الدلال المقيدة(*)

قصة حقيقية من واقع المجتمع العراقي آنذاك ، تحمل بين طياتها الوجه العربي الأصيل لهذا المجتمع ، والذي يحمل من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق الشيء الكثير .
القصة بطلها شيخ من قبيلة الخزاعل تلك القبيلة التي لها الدور المشرف في تاريخ العراق الحديث ، حيث قدمت هذه القبيلة قوافل من الشهداء في سبيل عزت وكرامة الوطن ، مثلها مثل القبائل العراقية الأخرى .
ان هذه القصة تحمل مدلولات عميقة في وجدان النفس البشرية .
تعرض بطلها للسجن من أجل أن تبقى دار ضيافته مشرعة للضيوف والوافدين من مكان بعيد . تدور أحداث هذه القصة في عام 1210هجرية ، في منطقة الفرات الأوسط ،وبالتحديد في محافظة الديوانية ، منطقة الحمزه.
كان المحتل العثماني آنذاك يفرض الضرائب والقيود على العشائر ،و فكان يستوفي منهم ضرائب على محصولهم السنوي من رز وشعير ، كذلك رسوما على اعداد الماشية تحت مسمى (الميري ) و(الكودة ) .

امتنع الشيخ عبد النبي الخزعلي (1) من دفع الضريبة لمدة ثلاث سنوات للحكومة العثمانية التي يمثلها الحاكم العسكري العثماني في الديوانية (الحسكة) ،فأرسل أليه مفرزة من الدرك (الشرطة ) للإلقاء القبض عليه وجلبه مخفوراً الى مركز الحاكمية ، وبهذا ألقي القبض على شيخ عبد النبي وأودع السجن ، ولما مضت عشرة أيام وهو على هذا الحال أرسل عليه الحاكم ليمثل أمامه ، عندها سأله : شيخ لماذا لا تعطي الضرائب للحكومة !.
قال الشيخ : أن الأمر خارج عن أرادتي .
قال : أتعصي عن الدفع !
قال الشيخ : لا ،ولكن هناك جماعة يأكلون المحصول الذي أجنيه خلال سنة ولم يبقى عندي منه شيء إلا القليل .علما ً أنهم يعطون حصة الفلاح فقط :
قال الحاكم وهو متجهم الوجه : ومن هؤلاء ؟
قال الشيخ : ياحضرت الحاكم هم الآن موجودين عندي وبالإمكان إلقاء القبض عليهم .وسوف حينها أتمكن من دفع المستحقات التي علي َ ؟
قال الحاكم: سأرسل معك مفرزة من الجندرمة (الجند) .
قال الشيخ : نعم ،ولكن ليأخذوا معهم السلاسل والقيود .
قال الحاكم : لك ذلك .
تحرك الجند وبصحبتهم الشيخ الى داره ، فأدخلهم دار ضيافته ، وقال هؤلاء هم السراق واشار الى دلال القهوة وأمرهم بتقيدها ، كذلك ادخلهم المطبخ حيث قاموا بتقييد القدور بالسلال الحديدية الواحد تلو الآخر وحملت وهي على تلك الحالة الى مقر الحاكم .

عندما وصلوا صاح الشيخ بصوت عالي يا حضرت الحاكم هؤلاء هم السراق الذين ياكلون المحصول ولم يتركوا لي شيء أسدد به ديوني للحكومة ، فإما تسجنوها عندكم ،وأذا ما أتى الضيوف إليَ استطيع أن أعتذر لهم بأن الحكومة استولت على الدلال والقدور وليس عندي ما أصنع به لكم من قهوة وطعام !
عندها قام الحاكم من مجلسه وهو يبتسم من حسن تصرف الشيخ عبد النبي في موقفه هذا وحسن خطابه وفطنته وذكائه ، فأمر برفع القيود والسلاسل عن دلال القهوة والقدور ،وأمر له بالعطاء بما يحتاجه من قهوة وسمن وتبغ ،كذلك اصدر أمر بإعفائه من جميع الديون المترتبه عليه وعدم أخذ (الميري والكوده ) منه طالما بقي بمنصبه .
فشكره الشيخ على ذلك ،وعاد إلى أهله معززاً مكرماً .
___________________________
(*) نقلت بتصرف من مجلة التراث النجفي ،لناشرها الاستاذ فيصل كاظم شنوف الخزاعي.
1. هو الشيخ عبد النبي بن هلال بن شيخ أحمد بن الحاج عبد الله بن سلمان الخزاعي .تقع اراضيه مقابل منطقة الحمزة الشرقي آنذاك بالقرب من أراضي تسمى السمحات كانت عاىده الى أجداده أصلاً منذ زمن طويل ، لكن لظروف قاهرة تركها بني عمومته بعد أن استولى عليها باشه أغه العباس غدراً .فملك الشيخ عبد النبي أراضي بالقرب منها وله ذرية يعرفون اليوم بآل أيوب يقطنون في أراضي لهم في المشخاب من محافظة النجف الأشرف ..