بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله أجمعين ...
من أكثر الظواهر العالمية انتشاراً هي ظاهرة العولمة والتي أطلق عليها الأمركة بمعنى ان الولايات المتحدة الأمريكية هي الأكثر سيطرة على العالم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والحديث عن هذا الموضوع واسع ولكننا نود ان نسلط الضوء على بعض النقاط منها :
أولا : العولمة ظاهرة خطيرة منتشرة في العالم بأكمله على أساس تعميم سياسة و ثقافة معينة من خلال محاولة الدول الاستعمارية فرض ثقافتها وتطوير اقتصادها عن طريق الاستعمار والاحتلال العسكري أو الثقافي و نهب الثروات والموارد الطبيعية للدول التي تحتلها .

ثانيا : انتشرت العولمة بعد الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي في الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي أمام النموذج الرأسمالي وتبلور هذا الصراع بقوة نفوذ الولايات المتحدة مما أدى إلى إطلاق تسمية الأمركة على هذا المصطلح .
فأمريكا بعد أن أصبحت الحاكم الأقوى في العالم أعلنت أنها ستعمل على نشر القيم والسلوك ونمط الحياة الأمريكية وهو ما ويؤدي إلى توجه استعماري جديد يتركز على احتلال العقل والإرادة وجعلهما يعملان وفق أهداف المستعمر وفي إطار خططه ومصالحه وفرض التبعية من خلال الاختراق والغزو الثقافيين وتخريب قيم الآخرين واستقطاب الأجيال الصاعدة بدغدغة غرائزها وشهواتها .

ثالثا : ظهرت أخطار جديدة في ظل العولمة فالإرهاب قد انتشر بشكل كبير وتكاثرت الأسلحة النووية و شبكات المافيا واستشرى الفساد في كل أنحاء العالم وانتشرت أوبئة جديدة لم تكن معروفة من قبل وتسريب المواد الغذائية الفاسدة إلى كل أنحاء العالم مثل فضائح البقرة المجنونة وفرض لحومها الفاسدة على شعوب أوروبا وتصدير الدم الفاسد بالإيدز إلى أفريقيا و تمثل تجارة المخدرات على المستوى العالمي خطر مرعب حاليا وأدت العولمة إلى ازدياد الفقر فمثلا تقول الإحصائيات الدولية انه تجاوز سكان العالم عام 2001 الستة مليارات وخمسة مليارات منهم يعيشون في بلدان فقيرة وتسيطر البلدان الغنية على (80%) من إجمالي الدخل العالمي وقدرت إحصاءات البنك الدولي أن (18%) من سكان العالم الثالث هم من شديدي الفقر و(33%) هم من الفقراء .

رابعا : من أجل تسخير القوى الامبريالية تعمل الأمركة على اختراع عدو جديد وهو الحضارة الإسلامية .
أن ثقافتنا الإسلامية العربية تتعرض لظغوط التحديد والتهميش سعيا إلى انهيار القيم والموروثات عبر القوى الإعلامية الجارفة من فضائيات وانترنيت وغيره عن طريق تلهية الشعوب بالصورة الخلاعية وترويج الأفلام والدعاية والأغاني التي تؤدي إلى إسقاط الهوية الإسلامية لتحول الشعوب العربية إلى شعوب بلا قيم ولا مبادئ و مستسلمة لمصير مجهول .
لقد أدرك الغربيون من سياسيين ومفكرين ومنظرين و خبراء ضرورة إحكام القبضة على الأمة الإسلامية عبر قلب القناعات والمفاهيم والموازين رأساً على عقب بجعل الشعوب في العالم الإسلامي تنظر إلى الغرب باعتباره مركز إشعاع الحضارة المتقدمة وصار النظر إلى بلدان العالم الإسلامي كعناوين للتخلف والهمجية والبربرية.
عهد الغرب إلى زرع مجموعة من الأنماط الفكرية داخل الإسلام :
النمط السكوتي : نمط ترك الحياة وعدم التدخل في شؤون الناس .
النمط المقلد للغرب : المنبهرون بالتبعية للحضارة الغربية تحت شعار الحداثة والتطور .
النمط التكفيري : الذي يصور الإسلام بصورة اجرامية حتى اتهموا الإسلام بالتطرف .

خامسا : إنّ الإسلام هو دين الحوار وهو شريعة لتنظيم العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان بما يساعد على العيش بسلام وأمن ولهذا أمر الإسلام بالحوار والدّعوة بالتي هي أحسن قال تعالى: (ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
فالأصل في علاقات الشعوب والأمم هو التعارف والتحاور كما قال الخالق سبحانه: (يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ إِنّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ونستنتج من ذلك بطلان النظرية المشهورة وهي صراع الحضارات لصامويل هانتنجتون – صاحب كتاب صدام الحضارات – ونشير الى مفهوم تعارفالحضاراتفي استناده إلى قوله تعالى « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
ونلاحظ أن الخطاب في هذه الآية متوجه إلى ( الناس ) كافة ليس إلى المسلمين فقط والإقرار بالتنوع الثقافي (وجعلناكم شعوباً وقبائل) وأن الهدف من التنوع هو ( التعارف ) بين تلك الشعوب والقبائل والمجتمعات الإنسانية .
فالإسلام يدعو إلى ضرورة بناء الحضاراتفي العالم على أساس الشراكة الحضارية فيما بينها وتبادل المعرفة ليس من خلال الهيمنة والعولمة بل من خلال حضارة واحدة تحاور الحضاراتكافة عنالطريق تعارفالحضارات.

سادسا: يوماً بعد آخر يقتنع بنو ادم بضرورة وجود القيادة العالمية التي تحكم بالعدل وتنقذ البشرية من الحروب والمجاعات والفتن والصراع ولكن البشرية اختلفت في شخص القائد الموعود ففي الفكر البشري تجد تأمل المدن الفاضلة والجمهوريات المثالية فهناك (( المدينة المسيحية )) ليوهان و(( مدينة الشمس )) لتوماز كامبلا و(( إتلانتا الجديدة ))لفرنسيس بيكون و(( جزيرة كونفيسشيوس )) لحكيم الصين وغيرها فقليلا ما تجد أحداً من الحكماء عبر التاريخ لم يحاول تخيل المجتمع المثالي الذي يقوده الرجل الموعود .
وانتشرت في الديانة اليهودية من خلال التبشير ( بالمسيح اليهودي ) وفي الدين المسيحي برجوع الـ ( مسيح عيسى بن مريم ) وفي الإسلام هو القائد المهدي محمد بن الحسن .
بل حتى أعداء الديانات يتفقون على ضرورة الحكومة العالمية، فمثلا ماركس أعلن أن الطور الاشتراكي أمر مؤقت زائل تحل محله الشيوعية بفضل قيادة واعية .
ولا يفوتنا ان نؤكد ان دعوات الغربيين اليوم لا تدعوا للحكومة العالمية العادلة وإنما تدعو دعوة سياسية واقتصادية لترسيخ هيمنتها مستغلة هذا الشعور الإنساني وقد التفت السيد الشهيد الى هذا الأمر حين قال في إحدى خطب الجمعة
(( ان هذا الوضع العالمي القائم على انقاض ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي والذي سمته امريكا في حينه بالنظام العالمي الجديد انما هو نظام استعماري مشؤوم قائم على تفرد امريكا بالعالم وهيمنتها عليه وفرض ارادتها على كل جهاته من دول وشعوب واحزاب ومنظمات. وكل من يخالفها فانهخا تكيل له الصاع صاعين كما يعبرون. هذا النظام يجعل منها الطاغوت الاول والشيطان الاكبر ويخرجها عن الانسانية وحسن التصرف الى الظلم الكامل و الطغيان المحض )).
والصحيح هو ان مشكلة البشرية التي يبحث الجميع عن حلها يكمن في قيادة المنقذ العالمي ومن خلاله تتحقق الحكومة العالمية التي هي مطلب إنساني لجميع الشعوب على مر التاريخ القديم والحديث.
قال السيد الصدر :
(( اننا انعتقد ان مستقبل البشرية الى خير وصلاح وعدالة حينما يظهر القائد المنتظر فيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ولن يقوم أي ظلم ولا الى أي قسوة بعدها قائمة ولا أمريكا ولا غيرها وفي الروايات ما يدل على ان اليهود سيعانون من الذلة والقسوة بيد المؤمنين قبل ذلك حتى ان الحجر ينادي المؤمن ويقول هذا يهودي خلفه فاقتله ))

السلام على المنقذ الموعود الإمام الحجة محمد بن الحسن العسكري صاحب العصر والزمان وعجل الله تعالى دولته العالمية الشاملة وحضارته العادلة ....


حارث العذاري