأنّ الإنسان لا يحب أن يظلم أيّاً من ذويه أو ذوي رحمه. ((وإن عرض لك إبليس - لعنه اللّه - أنّ لك فضلاً على أحد من أهل القبلة)). فقد يأتيك الشيطان ليوسوس لك أنّك صاحب الفضل على الناس، وأنت وحدك الذي تحسن وتخدم وتسعى في إصلاح المجتمع، وعلى الناس كلّهم أن يطيعوك ويخضعوا لك.

    نصيحة عملية:

    وهذا هو حال بعض الناس، فما إن تنتفخ شخصيّته يتصوّر أنّ له حقّاً على الناس وليس للناس حق عليه، فهو يحب أن يُخدم ولا يخدم، يحب أن يحسَنَ إليه ولا يحب أن يحسن إلى أحد. ((فإن كان أكبر منك)). أي حاول أن تدخل في حوار بينك وبين نفسك في مواجهة إغواء إبليس لك، وذلك بأن تدرس هذا الشخص الذي يقول لك إبليس بأنّك أفضل منه، ((فإنّ كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح)). فقد تكون لديّ صفات أحسن منه، لكنّه عندما جاء إلى الحياة قبلي وكان مؤمناً ولم أكن موجوداً، فقد سبقني إلى ممارسة الإيمان والعمل الصالح ((فهو خير منّي)).

    ((وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير منّي)). فأنا لست معصوماً، فقد بلغت قبله وعصيت اللّه قبله، فهو أفضل منّي لأنّ معاصيّ أكثر من معاصيه.

    ((وإن كان تربك)). أي هو في مثل سنّك ((فقل: أنا على يقين من ذنبي وفي شك من أمره، فما أدع يقيني لشكّي)). فأنا أعرف بذنوبي ولا أعرف بذنوبه، أي أنني على يقين مما اجترحته من المعاصي والذنوب، وفي شكّ من معرفتي بذنوبه، فلست مستعداً لترك يقيني لشكّي، فقد يكون أفضل مني.

    ((وإن رأيت المسلمين يعظّمونك ويوقرونك ويحبّونك، فقل: هذا من فضلٍ أخذوا به)). فبعض الناس ينتفخ عندما يرى النعال تخفق خلفه والناس يعظّمونه ويهتفون باسمه، في حين أنَّ لهؤلاء الفضل عليه في تقديرهم وعايتهم له مما قد لا يجب عليهم القيام به اتجاهه وقد لا يستحق ذلك. وهذا مما علّمنا إياه أمير المؤمنين(ع)، وهو الذي بلغ من العصمة ما يمكن أن يكون فوق العصمة إذا كان هناك شيء فوقها، لكنّه كان يتواضع للّه تعالى، وكان يتواضع للناس، فكان إذا مدحه أحد خشع للّه، وقال: ((اللّهم اجعلني خيراً مما يظنّون واغفر لي ما لا يعلمون)).

    وقد علّمنا الإمام زين العابدين(ع) في دعاء (مكارم الأخلاق)، وأنا انصح بقراءته يومياً، لأنّه يمثل المنهج الأخلاقي التربوي الذي لم يترك أيّ مفردة من مفردات الأخلاق إلاّ وقد ذكرها، ولكنّ مشكلتنا أننا لا نعرف علي بن الحسين(ع)، وأنّنا حوّلنا ذكرى أئمتنا (ع) إلى مناسبة للبكاء ولم نحوّلهم إلى مدرسة للعلم والوعي والتوجيه والعطاء.

    يقول (ع): ((اللّهم لا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزّاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلّة باطنة عند نفسي بقدرها)).

    ثم نمضي مع علي بن الحسين في مواعظه للزهري عن الصداقة: ((وإن رأيت منهم جفاءً أو انقباضاً عنك فقل هذا الذنب أحدثته)). فإذا رأيت الناس لا تعظّمك ولا توقّرك ولا تقبل عليك فانسب التقصير لنفسك، أي لا تتهم الناس بأنهم غير طيبين، وإنما اتهم نفسك بأنّها ارتكبت ذنوباً فهجرك الناس جرّاء الذنوب التي تركت تأثيرها السلبي في الحياة، أو أنك أسأت إليه بذنبك الذي أحدثته فهجروك لأجله. ((فإنّك إن فعلت ذلك)) أي إذا عشت هذه الذهنية والروحية ((سهّل اللّه عليك عيشك وكثر أصدقاؤك وقلّ أعداؤك)). وهذا هو توجيه الأئمة (ع) في التعامل مع شرائح الناس كلٍّ من موقعه.

    حدود الصداقة:

    وننتقل إلى حدود الصداقة، فنلتقي بكلمةٍ للإمام جعفر الصادق (ع): ((لا تكون الصداقة إلاّ بحدودها، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منه، وإلاّ فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة)). فمن كانت فيه هذه الحدود أو المواصفات أو الشروط أو شيء منها فهو الصديق وإلاّ فدعه، ((فأوّلها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة)). أي لا يتلقاك في العلانية بالأحضان وفي السرّ يطعنك بالظهر، بل يستوي سرّه وعلانيته في موقفه الحميم والمخلص منك.

    ((الثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه)). أي يعتبر فضائلك وصفاتك الجيدة كأنّها فضائله هو، وإذا رأى أشياء سيئة فإنه يشعر كأنّك هو وكأنّه أنت، أي إذا رأى فيك زيناً شعر أنّه اتصف به، وإذا رأى شيناً وعيباً شعر أنّه أخذ به.

    ((والثالثة: أن لا تغيّره عليك ولاية ولا مال)). أي يظلّ صديقاً لك مهما تغيّرت وتطوّرت أحواله إلى الأحسن، فلو كان إنساناً بسيطاً لا وجاهة له ولا مال، وكان يصادقك لأنّه لا يشعر بتميّزه عليك، ثم شغل منصباً أو أصبح وجيهاً أو فاز بمال كثير وأبقى على صداقته معك وكأنّ شيئاً لم يتغير في واقعه، فهذا هو الصديق، فاحفظ صحبته واحرص عليها، وإلا فلا.

    ((والرابعة: لا يمنعك شيئاً تناله مقدرته)). فإذا كانت لديك حاجة وكان قادراً على أن يعطيك إياها فلا يمنعك منها.

    ((والخامسة: وهي التي تجمع هذه الخصال: أن لا يسلمك عند النكبات)). فعندما تنكب ويجور الدهر عليك فلا يتنكّر لك، وإنمّا يحاول أن يحتضن ظرفك العصيب ليدعمك ويقويك ويساندك في موقفك لتخرج سالماً من أزمتك، فأين صديق كهذا في أيامنا هذه؟

    وورد في حديث الإمام علي (ع): ((لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته وغيبته ووفاته)). يحفظه في نكبته بأن يساعده على تجاوزها، ويحفظه في غيبته فيردّ غيبته لمن اغتابه، ويعمل على أن لا يذكره إلا بخير، ويحفظه في موته ليحفظ أهله وعياله.

    وعنه (ع): ((الصديق الصدوق من نصحك في عيبك)) فإذا رأى فيك عيباً فإنه يحاول أن ينصحك، لأنّه يريدك سالماً من العيوب، وقد ورد في الحديث المأثور: ((المؤمن مرآة أخيه)). بحيث ترى نفسك في أخيك باعتبار أنه قد يطّلع عليك بما لا تطّلع عليه من نفسك، تماماً كما هي المرآة التي تكشف لك من ملامح وجهك مالا تستطيع أن تكتشفه بنفسك. ((وحفظك في غيبك، وآثرك على نفسه)). فإذا كانت له حاجة في شيء وكانت لك حاجة في شيء آثرك في ذلك.

    وله (ع) أيضاً: ((الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان)) فإذا رآك ظالماً في بيتك أو في حياة الناس، فإنّه لا يساعدك على ظلمك بل ينهاك عنه. وقد ورد أنَّ شخصاً سأل رسول اللّه (ص) عن الكلمة المأثورة عند العرب ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)). فقال: قد عرفنا نصرته مظلوماً فما معنى نصرته ظالماً، فقال: أن تمنعه من الظلم، بأن تعينه على نفسه الأمّارة بالسوء لتحول دون ظلمها الآخرين.

    وقال (ع): ((الصديق من كان ناهياً عن الظلم والعدوان، معيناً على البرّ والإحسان)). وعنه(ع)، وهو العظيم في دراسته لدقائق الحياة الاجتماعية، وهذا هو سبب دعوتنا المستمرة إلى أن نفهم علياً(ع)، لا في كيفية جندلته أبطال الشرك كمرحب وعمر بن عبد ودّ، بل كيف يضرب الظلمات والجهل والتخلّف ليكتشف الحقيقة التي ترتفع بمستوى الناس.

    ولست أدري ماذا سيكون موقفنا لو كان علي (ع) معنا، فلقد قال عمر بن الخطّاب ((لو وليها عليّ لحملهم على المحجّة البيضاء)). فمن يقبل هذه المحجّة وهو القائل ((ما ترك لي الحقّ من صديق))؟

    يقول (ع): ((إنّما سمّي الصديق صديقاً لأنّه يصدقك في نفسك ومعايبك، فمن فعل ذلك)) أي كان صادقاً معك ينبّهك على نقاط الضعف في نفسك، ويرشدك في اكتشاف عيوبك ((فاستنم إليه فإنّه الصديق)). أي حاول أن تطمئن إليه لأنّه الصديق المخلص. وعنه (ع) أيضاً: ((صديقك من نهاك عن ارتكاب المآثم والذنوب وعدوّك من أغراك)) بعيوبك وذنوبك. وفي المثل الشعبي (من أبكاك بكى عليك ومن أضحكك ضحك عليك). لكن بعض الناس يحبون من يضحكون عليهم ولا يحبّون الذين يبكون عليهم.

    والحمد للّه ربّ العالمين

    19 جمادي الأولى 1421ه‍- 19 آب 2000م

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    Oct 2004
    المشاركات
    401
    أنواع الجوار، والتكافل الاجتماعي

    تقدّم الحديث عن علاقة من أبرز العلاقات الإنسانية الإجتماعية التي أكدّ العلي القدير على رعايتها حق رعاية من أجل النهوض بمجتمع إنساني رسالي وهي علاقة الجوار، كما وعرضنا النتائج المترتبة على هذه العلاقة بجانبيها السلبي والإيجابي وطبيعة العلاقة الحسنة على مستوى الدنيا والأخرة.

    وصل الجار بالمعونة

    وأما في ما يتعلق بالبرنامج الإسلامي للجوار كعلاقة إنسانية تؤكد التواصل الاجتماعي، بما يجعل المسألة في موقع القرب من اللّه سبحانه وتعالى، فهناك نقطة مهمة جداً لا بد من الإلتفات إليه وهي تتصل بمسألة رعاية الجار في حياته المعيشية، لأنّنا نعرف أنّ هناك من الجيران من وسّع اللّه عليه، وأنّ هناك من قُدر عليه رزقه، فما هي مسؤولية الجار الأول إزاء الجار الثاني؟

    قد كثرت الأحاديث التي تربط بين الإيمان وبين مساعدة الجار في معيشته، كما تنزع الإيمان عمّن يكون جاره جائعاً وهو شبعان. حيث ورد في الحديث عن رسول الله (ص)أنه قال: ((ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره المسلم جائع)). فالنبي (ص) بحسب هذا الحديث يربط بين الإيمان وبين إشباع الجار الذي إذا لم يشبعه جاره بات جائعاً. وعنه (ص) أيضاً: ((من منع الماعون عن جاره منعه اللّه خيره يوم القيامة)). فإذا كنّا محتاجين إلى الخير في الدنيا من اللّه تعالى فما أحوجنا إلى الخير في الآخرة }يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ{ [الانفطار:19].

    ويتابع(ص) في حق الرعاية بقوله: ((ووكله إلى نفسه ـ أي يتركه لنفسه فلا يرعاه ولا يتعهده ـ ومن وكله إلى نفسه فما أسوأ حاله))لأننا جميعاً ننطلق في الحياة - في أمورنا كلّها - من خلال رعاية اللّه سبحانه وتعالى، ومن خلال إيكال أمورنا وتفويضها إليه، فإذا حجب عن أحد من عباده رعايته فمن ذا الذي يرعاه من دون اللّه؟ وفي حديث آخر: ((ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه)). وفي حديث غيره ((ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره طاو)) أي جائع، وفي حديث آخر: ((ما آمن بي من بات كاسياً وجاره عارٍ)). وهنا تنتقل المسألة من الجوع والشبع إلى العري والاكساء، فإذا كان جار الإنسان المسلم لا يجد ما يلبسه من ثياب تستره أو تجمّله، فلابد لجاره المتمكّن من ذلك أن يغطّي حاجته من ذلك حسب استطاعته.

    وقال رسول اللّه (ص) كما يروي الإمام الباقر(ع): ((ما من أهل قرية يبيتون وفيهم جائع لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة)). فإذا عرفنا أنّ حدّ الجوار أربعون داراً من كلّ جانب فإنّ الجوار يعني القرية.

    وعن مولانا أمير المؤمنين (ع) أنّه سمع النبي (ص) يقول لأصحابه يوماً: ((ما آمن باللّه واليوم والآخر من بات شبعاناً وجاره جائع، فقلنا: هلكنا يا رسول اللّه؟! قال: من فضل طعامكم ومن فضل تمركم وورقكم وخلقكم وخرقكم)). أي ليس معنى ذلك أنّ المطلوب منك أن تتولّى جميع شؤون جارك بنحو تعوله كما تعول عيالك، بل بالأشياء الفاضلة عن حاجاتك مما يمكن أن يسدّ حاجته ((تطفئون بها غضب الربّ)).

    التكافل الاجتماعي

    إننا نفهم من ذلك كلّه أنّ الإسلام يؤكّد على التكافل الاجتماعي في المجتمعات الصغيرة كما في مجتمع الجوار، كعنوان من العناوين التي يرتبط بها معنى أنّ يكون الإنسان مؤمناً أو لا يكون، وهذا ما نستوحيه من الحديث: ((ما آمن بي مَن بات شبعاناً وجاره المسلم جائع)) معناه أنّ التكافل الاجتماعي، وبحسب القدرة والاستطاعة، يرتبط بالجانب الإيماني للإنسان ولا يتأكّد بالجانب الاستحبابي والأخلاقي فقط، فلابدّ لنا من أن ندرس المسألة دراسة دقيقة، وإذا كانت المسألة تركّز على المبدأ وهو أن لا يبقى بعض الجيران في حالة جوع أو في حالة عري، فمن الممكن أن تمتد هذه الحالة إلى الحاجات الحيوية الأخرى من غير الطعام واللباس.

    وهناك طريقتان في التعامل مع هذه الحالة:

    فإمّا أن تقدّم المعونة بشكل فردي لهذا الجار أو ذاك ممّا يسدّ جوعه أو يكسو عريه، وهناك أسلوب آخر يعتمد قيام الجيران كجماعة مؤتلفة بالتعاون لسدّ هذه الحاجات من خلال تشكيل صندوق ضمان يشارك فيه كلّ الجيران، ليدرسوا الحالات الصعبة الموجودة لدى بعضهم، وليخصّصوا لهم راتباً أو مساعدة شهرية أو أي شيء يرونه مناسباً لعلاج حالات العوز التي يعاني منها بعض جيرانهم بحيث تسد حاجات هؤلاء من خلال التكافل الاجتماعي الذي يقوم به المجتمع.

    إن الزمن يتطور - أيّها الأحبّة - ونحن حينما نقرأ الأحاديث التي تتحدث عن الصدقة، نرى أنّ الفهم الساذج لها هو أنّ الإنسان يقدّم شيئاً من المال إلى الفقير، في حين يمكن أن تتمثل الصدقة بإيجاد هيئات اجتماعية تتعاون في دفع مقدار من المال شهرياً أو أسبوعياً لمواجهة الحالات الصعبة التي يمرّ بها بعض من يجاورونه من الفقراء، ويقدمونها بشكل يحفظ كرامة هذا الجار الفقير حتى لا يضطروه إلى السؤال فيبذل ماء وجهه للناس.

    حقّ الجار

    وفي إطار الحديث عن حق الجوار هناك حديثان أحدهما للنبي (ص) والآخر للإمام علي بن الحسين (ع). ففي الحديث عن الرسول (ص) ((إنْ استغاثك أغثته وإنْ استقرضك أقرضته، وإنْ افتقر عدت إليه ـ أي تساعده بكل ما تستطيع أن تقدمه له من أمور مادية وغيرها فلا تهمله لأنّه أصبح فقيراً، بل لابدّ أن تقتنع بأن الغنى والفقر لا يؤثران على طبيعة العلاقة الإنسانية بين الأفراد ـ وإنْ أصابه خير هنّأته ـ لتشاركه فرحته بهذا الخير ـ وإن مرض عدته، وإنْ أصابته مصيبة عزّيته، وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه ـ فما أصعب ذلك في أيامنا هذه، فقد يريد الجار أن يبني بيتاً من عدة طوابق وبيت جاره من طابق واحد، فيحجب عنه الشمس والهواء، في الوقت الذي ينبغي أن يأتي إلى جاره ويستأذنه في ذلك فإنْ أذن له فبها، وإلاّ فلا ينبغي له أن يستطيل ببنائه عليه فذلك حقّ من حقوقه، بحيث يعيش المجتمع نوعاً من الاحترام المتبادل ـ وإذا اشتريت فاكهة فأهدها إليه، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً ـ بحيث لا يتسبب ذلك في إحراجه حيث يجد نفسه غير قادر على توفير ما توفره لعائلتك ـ ولا يخرج بها ولدك يغيظ بها ولده ـ ففي ذلك نوع من الإذلال، فالطفل الصغير لا يحمل روح الاحترام للآخرين وتقدير مشاعرهم، من خلال عقليته الطفولية، فربّما يشعر أنّه يمتاز على أطفال الجيران ما يُشعر الآخرين من صغار الجيران بالمهانة، فإمّا أن تقدّم لهم مما أعطيته أو لا تدعه يخرج عليهم بها فيغيظهم، فربما يخلق ذلك نوعاً من الضغط النفسي على الطفل الآخر بحيث يجبر أهله على شراء ما لدى ابن الجيران، وقد لا يستطيعون ذلك ـ ولا تؤذه بريح قدرك الاّ أن تغرف له منها ـ والحال واحدة، فكما كانت الريح تنقل روائح القدور التي تطبخ في العراء، فكذلك الآن، وخاصة في الشقق السكنية حيث تدخل الروائح إلى كلّ دور العمارة لاسيما الروائح التي لا يرتاح لها الجار ـ إلاّ ان تغرف له منها )) فكأنّ النبي (ص) يقول إنّ كفّارة ذلك هو أنّ تغرف له من قدرك وتقدم له من طعامك. وربما كان معنى الايذاء هنا هو حالة الاشتهاء التي تسبّبها الروائح الزكية التي يثيرها الطعام اللذيذ مما قد لا يستطيع الجار أن يوفّره، فإذا ما قدّمت له من طعامك فإنّك تكون قد أشركته في طعام تسبّبت في تحريك شهيته إليه.

    وأمّا في (رسالة الحقوق) فيقول الإمام علي بن الحسين (ع): ((امّا حقّ جارك فحفظه غائباً ـ بأن تحفظ سمعته من أن تُنال بسوء، وعياله من أن يتعرّضوا إلى مكروه، وداره من أن تسرق ـ وإكرامه شاهداً ـ أي حاضراً ـ ونصرته إذا كان مظلوماً ـ بأن تنصره بكلّ الوسائل التي تنصر بها نفسك ـ ولا تتبع له عورة ـ لأنّ الجار يطّلع عادة على عيوب وعورات جيرانه فهو أمين عليها ولا يجوز له أن يتتبّعها أو يتجسّس عليه في ذلك ـ فإن علمت عليه سوءاً سترته عليه ـ فإذا اطلعت عن طريق الصدفة على عيب أو نقص أو مثلبة سترتها عليه فلا تفضحه بها ولا تعيّره بها ولا تكتمها اليوم لتكشفها غداً أو تطلع غيرك عليها ـ وإن علمت أنه يقبل نصيحتك نصحته ما بينك وبينه ـ أي ليس أمام الناس أو الجيران الآخرين، فإنّ ذلك مما يزينه ولا يشينه كما حدّث الإمام الصادق(ع) في ذلك ـ ولا تسلمه عند شديدة ـ أي عندما يشتدّ عليه الزمان والمشاكل والظروف الصعبة، بل حاول أن تعينه على اجتياز مصاعبه ـ وتقيل عثرته ـ إذا أخطأ، فلا تتركه يمضي في خطئه، بل حاول أن تسدّده وتهديه إلى الصواب وأن تأخذ بيده إلى ما فيه صلاحه ـ وتغفر ذنبه ـ فإذا أذنب معك أو أساء اليك فمن حقه عليك أن تصفح عنه وتسامحه ـ وتعاشره معاشرة كريمة)) كما يعاشر الكرام بعضهم البعض.

    جيران اللّه

    هؤلاء هم جيران الناس، ولكن هناك جيران من نوع آخر وهم الذين اصطلحت عليهم بعض الأحاديث وفق ما جاء في القرآن الكريم بقوله تعالى ]فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[[القمر:55] تعبير عن جوار الله، ولذا نقول عن المؤمن العامل إذا مات انتقل إلى جوار اللّه.

    وفي الحديث الشريف عن رسول اللّه (ص) : ((إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الخلائق في صعيد واحد ونادى مناد من عند اللّه أين أهل الصبر؟ـ فيأتون فيقال لهم: ادخلوا الجنّة بغير حساب ـ ثم ينادي مناد آخر: أين أهل الفضل؟ ـ فيقال لهم : ادخلوا الجنة بغير حساب، ـ ثم ينادي مناد من اللّه عز وجل يسمع آخرهم كما يسمع أوّلهم، فيقول: أين جيران اللّه جلّ جلاله في داره؟ـ فاللّه تعالى يعطيهم هذه المكرمة بأن يجعلهم جيرانه وهو الشرف كلّ الشرف والعزّ كلّ العزّ ـ فيقوم عنق من الناس فتستقبلهم زمرة من الملائكة فيقولون لهم: ما كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران اللّه تعالى في داره؟‍ فيقولون: كنّا نتحابّ في اللّه عزّ وجل ـ فعندما نحبّ بعضنا بعضاً فإننا نحبّ من خلال عمق العلاقة باللّه سبحانه وتعالى، لأنّ اللّه أراد للمؤمن أن يحبّ المؤمن، لا على أساس مصلحة أو غاية أو قرابة ـ ونتباذل في اللّه ـ بحيث يبذل كلّ واحد من ماله ونفسه لصاحبه ـ ونتآزر في اللّه ـ أي يؤازر كلّ واحد منا صاحبه ويساعده في شؤون البرّ ومجالات الخير والعمل الصالح، وكلّ ذلك لحساب اللّه ولأجل رضاه ـ قال: فينادي منادٍ من عند اللّه تعالى: صدق عبادي خلّوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار اللّه في الجنّة بغير حساب)). وهذه من أعمق الأخلاق الإسلامية التي يعيشها الإنسان المؤمن في داخل نفسه لتنعكس على حركته الاجتماعية في الحياة، فالإنسان الذي تحرّكت عاطفته ومشاريعه التعاونية والتواصلية على أساس أن يقصد بها وجه اللّه ولا يقصد بها غيره هو إنسان وصل إلى مستوى إيمانيّ رفيع في محبّته للّه تعالى بحيث انعكس ذلك على كلّ علاقاته وتحرّكاته الاجتماعية.

    كما أنّ قيمة هذا السلوك الذي يرتفع بصاحبه بحيث يصبح جاراً للّه هو أنّه يشدّ المجتمع المؤمن بعضه أزر بعض بحيث يشعر المؤمن أنّ إيمانه يتحرّك اجتماعياً، وأنَّ هذا الإيمان يحميه اجتماعياً ويحقّق له المحبّة في نفوس أبناء مجتمعه من خلال التواصل الاجتماعي معهم، وبذلك ينمو الإيمان في وجدان الإنسان عندما يرى أثره في المجتمع المؤمن في الدنيا، كما ينمو إيمان المجتمع المؤمن عندما تتركز علاقاته على أساس العلاقة باللّه سبحانه وتعالى. وهذا أمر لابدّ أن نربّي أنفسنا وأولادنا عليه. لأنّ المشكلة التي نعيشها في أغلب المجتمعات غير الإسلامية، وحتى في مجتمعاتنا الإسلامية هي أن هذه المجتمعات استحالت إلى تجمعات حقد وتباغض وعداوة، بحيث لم يعد الإنسان يأمن على نفسه ولا على سمعته ولا على ماله ولا على حقوقه التي له على الناس، لأنّ العلاقات الاجتماعية أصبحت تتحرّك من خلال التعقيدات الذاتية والمصالح الشخصية، أكثر مما تتحرّك من خلال الخطوط الإيمانية.

    ولعلّ هذا الواقع المأساوي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية بلغ من التمزّق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأمنيّ حدّاً أنّ اللّه تعالى لم يعد له أدنى حساب في علاقات الناس ببعضهم البعض، فالحسابات اليوم هي حسابات الناس الذين لدينا مصالح معهم، فلو نشب خلاف بين مؤمنين وأنت أحد الطرفين وجاءك الناس يتوسطون عندك ويقولون لك: في سبيل اللّه وعلى حساب اللّه تسامح في حقّك؟ إلا تقول: ما دخل اللّه في الأمر؟ أو: لا تدخلوا اللّه في هذا الحساب؟ ولكن لو قالوا لك: على حساب فلان، الذي هو رئيس عشيرة أو وجيه اجتماعي أو مسؤول سياسي، فأنت تتساهل وتلبي رغبتهم وكأن وجاهة فلان هي اليوم أكثر تقديراً عند بعض الناس من اللّه سبحانه وتعالى. أليس هذا هو الواقع الاجتماعي الذي نعيشه؟ .

    فعلينا أن نعيد النظر في ذلك، لأنّنا نخشى - ونعوذ باللّه من ذلك - أن يكون الإيمان عندنا مجرّد شيء على السطح.

    الجوار الاجتماعي

    هذا ما كان من الحديث عن الجوار بالمعنى الماديّ المستقر كبيت إلى جوار بيت آخر، ولكن هناك جوار اجتماعي متمثّل بجار المجلس، فالحاضرون في المجلس جيران بعضهم البعض ولا يصح أن يؤذي أحد غيره من الجيرانه في المجلس، فنحن نستوحي مراعاة الجار في البيت مراعاته في المجلس، فلا ينبغي أن يزعج أحدهم بأي شكل من أشكال الإزعاج فلا يؤذيه ولا يضيّق عليه مجلسه، بل عليه احترام جاره في المجلس فلا يقوم بأيّ عمل يؤدّي إلى إهانته، وعندما يشعر بأنه جاره يتأذى منه بسبب التدخين فمن حقه عليه أن لا يدخن وهو جالس إلى جانبه، فحرية الإنسان أن يدخن في بيته بل لا يجوز له ذلك لأنه يضرّ بزوجته وأطفاله. ذلك أنّ الأطباء يقولون: إنّ التدخين السلبي هو أخطر من التدخين الإيجابي، فضرر الدخان الذي يتلقاه الجليس من المدخن أكبر من الضرر الذي يصيب المدخن نفسه، وخصوصاً المرأة الحامل لأنّ الدخان يؤذيها ويؤذي جنينها في نفس الوقت.

    الجار في السيارة أيضاً، فلا يجوز لك أن تدخن وأنت جالس إلى جواره أو في أي مقعد من المقاعد، وإذا كان يسيئه الصوت العالي فلا ترفع صوت المذياع عالياً، لأنَّ ذلك يحطّم أعصابه. ولا يجوز لك أن تفعل ذلك بحجّة أنّك حرّ، فحرّيتك في المجتمع تنتهي عندما تبدأ حرية غيرك، فهناك فرق بين الحياة الفردية وبين الحياة الاجتماعية، ففي الأولى تملك نفسك فيما أحلّه اللّه ولكنّك لا تملك غيرك، فعندما تصبح زوجاً - ذكراً كنت أم أنثى - فعليك أن تراعي الآخر الذي اصبح داخلاً في حياتك وأصبحت داخلاً في حياته }هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ{[البقرة:87]. فالعلاقة الزوجية الحياتية في التداخل كعلاقة الثوب بالبدن، فعلى الزوج أو الزوجة أن يتركا حياتهما الفردية إذا كانت تضرّ بحياتهما الزوجية المشتركة، فقد يسهرالزوج مع رفاقه إلى ساعة متأخرة، وقد تذهب الزوجة إلى بيت أهلها لوقت طويل ويبقى زوجها في انتظارها، ناسيين أنّهما عندما عقدا عقد الزواج ارتبطا برباط يتعيّن عليهما احترام شروطه ومقتضياته.

    فهناك إذاً الإنسان الفرد والإنسان المجتمع، فلا يصحّ أن يدخل الإنسان الفرد في الإنسان المجتمع، الجار هو جار سواء في البيت أو في المسجد أو في المجلس أو في محلّ العمل أو في الشارع، فالناس الذين يمشون في الشارع كلّ منهم جارٌ للآخر، فعلينا أن لا نعمل في الشارع ما يؤذي جيراننا، فإذا أردت أن تعبّر عن الاحتجاج باشعال دولاب سيارة فإنّك بذلك تؤذي كلّ الذين يمشون في الشارع أو يسكنون بالقرب منه، فنحن نستوحي من الاحاديث الخاصّة بحق الجليس على جليسه والمسافر على مرافقه، بأنّ مسألة الجوار تتسع لأية حالة يجاور فيها شخص شخصاً في مجلس أو شارع أو قاعة وما إلى ذلك .

    إن المشكلة التي نعيشها في المجتمع العربي، هي أننا لم نتربّ كمجتمع وإنّما نتربّى كأفراد، وكما تحدثت مراراً فإنّ أمامنا معادلتين يمثلان المجتمع الحضاري والآخر المتخلّف: الأولى معادلة (أنا والآخر)، والثانية معادلة (أنا لا الآخر) كما قال الشاعر:

    [align=center]ما علينا إن قضى الشعب جميعاً أفلسـنا فـي أمـان؟![/align]

    فلننطلق من أجل إن نكون المسؤولين عن المجتمع إذا كنّا جزءاً منه ، وهذا ما عبّر عنه رسول اللّه (ص): ((مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسهر)). بأن نكون مجتمع تكامل وتكافل الأعضاء في الجسد، ولنصنع الإنسان والمجتمع .. ويبقى للإنسان الفرد دائرة ضيقة من حيث ما يأكل ويشرب ويستمتع، أمّا في المسؤوليات العامّة، فعلى الفرد أن يحبس نفسه في دائرته الشخصية وينطلق إلى الساحة العامّة بمزاج المجتمع لأنّ هذا هو الإسلام: ((ما آمن بي..))، و((مثل المؤمنين..))، ومعنى ذلك أن الإسلام يمثل حركة عقلك وقلبك وطاقاتك من أجل سعادة المجتمع كله والحياة كلّها.

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني