النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    Lightbulb قراءة في كتاب "تدهور صناعة الأخبار" الامريكية المرئية ......توم فنتون ...

    كتاب :
    [align=center]تدهور صناعة الأخبار [/align]


    [align=center] وسائل الإعلام الأميركية المرئية تتجاهل الموضوعية الحرفية لصالح الإثارة والمزايدة [/align]


    [align=center] (الحلقة الأولى) [/align]

    [align=center][/align]

    [align=center] تأليف :توم فنتون [/align]

    ترجع أهمية هذا الكتاب إلى أنه صادر عن واحد من أهل الدار.. بمعنى من المحترفين المخضرمين في مجال مهنة الإعلام وصناعة الصحافة الخبرية.. ولهذا فإنه يجمع بين عنصري كشف الأخطاء على نحو موضوعي وعلمي وبين النقد الذاتي الذي يوجهه أحد من تمرسوا بمهنة الصحفي والمراسل الخارجي لأكبر شبكات التليفزيون في أميركا.


    ومن هنا احتفلت بالكتاب أوساط المهنة والصناعة الصحفية لأنه لا يكتفي بعرض المشاكل بل يدق ناقوس الخطر الذي يراه محدقا بحرفة الصحافة وبوعي الجمهور ومن ثم بالممارسة الديمقراطية في صميمها. والتر كرونكايت، عميد مذيعي التليفزيون في أميركا وربما في العالم.. يصف الكتاب الذي نشرع في تقديمه خلال هذه السطور بأنه «مستفز»، قاصدا أنه نوع إيجابي من إثارة اهتمام القارئ إلى حد يدفعه إلى اعتبار قراءة هذا الكلام والتفاعل مع مضامينه ـ واجبا محتوما على نحو ما يضيف الأستاذ كرونكايت.. خاصة وأن هذه المضامين لا تلبث أن تكتسب أبعادا أعمق وتطرح قضايا أشد حساسية وأكثر خطورة كلما أوغلت ملاحتنا في بحور الموضوعات التي يطرحها كتابنا..

    وهذه الأبعاد الأعمق ـ تقول جريدة الواشنطن بوست ـ ترجع أساسا إلى الخبرة الواسعة والمباشرة للمؤلف الذي أمضى قرابة 40 عاما في مضمار العمل الصحفي ـ التليفزيوني بالذات ابتداء بعام 1966 ـ منتصف الستينات وهو عقد الحرب الباردة والثورات الشعبية وحركات التمرد الشبابية ودعوات التحرر والاستقلال الوطني في العالم الثالث للتخلص من إرث الاستعمار الغربي البغيض.. فضلا عن الطروحات والإبداعات الطليعية والرائدة في مجالات السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها. وقد انتهت خدمة مؤلفنا مع بدايات هذا القرن الحادي والعشرين.. في عام 2004 بالذات حين قرر أن يتقاعد عن العمل بعد أن ظل مراسلا لأكبر محطات التليفزيون الأميركية (سي. بي. إس) وبهذه الصفة عايش وتلاحم مع الأحداث الكبرى في أوروبا وفي الشرق الأوسط على السواء.

    محصلة التجارب... من المؤسف أن محصلة هذه التجارب الحياتية والمهنية أوصلت مؤلف الكتاب ـ توم فنتون ـ إلى اكتشاف مدى التدهور الذي أصاب مهنة الصحافة المرئية بالذات.. وخاصة في مجال النشرات والبرامج الإخبارية التي تؤدي أولى الوظائف الجوهرية لعملية الاتصال ـ الإعلام الجماهيري وهي وظيفة توعية الناس وإحاطتهم علما.. وتزويدهم بالمعلومات التي يعد تدفقها الحر ومضمونها الموضوعي واحدا من أهم وأخطر حقوق الإنسان.. صدر كتابنا في لندن وفي نيويورك في خريف العام الماضي.. وربما تواكب صدوره مع كتابات طرحت قضايا مماثلة.. واستبدت بمؤلفيها هموم مشابهة ومنها مثلا كتاب الروائي الأمريكي الأشهر غور ؟يدال بعنوان «أميركا الإمبريالية» ومنها أيضا كتاب المذيع الشاب ون زيجلر الذي اختار له عنوانا لا تخفى دلالته الحاسمة وهو: وفاة حرية التعبير.

    مؤلفنا الذي يندد بتردي المستوى والأداء والمضمون في مجال الأخبار الصحفية المتلفزة ـ اختار أن يخلع على هذه النوعية من الأنباء والمعلومات صفة سلبية وإن كانت شديدة العمومية في معجم اللغة الإنجليزية هي كلمة«باد» التي تعتبر صفة فضفاضة يمكن أن تصف الشيء بأنه سيئ..

    وأنه معطوب وأنه معيب.. وأنه فظ.. خشن غليظ.. شرير.. فاسد.. ضار.. غير دقيق.. ارتجالي.. مسيء.. مأساوي.. منحط.. غير جذاب ثم مغشوش.. زائف.. أو «مضروب» كما يقول المصريون.. (لكلمة «باد» في معجم المترادفات الإنجليزي 21 مدخلا يحوي كل منها أكثر من 20 مترادفا)..

    وقد يتراءى لنا من واقع خبرة ومعايشة لغوية ومن ثم إعلامية صحفية بالنسبة لوسائل الإعلام الأميركية أن نفهم مقصد مؤلف الكتاب على الوجه التالي:

    ان أوضاعا سياسية تخالطها أوضاع اقتصادية ومؤسسية أفضت إلى تدهور مهنة الأخبار ـ المعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام الأميركية المتلفزة، فكان أن افتقدت الموضوعية والحساسية الحِرفية وجنحت أكثر وأكثر نحو الإثارة والمزايدة والافتقار إلى دقة الخبر وأهمية تمحيصه وتقصي جوانبه، فجاءت المعلومات أقرب إلى الشعارات وتحولت الأنباء إلى شذرات مشتتة وإلى لقطات وومضات تبعد عن أصول المهنة كما وضعها وبلورها روادها الكبار..

    وهو ما كان كفيلا بأن يفضي إلى أضرار بالغة وفادحة أصابت وعي الجماهير ـ ملايين المشاهدين سواء بتعتيم هذا الوعي أو بتنميط هذا الوعي وهو ما يمكن أن ينعكس سلبا بالذات على ما يطلبه الرأي العام المستنير في بلد يرفع شعار الديمقراطية والمشاركة مثل أميركا ـ لكي يفهم ما يدور في بلده وفي العالم.. ومع إلمام معقول وإحاطة مستنيرة بحقائق الأوضاع القائمة وبالتطورات التي تستجد عليها.

    وكتابنا يتألف من تصدير يليه 8 فصول ويختمه فصل تاسع بالغ الأهمية لأنه يحمل على خلاف كثير من الكتب عنوانا نرتقب الوصول إليه عند ختام رحلتنا مع فصول الكتاب.. كيف لا والفصل التاسع الختامي يحمل العنوان التالي: الحلول

    هوس التنافس


    في تصدير موجز لقضايا الكتاب يقول المؤلف:


    ـ بينما أرصد واقع صناعة الأخبار.. يروعني ذلك الهوس المتزايد (يعني المتفاقم) الذي استبد بالشبكات الإعلامية الكبرى إزاء سباق التنافس على الإثارة وإحراز المراكز الأولى في تصنيف البرامج التي تنال الحظوة عند الجماهير.. والخطورة هنا أن تجد جموعا من الساسة ورجال الدولة يقفون صفوفا متطلعين إلى الظهور في البرامج الحوارية اليومية..


    التي تتسابق بدورها في جذب المشاهدين (والإعلانات) ولو على حساب المضمون.. ولدرجة بدت وكأنها تركت الأخبار الصحيحة والمعلومات الجادة كي تبثها جموع المدونين (بلوغرز) على شبكات الانترنت الحاسوبية.


    ـ يحدث هذا ـ يضيف المؤلف ـ بينما نحن محاطون بالمشاكل الخطيرة من كل حدب وصوب ما بين العراق إلى كوريا الشمالية إلى إيران بل إلى روسيا التي تتهيأ لمعاودة دورها من جديد.. وكل هذه المشاكل تتنافس كي تحوز اهتمامنا (يقصد أهل وسائل الإعلام في أميركا بالذات) ولا حياة لمن تنادي.


    فالقوم مشغولون بالإثارة وبالجاذبية وباستضافة نجوم السياسة وعرض أجنداتهم.. هكذا بدا المشهد وكأننا نعيد سيرة الإمبراطور الروماني الشهير نيرون.. نحن ـ الإعلاميين ـ أوينا إلى قيثارتنا نعزف عليها بينما روما من حولنا تحترق..


    يختتم مؤلفنا تصدير الكتاب بسطور قليلة عمد إلى كتابتها بعد رحيل المذيع الأميركي الشهير بيتر جننغز وكان إعلاميا يحترم فكره ومهنته وجماهيره وخاصة عندما كنا نتابعه وهو يتعرض لقضايا شعوبنا في الشرق الأوسط.. يقول المؤلف:


    ـ برحيل بيتر فقدت صناعة الأخبار واحدا من أخلص أبنائها ممن كانوا من دعاة ترقية مستوى ما يقدم في ثناياها من معلومات وخاصة فيما يتعلق بالأخبار الخارجية.. ولكن المذيع الراحل فشل للأسف في إقناع رؤساء المؤسسات التي كان يعمل بها بضرورة بلوغ هذا المستوى الراقي من موضوعية الأخبار.. صحيح أن صوته قد سكت بعد الرحيل بيد أن أفكاره ودعواته سوف تتردد أصداؤها بين سطور وقضايا هذا الكتاب..


    بعدها يمضي المؤلف إلى طرح أولى القضايا المحورية التي يتصدى لمناقشتها وعنوانها: ثغرة الأخبار


    من دلائل تشخيص هذه الثغرة ما كشفت عنه استطلاعات الرأي من أن أغلبية الجماهير من مواطني أميركا (نسبة 83 في المئة) تحرص على أن تستقي الأخبار من التليفزيون.. في حين أن نسبة أقل من ذلك بكثير (42 في المئة) قالت إنها تستقي المعلومات من الصحف المطبوعة ونسبة 19 في المئة تستقي أخبارها من الراديو المسموع فيما توجد نسبة 15 في المئة تتابع الأخبار على شبكة الانترنت الحاسوبية.


    مثل هذه الاستطلاعات ـ يوضح المؤلف ـ تضم أكثر من سؤال موجه لعينة الجمهور المستهدف في الدراسة، ومن هذه الأسئلة ما يقول:

    ـ حسنا.. إنكم تستقون أخباركم في معظم الأحيان من التليفزيون.. والسؤال هو: إلى أي حد تصدقون ما تقوله لكم شبكات التليفزيون القومية الكبرى في أميركا (القنوات رقم 4 و7 و2).


    أزمة المصداقية


    هنا يتوقف المؤلف مليا عند الإجابة التي ذكرت أن نسبة تصديق هذه الشبكات المتلفزة لم تكن لتزيد على 23 في المئة فقط لا غير. ويعلق مؤلفنا على هذه النتائج (ص9) قائلا:


    ـ إن الدراسة الإعلامية المستقلة التي أوردت هذه النسب والأرقام أفادت بأن نظرة الرأي العام إلى وسائل الإعلام (الأميركي) في حال من التضاؤل من حيث حجم الثقة وحجم التصديق على مدار ما يقرب من 20 عاما وفي هذا تقول الدراسة بالنص ما يلي:


    ـ الأميركيون ينظرون إلى الصحفيين والإعلاميين على أنهم أصبحوا أكثر ترهلا وإهمالا وأقل إجادة في ممارسة مهنتهم وأيضا أقل تمسكا بمواثيق الشرف وقيم الأخلاق، وأدنى اهتماما بدقة القضايا التي يتعاملون معها، فيما أصبح الإعلاميون ـ الصحفيون أشد تحيزا (بمعنى أقل موضوعية وحيادية مهنية) وأقل تمسكا بأهداب الأمانة وخاصة في حال ارتكابهم أخطاء مهنية، ومن ثم فقد أصبح هؤلاء الإعلاميون يلحقون ضررا أفدح بالديمقراطية مما كان عليه حالهم خلال عقد الثمانينات.


    مرة أخرى يقول مؤلفنا الكاتب والإعلامي توم فنتون:


    ـ عندما تأتي هذه الأحكام من جانب الناس الذين يفترض بنا أن نحترمهم.. فذلك اتهام خطير وتلك إدانة دامغة.


    مع هذا كله.. لا يلمح المؤلف أي بصيص من محاولات الإصلاح. ولا يشهد ـ كما يضيف ـ رؤوسا إعلامية أينعت وتم قطافها بمعنى بتر أو استبعاد العناصر التي أساءت إلى مصداقية الإعلام.. بالعكس.. هناك رؤوس أينعت وتدحرجت تحت مقصلة الفصل والبتر والتفتيش والاستبعاد.. لكن للأسف الشديد لم يكن السبب هو المحاسبة على الإهمال المهني ولا الترخص الأخلاقي ولا تجاهل المبادئ الإعلامية بل كانت هناك أسباب أخرى كما يؤكد المؤلف وفي مقدمتها انخفاض شعبية البرامج الجادة أو قلة حصيلة الإعلانات ـ أو تناقص الأرباح التي تود المؤسسة القابضة الأم أن تجني أقصى مبلغ منها من عوائد التليفزيون.


    ـ ماذا إذن عن وسائل الإعلام المطبوعة.. وبالذات الصحف الأميركية الكبرى؟


    في هذا السياق، يتوقف المؤلف مليا عند ما حدث في منتصف عام 2004.. في تلك الفترة فاجأت كل من نيويورك تايمز وواشنطن بوست قراءها ببيان علني منشور في أكبر صحيفتين في أميركا وتعتذران في سطوره لأنهما فشلتا في تدقيق وفحص وتمحيص الأسباب التي ساقتها إدارة الرئيس بوش لغزو العراق واعترفت التايمز في عدد 26 /5/ 2004 بأنها ضللت قراءها.


    فيما نشرته بشأن أسلحة الدمار الشامل وقالت الصحيفة الكبرى في هذا الصدد: إن محرريها لم يؤدوا واجبهم كما ينبغي إذ كان يتعين عليهم أن يكونوا أكثر تشككا وأقل تسليما بما ساقته الحكومة من مبررات. وكان ينبغي أيضا قراءة تقارير وإفادات المنشقين على النظام العراقي في ضوء رغبة هذه العناصر الشديدة في الإطاحة بصدام حسين.. هذا فضلا عن أن محررينا ـ كما اعترفت التايمز أيضا ـ لم يقوموا بواجبهم المهني عندما نشروا ما نشروه دون أن يشفعوا النشر بجهود متابعة واعية ومدققة فيما تم نشره من أنباء ومعلومات.


    ماذا كانت النتيجة؟


    ملخصها هو تلك الثغرة ـ الهوة التي باتت تفصل بين وسائل الإعلام وجمهورها.. فما بالك وقد امتلأت سموات الكرة الأرضية بالقنوات الفضائية وحفلت موجات الأثير بمئات الرسائل الإعلامية بلغات شتى..


    لكن الأخطر في هذا كله في رأي مؤلفنا هو أن صناعة (بمعنى مهنة) الإعلام تراجعت خطاها إلى حد أن أصبحت عاجزة، لا عن نقد المجتمع بل عن نقد ذاتها وتقييم أدائها..


    ولأن الإعلام صناعة متكاملة فالمؤلف يرصد أزمات مماثلة صادفتها صناعات أخرى في أميركا ذاتها، وهو يشير مثلا إلى أزمة صناعة السيارات في مدينة ديترويت وكانت عاصمة تلك الصناعة حتى عقد السبعينات.. ويشير أيضا إلى أزمة صناعة المال في وول ستريت وقد ألمت بها في ظل الطفرة التي قفزتها تكنولوجيا الحواسيب والاتصالات الساتلية (بالأقمار الاصطناعية).


    ورب قائل يشير إلى تكاثر الرسائل الإعلامية وزيادة حجم الساعات المذاعة على موجات التليفزيون أو الراديو في أميركا عبر ساعات الليل والنهار ـ وعلى أساس أن تلك ظاهرة صحية تتمثل في إمداد الجمهور بالمزيد من الأخبار والمعلومات. لكن مؤلف الكتاب يرد على هذه الظاهرة قائلا:


    ـ هذا الفائض الإعلامي الذي تشهده أميركا (سواء على شاشة فوكس نيوز اليمينية ـ الرجعية مثلا، أو على موجات الراديو اللبرالي ـ اليساري مثلا) يتم إنفاقه (بالأدق إهداره) لحساب تعليقات وآراء وأجندات سياسية ومصالح فئوية ودعايات للترويج لصالح هذا الطرف أو ذاك بدلا من أن يستخدم لتوسيع تغطية الأخبار الخارجية أو لتقديم رؤى متعمقة في مجال التحقيقات الإعلامية أو بهدف تنوير جموع الأميركيين بما يحدث في طول العالم وعرضه..


    بدلا من هذا كله ـ يضيف كتابنا ـ لا ينال الجمهور سوى تدفقات من إعلان الخصومات المريرة والتلاسن العلني والاشتباك السافر بين الشخصيات العامة ودهاقنة وسائل الإعلام وكل منهم لا يتورع عن استخدام أي أسلوب من أجل الانتصار لما يطرحه من آراء.


    من هذا يخلص المؤلف إلى تشخيص آفة السلبية التي رآها وقد أصابت ملايين الأميركيين بما يمكن أن يطلق على هذه الآفة الوصف التالي:


    سوء التغذية.. الإعلامية


    والعجيب في الأمر أن الأميركيين يعرفون أنهم لا يعرفون بما فيه الكفاية.إنه نوع من التغييب الفكري.. نوع من نقص التوعية لدرجة أن الشعوب الأجنبية باتت تعرف عن سياسة أميركا وعن توجهات إداراتها الحاكمة، ربما بأكثر مما يعرفه المواطن الأميركي ذاته..


    دعم طالبان


    على صفحة 190 وما بعدها يحاول المؤلف أن يطرح بعض الأمثلة تدليلا على ما يذهب إليه.. يقول:


    ـ معظم الأميركيين لم يكن عندهم أي فكرة خلال عقد التسعينات الماضي بأن عملاء الولايات المتحدة كانوا يعملون مع عناصر طالبان في أفغانستان بقصد إقامة نظام «صديق» في ذلك البلد يمكن أن يسمح لشركات النفط الغربية ببناء خط أنابيب لنقل البترول عبر أراضيه.


    ويستطرد المؤلف قائلا:


    ـ أنا شخصيا صادفت هذه القصة عندما كنت في زيارة إلى تركمانستان المجاورة في عام 1995. ولكنني عجزت تماما عن إمكانية بث هذه القصة لتذاع على الناس.. لماذا؟ لأن الشبكة التليفزيونية التي كنت أراسلها وقتئذ وهي سي. بي. إس (كبرى الشبكات القومية في أميركا) رأت أن هذه القصة خالية من إثارة العنصر الإخباري.. رغم أنه كان بالإمكان أداء عملية تحقيق خبري سياسي متعمقة مهنيا من شأنها اقتناص مثل هذه الفرصة التي سنحت لكشف ما كانت تفعله حكومة واشنطن من محاولات الغزل السياسي مع عناصر من المتشددين المتعصبين المتطرفين.


    كانت تلك أوضاعا شبيهة بما سبق وقدمته أميركا من دعم سري لأسامة بن لادن ولجماعته من «المقاتلين من أجل الحرية» المعادين للسوفيت في أفغانستان. لم يفصح عن هذه المسألة أحد رغم أنها أصبحت معروفة على نطاق واسع في أنحاء الشرق الأوسط. وكان لابد من انتظار فيلم «مايكل مور» الشهير بعنوان «فهرنهايت 11/ 9» لكي يعرف معظم الأمريكيين شيئا ما عن هذه الحقائق التي لم تكن تنطوي على راحة أو تبعث على اطمئنان.


    صحيح ـ يضيف الكتاب ـ أنها كانت شذرات أو تفاصيل من الحقائق.. لكنها كانت كفيلة إذا ما وضعت في نسق منتظم أن تشكل صورة متكاملة أو شبه متكاملة تعزز وعي الجماهير بما يدور من حولها في بلادها وفي العالم الخارجي..


    وإلا فكيف كان يمكن لهذه الجماهير في نظام ديمقراطي أن تحكم على هذا الذي يدور.؟ أن يتكون لديها وعي مستنير ومن ثم رأي واع يفضي إلى خيارات رشيدة ومحسوبة وذلك هو أساس أي مشاركة ديمقراطية حقيقية وبناءة.. والحق هو أن أي مراسل أجنبي حتى ولو كان متواضع الخبرة.. قادر على أن يطرح أمامك عشرات من تلك الحقائق المتدفقة هنا وهناك التي لم تصل قط إلى وعي الجمهور الأميركي.


    رأي مخضرم


    في نفس السياق أيضا يحيل المؤلف إلى دونتيلا لورش وكانت في السابق مراسلة خارجية لكل من جريدة التايمز ومجلة نيوزويك وشبكة سي. بي. إس.. وقد تركت مواقعها كلها لتدير مركزا بحثيا في واشنطن.


    وهي تؤكد أن كثيرا من زملاء مهنتها هربوا من المؤسسات الإعلامية الكبرى تحت وطأة إحساسهم بالفشل والإحباط إزاء عجزهم عن نشر الأخبار الجوهرية التي يجمعونها ولكنها لم تجد طريقها للبث على أثير القنوات. وتختم الإعلامية المخضرمة آراءها قائلة:


    ـ كم يشعر المرء بإحباط رهيب حين يفشل في إقناع رئيسه التنفيذي بأن ما يحدث في أفغانستان مثلا أمر أهم وأجدر بحيّز من وقت الإرسال من أخبار المغنّي مايكل جاكسون..


    هكذا يؤدي الرئيس التنفيذي ومن في حكمه من كبار المحررين والمخرجين والمنتجين أصحاب القرار في البث من عدم البث - يؤدون الدور الذي يطلقون عليه في معاجم علم الاتصال الإعلامي المصطلح الأكاديمي الشهير:حراس البوابات، فهم الحاجز النهائي بين الخبر والمشاهدين. هم المصفاة الأخيرة التي لابد وأن تمر بها حصائل الأخبار والمعلومات التي يكدح المراسلون المندوبون في الحصول عليها.


    هؤلاء لهم رأي آخر بوصفهم أصحاب القرار النهائي في مضمار الصناعة ويقول قائلهم (ص20):


    ـ إن الجمهور العادي.. قارئا.. مستمعا أو مشاهدا يصعب عليه استيعاب مادة هذه الأخبار الصعبة وخاصة بالنسبة للأنباء الواردة من الخارج.


    ومرة أخيرة يعلن المؤلف قائلا:


    ـ إن هذا اعتراف ضمني بأنهم يطعمون جمهورهم الفتات.. لقيمات خبرية لا تسمن ولا تغني من حيث التوعية أو الفهم أو التنوير. وهذا معناه أن وسائل الإعلام الإخبارية في أميركا تفضل تغذية جماهيرها بدفق مستمر من المعلومات المبسطة، وكلها لا يزيد عما تعرفه هذه الجماهير أصلا.. ومن ثم لا تجد وسائل الإعلام هذه لزاماً عليها أن تكرس مزيدا من وقت البث على الهواء أو مساحات النشر المطبوع للتعمق وللتدارس والتفسير.



    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    التركيز على التكاليف بدلاً من المستوى يؤدي لتدهور الأداء الإعلامي

    (الحلقة الثانية )

    يجد القارئ نفسه، عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب، على موعد مع تحليل معمق يقدمه المؤلف للعلاقة بين رجال الإعلام وبين صناع القرار السياسي والعسكري، ويلقي الضوء على العلاقة القائمة على الشد والجذب بين الجانبين، وهو يتوج هذا التحليل التفصيلي المستفيض بلفت الأنظار إلى ما يسميه بالنهج الخطير في العمل الإعلامي، والذي يفرض نفسه حالياً في الإعلام الأميركي، وهو نهج الاستسهال والبعد عن التعمق، وتقديم الاعتبارات المتعلقة بتكاليف الأداء الإعلامي على عنصر الجودة والمستوى الرفيع في هذا الأداء.


    من إيجابيات هذا الكتاب أن مؤلفه يتميز بعقلية تنظيمية، تعرض القضية ثم تطرح تساؤلات منطقية لاستيفاء كافة جوانبها، تتجلى هذه الميزة مع الفصل الثاني من الكتاب الذي يتطرق إلى موضوع يصفه المؤلف بأنه «واجبات زمن الحرب» ولكنه يبدأ الاقتراب منه بطرح سؤالين مهمين هما: وما هو دورنا؟ (يقصد الصحافيين - المراسلين - الإعلاميين) وهو يقتحم الموضوع بعبارات لاشك ستلقى قبولا لدى جمهرة المحللين والمراقبين السياسيين في أميركا حين يقول: تعيش الولايات المتحدة حاليا تحت طائلة تهديد متزايد بأكثر من أي وقت مضى منذ بيرل هاربور وبهذا أصبحنا، بلدا وشعبا، في حالة حرب أعلن فيها العدو عزمه على إلحاق الضرر بأراضينا.


    والإشارة إلى بيرل هاربور تحيل إلى حادثة الهجوم الياباني الصاعق على ذلك الميناء في جزر هاواي يوم 7 ديسمبر عام 1941. ويومها تحطم الأسطول الأميركي بأكمله وقد كان راسيا في ذلك الميناء مما يعد من الكوارث الكبرى التي مني بها الحلفاء خلال حوادث الحرب العالمية الثانية.


    الصحافة والحرب


    في هذا السياق يشير الكتاب إلى وضع المراسلين الصحافيين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. أصبحوا أيامها جزءاً لا يتجزأ من القوات العسكرية بل كانوا يرتدون الزي العسكري وهم يغطون أخبار الوحدات العاملة في ميادين القتال.انتهت الحرب العالمية عند منتصف الأربعينات،


    واشتعلت الحرب الكورية مع مطالع الخمسينات، ومعها أيضا بدأ التليفزيون يدخل الصورة ولو على استحياء جنبا إلى جنب مع الراديو الذي كان سيد الموقف في تلك الفترة حيث كانت الإذاعة المسموعة ومعها الصحف المطبوعة هي المصادر الرئيسية للأخبار. أيامها كانت العلاقات على ما يرام بين الصحافة والميديا بشكل عام وبين صانع القرار في دوائر الحكومة العسكرية والمدنية على السواء.


    لكن هذه العلاقات بدأ يصيبها قدر من التوتر ومن ثم نجمت هوة تفصل تدريجيا بين الطرفين: الإعلام وأداة الحكم، كان ذلك مع تورط أميركا في حرب فيتنام في سنوات عقد الستينات وكان على الميديا وقتها أن تتابع وقائع الحرب في المستنقع الآسيوي، ولكن كان عليها في الوقت نفسه أن تعكس حقائق الرفض والتمرد والمظاهرات المناهضة لاستمرار الحرب في ؟يتنام.


    عند هذا المنعطف في أداء العمل الإعلامي كان على الممارسين أن يتذكروا جيدا أن الإعلام ليس مجرد صناعة بقدر ما أنه أيضا مهنة، وأنه ليس مجرد وظيفة للاحتراف ولكنه ينطوي أيضا على رسالة مطلوب النهوض بتبعاتها أمام جماهير المتلقين، هنالك تبلور - كما يقول مؤلف كتابنا - (ص26) مفهوم جديد للوطنية واستقرت المهنة على أن الوطنية ليست التهليل بالبروباغاندا الدعائية لحرب ؟يتنام بقدر ما أن الوطنية الصحيحة هي احترام حق الجمهور في أن يعرف موضوعيا ما يدور.


    في تلك الفترة بالذات كان المذيع الأول في شبكة سي. بي. إس ، الإعلامي الأشهر والتر كرونكايت من مؤيدي الحرب في البداية ولكن الرجل مع تطور الأحداث ما لبث أن أذاع اقتراحه الشهير بضرورة الانسحاب المشرّف من ؟يتنام، في تلك اللحظة أدرك الرئيس الأميركي (وقتها) ليندون جونسون أن صانع القرار في البيت الأبيض فقد تأييد البلاد.

    اتساع الهوة الفاصلة

    لقد خاضت أميركا حروبا عديدة (ولو على نطاقات محدودة) خلال عقود الثلث الأخير من القرن العشرين، وفي تلك الفترة يؤكد المؤلف أن هوة التوجس اتسعت بين الطرفين فلا الإعلاميون كانوا يثقون في العسكريين ولا العسكريون كانوا يثقون في الإعلاميين. وفي عملية غرينادا العسكرية التي قرر فيها الرئيس ريجان غزو تلك الجزيرة الكاريبية الصغيرة عام 1983 أمر الجيش بإغلاق كاميرات التليفزيون التجاري.


    وفي حرب تحرير الكويت في مستهل التسعينات لم يستطع العسكريون منع وسائل الإعلام من متابعة الأحداث، ولكن الجنرالات الكبار قرروا إبعاد الصحافيين عن مسرح العمليات، وقصارى جهدهم هو أن يزودوا الميديا بسلسلة مستمرة من الإحاطات الإعلامية الموجزة والجاهزة الصنع مزودة بأشرطة فيديو أعدها العسكريون تصور المخابئ والمغارات التي كانت تؤوي الجنود العراقيين في عرض الصحراء.


    ثم تغيرت الأمور إلى حد لا يستهان به في عمليات غزو العراق. ويوضح المؤلف كيف تغير الطرفان بزاوية 360 درجة لدرجة بدا عليها أمرهما وكأنما يتطارحان الغرام المشبوب! وهكذا رحب العسكريون بالمراسلين وكاميراتهم في صحبة الوحدات القتالية، ولم يكذّب الطرف الإعلامي خبرا، بل أدى الأمر إلى أن نسي الإعلاميون مهمتهم الأساسية وهي الرصد والبحث والتدقيق والنقد.


    وأنّى لهم أن يقوموا بهذا الدور النقدي المستنير بعد أن أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من خطة عمليات البنتاغون؟. أين هذه الأوضاع المهينة من تلك الأوضاع المرموقة التي كان يتمتع بها التلفاز والراديو والصحافة المطبوعة خلال سنوات الحرب الباردة التي دامت قرابة نصف قرن إلا قليلا.


    لم تكن حربا بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما كان صراعا مكتوما بين نظريات وثقافات ومواقف ومفاهيم وحضارات، وكان كل طرف أثناءها يبذل قصارى جهده من أجل إحراز النجاح المهني. العسكريون كانوا من جانبهم في غاية التأهب في ضوء ميزان الرعب النووي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.


    والصحافيون من جانبهم كانوا في غاية النشاط وخاصة المراسلين الخارجين منهم الذين كانوا يكتشفون كل يوم أخبارا وقصصا إخبارية ومؤامرات وتصريحات وعمليات جديدة ينفردون بنشرها ويشتهرون بها ويحوزون بفضلها كل الاحترام من جانب رؤسائهم. يقول المؤلف: كان الإعلاميون في سنوات الحرب الباردة يوافون الجمهور بكل تطور جديد وخاصة فيما يتعلق بتحولات موازين القوى العالمية وكان الجمهور من جانبه يولي أهمية قصوى لما يفيد به كل هؤلاء الإعلاميين.


    في هذا الصدد يقول المذيع التليفزيوني الراحل بيتر جيننجز: أي إشارة ولو بسيطة تلمح إلى أن السوفييت يدبرون أمرا ما، كانت كفيلة بأن يضعك رئيسك على أول طائرة لكي تغطي الحدث المرتقب أيا كانت الظروف. ومن جانبه يعلق المؤلف قائلا: في تلك السنوات، كانت الأخبار الخارجية (العالمية) أخبارا حقيقية.


    ان الحرب الباردة شجعت كبرى المؤسسات الإعلامية على الاحتفاظ بشبكات واسعة من المكاتب الخارجية والمراسلين الدوليين، كانت تلك ذروة نشاط هذه الفئة من الإعلاميين، كانت أياما مفعمة بالعمل، ولكنها لم تدم طويلا. السبب هو أن الحرب الباردة انتهت، وانتهى معها الاتحاد السوفييتي وبذلك تبدد التوتر الذي كان سائدا وبدأت أميركا تعيش حالة من الاسترخاء والدعة على حساب آليات اليقظة والتحسب والانتباه.


    يشير المؤلف في هذا المضمار بالذات إلى سنوات عقد التسعينات، وبقدر ما كانت تلك سنوات الفائض والازدهار الاقتصادي في أميركا، كانت بالمقياس نفسه سنوات الخفض المستمر في ميزانيات التسليح بعد أن زال الخصم العسكري الروسي، وسنوات الاستقطاعات المتوالية في ميزانية الاستخبارات فقد زالت دولة الكي. جي. بي، الإخطبوط المخابراتي المنافس في موسكو.


    تخفيضات خطيرة بالميزانية


    على المنوال نفسه نسجت مؤسسات الميديا ، ولم يعد ثمة حاجة للإبقاء على المكاتب الخارجية ولا التمسك بوجود مراسلين في الخارج، فأغلقت معظم المكاتب وخفضت الميزانيات وتم الاستغناء عن جهود العديد من المراسلين الخارجيين.


    وأسفر هذا كله عن نتيجتين:


    الأولى تحجيم، ومن ثم تقزيم، أهمية الأخبار الخارجية والشؤون الدولية ضمن اهتمامات ونشرات الميديا الأميركية - الأمر الذي عاد بالمواطن الأميركي إلى حكاية التركيز على شؤون الداخل واهتمامات الحيز المحلي، ومن ثم فقد نهضت جدران غير مرئية من عزلة الوعي حول ما يجري على صعيد دول العالم الأخرى.


    الثانية تحولت مكانة المراسل الخارجي الذي كانوا يرمقونه في السابق بإعجاب بوصفه خبيرا في العلاقات الدولية - تحولت هذه «المكانة» البارزة إلى مجرد «مكان» يشغله موظف أصبحوا يعتبرونه مجرد مصدر مزعج لإطلاق التحذيرات والإنذارات في كل رسالة يبثها أو في كل معلومات أو أخبار يبعث بها.


    يقول المؤلف: هكذا وجدت نفسي وغيري من المراسلين الخارجيين وكأننا أشبه بكائنات غريبة لا تكاد تفعل شيئا سوى التلويح بأيديها من أماكن قصية ومواقع نائية تحذر وتنذر - أماكن ومواقع مثل يوغوسلافيا في أوروبا أو رواندا في افريقيا - وكأن همّ هذه الكائنات هو محاولة لفت الانتباه من جانب رؤساء الميديا وجمهور المشاهدين على السواء.


    عبثا حاول المؤلف وأمثاله من المراسلين الخارجيين أن يحذروا من تطورات الأحداث، سواء في وسط أوروبا (البلقان) أو في الشرق الأوسط (الصراع العربي - الإسرائيلي) أو في وسط افريقيا (رواندا - بوروندي) أو غربها (الكونغو وسيراليون) أو في أطراف شبه الجزيرة الهندية إلى آسيا الوسطى (باكستان، أفغانستان) لكنهم لم يجدوا آذانا تصغى كما كان ينبغي.


    وربما كان الطرف الآخر معذورا، فقد كان الأميركيون يتطلعون إلى قطف الثمار بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها. كانوا يريدون الاستمتاع بما وصفته المصطلحات السياسية مع مطلع التسعينات وخاصة في أدبيات الأمم المتحدة بأنه «أرباح السلام»،


    وتشاء المقادير أيضا أن يحدث هذا كله في إطار حقبة الرئيس كلينتون، وقتها كانت «فتوحات» الرئيس النسائية وأحاديث الثرثرة والنميمة في حياة المشاهير، هي المادة المفضلة في مانشيتات الصحف وفي صدر نشرة الأخبار المسائية التي تكون أول ما يطالعها المواطن الأميركي العائد إلى بيته بعد يوم من العناء.


    سياسة إعلامية جديدة


    تلك هي الظروف التي تشكلت في غمارها بيئة جديدة للميديا في أميركا، ويصفها المؤلف قائلا:هي بيئة الإرسال بالكوابل لتوصيل خدمات التلفزة، وبيئة الساتل الفضائي (القمر الاصطناعي) وشبكة الانترنت وصحافة الثرثرة والترفيه والأسرار المخملية وقد توسع هذا كله ليشكل فصيلا إعلاميا قادرا على إدرار أرباح طائلة. وقد دامت هذه الحالة حتى بعد عمليتي غزو أفغانستان والعراق،


    ومن ثم فلم يجد رؤساء التحرير أمامهم سوى أن يوفدوا صحافيي الإثارة والصالونات لتغطية الأخبار في مسارح العمليات الحربية بسبب النقص الفادح في الكوادر المؤهلة والقادرة على الإنجاز. ومن عجب أن كل هذه المشاعر من الاسترخاء ومن الرضا عن النفس ومن التطلع إلى تذوق ثمار السلام وحلاوة الانتصار - لم تكن تقوم على أساس حقيقي ولا وطيد،


    بمعنى أن التسعينات لم تكن بالفعل مرحلة سلام، بل كانت مشغولة بأكثر من حرب وأكثر من صراع في مواقع شتى من عالم السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ولكن أميركا كانت تتعامل مع كل هذه الصراعات المحتدمة وقد وضعتها بعيدا عن هامش الاهتمام، وربما في مناطق اللاشعور، كان هناك حروب وصراعات في الشيشان وفي الصومال وفي صربيا وفي كوسوفو وفي ناغورني كاراباخ (جورجيا - أرمينيا السوفييتية سابقا) وطبعا في حرب العراق - الكويت.


    وكان على الميديا أن تنهض إلى أداء دورها المهني والأدبي لتغطية هذه الصراعات وتوعية الجمهور الأميركي بها، وكان لزاما أن يتم إيفاد المراسلين الخارجيين المتخصصين في مثل هذه التغطية، ومنهم من عّرض حياته للخطر لأداء مهمته، لكنه بعد العودة لم يجد من رؤسائه سوى أدنى الاهتمام بل وجد عدم الاكتراث.


    هنا يسوق مؤلفنا نموذجا على هذا كله من واقع قصة المدرسة الابتدائية في سرايي؟و عاصمة مسلمي البوسنة والهرسك في البلقان: أصل الحكاية أن التقط المصور التليفزيوني نيكولاس تيرنر صورا حية تابع فيها بحرفية فائقة وجسارة مشهودة حادث الاعتداء بالمدافع على مدرسة ابتدائية في سرايي؟و في أوائل التسعينات.


    وكان الحادث نذيرا باشتعال الموقف إلى حرب ضروس في منطقة البلقان وقد راح ضحية القصف الوحشي خمسة أطفال أبرياء فيما أصيب بجراح أكثر من عشرة تلاميذ آخرين إضافة إلى معلمتهم. كانت صور ال؟يديو حية ومعبرة وشديدة التأثير، وزاد من تأثيرها التعليق الساخن والدقيق الذي كتبه وتلاه المراسل باري بيترسون، وبالدقة والمسؤولية المهنية نفسيهما، عمد الزميلان المحرر والمصور إلى مراجعة الشريط وإلى استبعاد أفظع لقطاته التي لا يجوز عرضها على أنظار عامة المشاهدين،


    ثم بادرا إلى إرسال الشريط الإخباري عبر القمر الاصطناعي إلى المحطة الأم في نيويورك. واستيقظ الزميلان في صباح اليوم التالي في ترقب لمشاهدة العمل الذي أنجزاه مذاعا ضمن النشرة الاخبارية الصباحية لكن كادا يصعقان عندما اكتشفا أن شريطيهما تم حذفه من أخبار التليفزيون، لقد تعرض الشريط لحادثة (اغتيال) كما يقول مصطلح أهل الكار ثم بادرا بالاتصال بالمركز في نيويورك للاستفسار عن السبب: هل جاء الشريط أفظع من اللازم؟،


    هل شابه خطأ سياسي أو مهني ما؟، ثم أردفا هذه التساؤلات بقولهما: نحن نرى أن هذا الخبر بكل مشاهده ومضامينه مهم للغاية لأنه يوضح للعالم من هو المعتدي (الصرب) ومن هو الضحية (مسلمو البوسنة) وإذا لم تذيعوا ما نرسله إليكم وما نجهد ونخاطر من أجل ملاحقته وتحضيره، فلا مكان لنا هنا من الأساس.


    من ناحيته ، أخذ مسؤول الأخبار في نيويورك، واسمه إيريك سورنسون نَفَسا عميقا قبل أن يجيب قائلا: المادة التي تسلمناها كانت جيدة بل أكثر من جيدة، لأنها كانت موثقة بقدر ما كانت بالغة التأثير، ولكن كما لا يخفى عليكما فإن الحرب الدائرة هناك (البلقان) تبعث على الكآبة في نفوس مشاهدينا .


    هكذا يوضح المؤلف كيف تخلت شبكات الإعلام الكبرى عن مسئوليتها إزاء توعية جماهيرها، وكيف سمح مسؤولوها لأنفسهم أن يقفوا حاجزا بين هذه الجماهير - المغلوبة على أمرها دون أن تدري - وبين حقها في المعرفة والإحاطة والدراية والتنوير.


    واقعة صارخة الدلالة


    يسوق مؤلف الكتاب واقعة أخرى عاشها شخصيا ولها دلالتها الكبرى يقول (ص32): شبكة سي. بي. إس التي ارتبطْتُ بها على مدى سنوات وعقود كأنما أصيبت بالعمى عندما خذلتني شخصيا فلم أستطع أن «أبيع» لهم (بمعنى إقناعهم) مقابلة تليفزيونية كنت قد أجريتها مع ناشط إسلامي حركي كان وقتها بعيدا عن هالات الضوء وكان اسمه، أسامة بن لادن(!) كان ذلك في ديسمبر من عام 1996،


    وكنت قد رتبت مع سعودي يعيش في لندن لكي أجري هذه المقابلة مع بن لادن في أفغانستان، وجاءتني موافقته على الإدلاء بأول حديث إلى شبكة أميركية متلفزة وضمن برنامج «60 دقيقة» - المجلة الإخبارية العتيدة والشهيرة- من ناحيتي كنت أرى في بن لادن قيادة لشبكة إرهابية في المستقبل،


    من ناحيتهم كان رؤساؤنا في المحطة التليفزيونية في نيويورك يرون فيه شخصاً خامل الذكر مجهولا ولا يهم مشاهديهم في الولايات المتحدة، كان أكبر همّهم هو توفير مبالغ الدولارات المفروض صرفها على الرحلة وإجراء الحديث في أفغانستان ولهذا تعرض المشروع بدوره إلى «الاغتيال».


    ولك في هذا المقام أن تتساءل: يضيف مؤلف الكتاب:كيف يتسنى لمثل هؤلاء الرؤساء أو دهاقنة الميديا أن يحكموا على هذه الشخصية أو تلك.؟ أن يدركوا مدى أهمية، أو عدم أهمية، هذا الفرد أو ذاك؟ كيف يفعلونها من دون أن يرجعوا بالضرورة إلى الاختصاصيين من أمثالنا، بمعنى المراسلين الخارجيين والإعلاميين الناشطين في الميدان؟


    بيد أن قصة هذه المقابلة المتلفزة لم تكن لتنتهي عند هذا الحد، لقد حاول المؤلف من موقعه كمراسل للتليفزيون الأميركي في لندن أن يواصل جهوده ولو بتكاليف أقل. يقول (ص33) أنه نجح في استخدام وسيط سوري عرض إجراء المقابلة لقاء مبلغ 25 ألف دولار ورغم أن المبلغ زهيد بمقاييس المهنة إلا أن شبكة سي. بي. إس، وجدته مرتفعا وصرفت النظر تماما عن مقابلة مع بن لادن


    فما كان من منافسيها شبكة أي. بي. سي دع عنك شبكة سي. إن. إن إلا أن أجروا مقابلاتهم ومن خلالها أحاط المشاهدون لأول مرة بالصوت والصورة بحكاية بن لادن التي ما لبثت أن تعمقت على نحو أو آخر في السياق والوجدان الأميركي حتى كتابة هذه السطور. في كل حال


    ينعي المؤلف على القنوات التليفزيونية أن المسؤولين عنها يحسبونها بالدولار قبل أن يفكروا في المسؤولية الإعلامية، وأن منتجيها ومخرجيها يفرضون نوعا من الوصاية على جماهير المشاهدين حيث يقررون بالنيابة عن المواطنين ما هو الصالح وما هو الطالح، حيث الصالح على طول الخط هو الأقل تكلفة والأربح من حيث جلب الإعلانات وزيادة المداخيل وهو أيضا الأدعى للراحة والدعة وتجنّب انشغال البال و وجع الدماغ.


    الخطر على إعلامنا


    كل هذا لا يصنع إعلاما ولا توعية ولا يكفل تثقيفا يثري وجدان الناس أو يزيد من خبرتهم ومعرفتهم بما يدور على سطح كوكب أضحى كما تقول البديهة الإعلامية - الاتصالية الذائعة - مجرد قرية عالمية وربما محلة أو حي الكتروني صغير.


    هنالك يكمن ما نوافق عليه المؤلف بأنه نهج خطير في العمل الإعلامي: أنه نهج الاستسهال بعيدا عن التعمق والبحث الجاد والأناة وعدم الخضوع الأعمى أو التلقائي للاعتبارات التجارية: وهو أيضا النهج الذي يعكس عدم ثقة الإعلاميين في قدرة جماهير المشاهدين على متابعة وهضم واستيعاب المواد الجادة والمتعمقة،


    وقد نصفه من جانبنا اليعربي بأنه النهج اللامسئول أو اللامكترث إزاء مصالح الوطن في بلادنا والمواطنين، تلخصه العبارة التي ذاعت في أواسط السينما العربية بعامية القاهرة وهي «الجمهور عايز كده».والحق أن الجمهور مازال عند حسن الظن، فقط يريد هذا الجمهور أن يوافيه الإعلاميون بمواد تتسم بالعمق نعم، لكن أيضا لا تنقصها الجاذبية، فليست الإثارة في رأي المؤلف،


    وفي رأينا أيضا ، مرادفة بالضرورة للهزل أو العبث أو اللهو الساذج الرخيص، ثمة برامج يسوقها المؤلف من واقع الميديا الأميركية تشهد بأن الناس يقبلون على المادة الجادة إذا ما أحسن المهنيون خدمتها وصياغتها، والنموذج الذي يطرحه المؤلف على المواد الإعلامية الجادة والشيقة أيضا نموذج يحمل عنوان «نايت لاين» وتلك قصة تستحق أن تروى.



    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    [align=center]كيف حُسم مصير آخر المذيعين المحترمين في التلفزيون الأميركي ؟ [/align]

    (الحلقة الثالثة)



    يقدم المؤلف توم فنتون في هذه الحلقة عنصراً يعد في مقدمة عناصر الأهمية التي يتسم بها هذا الكتاب، حيث يطرح تحليلاً وافياً لمشكلات الإعلام الأميركي، التي لا يتردد في وصفها بالأمراض، وهو في محاولة التصدي لهذه الأمراض يلقي الضوء على سبعة أعراض دالة في طبيعة الداء، ويقترح عشر توصيات يراها السبيل الناجع والشامل للوصول إلى الشفاء من هذه الأمراض.


    وهي توصيات بقدر ما تتمتع بالوضوح، إلا أنها غابت عن وعي الغالبية الكاسحة من الإعلاميين الأميركيين، خاصة بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة وما واكبها من استرخاء أقرب إلى الركود في مجمل صناعة الإعلام الأميركية.


    على مدى سنوات عديدة ظلت شبكة أي. بي. سي الأميركي (القناة السابعة التي تبث على المستوى القومي) على موعد دائم في الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء أيام الأسبوع (ما عدا يومي الإجازة) مع مشاهدي برنامج «نايت لاين» أو «أول الليل».


    كان البرنامج بمثابة الوجبة الأخيرة في المائدة الإخبارية التي تختم بها القناة نشرتها السياسية التي تبدأ في الحادية عشرة وتنتهي بالبرنامج، حيث كان يقدم تعليقا وتحليلا سياسيا من خلال مقابلات وتحقيقات يقوم على أمرها واحد من أشهر نجوم الإعلام السياسي في أميركا وهو المذيع «تيد كوبل» الذي كان يطالع مشاهديه بقدر لا يخفى من الألفة الإعلامية والاعتزاز برصانة المادة التي يقدمها في بلاغة وتعمقّ واحترام للعمل، يستوي في ذلك لقاءاته مع رؤساء الدول أو مع عامة الناس.


    يحسب للمذيع «تيد كوبل» مثلا أنه أول من نشر في العالم أخبار اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عقد الثمانينات وهو أول من قدم للمشاهد الأميركي شخصيات فلسطينية تجمع بين الاحترام والثقافة والكفاءة مثل الدكتور حيدر عبد الشافي أو الدكتورة حنان عشراوي.


    ومن خلال هذه الشخصيات وأندادها بدأت تتغير صورة الفلسطيني إلى الصورة الإنسانية المتحضرة والفاهمة الواعية والمطالبة بحق مشروع من حقوق الإنسان، وجاء ذلك بالطبع تبديدا للصورة التي ظل الإعلام الصهيوني يبثها لخداع الجمهور الأميركي من ناحية ولتبشيع صورة العربي ـ الفلسطيني من ناحية أخرى.


    بين الجدية والطلاوة



    إن مؤلف هذا الكتاب يسوق نموذج البرنامج الذي أحلنا إليه مثلا دالا على إمكانية أن يجمع العمل التليفزيوني بين الجدية والجاذبية وبين العمق والتشويق، وهي ليست جدية الجهامة ولا عمق السرد الممل. وهي أيضا ليست جاذبية الإلهاء ولا تشويق التهريج الرخيص، إنها أقرب إلى جاذبية الفكرة وإلى التشويق المنبعث من إجادة الأداء من حيث دقة الأسئلة، وطلاوة إدارة الحوار وقدرة المذيع على أن يتكلم من موقع السفير، المندوب عن جماهير المشاهدين، يطرح أسئلتها ويعبر عن همومها ويعكس اهتماماتها، ويعمل مع كل سؤال وجواب على زيادة وعيها بالقضايا وتعميق خبرتها الحياتية بما يجري من حولها.


    في أواخر صفحات الفصل الثاني يقول مؤلف الكتاب: «لا يزال» برنامج «نايت لاين» يجمع في أدائه بين عمق التبادل ونفاذ البصيرة وأسلوب الصحافة الذكية المستنيرة رغم أنه يقدم وسط بيئة التلفزة التجارية التي تشوبها عروض الإثارة اللاهية، ومن ثم فلا «يزال» البرنامج المذكور يشكل دليلا على أن جماهير المشاهدين سوف يصغون إلى مادة الأخبار الخارجية - السياسية إذا ما جاءت جيدة الإعداد، حريصة على الإيضاح والتنوير والتفسير.


    ولا «يزال» نجاح هذا البرنامج ومقدمه تيد كوبل يدحض المقولة الكسولة اللاهية السائدة في مهنتنا بأن القصص والتحقيقات الخبرية الوافدة من الخارج ـ وبالذات من أفريقيا ـ نذيرا بالموت أو العدم بالنسبة لنجاح البرامج المتلفزة (وهو نجاح يقاس بمعيارين أولهما نسبة المشاهدة والثاني حصائل الاعلانات).


    مع هذا كله، فلا نتصور من ناحيتنا أن في الأمر ما يبعث على الأمل الذي يراود المؤلف فيما عبر عنه من سطور ولهذا فقد وضعنا كلمة «لا يزال» بين هلالين في ضوء ما بتنا نعرفه بحكم الخبرة المباشرة عن تطورات الصناعة الإعلامية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص.


    لماذا الأقواس؟


    لقد أصدر توم فنتون كتابه الذي بين أيدينا في أواخر عام 2005 وأشاد فيه ـ كما رأينا ـ بالبرامج السياسية والإخبارية الجادة التي يمكن أن تشد اهتمام الجمهور الأميركي، وارجع هذا الفضل إلى الأداء الرصين لمذيع مخضرم ومثقف هو «تيد كوبل». والمشكلة أن كلمة «لا يزال» هذه لم يعد لها مكان بعد صدور هذا الكتاب.


    والحاصل أن جاءت مطالع عام 2006 الحالي فإذا «تيد كوبل» نفسه يعلن اعتزاله ومفارقته شبكة القناة السابعة، ومن ثم تخليه عن تقديم برنامجه العتيد. والحاصل أيضا أن عهدوا بالبرنامج إلى عدد من المذيعين الذين ينتمون ولاشك إلى مدرسة الدولار قبل القيمة ودنيا الإعلان قبل الإعلام والتسلية قبل التنوير والشأن الداخلي، حتى ولو كان فضيحة جنسية أهم وأولى بالتقديم والمعالجة من الخبر الخارجي حتى ولو كان مجاعة ملايين البشر في أفريقيا أو عدوان صهيوني بشع وبربري على المدنيين في الشرق الأوسط.


    مع هذا كله، تبقى الجدوى والقيمة فيما يذهب إليه مؤلف كتابنا من حيث التأكيد على أهمية التعمق في المعلومات وتحرّي المصداقية فيما يقدمه المراسل الخارجي ما استطاع إلى ذلك سبيلا. يقول المؤلف في هذا الخصوص: عمق المعلومات يخدمنا بسبل شتى، فهو يحول بين قادتنا وبين التحالف مع قوى المصالح الخاصة في الخارج دون أن يدركوا العواقب، على نحو ما حدث من تحالف إدارة كلينتون مثلا مع طالبان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. ومثل الأمور التي تتم بمعزل عن الإعلاميين تؤدي بأهل الإعلام إلى أن يشاركوا للأسف في غسيل مخ الجماهير لصالح هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراعات الأجنبية.


    توصيات


    ولاتقاء مثل هذه السلبيات، وعلى الطريقة الأميركية المعروفة في بلورة السلوكيات وجرد المشاكل وتوضيح المطلوب، فقد سعى مؤلفنا من واقع خبرته الطويلة كمراسل أجنبي إلى بلورة 10 توصيات يطرحها في ختام الفصل الثاني من الكتاب متصورا أنها تصلح لترشيد الأداء الإعلامي في فترات الأزمة أو المواجهة أو الصراعات.


    وهذه التوصيات العشر تجري على النسق الموجز التالي:


    * (1) أن يتصرف الإعلامي بوصفه جهاز الإنذار المبكر لصالح الجمهور محذرا ـ بفضل معارفه وخبراته وحاسة الاستشعار لديه - من أي خطر يلوح في الداخل أو في الخارج،


    * (2) أن يرصد أداء الحكومة وخاصة فيما يتعلق بالسهر على أمن الوطن وسلامة مواطنيه.


    * (3) أن يتأكد من أن الجمهور العام على وعي تماما بما تقوله حكومته باسم المواطنين خارج الحدود.


    * (4) أن لا تستبد به شهوة نشر كل شئ أو أي شئ، بل عليه ألا يكشف ما قد يتناهى إليه من معلومات يمكن أن تضر الصالح العام.


    * (5) لكن ليس معنى هذا أن يعتمد الإعلامي المسئول أو المراسل الخارجي نهج الجبن أو يخضع للتخويف بسيف الرقابة الحكومية التي قد يمارسونها متنكرة تحت شعار الوطنية.


    * (6) أن لا ينسى الإعلامي قط أهمية تثقيف الجمهور بخلفيات واعية ومعلومات أساسية تاريخية وجغرافية ووقائعية تكمن وراء الأخبار التي يجمعها ويبثها.


    * (7) أن يعتمد باستمرار أهمية التدريب المتواصل للكوادر المهنية القادرة على انجاز المهام الإعلامية الواجبة.


    * (8) أن يتأكد بالدليل أن القوى والدوائر الحاكمة لا تستغل السلطات الممنوحة لها في الداخل.


    * (9) أن لا يسمح يوما بتدخل المؤسسات المالكة أو القابضة التي تتبعها الخدمة الإعلامية ـ الاخبارية ـ ومن ثم فإن رائده في هذا كله هو الأولوية لمصالح الجمهور العام قبل مصلحة هذه المؤسسات الأم.


    * (10) أن يساعد بلاده في تركيز جهودها على المهام القومية المطروحة من دون أن يشتت هذا التركيز في مسارب جانبية أو اهتمامات تافهة.


    الزهو والاسترخاء


    يبادر المؤلف إلى الاعتراف بأن معظم هذه التوصيات العشر يبدو بديهيا أو هي من الوضوح الجليّ بمكان، لكنه يؤكد أيضا على أنها كثيرا ما غابت عن وعي واهتمامات وأداء جمهرة الإعلاميين، خاصة في ضوء الوضع الذي ساد أميركا عقب شعور الانتصار في الحرب الباردة وزوال المنافس السو؟


    ييتي الشرس من خريطة العالم، هذا الشعور بالزهو أدى إلى حالة الاسترخاء أو بالأدق الركود والدعة التي أسلمت بدورها إلى كساد صناعة جمع وبث ونشر وتعميق الأخبار الخارجية مما أسلم جماهير الأميركيين ـ بل وقطاعات واسعة من نخبة المثقفين في بلادهم إلى تراجع وعيهم بما يدور في أنحاء الدنيا.


    تلك هي بالضبط الحالة الشبيهة بما كانت عليه أميركا في عام 1940، عندما كانت تدور رحى حرب رهيبة اشتعلت بين ألمانيا بقيادة هتلر وبين أطراف شتى في غرب أوروبا:


    فرنسا وقعت تحت الاحتلال النازي، انجلترا كانت تتعرض لغارات سلاح الجوي الألماني بوتيرة خطيرة ومدمرة، العالم بدأ يقع تحت سيطرة المحور الذي كان مؤلفا من إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية واليابان الامبريالية، كل هذا بينما كانت أميركا عام 1940 تغط في سبات ودعة وارتياح غريب، لا لأن سكانها كانوا أغبياء ولكنهم لم يكونوا على علم بما يدور على الجانب الآخر من المحيط.


    يضيف مؤلفنا في منتصف الفصل الثالث من هذا الكتاب يقول: إنها سيطرة أصحاب الأسهم على مقادير مؤسسات الإعلام الكبرى. وهذه السيطرة أفضت بخبراء وممارسي الميديا (في أميركا) إلى أن يلقوا السلاح ويستسلموا لمقولة في غاية الخطورة وهي: لم يعد بأيدينا شيء نفعله.


    تلك بالقطع حالة مَرَضية على نحو ما يصفها مؤلفنا وهو يحاول تشخيص أسباب هذا التدهور: هذا المرض أصاب الإعلام السياسي والخدمات الخبرية في أميركا، ومن البديهي أن ثمة تركيزا على إعلام أميركا، لا بحكم ضخامته من حيث عدد المؤسسات أو من حيث حجم الجمهور فقط، ولكن أيضا بحكم ريادته وخاصة بعد إعلام الدعاية (البروباغاندا) الذي ساد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، سواء بروباغاندا جوبلز النازي أو بروباغاندا راديو لندن أو صوت أميركا أو مكاتب الاستعلامات (الدعاية) التابعة لسفارات واشنطن عبر البحار.


    أسباب للتدهور


    ومرة أخرى يلجأ مؤلفنا إلى قائمة جديدة سباعية هذه المرة يحاول أن يحصر، بل يجرد فيها، الأسباب التي يراها محورية فيما أصاب الإعلام الأميركي من تدهور في النوعية وهو الموضوع المحوري الذي ينشغل به مؤلف هذا الكتاب:


    * السبب الأول لتدهور النوعية في الإعلام الأميركي هو اعتبار البرامج الإخبارية والسياسية مصادر للربح وهذه النظرة تفضي بداهة إلى تحجيم الاهتمام بتلك البرامج، ويرجع ذلك ببساطة إلى أنها بحكم نوعيتها وبحكم جديتها وعمقها، وبرغم أهميتها الحيوية لا يمكن أن تكون مصادر للربح أو جاذبة للإعلانات الخلابة والترفيهية والطائلة المداخيل، فهي لا تستطيع أن تنافس مثلا عروض الأزياء أو التلفيقات الدرامية الخفيفة على عقل المشاهد والثقيلة من حيث حصيلة الإعلانات.


    * السبب الثاني يتمثل فيما يصفه المؤلف بأنه تحرير البث الإذاعي ـ على نحو ما تردده أوساط شتى في بلادنا وفي العالم الثالث بأنه تحرير التجارة والقصد الحقيقي هو إزالة كل القيود والضوابط والمعايير والقواعد التنظيمية.


    ومن هذه الإزالة أو الإلغاء ما بعد كلمة حق يراد بها باطل فالتحرير كلمة إيجابية والخصخصة معنى مفيد وإزالة القيود عملية مندوب إليها كما يقول الفقهاء، لكن هذا كله باب يفتح ولن يغلق، قصة لها بداية ولن تكتب لها نهاية، وقد يكون إطلاق الخصخصة في المشروع التجاري أو النشاط الاستثماري أمرا مفهوما ومفيدا، لكن إطلاق الخصخصة على مصراعيها في مجال الإعلام.


    وما يرادفه من نفي واستبعاد الدولة وحرمانها من الاضطلاع بمسؤولياتها في مجال تثقيف وتنوير مواطنيها، أو على الأقل من المشاركة الفعالة في هذا المجال ـ من شأنه أن يجعل أمر الوعي الوطني والثقافة القومية موكولا بأيدي الأفراد والمصالح الخاصة والأهواء الفئوية بكل ما يجلبه ذلك من أضرار لا سبيل إلى إدراك مغبتها سوى في الأجل الطويل البعيد.


    * السبب الثالث: تدهور المعايير المهنية والقواعد المحترمة في ممارسة مهنة الإعلام، وعندنا أنه سبب يرجع إلى سابقه، بمعنى أن وضع مقاليد الإعلام حصريا بيد الأفراد والمصالح الخاصة واستبعاد مسؤولية الدولة كفيل بتغليب مفهوم الربح على أي مفهوم آخر بحيث يظل السؤال المطروح هو: كم وليس كيف؟


    وهو: إلى أي حد نرضي المعلنين والكفلاء والمتبرعين ونرتفع بنسبة المشاهدة وإحصائيات الإقبال؟ وعليك أن تنسى بالتبعية حكاية النوعية والجودة والمسئولية الاجتماعية للإعلام.


    * السبب الرابع المرتبط بما سبق هو ما يصفه المؤلف بعبارة: هذا الهوس بنسبة المشاهدة ومعايير جاذبية المادة المذاعة (طبعا بصرف النظر عن مدى جودتها أو رقي نوعيتها أو أهمية جدواها في توعية الناس) الذين لا ينظر إليهم بوصفهم مواطنين بقدر ما ينظر إليهم بوصفهم مجرد ، مستهلكين.


    * السبب الخامس: أن تكاليف فتح مكاتب خارجية للشبكات المتلفزة، فضلا عن الإبقاء على تلك المكاتب وتشغيل أفضل الكفاءات باتت أمورا باهظة التكاليف وبالتالي أصبحت تتنافى مع منظور الربح الذي يطل منه المديرون والمتنفذون على سير العمل وقواعد الميزانية على صعيد تلك الشبكات.


    * 003300 تنامي ظاهرة مستجدة وطريفة في دنيا الإعلام السياسي والخدمات الإخبارية ويصفها المؤلف بأنها ظاهرة التغليف المسبق والتعبئة الجاهزة للأخبار بدلا من العمل الدؤوب والإتقان المهني في سبيل جمع وتحقيق وتوثيق هذه الأخبار والمعلومات من مصادرها الأصلية.


    هكذا أصبحت الميديا تستقي الأخبار، لا من المصادر أو المظان الأساسية، بل من الوكالات التي تتولى تجميع وتعبئة وتغليف وتوصيل هذه البضاعة الخبرية إلى المستهلكين وعلى طريقة «تيك أواي» أو «هوم ديلفري» المتبعة في استهلاك شطائر الهامبورغر وفطائر البيتزا، للأسف الشديد.


    * السبب السابع والأخير: يتمثل في أن ملكية الميديا الإخبارية (والمَثَل من الولايات المتحدة) آلت حاليا إلى شركات مساهمة، وهذه الشركات ـ على نحو ما ألمحنا سلفا ـ يقوم على أمرها مجالس إدارة يتمثل همهّا الأساسي في عرض ميزانيات رابحة على الجمعيات العمومية المعقودة سنويا، كما يتركز ولاؤها، لا في تعزيز وعي الجمهور وتنوير بصيرة المواطنين، بل في رضا جموع المساهمين أولا وأخيرا.


    في هذا المضمار بالذات يتوقف المؤلف عند قضية تكريس الربح العائد من عملية الإعلام، ونحن نذهب من جانبنا إلى أن هذا التكريس للعائد المادي ـ النقدي ما هو إلا نتيجة من نتائج الخصخصة الكاملة للمؤسسات الإعلامية، ومن ثم استبعاد دور الدولة الحديثة المستنيرة كما لابد وأن نؤكد على المشاركة في أداء هذا الدور حيث يمكن أن يتحول الدور إلى رسالة تضطلع بها الدولة إزاء مواطنيها توعيةً وتثقيفا وتعليما وتنويرا.


    الربح والفشل


    إن المؤلف يؤكد أن هذا السعي الدؤوب لتحقيق الربح هو واحد من الأسباب الجوهرية للفشل الذي يعترِف به في مهنة الإعلام، ولما حاول الإعلاميون تجميع صفوفهم لمواجهة نقص الاعتمادات وخفض الميزانيات كانت النتيجة خيبة فادحة، لماذا؟ لأن الأخطاء أصبحت جماعية ومشتركة بسبب جماعية المصادر والجهود الإعلامية.


    لم يعد ثمة انفراد بالخبر ولا ثمة جهد ابتكاري تتجلى في إطاره مواهب الإبداع عند هذا الإعلامي الفرد أو تلك المذيعة الموهوبة، ولم يعد هناك بالتالي المذيع الذي يقرأ الأحداث بفهم، ولا المراسل الذي يستبق الحدث ويقدم لك تحليلا صائبا ينطوي على توقعات تبشر بشئ وقد تنذر بشيء آخر، وحتى لو تواجد هذا المراسل أو المذيع الموهوب فالأرجح أن تحليلاته وتنبؤاته لن تجد طريقها لا إلى الأسماع ولا إلى صفحة الشاشات.


    هنا يحكي المؤلف عن تجربة عمله مراسلا لأكبر شبكة أميركية متلفزة من مكتبها في باريس، كان جاره في السكن شابا متفتحا من إيران اسمه (صادق قطب زاده) وكان الشاب ينتمي إلى عناصر المعارضة الإيرانية المنشقة على حكم الشاه في طهران، ومن خلال الحوار المتواصل اقتنع المراسل التليفزيوني أن شاه إيران يواجه متاعب وأن عرشه في خطر وأن شرطته السرية أصبحت مصدر رعب للمواطنين.


    وكان أن سافر المراسل إلى طهران واستطاع أن يوثق رؤاه وتوقعاته، ولكن محطته رفضت أن تذيع هذا كله ولم يصغ إليه أحد، وجاءت أحداث الثورة الإيرانية كأنها إنفجار مفاجئ، والسبب أن رؤساء الميديا في نيويورك وواشنطون كانوا أسرى للرؤية الجماعية التي استنامت إلى حكاية استقرار نظام الشاه في طهران ولم يكن أي منهم على استعداد لتصديق مراسل مقيم في باريس كان له مصادره وسافر إلى إيران وحاول أن يبدع وأن يحقق وأن يوثق.


    وأن يمحص وأن يحذر وينذر، ولكن صوته ضاع صارخا في برية الذين كانوا راضين عما هم فيه، ولم يكونوا على استعداد لسماع جديد يعكر الصفو أو يتعارض مع ما وقر مستقرا في الأذهان لكن القضايا الإعلامية لها وجه آخر يمكن وصفه بأنه ثقافة الغَزْل والنسج الإعلامي.


    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    كتاب- تدهور صناعة الأخبار -

    [align=center]
    الميديا الأميركية تستخدم التضليل الإعلامي لخدمة الرؤساء والإطاحة بهم [/align]


    الحلقة الرابعة


    يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى خطر كبير يترصد وسائل الإعلام والرسالة الإعلامية التي تقدمها يتمثل في التحريف والتلاعب بالأخبار لخدمة مصالح خاصة لهذا الطرف أو ذاك، بحيث تلجأ إلى تجميل بعض الإجراءات الحكومية التي تسيء إلى الجماهير العريضة من المواطنين.

    هذا على الصعيد الداخلي، أما على المستوى الدولي، فإن وسائل الإعلام الأميركية تعمد إلى تزيين السياسات الخارجية للبيت الأبيض فتقوم بتسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية. وقد ظهر هذا جلياً في حرب العراق، حيث تستخدم الميديا تعبير التدخل الإنساني بدلاً من العدوان والغزو في تطبيق لما يسمى بالفبركة الصحافية والتلاعب والتضليل الإعلامي.

    الفصل الرابع من هذا الكتاب يتناول أخطر عملية تتعرض لها حاليا الرسالة الإعلامية، سواء في أميركا أو في غيرها: إنها عملية لفلفة الرسالة وإعادة غزلها ونسجها، وهي تتوسل في هذا بآليات وأساليب من إعادة الفك والتركيب، والتلاعب بدلالات الألفاظ، وهي أقرب إلى عملية غسيل أو تبييض الأموال التي تتناول أموالا غير مشروعة، ومن خلال آليات الغسيل تعيد طرحها في السوق فإذا هي مشروعة وجائزة ولا غبار عليها من قريب أو بعيد.

    لهذا كله اصطنع الإعلام الأميركي تعبيرا بات معروفا ومتداولا تعرفه اللغة الانجليزية ـ الأميركية بأنه «سِبِن» ومعناها في الأصل اللغوي يصدق على الفعل «يغزل» ولكن معجم المترادفات الكبير ( من تصنيف ج روديل في 1361 صفحة) يورد لنا 4 أغراض لاستخدام كلمة «سبن». وتسعة هذه الأبواب الرئيسية الأربعة 80 استخداما للكلمة منها الاستخدام الحرفي بمعنى تحريك المغازل دائريا. ولكن يهمنا الاستخدام المجازي بمعنى الاصطناع، الفبركة، الاختلاق، الانحراف بالمعاني عن دلالاتها، الخ.

    فبركة إعلامية

    راجت كل هذه العمليات من «الفبركة» الصحافية والتلاعب والتضليل الإعلامي وخاصة على صعيد الإعلام الرئاسي في الولايات المتحدة مع سنوات الربع الأخير من القرن العشرين، واتسع مداها لدرجة أن صدرت دراسات وكتب يحمل بعضها عنوان «دكاترة السِبِن» بمعنى الاختصاصيين في لعبة التضليل الإعلامي. واشتهر بالذات في عهد الرئيس كلينتون تعبير ذاع صيته من خلال أعمال سينمائية هو: «اجعل الكلب يهز ذيله»:

    والمعنى بشكل عام ينصرف إلى أن تكون الصورة الملتقطة للمسؤول الكبير ومعاونيه باعثة على الرضا والسعادة وراحة المواطنين، بحيث يظهر فيها «كلب فخامته» المدلل الذي يذاع اسمه في الميديا ، ويسبق رئيس الدولة وهو يصعد على سلالم طائرة السلاح الجوي رقم (1)، ولكن، لا تكتمل الصورة إلا إذا شاهد الناس كلب الرئيس وهو يهز ذيله علامة على الغبطة والراحة والشبع والسعادة التي لابد وأن تنتقل بالإشعاع ـ أو فلنقل بهذا الخداع ـ إلى نفوس عامة المشاهدين.

    الحق على اليونان

    ويخيل إلينا أن استخدام مصطلحات المغازل ليس بالمستجد على الثقافة أو الإعلام المعاصر، فربما يعود إلى أيام ميثولوجيا اليونان والرومان الأقدمين، ها نحن نقرأ في ملحمة الأوديسة الشهيرة حكاية بطلها «أوديسيوس» العائد إلى بيته بعد انتهاء حرب طروادة. طالت رحلة العودة وربما تاه البطل وسط البراري والبحور.

    ومازالت زوجته الوفية الجميلة «بنيلوبي» تنتظر عودته مظفراً من ميدان القتال. انقضت سنوات على هذا الانتظار وتوافدت على بيتها وفود الخطّاب يطلبون زواجها فما كان منها إلا أن لجأت إلى مغزلها المنزلي كي تعطي الانطباع بأنها مشغولة بما تنسجه.

    وأنها سوف تحسم أمر الخاطبين فور أن تنتهي من غزل الخيوط، وكلما نسجت شيئاً بالنهار، عمدت إلى فكه ونقض خيوطه بالليل فإذا بها تبدأ من جديد في عملية خداع نسائية وحتى لا تثير غضب طالبي الود المنتظرين من ناحية وحتى تطيل الأمل في عودة الزوج الغائب من ناحية أخرى.

    ربما لهذا لم يكتف مؤلف كتابنا بالإشارة إلى ظاهرة هذا التلاعب ـ التضليل الإعلامي التي ألمّت بمنظومات الميديا في الولايات المتحدة ومن الطبيعي أن تنتقل عدواها إلى سائر منظومات العالم.

    إن المؤلف يعمد إلى استخدام مصطلح له دلالته التي لا تخفى هو: ثقافة التضليل (أو الخداع) الإعلامي بمعنى أن لها جذوراً وأصولاً بل تبلورت من أجلها أعراف وقواعد وتخصصات وتقاليد.

    تأمل مثلا تعبير «النيران الصديقة». إنها نيران بالطبع، وقد راح ضحيتها جنود وضباط، لكن كلمتي صديقة وصديق تخففان المسألة ولو من حيث جْرس الحروف وإيقاع الكلمات. رغم أن النيران الصديقة أفدح وأشد جسامة لأنها تعني خيبة إدارة واضطراب العمليات الحربية حيث لم يعد العسكريون يميزون بين العدو والصديق.

    خذ مثلاً آخر يجسده حشد القوات الأميركية المسلحة والاستعداد لغزو أراضي دولة أخرى، هنا لا مجال للحديث عن العدوان ولا الاجتياح بل الشعار المؤرخ هو: التدخل، الإنساني.!وخذ مثلاً آخر من بلادنا العربية السعيدة: بعض حكوماتها يقرر رفع الأسعار بما يعنيه ذلك من معاناة الفقراء وعامة المواطنين لكن لعبة غسيل المفاهيم الإعلامية (سبن) لا تلبث تعيد إنتاج القرار فإذا به «تحريك» الأسعار.

    أما استعفاء الدولة من مسؤولياتها المقررة إزاء حماية المستضعفين في مجتمعها وهي مسؤولية تتحملها الدول والنظم والحكومات بموجب الدساتير النافذة في أقاليمها، هذا التنصل من مسؤولية الدولة وتحويل هذه المسؤولية بأكملها إلى دوائر المصالح الخاصة والقطاع الخاص ـ فهو بدوره يخضع لعملية «سبن» التي تتحرك في دوراتها مغازل التعتيم وتروس التزويق، فإذا بالعملية تحمل معنى محبباً وهو «تحرير التجارة أو تحرير الاقتصاد».

    وفي ضوء كل ما سبق يقول المؤلف باختصار شديد ومؤلم أيضاً: فجأة، أصبحنا نعيش في زمن بدا فيه من المستحيل علينا أن نعرف الوقائع الحقيقية بشأن الأحداث المحورية والحيوية التي تدور عليها حياتنا ومجتمعاتنا، وكلما زادت أهمية الأحداث (أو القرارات) يزيد مقدار التعتيم عليها أو التلاعب بمفرداتها.

    ومن هنا لا تزال تتطاير من حولنا أسئلة حيرى واستفسارات معلقة بغير جواب، وهي أسئلة من قبيل: لماذا شنّ الرئيس بوش حرب العراق؟ من المسؤول حقيقة وتحديداً عما جرى في سجن أبو غريب؟ أين الوثائق والمستندات الخاصة بخدمة بوش ـ الشاب في صفوف الحرس الوطني الداخلي بدلاً أو تهرباً من الخدمة الإلزامية في حرب فيتنام؟

    وإذا عجزنا في الداخل عن الوصول إلى عمق وجوهر قضايانا، فكيف لنا أن نفهم جوهر قضايا الخارج.

    الحقيقة أولاً

    ولست أتحدث ـ ينبه المؤلف ـ عن رأينا في الحقائق، ولا تصوراتنا أو تفسيراتنا للوقائع، أنا أتكلم عن الحقائق والوقائع بحد ذاتها، هي الأوْلى بالطرح وبشكل أمين وموضوعي يحترم عقلية الناس، وبعدها تأتي الآراء، التفسيرات، التصورات أو حتى التكييفات أو إصدار الأحكام.

    في هذا السياق علينا كقارئين لمحتوى هذا الكتاب أن نطرح من جانبنا سؤالاً بديهياً هو: إذن من المسؤول؟ المؤلف يجيب قائلاً (ص81 وما بعدها): هم أهل السياسة بطبيعة الحال.

    ولكن المسؤولية في تناول الحقائق وطرحها وتصويرها لابد وأن تقع على أهل الميديا الإعلامية في الأساس، إن أولويات عمل هذه الميديا هي فك الطلاسم، وشرح الغوامض وعرض الحقائق وليس هو العكس بزيادة التشفير، أو التجهيل بمعنى زيادة تشابك خيوط المغازل إنها مسؤولية فرز الحق عن الباطل وغربلة الوقائع من أجل الوقوف على جوهر ما حدث ولصالح وعي الجمهور.

    ومرة أخرى يلجأ المؤلف إلى طرح نماذج تدلل على ما يذهب إليه، وهي نماذج تجسد في رأيه نوعاً من التآمر بمعنى التواطؤ بين السياسة ـ الحكم وبين الميديا ـ الإعلام، وفي هذا الصدد يستعيد المؤلف شعار «أنجزنا المهمة» الذي ارتفع فوق رأس السيد بوش في زيارة له لقوات التحالف في العراق.

    ويومها هللت السياسة وهللت الميديا لهذا «الإنجاز» الذي أثبتت كل الوقائع اللاحقة أنه لم يكن صحيحاً لا من قريب ولا من بعيد. نفس التهليل أحبط به رئيس وزراء عراقي أكد أمام الكونغرس الأميركي يوم 24/9/2004 أننا نجحنا في «العراق» بينما كان لدى السياسة والميديا أيضاً تأكيد مراسلي الفاينانشيال تايمز البريطانية ـ بناء على مستندات حصلا عليها ـ بأن الجماعة عاجزون حتى عن حماية مرافق الحكومة العراقية والقوات الأميركية داخل المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد نفسها.

    سؤال عن الأسباب

    ما سبب هذا التواطؤ؟. مازلنا نسأل المؤلف ـ الذي يجيب قائلاً: السبب عندي هو الساسة في أميركا الذين يتصورون أن الجمهور الأميركي ساذج وبسيط وعاجز عن التعامل مع الحقائق الصعبة والوقائع البالغة التعقيد، في نفس المعسكر المتواطئ تقف أيضاً الميديا الإخبارية السياسية في أميركا، ولاسيما التلفزيون.

    لقد هللت الميديا لمبررات الحرب المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في العراق ورددت هذه الشعارات التي لم يعد لها أي مصداقية لا من حقائق الماضي ولا من واقع الأحوال، لكنها في الوقت نفسه لم تقم كما ينبغي بواجبها المهني ـ الاحترافي ولا الأدبي ـ الأخلاقي كي تسلط الأضواء الواجبة على دعوات وجهود وبحوث ودراسات عمدت إلى تفنيد كل أطروحات الساسة بل إلى تكذيب دعاواهم في هذا الخصوص ـ ومن ذلك ما صدر من كتابات بعنوان: أسلحة الخداع الشامل.

    ولأن معسكر الميديا في أميركا أصيب بمرض الانحياز الأعمى إلى فصيل المحافظين الجدد المتحكمين حالياً في إداراتها فقد زادت ثقافة التضليل الإعلامي بصدور كتابات تتصدى للدفاع عن هذا التضليل وتتهم محاولات كشف أكاذيب الإدارة بأنها مؤامرات من جانب الميديا الليبرالية كما يسمونها.

    ومن أمثلة هذه النيران الفكرية الصديقة كتاب صادر بعنوان «أسلحة التشويه الشامل». ويأتي صدور مثل هذه الكتابات دليلاً على مدى تغلغل حرفة الفبركة والتعتيم ولدرجة أن أصبح الجمهور الأميركي يعتقد ـ كما يوضح المؤلف- أن الإعلام قد خضع تماماً للمآرب السياسية وللأهواء الحزبية.

    والغريب أن الأمر لم يكن كذلك قبل 30 عاماً فقط في أميركا. ففي أوائل سبعينات القرن الماضي كانت الصحافة تتمتع بمكانة رفيعة يحترمها الجمهور ويحسب لها السياسيون ألف حساب، وبلغ من أهمية هذه لمكانة أن كان لجريدة مثل «الواشنطن بوست» اليد الطولى وقتها في السقوط الشنيع، أو بالأدق الإسقاط المدوي لواحد من أهم رؤساء أميركا وأشدهم حنكة في مضمار السياسة الدولية وهو ريتشارد نيكسون.

    فرغم إنجازات نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر في إعادة دور وهيمنة أميركا إلى الشرق الأوسط من خلال مصر السادات، وأيضاً في توجيه آخر الضربات الموجعة للخصم السوفييتي في الحرب الباردة.

    وفي اختراق سور الصين العظيم باستهلال العلاقات الطبيعية بين واشنطن وبكين وبإنهاء نزيف الدم الأميركي في حرب فيتنام ـ رغم هذا كله فقد أدت تحقيقات اثنين من شباب محرري الواشنطن بوست في تحويل ووتر غيت من حادثة سرقة عادية إلى فضيحة سياسية أدت تداعياتها إلى استقالة ومن ثم سقوط الرئيس ريتشارد نيكسون ومعاونيه ونظامه.

    ريغان ينافس الإعلام

    تمتعت الميديا ـ الجرائد بالذات ـ بنفس النفوذ الخطير في ولاية الرئيس الأسبق كارتر ولدرجة حالت دون التجديد لولايته الثانية، وكان ذلك لصالح المنافس الجمهوري رونالد ريغان الذي أصيبت مؤسسة الصحافة ـ الإعلام في حقبته الطويلة بأكثر من ضربة موجعة. لماذا؟

    يجيب المؤلف على هذا السؤال قائلاً:

    أولاً: كان ريغان (الممثل السينمائي سابقاً) موهوباً بقدرة التواصل مع جموع الناس، وقد تجاوزت قدراته ميديا الإعلام ذاتها، ولكن الأخطر أنه كان لا يفتأ يهاجم الصحافة وهو أول من أضفى طابعاً مؤسسياً بمعنى الطابع الرسمي والمنتظم على ازدراء الصحافة والاستهانة بالصحافيين، حيث كان ينتقي الإعلاميين المسبّحين بحمده ويدعوهم إلى البيت الأبيض.

    فيما يتجاهل تماماً دعوة أي من منتقديه مهما كان قدرهم ومكانتهم في دنيا الصحافة والإعلام. ولما كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى حريصة بحكم المهنة والمنافسة الإعلانية على الفوز برضا الرئاسة وأخبارها، فإنها لم تجد بّداً من مسايرة الرئيس والقبول بهذا الوضع الذي لم يكن موضوعياً ولا منصفاً بل كان انتقائياً وتمييزياً وشديد التحيز.

    هنالك ساد أسلوب الإعلامية الشهيرة بربارا وولترز (أول من تقاضى مليون دولار في تاريخ الإعلام في العالم وكان ذلك عام 1976)، ويقضي أسلوبها بأن تجلس إلى هذا السياسي أو ذاك وتستغرق المقابلة المتلفزة بأسئلة شخصية محرجة وخصوصية وحميمية قد يقترب بها السياسي من المذيعة والمشاهدين ولكنها قد لا تشفي غليلاً في السياسة وقد لا تجيب على أهم الأسئلة القومية التي تتعلق بمقاليد المستقبل وهواجس المصير.

    وفي عبارات موجزة يصف مؤلفنا هذا الأسلوب قائلاً:مثل هذه الأحاديث والمقابلات التلفزيونية حولت الحوار السياسي الجاد إلى مجرد «برنامج ثرثرة» وكانت إيذاناً بانتصار عروض وبرامج وقيم الثرثرة على القيم الجادة في مجال السياسة والأخبار والمعلومات. وزاد الأمر خطورة وتفاقماً عندما عمد أصحاب هذه البرامج من مشاهير المذيعين إلى تحويل ضيوفهم من أهل السياسة ورجال الأعمال والاقتصاد إلى سوبر نجوم، أيقونات يتحول بها كل منهم إلى مكانة معبود الجماهير.

    أما الإعلاميون الجادون فلم يجدوا مناصاً ـ للأسف ـ من الانصياع لهذه التطورات، وكأنهم أطلقوا النار على كعوبهم كما يقول المثل الأميركي، واستسلموا أمام شعبية رئيس مثل ريغان وكانت النتيجة تدهور حرفة الصحافة السياسية والإعلام الخبري ومازال أهل المهنة المحترمون الجادون يدفعون الثمن فادحاً حتى الآن.

    مع هذا كله، فإن المؤلف يرى أن الجمهور ليس ساذجاً إلى حد البلاهة، ولكن الناس ـ ربما بحكم مرارات الخبرة التي عاشوها ـ لديهم قدر معقول من الوعي بما يتيح لهم قدراً من التميز ومن استكشاف كمية السم المضلل وسط الدسم الإعلامي المتدفق ليل نهار.

    لقد ظلت الميديا المعادية للرئيس كلينتون تصب كثيراً من مواد الدعاية التي قصدت إلى التشهير برئيس الجمهورية خلال ملابسات فضيحة مونيكا لوينسكي الشهيرة وتطالب كما هو معروف بمحاكمة الرئيس والتنكيل بسمعته ومصداقيته، الخ.

    والغريب أن استطلاعات الرأي العام وقتها أفادت بأن أغلبية في الشعب الأميركي لم تكن تثق في الرئيس من الناحية الشخصية، ولكنها كانت تعبر عن تأييد واسع له بوصفه رئيساً للدولة وزعيماً في الحزب الديمقراطي وشخصية قيادية لها جاذبية خاصة وإنساناً مثقفاً وفاهماً لما يدور في الداخل والخارج.

    تكثيف التحيز


    وكان السبب في هذا كله أن الجمهور استطاع أن يقرأ بعناية مفردات التضليل (سبن) من الطرف الآخر، وهو طرف الحزب الجمهوري المعارض وخاصة أعضاء مجلس الشيوخ الذين نصبوا محاكمة الرئيس (وأهمهم النائب الجمهوري هايد ولم تكن سمعته فوق الشبهات) دع عنك المحقق الخاص كينيث ستار الذي تأكد أنه كان المستشار القانوني لكبرى شركات التبغ والسجائر في أميركا والتي تعتبر الرئيس كلينتون من ألدّ خصومها بسبب حملته الشهيرة ضد التدخين والمدخنين.

    من جانب آخر يعزو المؤلف هذا الإمعان في التلاعب بمضمون الرسالة الإعلامية، وما ينطوي عليه هذا التلاعب من عمليات الفبركة والتشويه وطمس حقائق لحساب طرح وإبراز أنصاف وأرباع حقائق أخرى ـ يعزو هذا كله إلى أن الرئيس بوش شخصياً لا يثق في الصحافة ولا في الصحافيين (ص107).

    ولهذا فالسيد بوش يتحاشى قدر الإمكان عقد مؤتمرات «الصولو» الصحافية بمعنى تلك التي ينفرد فيها أهل الميديا بفخامة الرئيس على مدى ساعة أو أكثر كي يجيب على ما يتراءى لهم من تساؤلات. وقد بلغ أمر هذه الثقة المفقودة على مستوى الإدارة الأميركية الحد الذي جعل السيد «ديك تشيني» نائب الرئيس يرفض دعوة أي من محرري جريدة نيويورك تايمز إلى مرافقته في أي رحلة يقوم بها على الطائرة الرسمية الخاصة.

    والمشكلة في هذا كله أن أميركا، وقد أصبحت هي القلب الأهم في عالم اليوم، تقوم بتصدير مشاكلها عبر الحدود وتمارس تأثيراتها بالنموذج والمحاكاة والإشعاع، دع عنك القسر أو الضغط أو الهيمنة على أمم شتى وعلى دول مختلفة وشعوب. من هنا يعمد مؤلف الكتاب إلى توسيع الإطار المعرفي والبحثي الذي يطل منه على
    الصورة، ويطرح في بداية فصل جديد سؤالاً يقول: كيف يرى العالم أجزاء هذه الصورة؟


    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    [align=center]عنجهية القوة تهدد الولايات المتحدة بمواجهة مصير الإمبراطورية الرومانية [/align]


    الحلقة الخامسة


    يحاول المؤلف في هذه الحلقة من عرض الكتاب أن يلقي نظرة على واقع الإعلام في دول أخرى غير الولايات المتحدة في محاولة لاستقراء عناصر التقارب في التعاطي مع وسائل الإعلام من الناحية الرسمية الحكومية وتعاطيها هي مع الجماهير من القراء والمستمعين والمشاهدين على الرغم من اختلاف الأنظمة السياسية، حيث يرى أن استخدام أساليب الخداع وتزييف الحقائق تجده في مختلف دول العالم شرقاً وغرباً.


    ويعتبر الكاتب أن انتهاج سياسة التعتيم والتضليل بات يهدد بتحويل الأنظمة الديمقراطية إلى نظم أقرب إلى الشمولية والاستبداد، ولكنه يؤكد على أن ذلك لا يمكن أن يستمر على هذا النحو لأن المواطن يستطيع الآن أن يستقي المعلومة الإخبارية من مصادر مختلفة في ظل انتشار القنوات الفضائية والانترنت.


    في عام 1932 أصدر الأديب الانجليزي الدوس هكسلي رواية «عالم جديد شجاع». وفي عام 1949 أصدر أديب انجليزي آخر هو ور اورويل روايته الشهيرة بعنوان «1984».


    وفي الروايتين يندد الكاتبان بمنظومات الإعلام والمعلومات والثقافة في الحكومات الديكتاتورية والنظم الشمولية، لدرجة أن أصبحت مفردات الروايتين وعباراتهما والمشاهد المصورة في سطورهما أقرب إلى المراجع التي يحيل إليها باحثو الاتصال الجماهيري عندما يتصّدون لقضايا من قبيل الخداع أو التضليل أو التعتيم أو التشويه الإعلامي.


    في الفصل الخامس من الكتاب يحاول المؤلف أن يلقي نظرة بانورامية على أقطار أخرى في العالم بخلاف أميركا كي يطلعنا على هذه الأساليب الخداعة من تزييف الحقيقة أو التلاعب بمفرداتها. ومن الأمثلة التي يسوقها (ص109) ما حدث في الاتحاد السو؟ييتي عام 1977، كان ذلك في أكتوبر من العام المذكور.


    وشهد الميدان الأحمر كعادته العرض العسكري السنوي الذي كان الكرملين يبعث من خلاله برسالته إلى شعبه والعالم ومفادها أن روسيا الشيوعية مازالت تتمتع بالمنعة وقوة الجبروت، الخ وطبعا لم يكن هذا صحيحا على نحو ما أكدته الأحداث بعد عقد أو يزيد قليلا من السنوات. المهم أن ظلت الدبابات السو؟ييتية تهدر في الميدان الفسيح ومعها القوات الروسية مدججة بأسلحتها.


    بعد ساعات العرض العسكري الطوال بدأت احتفالات الألعاب النارية التي كان «مفروضا» أن تتألق وسطها نجوم العلم السو؟ييتي اللامعة في سماوات موسكو، نقول إن كان ذلك «مفروضا» لأن الذي حدث هو سحابات متكاثفة من الغيوم التي أصابت طقس ذلك المساء فلم تلمع نجوم ولا تألقت أقواس الانتصار.


    بيد أن المشاهدين الطيبين في كل أنحاء المنظومة الشيوعية ـ السو؟ييتية شاهدوا هذه النجوم وعاينوا تألقها ولمعانها على شاشات التليفزيون ولم يكن هذا كله حقيقيا ولا صحيحا، بل عمد المخرجون السو؟


    يت إلى إضافة النجوم واللمعان والتألق من أشرطة خاصة دمجوها مع النشرة الإخبارية داخل استوديوهات التصوير والمونتاج. ويومها قال المحللون الإعلاميون المحيطون بالبواطن: إن الواقع الذي عرضوه للمشاهدين لم يكن هو الواقع الذي حدث، بل كان الواقع المفروض أن يحدث.


    وبكلمات غير دبلوماسية، لم يكن الذي عرضوه سوى واقع زائف، مصطنع، وبمعنى أنه لم يكن واقعا على الإطلاق.


    تلبيس إبليس


    واحد من هؤلاء المحللين اسمه غاريك أتلي، وهو مراسل أميركي كان يتابع ميدانيا وقائع العرض الروسي وملابساته، علق وقتها على ذلك قائلا: إن هذا النوع من التضليل لن يقيض له أن يستمر في عالم المعلومات والفضائيات الجديد.


    لكن مؤلف كتابنا يكاد يتهم هذا التعليق بالسذاجة أو الإفراط في التفاؤل. صحيح أن العالم، عبر السنوات الفاصلة بين عام 1977 والآن (نحو 30 سنة) دخل عصر الاتصالات بالأقمار الاصطناعية والألياف الضوئية والقنوات الفضائية واتصالات الحواسيب عبر الشبكات الالكترونية، وما إليها.


    لكن ظل العالم الجديد يعاني ـ كما رأينا مع المؤلف عبر مسيرتنا مع كتابه ـ يعاني من ثقافة التضليل والتغرير الإعلامي، فهو عالم جديد، شجاع، بالمعنى السلبي الذي ذهب إليه الروائي الانجليزي «الدوس هكسلي»، أو المعنى الأكثر مرارة الذي صوره زميله الروائي «ور اورويل» في إطار أقرب إلى الكابوس الذي يشوه الحقيقة ويزيف الواقع ويقلب مفاهيم اللغة رأسا على عقب في رواية (1984).


    وبالمناسبة فإن ثقافتنا العربية الإسلامية تحذر من خلط الواقع بالزيف والتباس الحقيقة بالباطل، وترفض ثقافتنا الأمور المشتبهات بين الحلال البين والحرام البيّن، بل إن هذا الالتباس بين الجانبين يضعه فقهاء ثقافتنا في بلاغة مشهودة بأنه «تلبيس إبليس».


    وليس لأحد أن يستهين بمغبة وعواقب هذا التغرير أو الخداع الإعلامي (هذا الغْزل والنسج الذي يجمع بين تزييف الحقيقة والتعتيم على الواقع وبين تزويق الأحداث وتزييف الأخطاء). إن محصلة هذا كله تتمثل في رأي المؤلف (ص110 وما بعدها في أخطار شتى منها:


    * إحاطة جماهير المواطنين بطوفان من أنصاف الحقيقة التي قد تنحدر إلى درك الأكاذيب.


    * طعن الديمقراطية في مقتل حيث إن المعرفة حق ديمقراطي أصيل واستنارة المواطن بمعنى درايته موضوعيا بما يحدث هي الأمر الكفيل بترشيد قراراته عندما يقف أمام صندوق الاقتراع من أجل اختيار مندوبيه وممثليه سواء على المستوى المحلي أو على الصعيد القومي بأكمله.


    الخطر على الديمقراطية


    من هنا فالأمر يهدد بتحويل الدول أو النظم العريقة في الديمقراطية إلى نظم أقرب إلى الشمولية والاستبداد. بل والأدهى من ذلك أن النظام الشمولي ـ المركزية الديمقراطية مثلا كما كان الأمر عند السو؟


    ييت، أو نظام الحزب الحاكم الوحيد كما هو الأمر في الصين ـ هذه النظم تعلن عن نفسها صراحة تحت تلك الشعارات السابقة وتحاول جاهدة أن تدافع عن طروحاتها، لكن الخطر الأفدح يكمن في أن يرفع نظام ما لافتة الديمقراطية وحق المعرفة للمواطنين وحرية تدفق وتداول المعلومات في المجتمع.


    في حين أن واقع الحال يقول بغير ذلك. فما بالك في زمن لم يعد يجدي فيه إخفاء الحقيقة أو التمويه على الملايين لوقت طويل، زمان سادت فيه المقولة المتواترة: انك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت لكن في زمن الانترنت والسواتل الكوكبية لابد من تعديل القاعدة إلى حيث تقول:

    إنك لا تستطيع خداع كل الناس ولو لنصف ساعة، لست وحدك في أجواز الفضاء، فهناك غيرك ممن يذيعون وينشرون ويكشفون. قد تختلف نوازعهم وقد لا تكون كل دوافعهم عظيمة أو نبيلة، ولكنهم كفيلون بكشف المستور وهي قاعدة تكون لك يوما وغدا يمكن أن تكون عليك.


    يقول مؤلف الكتاب: جماهير الأميركيين تشاهد نشراتها الإخبارية وبرامجها السياسية الأميركية فلا تكاد ترى المناظر البشعة التي تسجل مصرع الأبرياء وجثث الأطفال ودمار الجسور والمرافق ولكنها تشاهد هذا كله في فضائيات أجنبية عربية وغير عربية. ومهما يكن من أمر فإن هذه الفضائيات الأجنبية لا تستطيع أن تخترع هذا كله ولا تعرضه من عندها. وأفضل مثل على ذلك العراق.


    ويضيف المؤلف: كل الأطفال المصابين، كل الأمهات اللائي لاقين حتفهن في مصادفات فادحة. كل المشردين كل الذين يعانون البطالة، المستشفيات التي ينقصها كل شيء، المياه غير الصالحة لاستخدام البشر، الغضب المستعر في نفوس الذين استبد بهم طائف اليأس وقد حُصروا ضمن أقواس النيران. لم نعد نشاهد كثيرا من هذا الواقع الحاصل على شاشات التلفزة في أميركا، لكن كل الناس يشاهدونه في كل أنحاء المعمورة.


    والحقيقة ـ يضيف المؤلف ـ أننا أصبحنا نقاوم بعض جوانب هذه الحقيقة شأن أي دولة شمولية مستبدة، بعد أن ظللنا نعتز لوقت طويل بما كنا نكفله من حرية تدفق المعلومات. صحيح أننا نشاهد العربات الهمفي الرمادية المحروقة، وقد نشاهد لقطات تصور حطاما أو ركاما ما هنا أو هناك، لكن لا نرى بعد ذلك شيئا مشهودا، اللهم إلا خلال عاصفة أبو غريب، وحتى تلك العاصفة هبت ثم توارت أعاصيرها بعد ذلك.


    صحيح أن هناك من تبارى بعدم عرض كل المشاهد الفظيعة والبشاعات التي تحدث ومن باب الرفق بمشاعر الجمهور ليس إلا(!) وصحيح أن هناك من ينادي بضرورة موافاة الجمهور بحصائل من الأخبار الطيبة أو الوقائع الايجابية لزوم رفع المعنويات وإذكاء الهمم،(!) لكن ها هي النيويورك تايمز تتساءل في استنكار:


    أي أخبار طيبة أو إيجابية ننقلها إلى الناس بينما ارتفعت معدلات القتل في بغداد عشرين ضعفا أو أكثر منذ دخلنا أرض تلك المدينة ولدرجة أن أصبح يتعذر علينا نحن الأميركيين السير في شوارعها؟


    طلاء مدرسة


    صحيح أن هنالك دوائر حاكمة ومتحكمة شتى في السلك العسكري والمدني بالعراق أصرت على أن الموضوعية الإعلامية تقتضي تصوير الجانبين الإيجابي والسلبي، لكنها كانت موضوعية متحاملة أو متهافتة، غير موضوعية.


    ومرة أخرى يحيل المؤلف إلى ما كتبته صحيفة بوسطن غلوب الأميركية في معرض التعليق فقالت: الكتابة عن إعادة طلاء مدرسة عراقية بينما تنفجر في جوارها 3 سيارات ملغومة وتودي بحياة العشرات من الناس، هذا النوع من الكتابة يدخل في باب الصحافة غير المسؤولة.


    في غمار هذا التردي في معايير الحكم على مستوى ونوعية الأخبار والمواد السياسية، يحاول المؤلف أن يتجنب آفة الإحباط مؤكدا أن الصحافة أو الآلة ـ المنظومة الإعلامية في بداياتها لم تكن أحسن حالا في الوقت الراهن. وفي لمحة تاريخية يذكرنا الكتاب ببدايات الصحافة في حين كان أهل المهنة لا يستخدمون سوى الملزمة أو الكراسة الصغيرة الأقرب إلى المنشور المطبوع. كان ذلك مع القرن السابع عشر، وكانت الحرفة تعاني أيضا من مزيج سلبي مرير يجمع بين الخلط والخرافة.


    في زمان الكراسات، المنشورات، الملازم القديمة لم يكن حال الصحافة أحسن ولا كانت ضوابطها أدق ولا أفضل، كانت مثل كل سائر المهن التي جادت بها قرائح العصور الحديثة، فيها بدائية وغلظة وتجاوزات ومحاولات للشتم والتشهير وربما للاستغلال والابتزاز. تأمل ما كان يفعله الكاتب الروائي الانجليزي الشهير دانييل دي؟


    و مؤلف رواية «روبنسون كروزو» (1660 ـ 1731) الذي تقول سيرة حياته إنه كان يكتب مقالا في الصباح في جريدة كذا، ثم يكتب مقالا آخر في المساء يهاجم فيه مقاله الأول ويندد فيه بأفكار ذلك الكاتب «الصباحي» المضطرب المنحرف المأفون، وطبعا كان ديفو يقبض من الطرفين؟!


    في القرن العشرين، كانت صحافة الثلاثينات في أميركا تنشر كل ما يريد نشره ملك الجرائد في تلك الفترة وهو المليونير الأميركي ويليام راندولف هيرست (1863 ـ 1951).


    وطبعا كان للسيد هيرست أعداء وخصوم ومنافسون في المهنة وفي الأهواء وفي الحياة الشخصية على السواء، وهاهو مؤلفنا يقول في معرض التعليق: إن مفهوم «الموضوعية» أو الأخبار والمعلومات غير المتحيزة لم يأت فجأة وبدون سابق تمهيد.


    لقد اقتضى الأمر عشرات العقود من السنين لكي ينشأ هذا المفهوم وينضج ويتطور، ورغم أننا نسلّم اليوم بأهمية موضوعية أو حيادية الخبر الصحافي أو المعلومة السياسية، إلا أن هذا الأمر لم يكد يعرفه عالم الصحافة إلا بعد الحرب العالمية الثانية: كيف كانت البداية إذن، وأين كانت جذور وأصول مبدأ الموضوعية الصحافية؟


    يجيب كتابنا (ص132): ربما نشأ هذا المعيار مع التطور المهني الذي اكتسبته صحيفة التايمز اللندنية العتيدة. وأتصور ـ يضيف المؤلف ـ أن هذا التطور نشأ بدوره في إطار الشعور بالمسؤولية فضلا عن إحساس بالنفوذ العميق في إطار تزايد مسؤوليات بريطانيا في القرن التاسع عشر إزاء عالمها ـ عالم الإمبراطورية، وهي مسؤوليات استمرت متواصلة حتى القرن العشرين. في تلك الحقبة، بدأ أهل الصحافة.


    ومنهم بالذات المسؤولون عن المواد الخبرية والمعلوماتية، يشعرون بواجبهم تجاه تزويد الجمهور بمواد أرقى مستوى وأعمق مضمونا، ثم تحولوا للنظر إلى هذه الجموع بوصفهم قارئين لا مجرد مستهلكين، والقارئ يشتري الصحيفة كي يفهم ويزداد وعيا، فيما قد يشتري المستهلك نفس الصحيفة من أجل التسلية أو التسرية وقضاء وقت الفراغ.


    رغم هذا التيار الإيجابي والموضوعي الجاد فقد أصيبت الصحافة البريطانية للأسف بنكسة نكصت بعدها على أعقابها، وتحمل النكسة الصحافية الوصف التالي: صحافة التابلويد واتجاه التابلويدزم هي صحافة الإثارة والثرثرة والفضائح والتلصص المريض على خصوصيات الناس، وهو ما أطلق عليه مصطلح آخر بات معروفا بين الناس وهو: الصحافة الصفراء.


    صحافة الفضائح


    ومثلما ارتبط اسم راندولف هيرست بصحافة مزاج صاحب رأس المال، ارتبط بصحافة الإثارة والفضائح التابلويد اسم رأسمالي آخر هو روبرت ميردوخ، الذي مازال اسمه يرتبط حتى الآن بأشد جرائد أميركا إثارة وابتعادا عن معايير العمق أو الموضوعية، وهي جريدة «نيويورك بوست»، ويضرب المؤلف مثلا على هذا التهافت المهني ـ من جانب جريدة النيويورك بوست قائلا:


    عندما ووجهت جريدة ميردوخ بصدور التقرير الحاسم في أكتوبر عام 2004 بشأن عدم اكتشاف أي أسلحة دمار شامل في العراق، إذا بها تتجنب أي حديث عن الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، لأنها لم تجد سبيلا إلى تحوير الأمر أو التلاعب بالحقائق أو الالتفاف من حولها. وإزاء الحقائق الدامغة التي تهاوت معها ذرائع غزو العراق، لم تجد نيويورك بوست أي وسيلة لممارسة لعبة التضليل إياها، لعبة «سبن» التي تعيد غزل الحقيقة ونسجها إلى حيث تخرج بها عن مضمونها .


    وبالتالي لم تجد امكانية لخدمة البيت الأبيض في هذا المجال. وبرغم أن أخبار التقرير الصادر كانت منشورة في كل جرائد أميركا وكانت عناوينه تحتل مانشيتات كبرى صحفها ـ إلا أنه لم يكن له وجود إطلاقا على أي من صفحات أو سطور نيويورك بوست ـ التابلويد التي تنتمي إلى ممتلكات امبراطورية السيد ميردوخ.


    والذي لم يقله المؤلف في هذا السياق بالذات هو أن أساليب ميردوخ هذا وصحافته لا تقتصر على حكاية الإثارة أو الفضائح أو التعتيم الذي رأيناه أو التضليل، إن لها وجها آخر مرادفا لكل هذه «العورات» الإعلامية:


    هذا الوجه اسمه التأييد والتهليل على طول الخط لحساب إسرائيل ولمؤازرة أي سلوك بربري يرتكبه الإرهابيون الصهاينة الحاكمون فيها والتبرير المغرض المستفز لكل ما يقترفونه من جرائم بحق العرب والإنسانية.


    وداعا للتابلويد


    من ناحية أخرى فالمؤلف يحاول من جانبه أن يكون موضوعيا حين يقول: هناك من يقول بأن ميردوخ وأمثاله لهم الحق في أي نهج يتبعون، ماداموا لا يجبرون الآخرين على اتباع ما ينهجون.


    لكن هذا الأمر ـ يضيف المؤلف ـ لم يعد مقبولا بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 حيث لم يعد مقبولا الاستمرار في هذا النهج الصحافي ـ الإعلامي، نهج التابلويدزم الذي ينطوي على مفردات سلبية شتى:


    * عزل الناس عما يجري والصمم إزاء الأخبار والمعلومات والأحداث الخارجية.


    * الانغماس غير الصحي في حمأة الجرعة المحلية وخصوصيات المشاهير بكل ما يرتبط بذلك من نتائج الجهل والتجهيل.



    ثم يواصل المؤلف حديثه في آخر سطور الفصل الخامس قائلا: في عالم ميردوخ النمطي كان بوسع أميركا أن تنظر إلى صورتها في المرآة ثم تكيل المديح لنفسها في الداخل وتهيل الشتائم على أمّ رأس القوالب النمطية المستقرة في ذهنها وتطالعها لهؤلاء البرابرة القابعين خارج الحدود!


    في نفس اللحظة فإن هؤلاء البرابرة، وهم خصوم أميركا والكارهون لها كانوا ولا يزالون يتحينون الفرص للنيل منها بوسائل المادة أو الفكر أو الاستراتيجيات تحفزهم على ذلك دوافع ومواقف شتى ومثل هذه الأوضاع كانت كفيلة بأن تعيد إلى الأذهان صورة تدهور ومن ثم تداعي الإمبراطورية الرومانية ومن هذه المشاهد التي سجلها المؤرخون ما يلي:


    * الخبز والسيرك لجماهير الغوغاء، بمعنى الأكل والتسلية، المواكب الفخمة بغير معنى ومسيرات الخيلاء الجوفاء التي كانوا ينظمونها لآخر أباطرة الرومان احتفالا بنصر موهوم أو إعلانا عن فتوحات لم يكن لها أصل ولا فصل في خارج الحدود. كل هذه السبل أودت بإمبراطورية الرومان إلى الانهيار.


    وأفضت بالعالم إلى ظلام القرون الوسطى، ومن هنا نحذر ـ والتحذير لا يزال لمؤلف الكتاب ـ إزاء استمرار هذه الأوضاع من خيلاء الوهم وغرور القوة (عنجهية القوة مصطلح معتمد في أدبيات السياسة الأميركية).


    ولو استمر هذا العمى الإرادي فهو كفيل بأن يحجب عن أميركا رؤية الحقيقة بما يفضي إلى اعتماد نهج التحيز والانسياق مع الأهواء ومن ثم تصدق علينا نبوءة الشاعر الانجليزي ماثيو أرنولد حين حذر من الانحدار إلى عالم تكتنفه الفوضى وتتقاتل فيه جيوش الجهل المغرورة تحت سواتر الظلام.


    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    [align=center]وسائل الإعلام تقف حائرة بين مشكلة التكاليف وتفاؤل التكنولوجيا [/align]

    الحلقة الأخيرة



    يتناول المؤلف في هذه الحلقة، وهي الأخيرة في عرضنا لهذا الكتاب،موضوع الوعي الجماهيري لما يحدث في العالم وأثره على ما يقدم له في وسائل الإعلام المختلفة،فالجمهور الأميركي يهتم بأخبار أوبرا وينفري وغيرها من المشاهير أكثر من اهتمامه بالأخبار السياسية والاقتصادية الجادة.


    ولكن هذا الأمر لا يعفي وسائل الإعلام من مسؤولياتها، حيث أنها تتعمد التركيز على أخبار المشاهير الخفيفة وذات الطابع الفضائحي من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، كما أنها قد تكون منحازة إلى هذا الطرف أو ذاك اعتمادا على مصادر التمويل، فمن يملك المال يملك السيطرة. ولذا نجد المؤلف يذهب إلى القول إن الاستقلالية المادية تفسح الطريق أمام انتهاج الموضوعية في وسائل الإعلام. ماذا جرى للصحافة وللصحافيين؟ المقصود بالصحافة هنا هو السباق الأوسع والمجال الأعرض، ذلك المستخدم في الغرب بالذات، الصحافة عندنا مازالت تعني الجرائد والمجلات المطبوعة. والصحافة عندهم تشمل.


    فيما تشمل الإعلام التلفزيوني المرئي والإعلام الإذاعي المسموع، كل العاملين صحافيون سواء كانت أداتهم مطبعة الجريدة أو مذياع الراديو أو شاشة التلفاز، شريطة أن يكونوا صحافيين بحق، إعلاميين بإتقان مهنيين بامتياز، لا هم دخلاء على مهنة السلطة الرابعة كما أصبحت تسمى، ولا هم متطفلون بحكم الواسطة أو المحسوبية أو مِلكية رأس المال على بلاط صاحبة الجلالة كما تسمى أيضا في بعض الأحيان.


    المقولات الرئيسية المتبقية من فصول هذا الكتاب تنقسم إلى فئتين... الأولى عبارة عن نقد ذاتي أو هو حديث تأملي مع النفس من داخل صناعة الصحافة ذاتها وفق التعريفات الأشمل والأوسع التي طرحناها لصناعة ومهنة الصحافة ـ الإعلام... الثانية محاولات من جانب المؤلف لطرح ما يتصوره بأنه حلول أو مجرد مخارج من الورطة المهنية التي تواجهها صحافة زماننا بكل المطلوب منا أداؤه سواء على مستوى الصناعة أو المهمة أو الرسالة.


    الإعلام ينقد ذاته


    في جانب النقد الذاتي يضع المؤلف نفسه وربما يضع قارئيه، وخاصة ممارسي مهنة الإعلام على كراسي الاعتراف يقول (ص135): الصحافيون أصحاب مهنة تتوازى مع المهن الأخرى (المحترمة والمهمة اجتماعيا) كالطب مثلا، ولا يتورع الصحافيون عن نشر الغسيل القذر الذي يوضح وينقد ويهاجم أخطاء أصحاب المهن الأخرى: الطبيب، المهندس، المخطط، المصرفي، الاقتصادي، الخ.


    وبمعنى أننا نحترف نقد كل طرف «آخر»، وخذ بالك من لفظة «آخر» هذه، فإذا ما جاء الدور على حديث عن نواقصنا وأخطائنا لطرحه عن غسيل الصحافة، الملطخ بالبقع، يحرص الصحفيون على إبقائه مستورا في طيّ الكتمان، لكن ربما تكون الأمور والأوضاع والمفاهيم قد تغيرت ولو مع بدايات التغيير.


    في هذا الخصوص ينقل كتابنا عبارات أسرّ بها إليه معلق تليفزيوني شهير ومخضرم هو «أندي روني» الذي يرتقب المشاهدون تعليقه الطريف والثاقب والمفيد في كل عدد يصدر من المجلة التليفزيونية الشهيرة بعنوان «60 دقيقة» وهي تذاع على موجات التليفزيون والراديو من شبكة سي. بي. إس، وتعد أقدم وأشهر برنامج إخباري تليفزيوني في أميركا وربما في عالم الصحافة الالكترونية المعاصرة، أندي روني كان مراسلا إخباريا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وقد أورد المؤلف ملاحظاته على النحو التالي: كلما خرجت للغداء مع ثلة من العاملين في صناعة الإعلام الإخباري، إذا بهم يتكلمون كثيرا عن أخلاقيات تلك الصناعة، ولست أعتقد أن العاملين في صناعة التأمين مثلا يذهبون إلى الغداء ويتكلمون كثيرا عن أخلاقيات صناعة التأمين.


    عنصر المال


    لكن الأخلاقيات، ومواثيق الشرف الإعلامي كما يسمونها لم تكن كل شيء، وربما كان الأهم كما ينبه المؤلف مرارا وتكرارا هو عنصر المال، هو نقص الميزانيات، أو بالأصح هو سوء توزيع مخصصات الميزانية المرصودة لأغراض الإعلام، ويصل هذا السوء إلى حد التقتير بالنسبة لبند الأخبار الجادة والتغطية السياسية الحصرية والكفؤة مهنيا لأحداث الخارج، لكن الصرف إلى حد التبذير يتم لصالح برامج أخبار نجمات السينما وعارضات الأزياء ومشاهير الرياضيين.


    وهناك نموذج لهذا التقتير هنا والإسراف هناك (وهو قول مأثور في مجال السياسة العربية ومنسوب إلى أحد شيوخ الجامع الأزهر في مصر، في العهد الملكي حيث كان العالم الجليل ينعي على الحكومة وقتها التقتير عن مخصصات معاهد الأزهر والإسراف للإنفاق على نزهات الملك فاروق في الريفيرا).


    ومن علامات هذه الظاهرة المَرضية ما ينسبه المؤلف إلى المذيع الأميركي الشهير دان راذر حين قال (ص139): في منتصف التسعينات، استشعرت قناة «سي. بي. إس» خطرا ما أصبح يعرف باسم «المتطرفين - المتشددين ـ أو الأصوليين الإسلاميين» وكان المهم فهم الظاهرة وبلورة أساليب التعامل الواعي معها، وكم عُقدت مداولات على مستوى إدارة الشبكة من أجل افتتاح مكتب لمراسل تليفزيوني في مصر بالذات باعتبار موقعها المؤثر المحوري في منطقتها، ودارت المناقشات وأكدت الآراء ضرورة اتخاذ هذه الخطوة الحيوية، وبعدها لم يتم شيء، وكان السبب هو: الميزانية.


    كان «دان راذر» يسوق هذه الأمثلة على سبيل الانتقاد لكن على محك التجربة العملية لم يكن أداء نفس المذيع ـ النجم على المستوى المطلوب. لقد أوفدوا دان راذر إلى الصين في عام 2004، قبل ذهابه كان يردد آراء متعمقة وصائبة يقول فيها: الصين نجم صاعد في مجالات الاقتصاد ولابد من فهم نشاطها. الصين لديها رغبة عارمة كي تضطلع بدور قيادي حاكم وحاسم في إقليمها الآسيوي، والمطلوب رصد تطورات هذا الدور. الصين قوة عسكرية متصاعدة، والمطلوب متابعة تنامي هذه القوة والتحسب تأهبا لما تسفر عنه من نتائج، إلى آخر هذه الطروحات السياسية الموضوعية والثاقبة.


    بيد أن المؤلف يحرص في أواخر كتابه على مقارنة هذه المقولات الموضوعية مع الأداء الحقيقي لقائلها حين أوفدوه لتغطية أخبار المارد الأصفر المرتقب في الأشهر العشرة الأولى من عام 2004. وجاءت حصيلة التغطية «المهولة» من أرض الصين لتتمثل في 4 مواضيع تمت تغطيتها تليفزيونيا بواسطة الشبكة القومية رقم واحد في تليفزيون أميركا وهذه المواضيع هي:


    (1) الطبعة المزيفة باللغة الصينية لسيرة حياة الرئيس السابق كلينتون.


    (2) موضوع عن بحوث الخلايا الجذعية في الصين.


    (3) موضوع عن حيوان الباندا في الصين.


    (4) موضوع آخر عن الباندا. ودمتم!



    لزوم ما لا يلزم


    وهكذا لم يتح للمشاهد، وللقارئ، للمثقف، للمواطن الأميركي أن يعرف ما كان ينبغي معرفته عن تطورات الأمور وعن مستقبل ما تؤول إليه هذه الأمور في بلد لا سبيل إلى التهوين لا من شأنه ولا من دوره المرتقب وهو الصين. صحيح أنه عرف قليلا عن كائنات الباندا في حدائق حيوان بكين.


    وعرف عن قراصنة الطباعة في الصين الذين حرموا السيد كلينتون من حقوق النشر الطائلة بطبيعة الحال، لكن هذا كله يندرج تحت ما تصفه اللغة العربية بأنه «لزوم ما لا يلزم»، فلا أحد يستطيع أن يصوغ وعيا عميقا ولا أن يركن إلى رأي عام مستنير، ناهيك أن يرسم سياسات أو استراتيجيات وهو لا يكاد يعرف شيئا له قيمة عن أكبر بلد في العالم من ناحية السكان، وأيضا من ناحية التطلع إلى الدور وطموح المكانة.


    ولا سبيل إلى السكوت على مثل هذا التجهيل الإعلامي ولا صرف النظر عنه ولو مؤقتا، إن المسألة تخرج من إطار الصناعة الإعلامية لتدخل ضمن صميم الممارسة الديمقراطية.


    إنها تعني ـ كما يقول مؤلف الكتاب ـ أننا نترك الحكومة (الأميركية) كي تعمل وتنشط بعيدا عن شواطئنا دون أن تكون مسلحة بالمعرفة الكاملة عما يجري هناك ـ بينما هي (ونحن) نواجه قوما يكرهوننا، سواء بسبب ما عانوه من أخطاء ارتكبت باسمنا أو بسبب غرورنا الذي جعلنا نتمركز (يقصد ننعزل في قوقعة الغرور) حول ذاتنا غرورا منا وعزوفا عن التفاعل الخارجي المطلوب. إن هذا الجهل ـ يضيف المؤلف ـ إذا تقبلناه كأنه حقيقة من حقائق الحياة يصبح معناه أننا نقبل بنهاية تزحف إليها أو تزحف إلينا الديمقراطية المستنيرة الواعية على مستوى أميركا بأسرها.


    قوام أوبرا وينفري


    يتساءل المؤلف بمرارة قائلا: إذا كان جمهور الأميركيين حريصا على متابعة أخبار نجومه المحبوبين، وقادرا على التأمل والتفكر في مقادير الشحم التي أضيفت إلى قوام المذيعة أوبرا وينفري أو عدد الأرطال التي فقدتها بسبب الرجيم،. أو ما إذا كانت المغنية جانيت جاكسون قد اكتسبت صدرا صناعيا، فلماذا بحق السماء لا نشجع هذا الجمهور على متابعة مستجدات التاريخ وأوضاع الجغرافيا وسط عالم محفوف بالخطر، عالم يمكن أن ينطوي على ضرر فادح لأميركا ويحطم عزلتها (المعلوماتية) بضربات مباغتة غير منتظرة؟


    ها هو «نيال فيرغسون» المؤرخ الأميركي ـ المقيم في انجلترا يقول: مشكلة أميركا (في القرن الجديد) أنها تتحمل المسؤولية عن إدارة نمط ما من أنماط إمبراطورية عالمية ولكن دون أن تعترف لنفسها بحقيقة أنها تجهل عن هذا العالم الشيء الكثير.


    ويعلق المؤلف قائلا في ختام الفصل السابع من الكتاب: صفوة القول إن لنا مصالح حيوية في الخارج. وفي ظل نظام ديمقراطي ينبغي لنا أن نكون على وعي بتلك المصالح وأن نوافق على خدمتها وتحقيقها وان نرصد تطوراتها وندافع عنها. والبديل عن ذلك هو أن نترك الفرصة للتجمعات المصلحية ولفئات اللوبي المستترة ضمن تلافيف النظام الأميركي القائم مما ولها وفق أغراضها الخاصة مما يهدد بإلحاق الضرر بكل مصالحنا (القومية) خارج الحدود.


    هذه المعرفة، وهذا الوعي يظل من واجب ميديا الإعلام الأميركي. لكن هذه الميديا ما برحت بعيدة عن النهوض بمسؤولياتها في هذا المضمار، مما خيب آمالنا إلى حد فادح وخطير.


    الحلول المقترحة


    أخيرا يصل بنا المؤلف إلى الفصل الختامي من هذا الكتاب الذي يتناول مشاكل الصحافة وهموم الصحفيين كما عايشناها. وهذا الفصل الأخير يحمل عنوانا يثير قدرا نعترف به من الاهتمام. وهذا العنوان يتألف من كلمة واحدة هي: الحلول.


    يفتتحه الكاتب بعبارات يؤكد فيها أن تجربته الطويلة مع المجلة السياسية الإخبارية المتلفزة (60 دقيقة) وتذاع الساعة السابعة من مساء كل احد على مدى عقود عديدة من الزمن. هذه التجربة تؤكد أن رفع مستوى العمل الإخباري يمكن أن يتوافق بغير تناقض أو تضاد مع تحقيق أرباح وفيرة بل وطائلة (حققت المجلة الإخبارية المذكورة عدة مليارات من الدولارات من حصائل الإعلانات لصالح شبكة «سي. بي. إس»).


    وهنا يتساءل المؤلف: إذا كان ذلك قد حدث في الماضي، فلماذا لا يحدث أيضا في المستقبل؟


    بعدها يضيف على سبيل الاعتراف، وربما التسليم بالأمر الواقع قائلا: إن المشهد العام في أميركا قد تغير، بمعنى أن الجدية الشديدة والعمق الثاقب لم يعد مطلوبا باستمرار في دنيا الإعلام، وها هي مجلة «60 دقيقة» بكل تاريخها ورصانتها بات يطلب منها أن تصدر «طبعة أخرى» في منتصف الأسبوع (مساء الأربعاء) وهي الطبعة أو النسخة المتلفزة الأخرى التي طلبوا منها أن تكون أكثر خفة وأقل عمقاـ بمعنى أن تساير ما آلت إليه الأمور أو بمعنى أكثر صراحة وهو أن تتخلى عن التقاليد المهنية العريقة التي أصبح البرنامج الأسبوعي العتيد رمزا لها.


    ورغم ذلك مازال المؤلف متفائلا إزاء وجود نوعيات من المشاهدين الذين يشغفون بالجدية ويحبون الموضوعية ويرحبون بما يطلق عليه كتابنا وصف «الأخبار السياسية الخارجية الذكية» ـ بمعنى الأخبار التي تفيد بالأوضاع الخارجية وتشير إلى إمكانية تحولات تطرأ على المشهد السياسي أو العقائدي أو السلوكي أو الفكري في هذا القطر أو ذاك من أقطار العالم، والمؤلف يقيم هذا الصرح من التفاؤل على أساس التعايش القائم حاليا بين قنوات ديزني المسلية وقنوات الأخبار السياسية، وبين صحافة التابلويد المثيرة الفاقعة وصحافة التحليل السياسي والاقتصادي التي تمثلها مجلة انجليزية مثل «الايكونومست».


    لكن ماذا عن عنصر التكاليف؟ أي ماذا عن الأموال الطائلة التي ينبغي رصدها لصالح وجود مكاتب لمراسلين في الخارج؟


    مرة أخرى يراهن مؤلف كتابنا على تطور تكنولوجيا الاتصالات، ففي زماننا، لم يعد الأمر يتطلب كما في السابق مكاتب كبيرة وعددا كبيرا من الموظفين وآلات وماكينات واستعدادات باهظة التكاليف. إن كاميرا «دي. ؟ي. دي» والهواتف الالكترونية ـ الخلوية المحمولة يمكن أن تكون هي عُدّة المراسل الفرد الجوال بديلا عن مساحات المكاتب وأطنان المعدات.


    يواصل المؤلف التماسه لحلول التكاليف قائلا: لقد تقدمَتْ التكنولوجيا بشكل أصبح يتيح للشخص، المراسل الفرد الواحد أن يجري عمليات المونتاج والتحضير لقصته الخبرية مستخدما جهاز الحاسوب الشخصي المحمول «لاب توب» وبعدها يقوم ببث رسالته فورا عن طريق البريد الالكتروني «الإيميل»، حيث تصبح التكاليف بهذه الطريقة أقل من نظيرتها في حالة تغطية قصة خبرية أو حدث سياسي محلي داخل حدود الولايات المتحدة نفسها، فتأمل!


    الراديو الوطني


    هل معنى هذا أن يظل عامل التكاليف هو الصوت الواحد المسموع في هذا الصدد؟ الإجابة هي نفيا من حيث المبدأ، فالإعلام في الأساس حق من حقوق المواطن في ظل النظام الديمقراطي. والدولة الحديثة مطالبة أساسا بأن تنظر إلى الإعلام بوصفه خدمة ومهمة قومية لا ينبغي أن يكون الربح هو مقياس نجاحها بالدرجة الأولى، ثم إن الجماهير العريضة ليست بالعناصر التافهة ولا الخاملة وليست في الأساس مجرد خُشُب مسنّدة لا تفهم ولا تعي أو هي مجرد آلات استقبال سلبية لما يقدم إليها.


    إن على أهل الإعلام ـ كما يحثهم مؤلف كتابنا ـ أن يتقوا الله في الناس والجماهير، ولا يتعاملون معها بمنطق من يتعامل مع الأطفال وهناك نموذج يقف عنده المؤلف، ونقف نحن بدورنا عنده من وحي تجربتنا الطويلة المباشرة مع الإعلام الأميركي في شكله وأدائه الراهن: هذه التجربة تحمل العنوان التالي: الإذاعة الوطنية العامة (ناشيونال ببلك راديو أو باختصارها المعروف إن. بي. آر).


    هذا الراديو مؤسسة قومية تقوم الدولة على أمرها ولكنه غير تابع لحكومتها، هو ملك للناس ملكية وطنية عامة، ومن ثم فإن قصارى ما يتلقاه هو دعم سنوي من مخصصات الميزانية القومية، وبعده يستكمل التمويل من مصدرين أساسيين وهما:


    (1) الهبات والتبرعات التي تقدمها مؤسسات النفع العام والمؤسسات غير الهادفة للربح ومنها وصايا في التركات والموروثات التي رصدها بمعنى، أوقفها، أصحابها قبل رحيلهم إلى دار البقاء لحساب أعمال النفع العام في مجالات الخير أو البر أو إشاعة القيم الإيجابية والمبادئ القويمة في المجتمع الذي عاشوا فيه وانتموا إليه.


    (2) تبرعات الأفراد من المواطنين الذين يبعثون بشيكاتهم أيا كانت مبالغها المالية ولكنها تعبر عن مدى التزامهم وارتباطهم بدعم هذه الخدمة الإذاعية الوطنية التي لا تحركها ولا تستبد بأمورها المصالح الطبقية أو الأجندات الفئوية أو البيروقراطية الحكومية فمن يملك تمويله يملك إرادته، ويستطيع أداء مهامه بأكبر قدر ممكن أو معقول من الاستقلالية التي تكفل أسباب الموضوعية المهنية.


    يقول المؤلف في هذا الخصوص (ص218): أنظر إلى شعبية راديو إن. بي. آر الذي يشكل نموذجا واعدا بوصفه بديلا ناجحا يجسد كفاءة المؤسسة الإعلامية الإخبارية غير الهادفة للربح، إن الأحداث الكبرى هي التي تدفع الناس إلى التماس هذه النوعية من الخدمات والمؤسسات الإعلامية.


    قبل الحادي عشر من سبتمبر كان حجم مستمعي هذه الإذاعة الوطنية العامة لا يتجاوز في أميركا 15 مليون مستمع، لكن هذا الرقم قفز ليصل إلى نحو 19 مليون ثم بلغ 22 مليون يوميا في عام 2004 بمعنى ازداد بنسبة 51 في المئة على مدار 4 سنوات فقط في حين لا تتجاوز زيادة الإقبال في نفس هذه الفترة الحاسمة على كبرى قنوات التلفزة الأميركية نسبة تتراوح 7 ,7 في المئة و4 ,11 في المئة فقط.


    أضف إلى ذلك أن شعبية برامج الإذاعة الجادة تتجلى فورا من واقع استجابات المستمعين بإرسال المزيد من تبرعاتهم ـ أيا كانت مقاديرها - تعبيرا عن أن الناس يلتمسون الجيد والجاد والجديد وهو ما يلقي بمزيد من التبعات المهنية والأخلاقية والوطنية على عاتق أهل الصنعة من الصحافيين والإعلاميين.



    عرض ومناقشة: محمد الخولي





  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    29,530

    افتراضي

    ملاحظة : من المهم جدا قراءة الكتاب للوقوف على افكاره التي ارادها المؤلف بدقة و وجهات نظره بعيدا عن الزاوية او الخلفية التي او الاهداف التي قد تسيطر على عقلية من قام ياستعراضه ومناقشته ليهتم ببعض الافكار ويتجنب الاخرى ا ويترك الكثير مما كان ولابد ان يقوم بتسليط الضوء عليه من قضايا مهمة جدا او ربما اخراجها بطريقة خاصة تبتعد عما اراده المؤلف لها فتحور معناها او تحرفه عن مؤداها الحقيقي والاهم منه جميعا هو ان بعض هذا التلخيص لايغني بشكل مؤكد عن اصل الكتاب ومافيه من اراء وافكار وشرح مسهب.


    [align=center] انتهى[/align]





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني