النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2002
    المشاركات
    4,192

    افتراضي هل الحكاية حكاية حذاء ؟

    جلست إلى جنب صديقي الإسكافي في إحدى المدن العراقية. كان هذا الإسكافي يمتلئ بشراً وسخرية من الواقع والقدر والظروف. قال لي لن تصدق إذا قلت لك أن هذه الأحذية بأنواعها، نستطيع أن نجعلها مادة ثمينة لأية دراسة أكاديمية نكتشف من خلالها طباع وعادات بل ومؤشرات التقدم والتأخر في مسيرة المجتمع. المفاجأة لم تكن كبيرة إذ أنني تذكرت أثناء حديث صديقي الإسكافي الطيب مقولة نقلها لي ذلك الرجل المسن من الكاظمية وهو يتذكر ايام زمان. مقولة كانت تمثل وصية من جاره اليهودي الذي حكى له وهو صغير أنه يستطيع أن يعرف صديقه من عدوه من خلال نظرات المقابل إليه. فإذا تركزت نظرات ذلك الشخص على الوجه فذلك دليل أن صاحب النظرات صديق، وإن تركزت النظرات على الحذاء فذلك دليل العداوة والمكر. تذكرت أيضاً مدى الإحتقار الذي يتمثله الحذاء في التراث الشعبي العراقي. أعود إلى صديقي الإسكافي، وقد أكمل حديثه بعد أن وضع عدة مسامير صغيرة في فمه إستعداداً لدقها في حذاء أسود شبه متآكل يهم بإصلاحه. تحدث عن البدوي الذي قرر أن يلبس حذاءً بعد أن تآكلت قدماه بسبب الحفي. ولكن هذا الذي أدخل قدميه فيه كان من النوع الذي يربط بالخيوط. مشكلة هذا الأعرابي أصبحت أنه يحتقر هذا الحذاء. فهو غير مستعد أن يطأطئ راسه كي يشد حذاءً حقيراً. فكان لابد إذن أن يجد مكاناً ما يحفظ كرامة الراس يضع قدمه عليه كي يشد خيوطه، ولكن الأعرابي رفض مرة أخرى، إذ أن ليس من المتيسر دائماً أن يجد مكاناً يسند عليه قدميه كي يكونا في وضع يحفظ للرأس قيمته مقابل القدم والحذاء. قرر الأعرابي أن يرمي الحذاء على الإسكافي وأن يعود حافياً كما كان، حفظاً لقيمة الرأس مقابل القدم. فكرت كثيراً في هذه المسألة، وقررت أن أجعل نفسي من صنف الأعداء –حسب وصية اليهودي القديمة- وأن أبدأ بالتحديق في أحذية الناس، ربما أكتشف شيئاً من الذي حدثني عنه صديقي الإسكافي.

    هذه بعض الإكتشافات التي ربما تعبر عن واقعنا بشكل من الأشكال

    الأعرابي أو البدوي ، حسب وصف صديقي الإسكافي يعيش معضلة أسميها المعضلة الأعرابية. معضلة الشعار مقابل الواقع. فآلام القدم لا تحتمل، ولكن طأطأة الرأس لا تحتمل أيضاً. هذا الشعار يؤدي إلى تآكل القدم وتعرضها لصنوف الأمراض والجروح. ولكن يبدو أن الأعرابي قرر أخيراً أن لا ينزل راسه إلى قدمه من أجل حذاء محتقر. وهو وسط هذه المعضلة يعاني آلام القدم والرجل متناسياً أن سلامة راسه قد تكون من سلامة قدمه.

    المتعصب الديني ، عرفت أحد الأصدقاء يلبس حذاء سورياً خفيفاً جداً صمم لأجواء الحرارة العالية والشمس الساطعة وسط برودة شتاء أوروبا ، ووسط ثلوج وأمطار ودرجات حرارة قد تصل إلى 10 درجات تحت الصفر. وعندما كنا نسأله عن الحاجة التي تدعوه إلى أن يضع نفسه في وسط هذا العذاب الذي لا يحتمل، كنا نتلقى دائماً نفس الجواب، إنه حذاء مصنوع من جلد مذكى. إنه غير نجس. ووسط هذه المعضلة كان هذا الرجل يعاني لسعات البرد، وآثار هذه البرودة على العظام والأعصاب، متناسياً أن القدم يمكن تطهيرها، واللباس يمكن تطهيره أيضاً.

    العسكري ، لا أستطيع أن أحدد على وجه الدقة نسبة العراقيين شباباً وكهولاً ممن أدخلوا عنوة الخدمة العسكرية في العراق. ولكنني أستطيع أن أدعي أن السواد الأعظم من هذه الفئة ذاقت طعم الجيش المر، بعقوباته، وإذلاله، ومعاصيه، وفتنه. هذا الجيش ترك بصمة واضحة على كل من طبع عليه بختمه، من خلال الذوق، والممارسة، والسلوك. شاهدت الكثيرين من الشبان ممن لا يعجبهم إلا لبس البسطال العسكري. وإن قرروا مرة أن يتخذوا حذاءً أكثر أناقة فإنهم سيسألون عن بسطال الحرس الجمهوري المختلف قليلاً.

    الماركسي ، هنالك الكثيرون من الذين يؤمنون بالفكر الماركسي، من خلال ما أسميه توزيع الفقر بالتساوي، وصياغة مجتمع يعمل ليأكل فقط لا غير. وكان الكثيرون من هؤلاء المنظرين يؤمنون أن اللبس الموحد هو أحد الأساليب التي تشيع المساواة بين الناس. وقد إقترح أحد هؤلاء العباقرة الشيوعيين إنشاء مصنع لصناعة أحذية من نفس النوع ومن نفس المقاس لكافة الناس بلا إستثناء.

    الإرهابي ، فقد قرر الكثيرون إستخدام الحذاء كطريقة لتخزين المتفجرات وربط هذه المتفجرات بصاعق يعمل على بطارية توضع في اليد. وما على هذا الباسل المغوار إلا أن يضغط على الصاعق كي ينسف حذاؤه كل من يجلس بقربه بمن فيهم هو طبعاً.

    أما صاحب العقل التجاري الفاسد، فقد يستخدم حذاءه في تهريب الممنوعات خاصة ما خف حملها وغلا ثمنها. ومن يدري فقد يهدي صاحب العقل التجاري الفاسد أحد المسؤولين الكبار حذاءً مصنوعاً كتب عليه صنع في إيطاليا كهدية مقابل تسهيل بعض الأمور.

    وكي لا نذهب بعيداً فهنالك القصير النظر، الذي يهتم فقط بالوصول إلى الهدف دون الإعتناء بالخيوط التي إنحلت عن حذائه. فالوقت قصير، والمسافة طويلة، والموعد مهم. فتراه يمشي غير مكترث بأن يقف لحظة كي يشد من خلالها خيوطه. هذا القصير النظر نسي ربما أنه كان من الأجدر أن يسأل الإستراتيجي عن نوعية الحذاء الصالحة لهذه الحالة.

    هنالك الماضوي أيضاً. فتراه يصر على أن يلبس الحذاء الذي ورثه عن جده الخمسين "أبو القاسم الطنبوري"، رغم إهتراء الحذاء، وقدمه وإنتشار رائحته.

    طبعاً هنالك أيضاً أصحاب الذوق المتكبر من الباحثين عن أناس آخرين يلبسونهم حذاءهم ويلمعونها لهم. كما أننا نجد أصحاب الذوق الحمداني، ممن يمنعون الآخرين لبس الحذاء إذا هم لم يلبسوا حذاء، على نسق إن مت عطشاناً فلا نزل القطر. ولا ننسى بطبيعة الحال أصحاب الرأي الإقصائي ممن يرون عدم أهمية لبس الحذاء الذي لا يناسبهم من قبل الآخرين، فيقومون بقطع أية قدم تلبس ذلك الحذاء "الغير مناسب". أما أصحاب التيار الدوني فنراهم يصرون مثلاً على لبس حذاء مصنوع في France فقط وإن ساءت جودته وغلا ثمنه لأن صاحب الشأن والمعالي لبس مثله.
    "أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام"
    كونفوشيوس (ع)

  2. #2

    افتراضي


    من مذكرات جندي امريكي:
    قبل وصولنا للكويت، لم توفر الدولة الامريكية لنا الاحذية. بعض المقاسات كانت متوفرة بكثرة وملائمة.. فصار لبعضنا اكثر من حذاء.. اما من لم يكن مقاسه متوفراً، فاضطر للاستذان وترك المعكسر ولاستئجار تاكسي والذهاب الى متجر قطاع خاص في المدينة يبيع احذية ملائمة للحرب في منطقة صحراوية..

    ترجمة المحجوب...

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني