النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,706

    ..ثقافة الصورة..التحدي والاستجابة..(وعي الصورة .. صورة الوعي)..

    [align=justify][align=center]
    ثقافة الصورة.. التحدي والاستجابة

    [mark=CCCCCC]وعي الصورة.. صورة الوعي[/mark][/align]



    الدكتور فؤاد إبراهيم *
    21 / 3 / 2008م


    تطرح الثورة الاتصالية بتمظهراتها الثقافية والمعرفية أسئلة مصيرية من قبيل: هل حقاً نجحت الصورة في وأد الكلمة؟ وهل تبدّلت وسائل صنع الوعي؟ وهل فعلاً بدأت لحظة إعداد بيان نعي موت الثقافة؟. هذه الاسئلة ومثيلاتها تكتسب أهمية خاصة كونها تضعنا أمام أشد التحديات صعوبة، تلك المتصّلة بتكوين الوعي.

    مقدمة:


    [align=left][/align]

    تعرّف الإغريق على المبادىء الأساسية لصناعة الصورة، وفي قرون لاحقة عكف العالم العربي الحسن بن الهيثم على تحقيق حلم إنتاج الصورة حين جرّب انعكاس الضوء بالصور المقولبة داخل صندوق مظلم، ولكن لم يتم تجسيد الحلم إلا في بدايات القرن التاسع عشر، حيث أثمرت الجهود في ضبط التخيّلات عن طريق وسائل ميكانيكية. وفي العام 1822 أجرى الفرنسي نيسيفور ناييس أول تجربة تصوير، وتم التقاط أول صورة فوتوغرافية في صيف العام 1827، من قبل ضابط متقاعد في الجيش الفرنسي، أطلق عليها «هيليوغراف» أي «صورة شمسية»، إستغرق تظهيرها ثماني ساعات.

    ولم تبدأ الصورة من الناحية الواقعية إلا سنة 1839، حين سمع العالم عن شيء ما مهول. فقد اخترع لويس داغر طريقة تحميض الصورة الثابتة الملساء على لوح فضي، إستغرق تظهيرها نصف الساعة. وفي العام نفسه، أعلنت الأكاديمية العلمية الفرنسية هذا الاختراع العلمي، حيث اعتبر هذا العام تاريخاً لاكتشاف فن التصوير الطباعي. وفي العام التالي، إكتشف الإنجليزي وليام تالبوت آلية الحصول على صورة مثبّتة على ورق تصوير، وكان هذا الإكتشاف خطوة هامة باتجاه عملية الايجابي سلبي «تصوير سلبي نيجاتيف». وفي العام 1846 أقام الألماني كارل تسايس في مدينة «إيانا» أول مصنع للبصريات وتكنولوجيا التصوير. وفي العام 1888 قام جورج إيستمان «1854 1932» بتجهيز «لفّة» بين المنتوجات الفوتوغرافية، عرفت بإسم فيلم سيلولود، وفي سنة 1895 بدأ تاريخ جديد للصورة، مع ظهور أول صورة متحركة، أطلق عليها ريجيس دوبريه الصورة السائلة.

    وكان المصوّر ادوارد موي بريدج «1830 1904» البريطاني الأصل قد تم اختباره من قبل حاكم كاليفورنيا لالتقاط صور متحركة لسباق الخيل المفضل، حيث تم اللقاء مع ثوماس أديسون «1847 - 1931» مخترع الفونوغراف، وقد تأثر بريدج به، فاخترع فيما بعد «زوبراكسكوب»، والذي مهّد في وقت لاحق لإنتاج أفلام سينمائية بوتيرة متسارعة.

    في 9 أكتوبر سنة 1934 تمكّن مصوّر فرنسي من التقاط صورة أحد الوطنيين وهو يطلق الرصاص على الملك اسكندر ملك يوغسلافيا في مرسيليا، فأدى الى مقتله ومقتل رئيس الجمهورية الفرنسية، ثم بعث رجل الكاميرا بالصورة من مرسيليا الى باريس، واستطاع القراء أن يشاهدوا الصورة في شوارع باريس على الصفحة الأولى بعد 43 دقيقة من مصرع الملك. وكان هذا الرقم القياسي في سرعة التقاط الصورة وتحميض الفيلم وطبعه وبثّه بالتلفون ثم تحويل الصورة الى كليشيه وطبعها في الجريدة، هي حالة فريدة من نوعها حينذاك.

    على أن تلك القصة رغم كونها مازالت تحتفظ بقدر كبير من الإثارة، ولكن ثورة الإتصالات الكبرى الحاصلة في العالم قللت كثيراً من شان تلك المغامرات النادرة بالوسائل البدائية، لكثرة البدائل التقنية المعقدة التي تقوم مقام طاقم كبير من الموظّفين. ففي العقد السادس من القرن العشرين حصل التحول الدراماتيكي في التقانة الإعلامية، مع انطلاق أول قمر صناعي من الولايات المتحدة في العام 1962، وكان يحتوي على شبكة إتصالات ضخمة عرفت باسم «Telestar»، يتجاوز إرساله حدود الولايات المتحدة ليغطي قارات العالم تقريباً، بعد إدخال جملة من التحسينات والتعديلات الفنية العام 1964.

    بهذا، ألغت الثورة التقنية العارمة في نظام الاتصالات الحاجة الى القوى البشرية، وأطاحت العديد من وسائل الإعلام التقليدية، وأنماط العمل الإعلامي السائدة فيما مضى، وبات الإعتماد بدرجة أكبر على الكمبيوتر والأجهزة الالكترونية، ففي عام 1993 بدأ الحديث عن الكتاب الاليكتروني الذي أضحى الآن حقيقة. ويخوض الكمبيوتر في الوقت الراهن حرباً ضروس في مجال إنتاج الصورة وتوزيعها، بعد أن أصبح، بفضل تطوّر التكنولوجيا الصورية، المسؤول عن انفجار صوري كوني، ويتجه الى إحتواء تكنولوجيا التلفزيون للإندماج في كمبيوتر مرئي، بما يبشر بثورة عارمة في مجال الصورة، تحقيقاً لفكرة «حضارة الصورة».

    فقد نتج عن الثراء الاتصالي لغة جديدة بات الجميع يفهمها، وهي لغة الصورة التي نتداولها في تظهير لحظة جامدة في الزمن نتبادلها مع الآخرين، أو لحظة متحرّكة نعيشها معاً ونتأثر بإشعاعاتها. فمن خلال الصورة، أصبح بإمكاننا استدعاء لحظة من طفولتنا، ولحظات الفرح والحزن في حياتنا وتقاسمها، ولأن الصورة تحتّل جوهر لحظة ما وتجعلها دائمة، فإننا نقوم بمشاهدتها مرة بعد أخرى. وعبر الصورة، بات بإمكاننا الآن توثيق ليس الماضي فحسب، بل وحتى الحاضر، فأضحت الصورة الشاهد الملك والمدوّن لحوادث العالم، بل والحياة التي نكسوها عليه. فالمصوّرون يسجّلون الحروب، والمظالم، والفقر، والمأساة الانسانية، والفرح الانساني. وقد تكرّس نفوذ الصورة عبر السنين في التأثير على الرأي العام، بتوثيق الكوارث، وإطلاعنا على الحروب في جوانبها المرعبة، وكان لدى مصوّري الحروب رؤى عظيمة، حيث أن الصور التي التقطوها تكشف فظائع الحرب التي قد تساعد في منع وقوع حروب مستقبلية، وكان بعضهم يعتقد أن الصور التي يلتقطونها ستؤدي الى إنقاذ العالم. فهناك عدة آلاف من صور حرب فيتنام قد شوهدت بعد أيام من التقاطها، وتركت أثراً على كثير من الجمهور في أرجاء عديدة من الكرة الأرضية، وأطلقت مشاعر الغضب والاحتجاج ضد استمرار الحرب بفعل فظاعة الحرب كما عكستها الصورة. هي ذات الوسيلة التي غيّرت وجه العالم في الحادي عشر من سبتمبر 2001، حيث لعبت الصورة الحيّة في تغيير حركة التاريخ، بعد أن أفاق العملاق الاميركي على صدمة هلع وهو ينظر الى رمزي التفوق يتداعيان في مشهد مشحون بدلالات حضارية وثقافية، ولا ننسى دور الصورة في حروب المنطقة بدءً من أفغانستان ووصولاً الى لبنان، وهانحن نعيش حرب الصورة في العراق التي تكسو المشهد اليومي بؤساً مضمّخاً بلون الدم.

    لقد أصبحت لدينا إمكانية رؤية ومعرفة ما يجري عن طريق التدفّق المتصل للصورة، وبات باستطاعتنا أن نحيط علماً بالتاريخ الذي يصنع، وغدا كوكب الأرض في مرمى الكاميرا التي تمنحنا إمكانية التأمّل في حوادثه. في المقابل، يشكو كثيرون من سطوة وكثافة حضور الصورة في حياتنا اليومية، بحيث جعلنا داخل غيمة إعلامية، ففي حين كان الإعلام عموماً يضفي على الأشياء شكلاً، فإن زيادته تغوص بنا في ما لا شكل له، بسبب سرعة الصور المتدفقة التي لا تدع مجالاً للتأمل.

    وكانت رؤية سدنة الصورة: من أجل أن تحصل على صور مؤثِّرة، فأنت، في بعص الاحيان، بحاجة الى أن تصدم الجمهور، فالصور التي تبقى في الذاكرة وتُستدعى، بصورة دائمة، هي تلك التي تنطوي على صدمة، أو تحدث هلعاً، فهذه الصور تبقى معنا، وتترك بصمة في عقولنا، وتربض في ذاكرتنا. بكلمات أخرى، أن قابلية إستدعاء الصورة يكمن في سطوتها، في تخليق إنطباع بصري يوقظ شيئاً ما في الشخص الذي ينظر اليها، قد يكون إحساساً بالخطر، أو إحساساً بالحنان والرقّة. وبالطبع، فلابد أن تبعث الصورة رد الفعل العاطفي بداخلها الذي يتملَّكنا ويدفع بنا للتفكير.

    ثقفنة الصورة.. تجفيف الوعي

    يعرّف إدوار هريو بأن الثقافة هي ما يبقى للانسان عندما ينسى كل شي[1] . وبلا شك، فإن الصورة تنعم بقدرة التسلل والاقامة الطويلة في الذاكرة، فقد ينسى أحدنا كتاباً قرأه قبل عشرين عام، ولكنه بالتأكيد لن ينسى مشهداً بصرياً، سيما ذلك الذي يحفل بجرعة عالية من الجاذبية والدهشة.

    في واقع الأمر، أن المعرفة الإنسانية عموماً منسوجة من كتلة تصويرات متفاوتة في تعبيراتها ودلالاتها، وأن مسيرة المعرفة كانت مترافقة على الدوام مع زيادة الثراء التخيّلي والتراث البصري على طول التاريخ. نتذكر هنا مقولة أرسطو: «أن التفكير مستحيل من دون صور»، فالصورة كانت دائماً عنصراً تحريضياً في الانشغالات الفلسفية، ومدخلاً جبرياً للإجابة عن سؤال الماهية، التي تعني هيئة الشيء، حيث يتجلى بقاء الأشياء في استمرارها وبقائها، وما يبقى منها يتم الكشف عنه في الصورة حيث يتجلى ماهو كل شيء من نوع جنس ما[2] .

    وفي زماننا، أضحت الصورة جزءً من سلطة المعرّفة الحديثة التي يسيطر عليها الإعلام، كما كانت مصدر إلهام للفلسلفات الغربية الميتافيزيقية المتناكفة، إذ باتت الصورة تظهيراً عقلياً للخبرة الحسيَّة. نلفت الى أن الصورة كانت ساحة مواجهة أيديولوجية بين الكنيسة والدولة في أوروبا، ولذلك جرى تحريم الصور والنظر اليها كجزء من التجاذب بين الطرفين، وكان الحكَّام يفرضون حظراً على الصور ذات الطبيعة الدينية كونها تشكّل خطراً على السلطة السياسية.

    وهناك الآن أنواع جمّة من الصور تزداد كل يوم مع تطور وسائل المعرفة، بما يقرّبنا من حضارة العين، ومن الناحية التقنية المحض فإن القرية الكونية، التي بشّر بها مارشال ماكلوهان، هي صناعة صورة، ظهرت بعد حرب فيتنام في صور أطفال يقتلون بقنابل النابالم، والتي حرّكت الشارع الاميركي للمطالبة بوقف الحرب العبثية.

    بواسطة الصورة، بات بالإمكان استعمال الحواس كافة «الشم، والسمع، والنظر، واللمس».. فقد أسقطت الصورة الدور المحايد للمتلقي، وأملت عليه مهمة أخرى ليصبح متفاعلاً، إذ لم تعد الصورة تسجيلاً للحظةٍ مرئية في مكان ما، فقد تجاوزت وظيفتها التقنّية ودخلت في صوغ الذهنية ولعبة الحقيقة والزيف. فالصورة، وإن باتت قادرة على فضح الحدث، صالحة للإستعمال من أجل إخفاء حقائق كثيرة، حين تمارس فعلاً ضدياً. وطالما أن أهم جزء في الصورة هو إيصالها، فإنها، كمنجز غربي بسبب تقنياتها المتقدمة وتجربتها الطويلة، تدخل في لعبة التنميط والقولبة والنمذجة في أبعادها الإعلامية والسياسية والثقافية. وإذا كان الرهان على المنظومات الفكرية التي تحول دون انكسارها تحت وابل الصور المتدفقة ووسائل الاعلام عموماً، وهي أي تلك المنظومات ما تمدّنا بمناعة التأثّر من الدسائس الفكرية للصورة، فإن انشغالات الأخيرة تركّز إما على تعزيز تلك المنظومات الفكرية أو تفسيخها، بالنظر الى مصادر الصورة ومنتجيها وانتماءاتهم الأيديولوجية، بما يجعل الخبر مقبولاً أو منبوذاً. يسرد أدغار موران شواهد عدة: فالألمان الذين أرادوا أن يجهلوا معسكرات الاعتقال النازية جهلوها، وفي العام 1945، إستقبل السكان الألمان صور معسكرات الألمان ورواياتها بوصفها أكاذيب دعائية. والشيوعيون الذين أرادوا أن يجهلوا معسكرات الغولاغ جهلوها، والفرنسيون الذين أرادوا أن يجهلوا التعذيب في الجزائر جهلوه[3] .

    ولتصوّر الطبيعة المضلّلة للصورة، نتذكر طقوس ما يسميه ادوارد سعيد «أديان التلفزيون»، ولكن من زاوية مختلفة، حيث تتدخل الصورة خلال الحملات الرئاسية في توجيه وعي الجمهور، بتواطىء شفهي من المتنافسين على الرئاسة الاميركية. ففي مناظرة كينيدي ونيكسون في الانتخابات الرئاسية العام 1960، التي فاز فيها كيندي لأنه قبل بوضع المكياج الخاص بالكاميرات خلال اللقاء، فظهر للمشاهدين في صورة لائقة، بينما رفض نيكسون، التقليدي، مثل تلك البدع الجديدة، فبدا شاحباً[4] .


    [align=center]
    ما تبقى من مبنى تلفزيون المنار بعد القصف الإسرائيلي (الفرنسية)[/align]

    ببراعة لافتة، يجادل بورديه في كتابه «الحرب والصورة» التوظيف المحموم للصورة من أجل صنع الواقع، حيث تدور رحى الحرب بين متسابقين على من يملك قدرة فرض الواقع الذي يشاء وحرمان الخصم من المشاركة أو تبديل هذا الواقع، الافتراضي بالضرورة. لا غرابة، حينئذ، أن تكون مصادر إنطلاق الصورة هدفاً مركزياً في أجندة الحروب الأخيرة. ففي حرب كوسوفو العام 1999 قصفت قوات الناتو مبنى التلفزيون في بلغراد وتدميره، وفي 27 مارس 2003 قصفت القوات الاميركية مبنى الإذاعة والتلفزيون في بغداد، وكادت أن تلقى قناة الجزيرة المصير نفسه في العام 2004، وفي يناير 2006 دمّرت القوات الإسرائيلية مبنى الإذاعة الفلسطينية ومبنى التلفزيون في مدينة البيرة وهدّدت بقصف مبنى التلفزيون في مدينة غزة. وفي 16 يوليو 2006، أي بعد ثلاثة أيام على اندلاع الحرب بين حزب الله واسرائيل، قامت الاخيرة بتدمير مبنى تلفزيون المنار. فقد كان الإعتقاد بأن السيطرة على الصورة تمثّل الخطوة الأولى لحسم المعركة.

    وتدلل هذه الأمثلة على أن ثمة سعياً دؤوباً من أجل الحيلولة دون تمكّن الحقيقة من القيام بتحرير الصورة من أسر خاطفيها، وأن حرب الصورة أسقط مبدأ الحيادية. هذا لا يعني، بالضرورة، أن الحيادية سمة جوهرية للصورة، فتجريد الأشياء يعطّل إمكانية تفسيرها وفهمها. وندرك، بحكم الواقع، أن الصورة المرتبطة بالمقدس تصنع مخيالاً مندغماً في المقدس. ففي الحضارة الرومانية، حظيت الصور المقدّسة بمكانة فريدة في المنظومة الطقسية الرومانية، وباتت تتقاسم نفحة القداسة مع النص الديني الروماني.

    إن مقولة دع الصورة تتكلم، تعبّر عن ذاتها، تستعيض عن الكلمات بكلمات من نوع خاص، من أجل تحويل المشاهد الى مستنطق للصورة، مشارك في حوارية صامتة تفوّض الصورة من يشاهدها مهمة التعبير عنها بكلمات، باتت أي المقولة هذه قديمة وطوباوية. فالصورة تشارك بكثافة في توجيه الأفكار المراد إيصالها عبر تلك العلاقة الحسية المباشرة.

    ويمكن الزعم، أن الصور المتدفقة، بلا انقطاع، تمارس ديكتاتورية من نوع آخر، حيث لا تتيح فرصة للمتلقي بالتفكير بصورة مستقلة خارج مجال سريان الصورة، بما يؤول الى نفي الواقع، والمكوث مكانه. فقد أطلق المفكر الفرنسي «جان بودريار» على حرب الخليج الثانية «1990-1991» بأنها نسخة تلفزيونية، فيما اعتبر مانول كاستي أن ما شهده الجمهور في تلك الحرب هي «الواقع المتخيّل» الذي فرضته تكنولوجيا الاتصال، حيث تختلط الحقيقة بالواقع المصنّع صورياً، إنطلاقاً من مرحلة الإعداد العسكري وصولاً إلى الإستعراض التلفزيوني.

    لاشك، أن مصدر قوة الصورة يكمن في كونها بمثابة نص مرئي مفتوح على اللغات قاطبة، وأنها ثرية بقدر يسمح بقراءات متعددة.. فاحتلال الصورة للطاقة البصرية مهّدت لاختراق المخيال العام، وبالتالي الانشغال الذهني، وصولاً الى هيمنة المخبوء على الوعي، أي عبور الرسالة المندّسة في الصورة الى مربع اللاوعي، بما جعل للصورة مهمة سرّية تتجاوز البصر الى البصيرة.. فانحلال حدود الصورة يحيلها الى مضخّة معرفية مكتظّة بحزمة دلالات، وإيحاءات، وتعبيرات لا تنتمي الى مجرد البعد الجمالي منها، فثمة رسالة غير مرئية تتسرب خارج الحدود الرسمية للصورة، تسهم في إنجاب كوكبة مفهومية تعكسها على مجمل المناشط الثقافية والمعرفية المسؤولة عن صنع الوعي. فالمخزون الدلالي للصورة يجعلها أداة إتصالية عالية التأثير العاطفي والمعرفي، بل تحيلها الى وسيط حواري ممتد، محدثة غزارة في المعاني والدلالات وحضوراً كثيفاً في المشهد الثقافي والمعرفي اليومي.

    فالصورة باتت القابلة التي تساعد المشاهدين على أن يلدوا أفكارهم الخاصة، المتطابقة مع الرؤية الثاوية في الصورة. فهي تملي علينا ما يجب فعله، وتجعلنا نشاهد ما تريد منا مشاهدته، فنتحرك ونلفظ بطريقة مماثلة. إنها تقودنا إلى نقطة في منتصف الطريق ثم تتخلى عنا كيما نواصل السير إلى النهاية المقررة سلفاً. إنها لا تريد منا أن نكون إبداعيين في التفكير، لأن الصورة التي يفرضها نظام الإنتاج الصناعي، ذات طبيعة غير حوارية. ففي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد في الثاني من أكتوبر 1993 «إن ما نسمعه أو نشاهده هو في الواقع ما قررت وسائل الإعلام الغربية هذه إننا يجب أن نسمعه أو نشاهده»، وأشار إلى «الاهتمام البالغ الذي تبديه وسائل الإعلام الغربية برقصة المغني مايكل جاكسون، أكثر كثيراً من إهتمامها بإذاعة شيء يحدث في اللحظة ذاتها ويتعلق بمذابح، وعمليات قتل جماعية، أو معاملة وحشية يتعرض لها بنو الإنسان في أماكن أخرى من العالم».

    [align=left][/align]

    الصورة، وبخلاف وسائل التواصل الثقافي الأخرى، أسقطت عامل السن، فهي قابلة للإدراك والقراءة وإن بمستويات متفاوتة، من كل الفئات العمرية، طفلاً كان أم شاباً أم كهلاً، وهي تؤثّر فيهم جميعاً بدرجات متباينة. ولا شك أن صورة محمد الدُرَّة وهو يسقط شهيداً في حضن والده كانت نصاً مفهوماً من قبل المستويات العمرية كافة، وكانت كفيلة بتغيير مسار النضال الفلسطيني، وتفجير الغضب الجماهيري في أرجاء الوطن العربي والاسلامي.. وصورة البارجة الاسرائيلية وهي تنفجر بصاروخ من المقاومة اللبنانية بالقرب من شواطىء بيروت كفيلة بتغيير مسار الحرب، والأوضاع النفسية في الشارع العربي. وصورة مجزرة قانا كانت كفيلة بإحداث تصدّع في التحالف الدولي مع الدولة العبرية في عدوانها على لبنان في يوليو أغسطس 2006..

    ينبىء ما سبق عن أن الصورة باتت قوة إقناعية ناشطة، تعزّزت، بدرجة أكبر، بارتباطها بالصوت لتشكّل وجبة معلوماتية مكتملة العناصر. فالتقنية الحديثة لم تجعل الصورة منتشرة في كل مكان فحسب، بل حوّلت مفاهيمها أيضاً، فقد بات بوسع أي شخص يعيش في ظل الثورة الإتصالية أن يغنم دفعات متصلة من الصور ذات الأشكال الفنية والثقافية والتعبيرية المعقّدة. وتم استبدال الروتين الطويل للرسم والتلوين بانتصار آلة التصوير التي استحوذت على سبيل المثال على تمثيل الموضة تماماً. والرواية المسلسلة، والتي كانت تحتضر أصلاً في فترة ما بين الحربين تفقد مكانها في عصر التلفزيون للمسلسل الذي يعرض على الشاشة. وحل الفيلم السينمائي، الذي سمح بمجال أعظم كثيراً للموهبة الإبداعية الفردية بعد انهيار نظام إنتاج الأستديو في هوليوود، ومع توجه جمهور السينما نحو البيوت لمشاهدة التلفزيون وبعد ذلك الفيديو... [5]

    لقد أحدثت الصورة إنهياراً متسارعاً في حدود الزمان والمكان، في عملية افتئات واسعة النطاق على المصادر الثقافية التقليدية، في سياق صنع استقطاب ثقافي عولمي، يقطع صلة المجتمعات بجذورها الثقافية، ومنظومات قيمها، ويستوعبها في دورة إتصالية بالغة الثراء، ولكن وفق شروط ثقافية قهرية، تكون فيها الصورة أداة إعادة تشكيل الوعي، مفضية الى قطيعة مع الثقافة المكتوبة وتكوينها العقلاني. بالنسبة للمجتمعات القروية والريفية، كانت صدمة الصورة عنيفة، أحدثت معها زلزلاً مدمّراً أحياناً في نظام القيم الاجتماعية، قياساً الى المجتمعات المدنية والحضرية التي عاشت تحوّلاً إتصالياً تدريجياً.

    لاريب، وإنصافاً في القول، أن الصورة ساعدت في تسهيل استيعاب الطلاب للنظريات العلمية المعقّدة، وأن حضور الصورة في العلوم التطبيقية والنظرية والطبية والهندسية وحتى العلوم الانسانية ساعد في جعل المادة العلمية سهلة الهضم ذهنياً. فقد شغلت الصورة حيزاً هاماً في مناهج التعليم المدرسي، على حساب مساحة النص المكتوب، الذي بات مرهوناً للعون الذي تقدّمه الصورة في اكمال وظيفة التعليم. يحلل ايريك هوبزباوم ذلك بما نصه «فمن يقرؤون الكتب لأغراض جدية، خلا الاغراض المهنية أو التعليمية أو الاغراض المشابهة الاخرى، كانو قلة قليلة. ومع أن الثورة التعليمية قد زادت من أعدادهم على نحو مطلق، فإن سهولة القراءة تراجعت في دول ذات تعليم شامل نظرياً، حيث توقفت الطباعة عن أن تكون البوابة الرئيسية الى العالم فيما وراء الاتصال ما بين الفم والأذن. ففي أعقاب الخمسينات لم يعد حتى أطفال الطبقات المثقفة في عالم الغرب الغني يقبلون على القراءة عن طواعية كما كان يفعل آباؤهم»[6] .

    في المقابل، كسرت ثقافة الصورة إحتكارية مصادر التربية التقليدية، فلم تعد الأم مصدراً مهيمناً للتربية، فقد أصبح الطفل يخضع لمصادر تربوية أخرى. فلم يعد الطفل يلبس ويتصرف ويفكّر كما تشاء أمه، فقد أصبح منهوباً لتبدّلات تربوية دراماتيكية تستجيب لطبيعة الصور التي تتسلل إليه بدون انقطاع عبر الشاشة. يقول أحدهم:

    «اندهشت عندما دخلت الصغيرة ذات السنوات الخمسة، وهى ترتدى «الهاف ستومك»،وتضع «المانيكير»، و«الروج»، وترتدى حذاءً ذا كعب عالٍ، وقصة شعرها مثل الراقصة «فلانة».

    يرى الدكتور محسن خضر أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس بأن ثمة ما يدعو للقلق إزاء طغيان ثقافة الصورة على شخصية أطفالنا ومراهقينا، فلم يعد المثل الأعلى للطفلة الأم التى معها فى المنزل، والتى كانت سابقًا تحاول تقليد دورها فى المطبخ، وفى رعاية الأطفال، فتقوم بنفس الدور مع عروستها، ولم يعد المثل المعلمة أو الأخوات الكبار، بل أصبحت القدوة والمثل الأعلى نماذج غير سوية تفرضها ثقافة الصورة، وتروج لها ليل نهار[7] .

    ولأن التقليد هو منتوج بصري بدرجة أساسية، فإن تعدد الوسائط البصرية يزيد في مساحة التقليد وأشكاله. فقد كان الطفل الرضيع يقلّد والدته وإخوانه في البيت، ولكن حين يكبر يشاهد التلفزيون، ويذهب الى الروضة والمدرسة، ويذهب الى السينما ويمضي وقتاً طويلاً نسبياً في الألعاب الألكترونية ويخرج الى السوق، وتقع عينه على شريط طويل من الصور المتدفقة التي بالتأكيد ستنطبع في ذهنه وتنعكس في سلوكه جزئياً أو كلياً.

    ما سبق يلفت الإنتباه إلى الثورة الإعلانية التي قامت على تأثير وسطوة الصورة التي تدفع كثيرين إلى العادات الضارة حسب تصوير رئيس سابق لإتحاد الإعلان في بريطانيا وينستون فليتشر:«لماذا يدخن بعض الناس وهم على علم بأنه مضر بالصحة؟ إنه لا بد أن يكون الإعلان. ولماذا هناك الكثير من الحمقى في شرب البيرة؟ إنه لا بد أن يكون الإعلان. ولماذا هناك الكثير من ذوي الأجسام السمينة والثقيلة الوزن؟ إنه لا بد أن يكون الإعلان؟ ولماذا يذهب كثير من الناس لإصلاح التسوس في أسنانهم؟ إنه لا بد أن يكون الإعلان؟ ولماذا ينغّص الأطفال على آبائهم من أجل ألعاب الأعياد؟ إنه لا بد أن يكون الإعلان. ويخلص فليتشر من ذلك للقول:«إن هذه القائمة من التأثيرات الإعلانية في الغالب لا نهاية لها.. إن قوة الإعلان تدفع الناس لشراء أشياء ليسوا بحاجة إليها، ولا يريدونها، وفي الغالب مضرّة بالصحة»[8] .

    فمنذ الستينات فصاعداً كانت الصورة التي رافقت الناس في الغرب وكذلك في العالم الثالث المتحضر على نحو مضطرد منذ الولادة حتى اللحد هي تلك التي تروّج للاستهلاك أو تجسّده أو التي تكرّس نفسها للتسلية الجماهيرية ذات الطابع التجاري[9] . فسيطرة النزعة الإستهلاكية والإتصالات الجماعية على المجتمع يرهن الأفراد للقيام بأدوار قد حدّدها لهم غيرهم، وهذا الشكل الحديث للتبعية[10] . فالصورة التي أضحت أيقونات «رموز» لتلك المجتمعات هي صور التسلية الجماعية والاستهلاك الجماعي: رايات وعلب. ولم يكن من دواعي الدهشة أن تتنازل مدرسة الرسامين الرائدة في الخمسينات، في وطن الديمقراطية الإستهلاكية، أمام صانعي الصور الأقوى كثيراً من الفن ذي الطابع القديم، وهو ما أدَّى لإطاحة الفنون الفرعبة، أي «اندثار الحداثة»[11] .

    مداهمة الإغراء للمجتمع الاستهلاكي،كمقدمة للإستحواذ عليه، شجّعت نظام الإنتاج الصناعي على اقتحام، الى جانب الثقافة الجماهيرية، مجال الأعمال الفكرية، صابًّاً إهتمامه على ربح الأسواق، مكرهين الثقافة الحقيقية على اخلاء مواقعها في سبيل مصالح تجارية لنظام الإنتاج الصناعي[12] . فتطوّر تكنولوجيا الإتصال أدى، في نهاية المطاف، إلى موت الثقافة، وجعل من المثقفين مجرد طبقة كسيحة لا تلوي على قدرة الفكاك من أسر الصورة اليومية التي تصيغ وعي الجمهور العريض.

    تأثير التكنولوجيا الكاسح كان اشتغالاً مرّاً لدى بنجامين في مقالته المنشورة عام 1936 عن «العمل الفني في عصر إمكانية إعادة نسخه التقنية». إن خروج الفن، بحسب بنجامين، من حدوده المؤسسية لم يعد يظهر وحسب، أو حتى بشكل أساسي، مرتبطاً بيوتوبيا إعادة اندماج، ميتافيريقية، أو ثورية، للوجود، بل بالأحرى، مرتبط بحدث التكنولوجيات الحديثة التي تسمح، وحتى تحدد في الواقع، شكل تعميم للعنصر الاسطيطيقي «=الجمالي». مع حدث إمكان النسخ التقني، للعمل الفني، لا تفقد فنون الماضي وحدها تلك الهالة التي تحوطها وتعزلها عن باقي الوجود عازلة في اللحظة ذاتها، دائرة التجربة الاسطيطيقية ذاتها، بل تولّد أشكال فن يكون إمكان نسخها مكوِّن لها: مثل السينما والصورة الضوئية، ههنا، ليس وحسب لا تعرف الأعمال الفنية النسخة الأصلية «الأصل»، بل يميل الفارق بين المنتجين والمستهلكين الى الامحاء، إن لم يكن الا لأن هذه الفنون تنحل في الإستعمال التقني للآلات، وهكذا تتم تصفية قوله عن العبقرية «وهي في الحقيقة ليست سوى الهالة المرئية من منظور الفنان».. فكرة بنجامين عن التبدلات الحاسمية للتجربة الاسطيطيقية في عصر إمكان نسخها تمثّل الإنتقال بين الدلالة الخيالية الثورية لموت الفن ودلالته التكنولوجية، التي تنتهي إلى نظرية الثقافة الجماهيرية[13] . من وجهة نظر أدغار موران فإن التقدم في الإعلام والمعرفة هو الذي سبّب التقدم في التحريف والجهل، وأن القوى المهددة بالقوة الإعلامية التي تحملها وسائل الإعلام الجماهيرية لم تجد وسائل أخرى سوى استعبادها وتحويلها الى أدوات تضليل. فالصورة الفوتوغرافية، منذ ظهرت، سبّبت تلفيقة "الصورة الروحانية" التي تظهر، فيها، أطياف وأشباح. ويخلص بالقول: أن تقدم الأكذوبة في مجال الإعلام هو الرد على التقدم الإمكاني للحقيقة التي كان يحملها نمو وسائل الإعلام الجماهيرية[14] .

    وكان رهط من المثقفين الفرنسيين في القرن الماضي، أمثال ميشيل فوكو، انتقد الإفراط في استنزاف حاسة الإبصار بفعل ما أنتجته هذه الحاسة في العالم الحديث، لانه يفضي، في جوهره، إلى إلحاق الضرر بالعقل. فقد محقت الصورة سلطة المثقف، بوصفه حارساً تقليدياً على المعرفة وأداة لتغيير الواقع، فقد أنزله الإعلام الجماهيري إلى مستوى المتلّقي والمراقب. ويرى فوكو بأن مجتمعنا الحالي ليس هو مجتمع المشهد، لكنه مجتمع المراقبة، فنحن لسنا في قاعة المسرح ولا على خشبته، لكننا موجودون داخل منظومة الرؤية الكلية الخاصة بالمراقبة.

    فالمنتحبون على موت الفن، يحمّلون وسائل الإعلام الجماهيرية مسؤولية موته، حيث يأخذ شكل «انتحار إحتجاجي ضد المبتذل والثقافة الجماهيرية غير النزيهة، وضد إضفاء الصفة الإسطيطيقية على الوجود في مستواه الأكثر تدنياً أو الأضعف»[15] .

    تاريخياً، بات مألوفاً أن التحوّلات الجوهرية في المجال الإتصالي تفضي الى هزّات ثقافية، بما يجعل العلاقة الجدلية بين وسائل الإتصال ومسار الثقافة صميمية. ولكن هذه العلاقة لا تعبّر بالضرورة عن طبيعة توافقية بينهما، من حيث الإرتباط بين التطوّر الإتصالي والمضمون الثقافي، فليس كل تطوّر إتصالي يشي بعمق ثقافي، ذلك أن عصر ثقافة الصورة، في نظر المثقّف، بمثابة جناية كبرى على الثقافة الإنسانية، كونها صادرت مفهوم الثقافة، وأغراضها، وأريد من المثقفين أن يكونوا أزلاماً يعملون لخدمة سدنة الصورة، بما ينذر بموت الثقافة. لا يكفي تضييق المسافات والأمكنة إتصالياً من أجل تسهيل التداول الثقافي بين الشعوب، ولكن ثمة إشكالية جوهرية تحيق بهذه المهمة، حين تحيل من الثراء الإتصالي الى مصدر تسطيح ثقافي، عبر تشجيع أشكال ثقافية بليدة تخدم مشاريع تجارية معينة، وتحويل الثقافة الى مادة تسلوية وترويحية منفلتة. إن الطلاق بين العالم التقني والعالم الثقافي يتسبب في، الى جانب كونه أبرز مسببات موت الحداثة، اندثار القضايا الكبرى والقيم الكبرى، التي دافع عنها روّاد الحداثة، فيما أطلقت الصورة العنان لسيادة التقنية.

    فالصورة الآن تستغرق الفضاء الثقافي، وتسجّل حضورها في الحقول العلمية والمعرفية والإتصالية قاطبة، فهي في السينما، والتلفزيون، وفي الصحف اليومية والمجلات، وفي الكتب المدرسية، وعلى الجدران والإعلانات التجارية، بحيث أصبحت جزءً من المشهد اليومي. فالصورة وإن حازت قدرة على تفجير ما أسماه الدكتور محمود الذوادي بالشُحن الماردة، تمهيداً لاطلاق حوار ثقافي واسع، الا أنها لا تشي بالضرورة بمنتوجات ثقافية رصينة.

    يشرح الناقد الادبي عبد الله الغذامي التحوّلات التاريخية لأدوات التواصل الثقافي، بدءاً من المشافهة، مروراً بالكتابة التي حلّت مكانها، حيث فرضت نسقاً ثقافياً متطوّراً، وفتحت أفق الوظيفة الثقافية من كونها ملكة خاصة بطبقة الحفّاظ الى ملكة مفتوحة على النشاط الذهني عموماً. فبعد أن كانت الثقافة الشفهية تقوم على التواصل بين اللسان والأذن، أصبحت الثقافة تقوم على القلم والعين.

    نشهد الآن تحوّلاً دراماتيكياً يهدد تراثنا الثقافي والادبي، ويرى الغذامي تحوّلاً في وظيفة النقد الادبي تبعاً للتحوّل الثقافي حيث انتقل الجمهور من ثقافة الأدب إلى الثقافة العامة، أي ثقافة الصورة مثلاً ثقافة الدراما، ثقافة السينما إلى آخر ثقافة متنوعة وهذا التغيّر يقتضي أيضا تغيّراً في الأداة النقدية لكي تواجه هذا التغير الضخم.. فلم يعد الناس يهتمون بقصيدة لأحمد شوقي أو لأدونيس كما يهتمون بأغنية بالفيديو كليب أو بدراما تلفزيونية.. ويعلن الغذامي بلهجة لا تخلو من الحسرة على «موت الأدب» مع بداية عصر الصورة، مطالباً بمواكبة هذا التغيّر كيما يكون للنقد القدرة على مواكبة هذا المتغير «ولهذا السبب أصبح النقد الثقافي هو الصيغة الملائمة لهذا التغير الثقافي الضخم»[16] .


    صاروخ لحزب الله تم رصده
    خلال انطلاقه من جنوب لبنان باتجاه
    شمال إسرائيل - تموز 2006



    وحول تأثير الصورة وقوتها، يشير الغذامي إلى الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان في يوليو أغسطس 2006، وقال: «إن الصور التي رأيناها طوال 33 يوماً عبر الفضائيات، أعادت للمواطن العربي والمسلم الضمير المنتصر، وهذا ما لم تستطع القصائد الحماسية فعله»، مضيفاً: «في الماضي، خدعتنا الخطابة البلاغية التي انتهت في عهد الصورة... خلال خمس سنوات لم أشهد خطاباً واحداً يخلو من البلاغة الرنانة، إلا خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الذي يسير وفق ما تتطلبه المرحلة، التي لا تعتمد إلا على الفعل قبل القول البليغ»، واصفاً إياه ب- «خطاب المرحلة بكل المقاييس العلمية، التي تتماشى وثقافة الصورة، خصوصاً خطابه الأول الذي أعلن فيه عن تدمير البارجة الإسرائيلية»[17] .

    مقارنة بسيطة لمحتويات ذاكرتنا بين حروب العرب من 1948 الى 1973 والحروب التي اندلعت في عصر الصورة، بدءً من حرب الخليج الثانية 1991 وحتى حرب تموز 2006، سنجد أن فارقاً هائلاً بين نسبة المعلومات الى كمية الصور، فقد بدا في الحروب التالية تسيّد الصورة لذاكرتنا الجمعية، بما يجعلها مفتاحاً لكمية المعلومات المضغوطة فيها..

    إختبار عاجل لقائمة عشوائية من الصور المكتظة في ذاكرتنا تكشف عن درجة الوعي: عاصفة الصحراء، شوارتسكوف، حفر الباطن، الخفجي، محمد الدرّة، شارون، الإنتفاضة، عناقيد الغضب، قانا الأولى، حرب تموز، حسن نصر الله، البارجة الحربية الاسرائيلية، قانا الثانية، تسونامي، إعصار كاترينا، برجي التجارة، القاعدة، بن لادن.. الخ. إن أول ما يقفز من هذه القائمة هو سلسلة صورة متراّصة، تحتوي على كميات متفاوتة من المعلومات، فمنسوب الذاكرة الصورية لدينا تكاد تتساوى، بما يوحي وكأن المسافة الثقافية بين الأفراد محكومة الى كمية الصورة المحشورة في ذاكرة كلٍّ منا.

    لقد امتصّت الصورة الطاقة الإبداعية للغة، فتحوّلت هي ذاتها إلى لغة، فبعد أن كان الفنان يستعير بالكلمات المجرّدة من أجل توصيف واقع ما، نجحت اللغة البصرية في اقتحام المجال الابداعي، حيث يتحول الموصوف اللامرئي إلى مادة بصرية قادرة على الإفصاح عن ذاتها بلغة صورية مكتنزة بالدلالات، والايحاءات، وأشكال التعبير التي تقتحم المخيال الإنساني وتزخمه بحزمة إشارات بصرية تضاهي بل تتفوق على القدرة الإبداعية والقوة التعبيرية للغة المجرّدة.

    فقد بات المثقف مطوّقاً بضراوة الصورة، التي نزعت منه سلطة كان يتمتع بها فيما مضى، على وقع تقهقر متواصل لدور الكلمة المكتوبة، التي يعوّل عليها في صنع رؤية للعالم وتغييره، فقد خرجت السيطرة من مجالها الثقافي التقليدي وانتقلت إلى مراكز جديدة، تضطلع بدور صنع الرؤى والتأثير فيها، ممثلة في أبطال الصورة الذين يتربّعون على عرش الثقافة الجماهيرية من نجوم الغناء، وأبطال الأفلام وكرة القدم، ومصممي الأزياء.. فهؤلاء يحققون انتشاراً كونياً، ويضخُّون قيماً استهلاكية تغمر الكيانات الثقافية بكل تجيهزاتها الإتصالية، ووعودها المثالية، وتسلب منها قدرة المجابهة مع مارد الصورة العابر للقارات، فقد سبقت الصورة إلى تحقيق فكرة القرية العالمية، وصولاً إلى تفكيك المنظومات الثقافية والقيمية السائدة، فغلبة الصوت والصورة القائمين على التقنية بمثابة ضغط شديد على الأداة الرئيسية لتجربة الثقافة الرفيعة المستمرة، أي الكلمة المطبوعة، بحسب ايريك هوبزباوم[18] .

    لم تعد الصورة لحظة زمنية جامدة، ولا حالة ثقافية محايدة، يقول ريجس دوبريه بأن «المكتوب نقدي أما الصورة فنرجسية».. بيد أن زمن الصورة الخام قد أدبر، وأصبحنا أمام اكتظاظ تأويلي، حيث تفتح آفاق التأمل على وقع الاشعاعات الثقافية المنبعثة من مسامات الصورة، لا بوصفها ذاتاً محنّطة أو تسجيلاً محايداً للحظة زمنية، بل بكونها حافظة لمعانٍ مضغوطة، تنبّث لحظة بلوغها نقطة المشاهدة، أي أنها تصبح خاماً حين تفقد وظيفتها، باعتبارها مادة للإبصار، فهي عمياء لا ترى لأن غرضها أن تمنح رؤية، وهي تجهل ذاتها ما لم تلق من يكتشفها ليحيلها الى مصدر معرفي، وهنا تفقد الصورة عذريتها وتزول حياديتها، لأنها تكون خاضعة تحت تأثير المعاني المتعددة المستخرجة منها، وفق النزوعات الأيديولوجية لقراء الصورة، الذين يعملون آلات التأويل والفهم واللغة لصوغ مفاعيلها الداخلية، والتي تعبّر عن نفسها في علاقة حوارية تكون أحياناً ذات طبيعة صامته وأحياناً فاعلة، تترجمها مواقف ومشاعر وربما ألفاظ.

    تنبّه العالم، مؤخراً، بفعل الإرتدادات الإنقلابية للصورة، الى أن الاخيرة كسرت مفهوم الحيادية، بعد أن كانت تمثّل التجلي الأمثل للحقيقة، فقد بات بإمكان الصورة أن تبطن أيديولوجية صانعها.. فصنمية الصور، أنها لاتقول كل الحكاية، على حد عبارة جان بودريار. وبإمكان الصورة أن تكون غير محايدة بالإحتجاب كلياً أو جزئياً. في بعدها الإعلامي المباشر، بدا واضحاً للمراقبين للتقارير التلفزيونية الأميركية والبريطانية حول المعارك بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان منذ نهاية يوليو 1993، أن هناك إنحيازية واضحة للموقف الاسرائيلي، فلم تأت التقارير المصوّرة تلك على ذكر موضوع الإحتلال الاسرائيلي لأراضٍ لبنانية ولا الغارات الجوية الوحشية على الأحياء المدنية وعمليات التهجير الجماعية، والسبب في ذلك أن المالكين متعاطفون مع اسرائيل. وفي مثال شبكة سكاي البريطانية، الذي يمتلك روبروت مردوخ 50 بالمئة من أسهمها، ليس باستطاعة أحد أن يقدّم رأياً خارج قناعة الملاّك. وحسب توم بايستو، فإن بإمكان المحررين الحصول على أكبر قدر من الحرية التي يمنحها لهم الملاّك، وأن المحررين الذين يبقون على غير انسجام مع نظرة الملاّك للواقع الدولي لا يعمِّرون طويلاً في مواقعهم[19] .
    [/align]





  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,706

    افتراضي

    [align=justify]

    [align=center][/align]

    بالتأكيد، فإن سقوط حيادية الصورة، أحالها الى منطقة فراغ تبيح تضارب الرؤية والتحليل، وبذلك تفقد جوهرها ووظيفتها باعتبارها توثيقاً بصرياً للحظة زمنية بشخوصها وأشخاصها، فهي تفقدنا قيمة الشهادة التي تعكسها الصورة، وتجيز للكلمات إستباحة سيادتها الكاملة عبر إقحامها في أتون الخداع، بعد أن كنا نعتقد بأن الصورة ستكون مصدر الخلاص من شقاء الكتابة الخادعة. فقد تخلق صورتان من زاويتين مختلفتين لمشهد واحد إنطباعين متباينين وربما متناقضين. ومن وحي تجربة شخصية، وجدت نفسي أمام خدعة بصرية مثيرة للدهشة، فبعد أن كنت شاهداً على مجاميع من المؤّيدين لتيار سياسي في لبنان وهم يدلفون نحو ساحة الشهداء وسط العاصمة بيروت، وإذا بي أشاهد على شاشة التلفزيون صورة أمامية لمظاهرة حاشدة في بيروت توحي وكأن عدد المشاركين قد ناهز المليون، فيما كشفت صور أخرى من زوايا علوية أن الحشد ضئيل الشأن بالقياس الى «الواقع المصوّر».

    ما يشي به هذا الموقف المخادع، أن الصورة تمارس فن صنع واقع آخر غير الواقع الفعلي، وذلك يشل ملكة الرؤية للعين في الكشف عن الحقيقة، فالصورة تصنع حقيقة مضادة أحياناً، بما يحيل إلى خطر آخر يمكن تفسيره على هذا النحو: أن اجتياح الصورة عطّل غريزية البحث عنها، فحضورها الكثيف واللحظوي أسبغ عليها مشروعية واقعية، إذ لم يعد هناك رغبة التحرر منها، فقد تدجّنت الحاسة البصرية بفعل تمكيث الصورة، في سياق عملية تعليب للوعي عبر حزمة إملاءات غير مباشرة تفرضها الأجواء النفسية للصورة، فهي تصنع مناخاً قهرياً لصنع القرارات وتشكيل العواطف، وصوغ الافكار، وتحقق ذلك تحت وطأة إدمانها، دون إحساس منا بالعدوان أو الإنتهاك لحقنا في الإعتقاد الحر. فالإنبهار الفائض للصورة يخدعنا فنقابله بالسماح بتسلله الى المخبوء في لاوعينا لجهة إحداث تعديل في منظوماتنا الفكرية، ليخرج وعينا على هيئة الصورة الإفتراضية بل والوهمية للواقع.

    نستحضر هنا مثالاً موارباً: في السابع عشر من أكتوبر 2006، بثّ أحد المواقع على شبكة الإنترنت صورة مفبركة منسوبة إلى شركة ليجو «LEGO» المتخصصة في ألعاب الأطفال في أرجاء عديدة من العالم عبر البريد الالكتروني. هذه الصورة التي نجح برنامج الفوتوشوب في تخليقها عبر استعمال مكوّنات الشركة المذكورة، تصوّر النبي محمد «ص» في وضع ذي طبيعة جنسية، مشتملاً على نص هجومي، الأمر الذي اضطر الشركة لإصدار بيان عاجل تكذّب فيه الإعلان، وتستنكر الطريقة التي اتّبعتها الجهة مجهولة الهوية باستعمال منتجات ليجو وإسمها. وقامت الشركة بالتعاون مع الشرطة الدنماركية بالتحقيق في هذا الأمر. ترويج مثل هذه الصورة في سياق المشاعر الدينية المتفجّرة لدى المسلمين عقب انتشار رسوم الكاريكتير في الصحف الدنماركية حول نبي الإسلام المصطفى «صلى الله عليه وآله وسلم» يجعل من تمرير مثل هذه الصورة المفبركة أمراً ممكناً، إذ سيكون عبورها إلى الذاكرة الصوّرية الجماعية التي تشكّلت في أتون أزمة الكاريكاتير الدنماركي مشروعاً وسهلاً، ولا يحتاج انتشارها أكثر من شخص واحد يقوم بتمريرها عبر قوائم العناوين الالكترونية «الايميل» إلى مجموعة من المصابين بعدوى الجمهور، لتتكفل الهلوسة الجماعية بإضفاء طابع الصدقية والإنتشار لكي يكون الزيف حقيقة دامغة.

    وفي الربع الاول من العام 2004 تفجّرت قصة اغتصاب في السعودية، وزادها رواجاً وإثارة انبثاث لقطة مصوّرة على جهاز موبايل لعملية الإغتصاب على شبكة الإنترنت، عرفت بإسم «عملية الباندا» نسبة الى نوع جهاز الموبايل، وقد أحصى أستاذ في العلوم الاجتماعية بجامعة الملك سعود بالرياض دخول 500 ألف شخص على الموقع الذي حوى اللقطة المصوّرة خلال نصف ساعة بغرض المشاهدة.

    المشاركون في المواقع الحوارية يفضّلون أن يرفقوا «صورة» إلى مشاركاتهم الحوارية كعنصر إثارة وجذب للقراء. ما يثير الإشمئزاز أحياناً لجوء الفرقاء السياسيين إلى التلفزيون من أجل العبث بوعي الجمهور، بحيث أصبحت الصورة سلاحاً بيد أولئك الذين يراهنون على إبطال مفعول المناعة الأخلاقية والنفسية والفكرية لدى الجمهور عبر تزويدهم بصور ذات طبيعة تحريضية.

    يحلل غوستاف لوبون الخصائص العامة للجماهير، في سياق العدوى التي تنتشر فيها، يقول مانصه: فالحدث الأكثر بساطة يتحول إلى حدث آخر مشوّه بمجرد أن يراه الجمهور. فالجمهور يفكر عن طريق الصور، والصورة المتشكّلة في ذهنة تثير بدورها سلسلة من الصور الأخرى بدون أي علاقة منطقية مع الأولى. ويمكننا أن نتصور بسهولة هذه الحالة عن طريق التفكير بالتتابع الغريب للأفكار التي يقودنا إليه تذكّر حدث معين. والعقل يبين لنا عدم تماسك مثل هذه الصور، ولكن الجمهور لا يرى ذلك. فالواقع إنه يخلط بين التضخيم الذي يلحقه بالحدث وبين الحدث ذاته. وبما أنه غير قادر على التمييز بين الذاتي والموضوعي فإنه يعتبر الصورة الماثلة في خياله بمثابة الواقعية والحقيقية، هذا على الرغم من أنها ذات علاقة بعيدة جداً مع الواقعة المرئية[20] .

    ولنا تخيّل كيف ستكون عليه ردود الفعل حين يستعين الصوت بالصورة كي ينسي المستمعين تشوّهاته، بل والكلمات الهابطة التي تخرج منه.. فقد لجأ كثير من المغنين الى ما يعرف ب- «فيديو كليب» ليضع الصورة بشكلها الافتضاحي ممثلاً شرعياً للصوت، ويجعل منها تظهيراً جمالياً لرمزية الكلمة الخاوية[21] . في حقيقة الأمر، أن الصورة باتت تستعمل كرداء نستر به قبح الكلمة والمعنى، حيث تنحل الصورة صفة الصانع الحقيقي للمخيال الفني والمعرفي للكلمة التي انحسر ظلها، ليس بسبب موت صانعها، ولكن بسبب احتشاد منتحليها وخاطفيها ما أدى الى انخفاض منسوب الوعي بها.

    ما سلف يدعو للزعم بأن الاحتراف البشري في مجال الصورة مزّق غشاء البراءة عنها، فلم يعد فعل الخيانة مقتصراً على اللغة «المكتوبة والملفوظة»، بل تمدَّد الى جسد الصورة، الذي أريد منه الخضوع لقوانين لعبة التحايل والخداع البصري، ولك تخيّل كيف يخون البصر البصر، بما يفقد الأخير حق المشاهدة الحرّة، فلا يعود المرئي مرئياً مجرّداً، وإنما يصبح شكلاً موارباً للمرئي، لأن الغرض منه يتجاوز حدود اللقطة بمكوّناتها، لجهة الاستدراج نحو التفكير في المراد رؤيته، والذي يعوّل عليه في تشكيل خطاب مبني من عناصر الصورة المفروضة، وهنا يبدأ فعل الخيانة للحقيقة، بدءً من تهديم بنية الصورة ذاتها، الى صوغها في كلمات تشبه ترجمة من لغة الى أخرى، فتمارس فعل خيانة أخرى، عبر تفويض قارىء ما، يفقد بالضرورة صفة الأمانة على الحقيقة المصوّرة، بتقديم قراءة مبتورة، مجتزأة، مضلِّلة، لا تنتمي الى المجال السيادي للصورة، ليجعل من قرائته نصاً رسمياً لها، كما يفعل مراسلو الفضائيات وهم ينقلون تقاريرهم المصوّرة.

    [align=left]
    صواريخ حزب الله تصيب العمق الإسرائيلي[/align]


    إن أولئك الذين قرروا اغتصاب الوعي، قد جمعوا أمرهم سلفاً على تظهير الخداع اللغوي على هيئة صورة ملتبسة، كيما تسهّل غرز الرواية الملغومة في المخيال الجمعي، عبر تقديم تفسيرات بطبيعة غوائية مستندة الى شريط صوري انتقائي، يحيل من المعتدي مظلوماً، والضحية إرهابياً، هكذا هي حال قنوات فضائية أوروبية وأميركية وهي تنقل صور النضال الفلسطيني ضد العدوان الاسرائيلي، وصور المقاومة العراقية ضد الاحتلال الاميركي، وصور الجهاد الافغاني ضد الاحتلال الناتوي. ويذكّرنا هذا المحفل الغوائي بحرب تموز/يوليو 2006، حيث كانت الصورة الثابتة والمتحرّكة الناقل الرسمي لمجريات الحرب والفاعل الأساسي في إدارة دفة الوعي والعاطفة، وقد لحظنا كيف أراد الاسرائيلي طمس معالم الجريمة بحق المدنيين في لبنان عن طريق حجب الصورة ولو بالقوة، كما جرى في معتقل الخيام الذي قامت الطائرات الاسرائيلية بتدميره بصورة كاملة، فيما أوحت للعالم الغربي بأنها تقوم بحرب النيابة عن حضارتها ضد التطرف والتخلف، ولا ترعوي عن تزويد الفضائيات الغربية بصور عن صواريخ حزب الله وهي تتساقط بالقرب من منشآت مدنية، ليحمّل مندوب اسرائيل في الأمم المتحدة حزب الله مسؤولية المجازر المتنقّلة، فيما ينقل مراسلون غربيون في لبنان ومن الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت صورة العداء للغرب وللولايات المتحدة كما تعكسها شعارات كتبت أو علّقت على بعض الأبنية المدمّرة بالصواريخ الاسرائيلية، الأميركية الصنع، «صنع في الولايات المتحدة».. هنا يكون الشعار تصديقاً للصورة المفخخة بالرواية المعدّة سلفاً، لتكون شاهداً حيّاً مصوّراً بعد حكايتها..

    يلفتنا ذلك الى ما أورده تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2003، حين أكّد على أن الثقافة العربية تواجه تحديات واضحة من جانب ركنين من أركان الثقافة العالمية الراهنة، هما سطوة وسائل الاتصال الجماهيري، وهيمنة القدرة الاقتصادية[22] . وهذا يلمح الى هاجس التجانس الثقافي مع صانع الصورة الأقوى، الذي يخلق عالماً موحداً يحمل السمات الثقافية لصورة الغرب.

    الجمهور المتلفز.. تفسيخ الوعي

    مع انطلاق الثورة الاتصالية في الستينيات من القرن الماضي، تصدّر التلفزيون الوسائل الإعلامية الأخرى من حيث حجم انتشاره وتأثيره الشديد على الشعب الاميركي حتى أطلق عليه «شعب الشاشة»، فيما أسبغت على التلفزيون نعوت عدة منها «الصندوق الأحمق Idiot Box» أو المربية الالكترونية «Electronic Babysitter»[23] . فقد نقل التلفزيون الصورة المتحرّكة وجعلها، بحسب ايريك هوبزباوم، من خصائص الحياة العائلية[24] .

    وهذا ما صدّقته انتخابات عام 1968 حيث لعبت الصورة التلفزيونية الدور الأكبر في إبراز شخصية المرشح المفضّل للرئاسة الأميركية، ما جعل التلفزيون هو الناخب الفعلي في الانتخابات الرئاسية الاميركية، وبحسب فرانك شكسبير، المدير التنفيذي لشبكة سي بي إس الاميركية، والمستشار التلفزيوني للرئيس الأسبق نيكسون «لولا التلفزيون لما كانت هناك فرصة لفوز نيكسون.. »[25] . وفي انتخابات الرئاسة الاميركية التي جرت في نوفمبر 1992 بين المرشحين الثلاثة للرئاسة وهم جورج بوش الرئيس آنذاك وبيل كلينتون، حاكم ولاية أركانسو، والملياردير روس بيرو، شكى الجمهوريون بأن وسائل الإعلام الأميركية ساهمت الى حد كبير في فوز كلينتون بالرئاسة، فيما حجبت الأضواء عن مرشحهم بوش بل وصوّرته كرئيس فاشل وانتهازي.

    ولذلك، كلما كان حضور التلفزيون في الحملات الانتخابية كثيفاً، كلما كانت الحملات تلك مهيمنة على الوعي الوطني، بما يجعل التلفزيون المحرّك الخفي لاتجاهات الناخبين. فالصور المتلفزة تترك سحرها على المشاهدن وتلعب دوراً في تشكيل الوعي، فالتلفزيون «ورث ما هو إيجابي في الصحافة أي النص وقدرته الإتصالية، وجمع إليه مزايا الإذاعة، أي حيوية الصوت البشري ودراميته، واستعار من السينما الصورة والحركة، كما استفاد من الخبرة المسرحية في قوة الحضور وحيوية الحوار ليهضم تلك المعطيات المتنوعة ويمتلك لغة تعبيرية خاصة به»[26] .

    لقد أصبحت الصورة وسيلة لاجتياح الوعي بصورة مباغتة، والتلفزيون الذي يمثل «غرفة عمليات مشتركة» يجمع بين الصورة والكلمة والصوت. علاوة على ذلك، فهو الوسيلة الوحيدة التي تأتي إليك، ولم يخفف الإنترنت من سطوة الحضور اليومي للتلفزيون، الذي بات رفيقاً دائماً فيما العلاقة مع باقي الوسائل الاخرى مؤقتة ومحدودة، ولذلك فإن التلفزيون، كوعاء لصورة متحركة، يعدّ سلاح حرب الإتصال الفاعل، والمشاهدون أسرى في معسكره.

    أمثلة عديدة يمكن رصدها في هذا الصدد:

    - فقد ترك التلفزيون أثراً بالغاً خلال حرب فيتنام، حين نشطت جماعات الضغط لوضع حد للتورط الاميركي في فيتنام العام 1973، باعتباره غير مستند على دعم شعبي، ودخل التلفزيون من خلال البث المنتظم لأهوال حرب فيتنام في تحويل الرأي العام الأميركي ضد الحرب[27] .

    - وفي غزو جزيرة غرينادا سنة 1983، ألقى الرئيس الاميركي رونالد ريغان خطاباً تلفزيونياً للشعب الأميركي حول غزو الجزيرة، استملك بواسطته وعي المشاعدين ولعب بعواطفهم، وقال «إن جرينادا هذه الجزيرة البديعة التي كانت فردوس السيّاح قد تحوّلت الى قاعدة السوفييت والكوبيين». وبهذا الخطاب التلفزيوني، قلب ريغان الرأي العام الأميركي ونجح في تضليله واكتساب تأييده، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة 65 بالمئة من الشعب الأميركي كانت مع قرار غزو الجزيرة.

    - أُجري عدد من التحاليل على أثر الصوت القادم من التلفزيون خلال الحملة الإنتخابية سنة 1972، فأظهرت النتائج أن ما علق بذاكرة المشاهدين من الأنباء المصوّرة كانت الصور لا التعليقات، وكانت نسبة الأخيرة لا تزيد عن 20 بالمئة. ويقول الصحافي الاميركي ديفيد برودر «هناك عدد من دارسي الاعلام والاتصال، مثل لورنس ليشتي، من جامعة ميرلاند، ممن يجادلون بأن تأثير التلفزيون مبالغ فيه، وهم يقولون بأن ثلثي الاميركيين البالغون يقرأون الصحيفة كل يوم، ولكن الذين لا يشاهدون أخبار التلفزيون يومياً لا تزيد نسبتهم على الثلث، ولكنني كشخص يظهر أسمه في صحيفة كبيرة كل يوم تقريباً، ويظهر في التلفزيون أحياناً، فإنني أعرف مالذي يتذكره الناس، ويؤلمني أن أعترف بأن أوستن راني مؤلف كتاب «قنوات السلطة» كان محقاً عندما أورد في كتابه بأن «نشرات الأخبار التلفزيونية والبرامج العامة في التلفزيون تشكل ولا ريب المصادر الرئيسية للحقيقة السياسية بالنسبة لغالبية الأميركيين»[28] .

    [align=right][/align]

    إنطلاقاً من العام 1980 أصبحت سي إن ان أول محطة أخبارية في العالم تبث على مدار أربع وعشرين ساعة تتربع على عرش صناعة الصورة. وقد وصفت بأنها «صانعة قرية مارشال ماكلوهان العالمية»، وكانت اللاعب الفاعل في حرب الخليج الثانية، حتى قيل عنها بأنها «بطلة حرب الخليج بلا منازع» بعد أن سيطرت صورتها على الرأي العام وبدأت تهيمن على وعي العالم. وفي العام 1986 بدأت شبكة سي إن إن الدولية بالبث من أوروبا، وكانت تلتقط في 140 بلداً و70 منطقة في العالم، وأصبحت في العام 1990 تستقبل في ألف فندق في أنحاء العالم، إضافة الى مئات المكاتب الحكومية وخاصة وزارات الاعلام ورئاسات مجلس الوزراء في دول العالم الثالث، كما أضافت بعض شركات الخطوط القناة الى خدماتها للمسافرين.

    في مثال سي إن إن نجد أن الاعلام الاميركي يستبدل الأيديولوجيا الحاضرة بكثافة في الإعلام السوفييتي السابق بالتكنولوجيا، التي تحوّلت بذاتها إلى أيديولوجية بديلة، تترك آثارها في الرأي العام بصورة مؤثرة وفاعلة، ولذلك، أصبح الاعلام الاميركي مبشّراً في أكبر إرسالية تطوف العالم بإسم الراسمالية الغربية. من وجهة نظر ميشيل ديفر نائب رئيس موظفي البيت الأبيض في ولاية رونالد ريجان الأولى «1980 -1984» التي ذكرها للصحافي روبرت شير من صحيفة لوس أنجليس تايمز سنة 1984: إن كل عملنا أصبح يتأثر الآن يشبكات التلفزيون.. حيث أن مائة مليون شخص في هذه البلاد يحصلون على أخبارهم منها. ولهذا فإن الأخبار المصوّرة مهمة جداً.. إن هذه الاخبار لها نفس الأهمية التي لأقوالنا.. وبحسب إحصائيات صادرة سنة 1992 قدّرت الجمهور اليومي للتلفزيون الأميركي بما يربو عن مليار شخص بعد افتتاحها محطات تقوية في عدد من بلدان العالم بما في ذلك الشرق الاوسط.

    إدغار موران وصف ثقافة التلفزيون بثقافة الجمهرة بفعل غسيل الدماغ الجمعي الذي تقوم به مسلسلات وبرامج التلفزيون الفضائي الأميركي، لصنع ثقافة الخضوع التي تتطّبع على قيم المالك الأصلي للصورة. يقول جياني فاتيمو «من السهل علينا بيان أن تاريخ فن التصوير، أو أفضل من ذلك، الفنون البصرية، كما تاريخ الشعر في العقود الأخيرة لا معنى لها الا بربطها بعالم صور وسائل الإعلام الجماهيرية أو بلغتها، المقصود، مرة أخرى، علاقات يمكن أن تكون بشكل عام مصنّفة تحت المقولة الهيدجرية الإبلال: علاقات تهكمية أيقونية تضاعف وتلغي أساس صور الثقافة المجمهرة وكلماتها، وليس وحسب بمعنى نفي لهذه الثقافة»[29] .

    لقد أحبط البث التلفزيوني الفضائي مبررات الإستمرار في الجدل العقيم حول تأثيرات التلفزيون على وعي الجمهور وسلوكه، فقد تكشّف منذ التسعينيات أن التلفزيون يرسم 70 بالمئة من صورة العالم في ذهن المشاهد، وفي ظل ثورة الإتصالات المتفاعلة يتوّقع ارتفاع النسبة الى 90 بالمئة. وسعت الولايات المتحدة الى فرض هيمنتها على أسواق التلفزيون، لترسيخ نمط حياة شبابها عبر الإسطوانات والأشرطة ولاحقاً عبر التوزيع العالمي للصور الى جانب وسائل أخرى[30] . وهذا يلمح الى فناء السيادات الثقافية لدول، فلم تعد للأخيرة قدرة على ضبط حركة تدفق المعلومات والصور الى داخل حدودها، فكل شيء بات قريباً وسهل التناول والتداول. فقد استطاع التلفزيون، مثالاً، جعل ماهو بعيد في الزمان والمكان قريباً ومتزامناً، بحسب جان كازينوف[31] .

    يوجد في الولايات المتحدة اليوم أكثر من 170 شركة تلفزيونية تبيع أفلاماً للعرض لأكثر من 130 بلداً تقدر ب- «250» ألف ساعة. وأن شركة واحدة مثل «وكالة فيزنيوز» للأنباء المصوّرة البالغ عدد أعضائها حوالي 200 محطة تلفزيونية من 120 بلداً تملك شبكة واسعة من المراسلين وتوزع ما مقداره 30 فيلماً أخبارياً في اليوم الواحد، وبعد بيعها الى وكالة رويترز في العام 1992 حيث أصبح إسمها منذ العام 1993 رويترز تيليفيجن، تضاعف عدد القنوات المشتركة في خدمات الوكالة خمس مرات.

    في السياق نفسه، يمكن إضافة أن وزارة الدفاع الاميركية تمتلك 24 مليون من أصل 30 مليون ميل من نظام الإتصالات الاميركي، وللقوات البحرية وحدها علاقة منتظمة مع 600 محطة تلفزيونية و5000 محطة إذاعية في شتى أرجاء العالم وعشرات المحطات التلفزيونية في أميركا وتصدر ما يقرب من 1000 جريدة و400 مجلة و12 مليون نشرة مختلفة في أنحاء العالم[32] . وتدرك وزارة الدفاع الاميركية تأثير الصورة في صنع اتجاهات معارضة لسياستها في العالم. ففي عملية ما سمي ب- «إعادة الأمل» في الصومال في ديسمبر 1992، منع البنتاغون الصحافيين كافة من الوصول إلى مسرح العمليات دون تنسيق مع مكتب الإعلام في البنتاغون. وقد عبّرت وزارة الدفاع الأميركية عن احتجاجها في الثامن من ديسمبر 1992 على تغطية وسائل الإعلام مباشرة لوصول طلائع رجال البحرية الأميركية إلى الصومال مؤكّدة أن استخدام الأضواء الكاشفة للتلفزيون كان يمكن أن يعرض حياة الجنود للخطر دون طائل. وقال المتحدث بإسم البنتاغون بيت وليامز أن «الرجال مدّربون على العمل ليلاً، ومزوّدون بأجهزة للرؤية الليلية. وقد فوجئوا كي لا نقول أكثر بأضواء فلاشات آلات التصوير وبالإضاءة». وفي تعليق للكولونيل ديف بوريي المسؤول في مكتب إعلام البنتاغون أن عدداً كبيراً من المشاهدين وبينهم أفراد من عائلات الجنود إتصلوا بمكتبه بعد أن شاهدوا صور الإنزال مباشرة ليعبروا عن سخطهم وغضبهم، وأضاف «لقد اعتبروا التغطية الصحافية خطراً محتملاً على أقربائهم».

    ثقافة الصورة.. البعد الاجتماعي/الاخلاقي

    يمكن تحديد التأثيرات المفترضة لثقافة الصورة على السلوك البشري، استناداً الى خلاصة ما توصلت اليه دراسات أكاديمية حول الاتصال الجماهيري:

    1 المؤالفة Socialization: حيث يسهم الاعلام المرئي في احتواء الفرد داخل إطار إجتماعي محدد، ويفرض عليه بمرور الوقت الاستجابة لمتطلباته.

    2 السيطرة الاجتماعية Social Control: ويلعب الإعلام بطريقة ما في إعادة إنتاج للنظام الاجتماعي القائم، عن طريق إثارة احتجاجات مستمرة تجاه النظر للأشياء كما هي، وينسحب ذلك على السلوك القانوني، والنظرة السياسية.

    3 إعداد الأجندة Agenda Setting: وهو هدف غير مباشر، مبني على فكرة أن الإعلام عموماً والمرئي منه خصوصاً يحدد النظرات حيال الحوادث والموضوعات التي تستحق الإهتمام.

    4 المخاوف الأخلاقية Moral Panics: وهي تأثيرات نابعة من كون الإعلام ممثلاً لجماعة فرعية أو ثقافة فرعية بوصفها خطرة أو شاذة.

    5 التبدّل السلوكي Changing Attitude: ويحدث هذا التبدل كنتيجة مباشرة للتعبئة الفاضحة والاهتيالية Traumatic Exposure أو كنتيجة للتناوب الناجح Successful Alteration بطريقة تدفع الناس للتفكير في موضوعات محددة لتهيئتهم للتصرف بحسب أفكارهم ونظراتهم الجديدة.




    الطفلان اللذان قتلا الطفل جيمس بولجرفي منتصف فبراير 1993

    تعرّض المجتمع البريطاني لصدمة عنيفة على وقع جريمة أقدم عليها طفلان في سن العاشرة بقتل الطفل جيمس بولجر في إحدى ضواحي ليفربول وألقيا بجثته قرب سكة القطار. وقد لعبت الصورة في تحريك المشاعر الوطنية، ما دفع برئيس الوزراء السابق جون ميجور إلى توجيه انتقادات شديدة اللهجة الى منتجات هوليوود، وقال بأن للتفزيون تأثيراً خطيراً على ارتفاع معدل الجريمة، حيث أظهرت إحصائية في بداية التسعينيات أن الطفل البريطاني يشاهد 18 ألف جريمة قتل سنوياً على شاشة التلفزيون. ولم تفلح النقاشات في دوائر عليا للحكومة من وقف تدفق صور العنف، فامتثلوا لقانون المنتجين في هوليوود القائل: إننا نلبي رغبة الجمهور!

    وكان تقرير صادر سنة 1984 ذكر «أن التعرّض المستمر للعنف المتلفز واحد من الأسباب والدوافع للتصرفات العنفية، كالجريمة، والتشابكات بين أفراد المجتمع». وذكرت صحيفة التايمز اللندنية «أن الطفل الملازم للتلفزيون يشاهد على الشاشة قبل بلوغ سن الرابعة عشر ما لايقل عن اغتيال 18 ألف شخص». وفي عام 1991 نشر ستانلي روثمن وروبرت وليندا نتائج مشروع رصد لستمائة برنامج تلفزيوني عرف بإسم «مراقبة أميركا» جاء فيه أن «السهرة التلفزيونية الواحدة تحتوي على نحو 12 جريمة قتل و15 عملية سطو و20 عملية اغتصاب وقرصنة، بالاضافة الى عدد آخر كبير من جرائم العنف المختلفة». وفي دراسة أعدّتها مؤسسة عائلة قيصر العام 2003 وجدت بأن 47 بالمئة من العوائل بأطفال بين 4 6 سنوات أفادو بأن أبناءهم قلّدوا السلوكيات العدوانية على التلفزيون، بالرغم من أن 87 بالمئة من الاطفال قد يقلّدون سلوكيات إيجابية أيضاً، بحسب ما يشاهدوه على الشاشة[33] . وذكر البروفسور جيفري جونسون من جامعة كولومبيا في العام 2002 بأن واحداً من ثلاثة أطفال يشاهدون التلفزيون من ساعة الى ثلاث ساعات يومياً حين تصل أعمارهم ما بين 14 16 عاماً، قد يكون 60 بالمئة منهم مرشّحين للتورط في شجارات وتصرفات عدائية أكثر من نظرائهم الذين يشاهدون التلفزيون بنسبة أقل[34] .

    تقارير أميركية ذكرت بأن مع بلوغ سن 18، فإن الطفل الأميركي يكون قد شاهد نحو 200 ألف عمل عنفي في التلفزيون وحده. ومع تخرّج الطفل الاميركي من المرحلة الابتدائية يكون قد شاهد أكثر من 8 آلاف جريمة وأكثر من 100 ألف عملاً منافياً للقيم[35] ً. وعلى امتداد عشرين عاماً، راقب خلالها الخبيران رويل هوسمن وليونارد ايرون من جامعة الينوي الاميركية، سلوك 400 طفل، وكانت النتيجة أن العينة التي كانت تداوم على مشاهدة برامج التلفزيون بكثافة وهي في سن مبكرة، كانت أكثر قابلية لارتكاب جرائم مختلفة ويشمل ذلك الجنسين معاً. فهناك 3 الى 5 أعمال عنف تبث على التلفزيون في الساعة في الاوقات الرئيسية. وأن عنف الإعلام يؤثر على الاطفال من خلال: زيادة النزعة العدائية، والسلوك الاجتماعي السلبي. وتزداد المخاوف من أن يصبح هؤلاء ضحايا، فيما يصبح الإعلام أقل حساسية تجاه العنف وضحايا العنف، وتزيد من شهيتهم لمزيد من العنف في مجال التسلية والحياة الحقيقية[36] .

    يحاول صانعو الصورة المتحرّكة نفي الاتهامات القائلة بأن منتجاتهم تشجّع على العنف، فيما يقدّم آخرون أدلة مستفيضة على أن من يتأثر بالاعلانات التجارية ويقوم بشراء بعض المواد الاستهلاكية التي جرى الترويج لها عبر الشاشة، لا بد أن يتأثر أيضاً بصور العنف التي تنتجها صناعة الصورة.

    وقد لخّص أحد الاطباء النفسانيين في الولايات المتحدة تأثير التلفزيون على الجمهور، بما نصه «إذا كان السجن هو كلية لدراسة الإجرام، فإن التلفزيون هو المدرسة الإعداية للانحراف». وجاء هذا التصريح في ظل شعور كثير من العوائل بأن التلفزيون يلعب دوراً تخريبياً للقيم التقليدية كالزواج والأمومة والعائلة. ففي استطلاع عبر الولايات المتحدة عام 1990، أظهر أن 72 بالمئة من مشاهدي التلفزيون يحبّذون استصدار قانون لمنع السخرية والهزء من المعتقدات الدينية و46 بالمئة لمنع تحقير القيم التقليدية كالزواج والأمومة. وفي عام 1991، أفاد استطلاع أجرته مؤسسة غالوب بأن 58 بالمئة من مشاهدي التلفزيون يشعرون بالإهانة بسبب نوعية البرامج في ساعات العرض الرئيسية، ولم يقل سوى 3 بالمئة أن التلفزيون ينقل أو يعكس قيماً مقبولة[37] .

    تحوّلت الصورة المتحرّكة الى قناة معرفية مهيمنة، ومصدر ثقافي يومي يفوق بمرات مصادر ثقافية أخرى. ففي بريطانيا، مارست الصورة المتلفزة دور المدمّرة لشعبية الكتاب وقيمة الكلمة المكتوبة، بحيث أصبح الناس يقرأون ويتكلمون أقل من عهد ما قبل انفجار الصورة. لقد تحقق ما أثار مخاوف المهتمين بمسقبل المعرفة، ففي بداية التسعينيات لحظت كارل فرانسيس حالة المسافرين من مطار هيراكليون فركريت حين تأخّرت الرحلة الى اليوم التالي، حيث أمضت وقتها في القراءة مع رفيقتها، فيما كان باقي المسافرين يراقبون الطائرات أو يظهرون الملل، وكان الحل هو مشاهدة التلفزيون[38] .

    السينما.. توهيم الوعي

    أضحت السينما أداة لإخضاع الفرد، وتفكيك الاسرة[39] . ولعبت شركات السينما دوراً خطيراً في تخريب القيم والعبث بالمبادىء الاخلاقية. فالسينما سواء رغبنا أم كرهنا هي القوة التي تصوغ أكثر من أية قوة أخرى الآراء والأذواق والزي والسلوك بل المظهر المدني لجمهور يضم نحو نصف سكان الأرض. نشير هنا الى أن نسبة الفيلم الأميركي في قائمة الافلام المعروضة في صالات السينما في العواصم والمدن الرئيسية في العالم تصل الى 85 بالمئة بالقياس الى الافلام المحلية والاجنبية الاخرى.

    وبرغم انكشاف العالم بفعل هيمنة الصورة، الا أن المجتمع لم يتحرر من صنع الوهم، على هيئة أغراض حيّة، بل أن المناخ الإتصالي الثري هو ذاته عنصر تحريض على التواطىء مع الوهم الذي بات جزءً جوهرياً من مكوّنات وعينا، وغدا ضرورياً لاستدامة الوعي، وهو ما تتكفل به مؤسسات كبرى ثقافية وسياسية وإتصالية تحقق ضمانات الإستقرار عن طريق صنع الواقع الغائب الوهم.. وتوظّف السينما في النظام الرأسمالي لتسدل قناعاً على تناقضاته من خلال ما تثيره في أذهان الشعب الذين ينتمي غالبيتهم الى ذوي الدخول المتدنية والمتوسطة من قصص خيالية وأحلام تعوّضهم عن قصور إمكانياتهم المادية.

    إننا أمام شكل من أشكال القرصنة الثقافية، التي تعيد تشكيل الوعي الفردي والجمعي تحت تأثير اجتياحات الصورة المنتجة بوحي ملاّك الإتصال، الذين يصونون مصالحهم عبر تحويل الجمهور الى مدمني الصورة، بكل المواد المدسوسة فيها، ثم يسلمونهم إلى رجال السياسة كيما يحقنونهم بمواقف تخدم أجندة معدّة سلفاً. فالسينما تكون للطبقة الحاكمة بمثابة الضمان للإستقرار عن طريق ما تهيئّه للحكومات من قوة في التأثير على جماهيرها، يخبر عن ذلك سلسلة طويلة من الأفلام السينمائية التي تقدّم كمادة توجيه في حروب الولايات المتحدة مع خصومها حول العالم.

    سئل الممثل تشيفي تشيس عن العلاقة بين هوليوود وواشنطن، فأخرج حفنة عن الدولارات من جيبه.. فهوليوود التي تملك مصالح مالية هائلة تشكل «لوبي» صناعي مثل غيره من اللوبيات الصناعية، لكنها تتميز عنها بأنها تتحكم بالإعلام المرئي والمسموع الذي يعطيها نفوذاً إعلامياً لا مثيل له. وحين تقوم الشركات الهوليوودية الكبرى بتقديم تبرعات الحملات السياسيين فإنها تنتظر من هؤلاء في المقابل أن يراعوا مصالحها حين يصدرون التشريعات والقوانين».

    في عقد التسعينات جاء من يصف هوليوود بآلة شر لتدمير القيم والتقاليد والثقافة في المجتمع الأميركي، فقد أثار كتاب «هوليوود ضد أميركا.. الثقافة الشعبية والحرب على القيم التقليدية» لمؤلفه مايكل ميدفد، زوبعة قاسية في أوساط عمالقة التجارة السينمائية في هوليوود. وقد تعرّض ميدفيد الى سياسة هيوليوود وشركات الانتاج السينمائي العملاقة التي تقدّم، حسب المؤلف، صورة مشوّهة وغير واقعية للمجتمع الاميركي. وحاول استباق أي تهمة توجّه له جرّاء تصنيفه كتاب كهذا، وقال في بداية كتابه حين قال إنهم، أي صنّاع السينما، يصنّفون من يجرأ بالسؤال عن صدمة التسلية، التي تقدّمها هوليوود في أفلامها، بأنه ينتمي الى الجناح اليميني المتطرف أو أن يكون متديناً متعصباً[40] .

    ثمة قانون قديم في مجال الإنتاج السينمائي صدر سنة 1930 ينص على أنه «لن يتم إنتاج صورة، في حال كونها ستعمل على الهبوط بالمستويات الأخلاقية لمن يراها»، ولكن هذا التقليد لم يعد سارياً، بل لم يعد مقبولاً في أوساط صنّاع الصورة، الذين قادوا سفينة الليبراليه.

    تأثير هوليوود على الوعي الفردي والجمعي يمكن قياسه في ضوء خلاصة تحليل قدّمه ميدفيد بما نصه «إن الثقافة الشعبية في الولايات المتحدة ليست مثرية لحياة المواطن الأميركي، وهو تصوير لطبيعة الانتاج السينمائي الذي تقدّمة هوليوود»[41] . ويصوّر المخرج السينمائي الاميركي آلان باكولا مخرج فيلم «كل رجال الرئيس» هذه التغذية المدسوسة من خلال ظاهرة سينما العنف بالقول: «العنف في السينما يشبه أكل الملح كلما أكلت أكثر، كلما طلبت كمية زائدة لتشعر بالطعم، فالناس أصبحت متسامحة حيال المؤثرات الخطرة، خصوصاً أن عدد القتلى على الشاشة تضاعف أربع مرات وقوة الإنفجارات باتت تصمُّ الآذان مع ذلك ترى الجمهور وقد تأقلم وخضع واستسلم بعد ما تطوّر لديه ظمأ لا يروى الا بالإثارة المجرّدة».

    حدث تطوّر دراماتيكي في طبيعة صور العنف منذ عقد الخمسينيات وحتى الآن، ففي عام 1964 أصيب الجالسون في صالة عرض فيلم «السطو الكبير على القتال» بالذعر فيما هرب البعض منهم خارج الصالة، حين وجّه البطل مسدسه نحوهم، ولكن في أفلام الثمانينات باتت لقطات القتل والدم عنصر جذب ضروري، ففي فيلم «داي هارد2» بلغ عدد القتلى 264 قتيلاً، وفي «رامبو3» 106 قتيلاً.

    وفي تقرير ميداني للناقد السينمائي فينست كانبي سنة 1990، لإحصاء كميات الدم المهرقة في السينما، حيث حمل حاسوباً الكترونيا صغيراً وانطلق في جولة على صالات عرض الأفلام السينمائية، لإحصاء عدد القتلى على الشاشات، وحين انتهى من جولته أجرى مقارنة بين أفلام الأمس وأفلام اليوم وأوجه الشبه بينها، فلاحظ كانبي أن فيلم «ديك ترايسي» المفروض فيه أنه موجّه للجمهور العام بحيث يشمل الأطفال، هو إعادة إنتاج لفيلم «الأمنية الكبيرة» الذي عرض العام 1975، ولكن يفوق فيه عدد القتلى أمثالهم في الفيلم الأصلى، وخلص الى «أن أفلام اليوم أكثر دموية من أفلام الأمس وعدد القتلى على الشاشة في ارتفاع يوازي ارتفاع مستوى التضخم الاقتصادي»، واستنكر الطريقة المثيرة التي تتبعها السينما الجديدة في تحويل القتل «الى ملهاة مضحكة، والحياة الى قيمة تافهة يلقي بها الأقوى في القمامة، ويمضى محشواً بالسخرية والنشوة، لأن غاية انجازاتك أن تقتل أولئك الأشرار بأي صورة وكيفما كان وبالقدر الذي يريحك».

    صورة الاسلام.. إعادة تنميط الوعي

    الهيمنة الغربية على وسائل الإتصال المرئي أطلقت شرارة الحرب الباردة الثانية، حين عقد خبراء ومتخصصون من دول حلف شمال الأطلسي في فبراير العام 1992 مؤتمراً في مدينة ميونيخ الألمانية، لمناقشة السياسة الأمنية لحلف شمال الأطلسي، وكانت كلمات المشاركين تتجه في مسارها العام نحو وضع «الأصولية الاسلامية» خصماً بديلاً عن الشيوعية.

    وقد نبّه المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والامبريالية» الى أن إصرار الإعلام الغربي على الإشارة للمسملين بالأصولية وما شابهها، يقصد منه تشويه صورتهم، لارتباط الأصولية بالإرهاب في العقل الغربي.

    في بداية الحملة الاعلامية على الاسلام، نتذكر ما قامت به مجلة «نيويوركر» في منتصف عام 1993 حين رسمت على غلافها الخارجي صورة العربي المتوحش في هيئة طفل يقفز على بيوت لأطفال بنيت من الرمل على ساحل البحر لتدميرها، أو صورة فيلم علاء الدين الذي أنتجته شركة والت ديزني وعرضته السينما الاميركية والاوروبية عام 1993 ويصوّر فيه العرب والمسلمين بالقساة، والحفاة يعيشون خارج الحضارة.

    يذكر إدوارد سعيد بأن شركة إديسون المتحدة بنيويورك «شركة كون إيد» حين أرادت أن تقنع الأميركيين بضرورة توفير مصادر بديلة للطاقة، أذاعت إعلاناً تلفزيونياً مثيراً في صيف 1980، يتضمن لقطات متحركة قديمة لبعض الشخصيات المعروفة في منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» مثل الدكتور أحمد زكي يماني، والعقيد معمر القذافي، وبعض الشخصيات العربية التي تلبس الزي العربي، وإن تكن أقل شهرة ويمزج بينها، بالتناوب، وبين بعض اللقطات الثابتة الأخرى، إلى جانب لقطات لشخصيات أخرى ارتبطت أسماؤها بالنفط والإسلام مثل الخميني، وعرفات، وحافظ الأسد. ولم يشر الإعلان إلى أي من هذه الشخصيات بأسمائها، ولكن المذيع قال بصوت المنذر المحذّر إن "هؤلاء الرجال" يتحكمون في مصادر النفط الأميركية. ويعلق سعيد «وكان يكفي أن يظهر هؤلاء الرجال على النحو الذي ظهروا به في الصحف والتلفزيون حتى يعتري الأميركيين مزيج من مشاعر الغضب والاستياء والخوف»[42] .

    وفي ندوة دولية حول الصورة العربية في وسائل الاعلام الغربية في الفترة ما بين 22 24 سبتمبر 1993، بدا أن ثمة معادلة إستعمارية ثاوية في تلك الصورة، فقد تحوّلت الكرنفالية الصورية في عاصفة الصحراء عام 1991 الى مواجهة حضارية بين الغرب والشرق، وهكذا نظر إليها الغربيون، ومن تلك العاصفة تمخّض النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة. وفجأة، وجد الإسلام نفسه قريناً للإرهاب، والتخلف، والإنقلاب، والتوتاليتارية، وطبائع العصور الوسطى، وعلى وجه السرعة تم استبدال الخطر الأحمر بالخطر الأخضر، وشعار المنجل والمطرقة تعبيراً عن الكره والعداء والمواجهة بين الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي، ليحل مكانه الهلال والشرق الإسلامي[43] .

    وقد رصد الدكتور جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الاميركي في وشانطن عدة مقالات وكاريكاتيرات حول حادث تفجير مركز التجارة الدولي في نيويورك في فبراير 1993، جمعها من مجلات مثل «نيو ريببلك» وصحف مثل «واشنطن بوست» و«نيويورك بوست»، وتوصّل من خلال قراءتها الى أفكار مشتركة، من بينها أن الاتهامات الواردة في مثل هذه المقالات «لا تقتصر على معاملة المتّهمين وكأنهم مذنبون أصلاً، بل إن هذا التجريم يمتد ليشمل الحركة التي ينتمون والدين الذين يعتنقون». وربما كان الخبير الفرنسي في الشؤون الاسلامية جيل كبيل أقدر على تفسير هذه الظاهرة بقوله «خلال مواجهة العالم الغربي للشيوعية، كان الهجوم يطال الحكومات ويتفادى الهجوم على الشعوب، أما فيما يرتبط بالإسلام، فإن الهجوم موجّه للدين الذي تؤمن به الجماهير»[44] . فقد تحوّل العداء للإسلام جزءً من ثقافة الصورة في الغرب في الوقت الراهن، حيث تتنكب الكراهية من الكلمة الى الصورة دون تغيير في حدّتها، فصورة العربي والمسلم المقترنة بمفهوم «الأصولي» شحنت بأقصى طاقة عدائية، ولذلك نجد أن من يتكفّل بنقل صورة الاسلام للأميركيين والاوروبيين بصورة عامة هي شبكات التلفزيون والرادو والصحف والمجلات والسينما، فيما تشكل الصورة التلفزيونية أكثر واقعية من الواقع نفسه حسب قول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار.

    بكلمات أخرى، كان الرأي العام الغربي بحاجة الى صورة تكسو الفكرة النمطية عن الإسلام، كما غرستها وسائل الاتصال الجماهيرية في الغرب، فالصورة تتيح رؤية الإسلام واقعاً مجسّداً، ولكنها رؤية مستمدة من صور يخيّل للغربي أنها هي الواقع الفعلي للإسلام، ولذلك يبقى الأخير ضلالاً، ولا عقلانياً، وإرهاباً، لا يفرّق فيه بين المعتدل والمتطرف، فالكل سواء في الصورة النمطية عن الاسلام. لا غرابة، حين يحجب صانع الصورة في الغرب وجه الضحية حين يكون عربياً ومسلماً، ويشعل ضوءً كثيفاً على الضحيّة الافتراضية، جندياً، أو جاسوساً، أو مهرّباً قدم من خلف المحيطات البعيدة.

    خلاصة

    الصورة، في اختطاف الزمن وإلغائه عبر السكون النهائي فيه، حققت إنتشاراً زمكانياً، بحيث تصبح الصورة إنبلاجاً كونياً، بمعنى أنها جعلت المجال الثقافي الانساني خاضعاً تحت تأثير سلطتها المطلقة العابرة للحدود، فليس هناك منطقة مستقلة خارج هذا المجال، فالصورة تخترق كل أجزائه.. هذه الصورة التي باتت محتكرة بدرجة كبيرة من قبل مؤسسات ذات أحجام إتصالية كونية وتهيمن على الثقافة الإنسانية تستعمل في الوقت نفسه لتبرير الحروب، وتصدير القيم الغربية، وإخضاع العالم إلى نمطية ثقافية موحّدة، تنسجم مع النزعة الاستهلاكية والارتهان الحضاري للغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.

    وليس ثمة شك، أن للصورة سطوة الحضور في هذا السجال، وتكاد تنفرد بهذه الخصوصية. فالتقنية المتنامية للصورة وهبتها قدرة توليد المخيال، حيث يتم تعطيل طاقة المشاهد في استنباط وتحفيز الطاقة الابداعية في وعي الصورة النابع من إحساسه بجمالية الصورة المنطوية على محرّضات لتصعيد المخيال.

    فيما مضى، كان الاشتغال منصباً على البحث عن صورة لحادثة واقعة، ولكن التكنولوجيا الإتصالية قلبت المعادلة فأصبحت الصورة صانعة للخبر، بل باتت ثرية في مفرداتها غير الملفوظة. فصانعو الصورة أرادوها متجاوزه للحد الأنطولوجي، المنحبس في توثيق وتوصيف لحظة تاريخية بمكوّنيها الرئيسيين الزماني والمكاني، فأحالوها خطاباً مفعماً بدلالات ثقافية مضطردة. فلم تعد الصورة قطعة بصرية مجردة، فهي تقع خارج المجال الزمكاني للصورة، وتنفتح على أبعاد أخرى ثقافية وسياسية وإجتماعية، تحتشد لمهمة تشكيل الوعي. بهذا التشويه للوجه الجمالي للصورة، يتم استدماج الخيال بالواقع كنزوع متعمّد للتسلل إلى مركز الوعي للعبث بمكوّناته، وتخليق ذاكرة ثقافية جديدة تستمد قوتها من سلسلة الإندماجات المتدفقة بلا انقطاع من الصور المتخمة بدلالات ورموز مموّهة. فالصورة أصبحت كبسولة دلالات ثقافية تتفتق دفعة واحدة، بخلاف الكتابة التي تبث دلالاتها على امتداد النص. فالصورة تبطن حزمة أفكار غرسها صانعها كيما تتهرب الى ذاكرتنا عبر الصورة. صحيح أن الكلمة تمثّل، من الناحية النظرية، دعامة للصورة وشارحاً لها، ولكن الحقيقة أن الصورة أملت حكمها على الكلمة وتحوّلت الى مصنّع للكلمات. إن الصورة بوصفها تجليّاً إفتراضياً للحقيقة تخفي هوية صانعها وأجندته، فقد أراد منها أداة لصنع الواقع المتخيّل الافتراضي وليس الواقعي، وهذا ما يسلب عنها صفة الحيادية.

    وكلمة أخيرة: إن أسوأ ما اقترفته الصورة جنوحها المتعمّد الى تسليع وتزوير هوية الثقافة في عملية تحوير لدورها التوعوي، ما جعلها قاصرة عن ممارسة دور التغيير والإصلاح.
    [/align]





  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2003
    المشاركات
    22,706

    افتراضي

    [align=justify]



    الهامش
    ______________

    * ورقة بحثية ألقيت في مؤتمر فيلادلفيا الدولي الثاني عشر«ثقافة الصورة» في جامعة فيلادلفيا الأردنية في الفترة ما بين 26-24 نيسان «إبريل» 2007

    [1] لويس دولّلو، الثقافة الفردية والثقافة الجماهيرية، ترجمة خير الدين عبد الصمد، دمشق 1993، ص67
    [2] مارتان هيدجر، الفلسفة في مواجهة العلم والتقنيّة، ترجمة د. فاطمة الجيوشي، دمشق 1998، ص ص 34، 87
    [3] ادغار موران، مقدّمات للخروج من القرن العشرين، ترجمة أنطوان حمصي، دمشق 1993، ص 38
    [4] المناظرات السياسية.. هل تحدد رئيس أميركا القادم؟ أنظر: http://arabic. cnn. com/2004/us. elections/10/25/us. elections/index. html
    [5] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى،.. وجيز القرن العشرين 1914 1991، ترجمة هشام الدجاني، دمشق 1998 الجزء الثالث الانهيار، ص 139
    [6] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى، الجزء الثالث الانهيار، مصدر سابق ص 140
    [7] عندما تغتال البراءة، الشبكة الاسلامية بتاريخ 25/09/2005 أنظر:
    http://www. islamweb. net/ver2/archive/readArt. php?lang=A&id=99197
    [8] Winston Fletcher، Advertising، Advertising، «Profile Books Ltd. ، 1999»، p. 5
    [9] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى، الجزء الثالث الانهيار، مصدر سابق ص 140
    [10] آلان تورين، نقد الحداثة.. الحداثة المظفّرة، القسم الأول، ترجمة صيّاح الجهيم، دمشق 1998، ص 192
    [11] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى، الجزء الثالث الانهيار، مصدر سابق ص 140 141
    [12] تويس دولّلو، الثقافة الفردية والثقافة الجماهيرية، مصدر سابق، ص ص 138 139
    [13] جياني فاتيمو، نهاية الحداثة.. الفلسفات العدميّة والتفسيرية في ثقافة مابعد الحداثة «1987»، ترجمة. فاطمة الجيّوشي، دمشق 1998، ص 63
    [14] أدغار موران، مقدّمات للخروج من القرن العشرين،مصدر سابق، ص 50
    [15] جياني فاتيمو، نهاية الحداثة.. مصدر سابق ص 65
    [16] http://www. elaph. com/ElaphWeb/Interview/2006/4/139475. htm
    [17] صحيفة الحياة اللندنية، 21 / 9 / 2006م
    [18] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى، الجزء الثالث الانهيار، مصدر سابق ص 140
    [19] Tom Baistow «1985»، FOURTHRATE ESTATE، Comedia Publishing Group، pp. 1-3
    [20] غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الساقي لندن، 1991، ص 67
    [21] شريف حمود، الفيديو كليب.. ديكتاتورية الصورة تغتال النغم، بتاريخ 4/2/2003، أنظر
    http://www. islamonline. net/arabic/arts/2003/02/article02. shtml
    [22] http://www. un. org/arabic/esa/rbas/ahdr2003/contents. htm
    [23] ديفيد. إس برودر، وراء الصفحة الاولى.. نظرة صريحة على صناعة الخبر، مركز الكتب الأردني 1990 ص 14
    [24] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى.. وجيز القرن العشرين 1914 1991، الجزء الثالث مصدر سابق ص 127
    [25] See: The Time، December 20، 1968
    [26] د. وديع العزعزي، القنوات الفضائية في عصر العولمة، وزارة الثقافة والسياحة 2004، صنعاء، المقدمة ص 3
    [27] ديفيد. إس برودر، وراء الصفحة الاولى.. نظرة صريحة على صناعة الخبر، مصدر سابق، ص 190
    [28] Ronald Berman «1987»، How Television Sets Its Audience، Sage، p. 55
    [29] جياني فاتيمو، نهاية الحداثة، مصدر سابق ص 67
    [30] ايريك هوبزباوم، عصر النهايات القصوى وجيز القرن العشرين «1914 -1991»، ترجمة هشام الدجاني، دمشق، 1997، الجزء الثاني العصر الذهبي، ص ص 127 -128
    [31] آلان تورين، نقد الحداثة.. الحداثة المظفّرة، مصدر سابق ص 233
    [32] ه-. شيلر، المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، عالم المعرفة الكويت، 1986، ص 65 وأنظر أيضاً:
    J. William Fulbright «1970»، The Pentagon Propaganda Machine، New York، p. 46ff
    [33] Research on the Effects of Media Violence; see: http://www. media-awareness. ca/english/issues/violence/effects_media_violence. cfm
    [34] ibdi
    [35] Brad J. Bushman and Craig A. Anderson، Media Violence and The American Public، American Psychologist، June/July 2001، p. 478
    [36] See: "Media Violence،" AAP Committee on Communications، in Pediatrics، Vol. 95، No. 6، June 1995.
    "Suggestions for Parents: Children Can Unlearn Violence،" in the Center for Media and Values «now the Center for Media Literacy» Media and Values، No. 62، 1993، "Media and Violence: Part One: Making the Connections. "
    [37] هربرت أ. شيلر، المتلاعبون بالعقول، مصدر سابق، ص 211
    [38] Daily Telegraph، 12 August 1993، by Graham Lord
    [39] آلان تورين، نقد الحداثة.. الحداثة المظفّرة مصدر سابق، ص 188
    [40] Michael Medved «1992»، Hollywood Vs America.. Popular Culture and the War on Traditional Values، HarperCollins p. 3
    [41] المصدر السباق، ص 4 ومابعدها
    [42] إدوارد سعيد، تغطية الاسلام، ترجمة:د. محمد عنانى، القاهرة 2005 ص ص 68 69
    [43] محمود اللبدي، الشرق الاوسط بتاريخ 5/8/1993
    [44] صحيفة لوموند بتاريخ 16/2/1993
    [/align][/size][/B][/align]





ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم   شبكة حنة الحسين عليه السلام للانتاج الفني