تاجر الحروب
نزار حيدر

العالم كله ضد الحرب المحتملة في العراق، الا صدام حسين، فهو الرجل الوحيد الذي يريد لهذه الحرب ان تقع، لانه تاجر حروب من الطراز الفريد، وهي بالنسبة له فرصة ذهبية لتصفية حساباته مع خصومه، كما انها الفرصة التي يسوق بها، شعاراته وعنترياته الفارغة، الى الغلابة من ابناء الامة، كالفلسطينيين مثلا، اما العراقيون، فلا يريدون لهذه الحرب ان تقع لانهم الضحايا الوحيدون لحروب هذا التاجر الفاشل، وعلى مدى خمسة وثلاثين عاما.

انهم ضحايا حربه في شمال العراق ضد الكرد عندما دشن بها حكمه نهاية الستينيات وحتى العام 1975، والتي راح ضحيتها عشرات الالاف من القتلى بالاضافة الى تدمير المئات من القرى والقصبات والمدن.

وهم ضحايا حربه ضد الدين والعلماء والمراجع والمؤسسات الدينية والحوزة العلمية، والتي راح ضحيتها المئات من الفقهاء والعلماء والمراجع وطلبة العلوم الدينية والباحثين والكتاب والخطباء والمفكرين الاستراتيجيين .

وهم ضحايا حربه ضد الشعائر الحسينية ( الشعبية ) عام 1977 والتي راح ضحيتها العشرات من القتلى والالاف من المعتقلين.

وهم ضحايا حربه ضد الرفاق في سوريا عام 1979 والتي راح ضحيتها المئات من رموز الحزب الحاكم بينهم مفكرون واكاديميون وعسكريون.

وهم ضحايا حربه ضد الجارة ايران طوال عقد الثمانينيات، والتي لسنا بحاجة الى ذكر نتائجها المروعة .

وهم ضحايا حرب التطهير العرقي في حرب الانفال في الشمال والجنوب ( الاهوار) والتي راح ضحيتها، الانسان والحيوان والنبات والجماد..!!! بالاضافة الى البيئة والحضارة .

وهم ضحايا حربه الكيماوية، في مدينة حلبجة، والتي راح ضحيتها الاف القتلى ومئات الالاف من الجرحى والمعوقين واللاجئين والمشردين .

وهم ضحايا حربه ضد الجارة الكويت، والتي لازالت نتائجها الكارثية مستمرة الى يومنا هذا .

وهم ضحايا حربه ضد مااسماه بـ ( صفحة الغدر والخيانة ) انتفاضة 1991، والتي

حصدت فيها ارواح مئات الالاف كما دمرت مدن بكاملها، وانتهكت فيها المقدسات.

وهم ضحايا حرب النظام الشمولي الارهابي، والحز ب الواحد، والاستبداد والديكتاتورية، وتكميم الافواه، ومطاردة المعارضين والشرفاء، والتي راح ضحيتها حتى الان اكثر من اربعة ملايين عراقي، موزعين في بلاد المهجر .

واخيرا انهم ضحايا حربه ضد الارادة الدولية والمجتمع الدولي، عندما وقع على كل شروط وقف اطلاق النار في حرب الخليج الثانية، تحت البند السابع الملزم، في اطار قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن ذات الصلة، في خيمة صفوان، ثم راح ينقض عهده ويمزق الوثائق التي وقع عليها بنفسه من دون تفويض من الشعب او حتى استشارة، ولم يزل يماطل ويتحايل ويكذب ويتهرب من التزاماته.

وفي احصائية موثقة نشرت مؤخرا، ورد ان خسائر العراق المادية جراء هذه الحروب، قدرت باكثر من ( 830 مليار دولار) بمعدل ( 2 مليار دولار ) شهريا على مدى خمسة وثلاثين عاما.

اما ضحاياها من البشر، فاكثر من ثلاثة ملايين قتيل ومعوق، الى جانب اربعة ملايين لاجئ، هذا فضلا عن تدمير العراق، وبنيته التحتية، وتحطيم نفسية وشخصية وروحية المواطن، واغتيال سيادة العراق واستقلاله، واستباحة عزته وكرامته ومقدساته، والتفريط بكل اسراره، وبكلمة موجزة، اهداء مفاتيح العراق الى الاجنبي متعدد الجنسيات.

العراقيون هم ضحايا تاجر الحروب الفاشل هذا، ولذلك فان الحل الوحيد لانقاذ الضحية، من مخالبه، ينحصر في ازاحته عن السلطة.

هذا الهدف المركزي الوحيد، بات يفهمه العالم اليوم، فراح كل واحد يعبر عنه بطريقته الخاصة، والتي يراها مناسبة.

لاأحد يرغب في هذه الحرب، ولكن لاأحد كذلك يرغب في ان يرى صدام حسين في السلطة، لانه مشروع تدمير مستمر للعراق منذ اكثر من ثلاثة عقود من الزمن .

كما انه مشروع معاناة مستمرة للعراقيين منذ خمسة وثلاثين سنة.

انه مشروع ازمات، مشروع حروب، وبقراءة سريعة لتاريخه في السلطة على مدى خمسة وثلاثين عاما الماضية، تتضح هذه الصورة بشكل لايقبل الشك او التاويل او التفسير .

صدام حسين، يجب ان يرحل عن العراق، وتزول معه كل اثاره، حربا كانت الوسيلة، ام سلما.

المهم ان لايبقى في السلطة، ساعة اضافية، لانه انسان غريب الاطوار، لااحد يمكنه ان يتكهن بما سيفعله في هذه الساعة الاضافية، فقد يبيد العراق والعراقيين في لحظة واحدة، تنفيذا لما يدور في مخيلته منذ خمسة وثلاثين سنة، عندما نزا على السلطة في بغداد عام 1968، على ظهر دبابة، قائلا ( جئنا لنبقى .. ومن يريد العراق، فسيأخذه ارضا بلاشعب ) اي ان استراتيجية تدمير العراق، وتحويله الى اطلال و (قاعا صفصفا) مشروع قائم في ذهنيته السقيمة، قد يقدم على تاجيله، الا انه من المستحيل الغاءه، فهل ياترى سيمنح العالم، الفرصة الاخيرة لصدام لتحقيق حلمه المريض، الذي طالما اجله دون ان يلغيه ؟!! نرجو ان لايحصل هذا .

أجزم انه لاأحد يريد لهذه الحرب ان تقع في العراق، الا صدام حسين .

كما أجزم انه لااحد يريد ان يرى صدام حسين في السلطة أية مدة اضافية، مهما كانت قصيرة الا .. صدام حسين .

والسبب بسيط جدا، ذلك ان بقاء صدام حسين في السلطة، بمثابة مشروع حروب قادمة، سيشهده العراق والمنطقة والعالم . اما اذا اصر على التشبث بالسلطة، ووقعت الحرب، فانها ستكون اخر حروبه، وبالتاكيد فان حربا واحدة تمنع حروبا، خير من سلام يهئ لحروب .

حتى واشنطن ولندن اشارتا الى انهما لاتريدان لهذه الحرب ان تقع، ولذلك حاولتا اقناع صدام بشكل مباشر وغير مباشر، بالتنحي عن السلطة وترك العراق الى اية جهة يرغب في اللجوء اليها.

اصدقاء صدام وحلفاؤه والمنتفعون من وجوده، كالرئيس الفرنسي شيراك والمستشار الالماني شرودر، والرئيس الروسي بوتين، هم الاخرون لايريدون لهذه الحرب ان تقع ..!!! ولذلك شجعوه على اتخاذ قرار مغادرة السلطة طوعا قبل ان يجبر على ذلك، وهذا مااشار اليه شيراك صراحة مؤخرا عندما قال وبالفم المليان ( ان اكبر خدمة يمكن ان يقدمها صدام الى شعبه والعالم، هو ان يترك السلطة بارادته ) .

كل الانظمة العربية وزعماؤها لايريدون لهذه الحرب ان تقع كذلك، ولهذا السبب مازلوا يواصلون مساعيهم الرامية الى اقناع صدام حسين بالتنحي عن السلطة بملء

ارادته قبل فوات الاوان.

الناس في العالم كذلك، لايحبون هذه الحرب ولايريدونها، ولذلك تظاهروا بالملايين في شوارع كبرى عواصم الدنيا، ولسان حالهم ( سيدي الرئيس، نرجوك ونتوسل اليك.. ان تترك السلطة سلميا قبل ان تتركها في الحرب ).

ايها العالم.. ايها الناس.. ايها الاصدقاء ..

ايها الاعداء .. ايها الزعماء.. ايتها الشعوب ..

ايها العقلاء.. ايها المجانين.. ايها الابطال ..

ايها الجبناء .. ايها الاحياء .. ايها الاموات ..

يااهل القصور.. يااهل القبور..
ايها الجمع ... واصلوا ضغطكم على صدام حسين ليترك السلطة طوعا، كل حسب طريقته واسلوبه ووسائله ولغته للتعبير عن هذه الرسالة، وليكن شعاركم المركزي المرفوع عاليا ( لا... لصدام ) والى جانبه اي شعار اخر تودون ان تبوحون به وتصرخون به عاليا.. المهم ان يظل هذا الشعار مدويا وقائما .

افرغوا ما في جعبتكم من افكار واطروحات ومشاريع نيرة، وكل مامن شانه اقناع صدام حسين بالتخلي عن السلطة قبل فوات الاوان، فالى متى يبقى هذا الحاكم الفاشل وتاجر الحروب، يستخدم الشعب العراقي المغلوب على امره، درعا بشريا، شاهرا مسدسه ومهددا ومرعبا لقلوب الابرياء .

اصرخوا بالشعار المركزي ( لا ... لصدام ) بكل قوة حتى ينزل على دماغه كالمطرقة

، عله يقرأ السطر الثاني من هتاف الملايين الذين تظاهروا في العالم، بشكل صحيح، فلايتوهم ان تلك المظاهرات انما هي تاييد له في البقاء في السلطة، فيزداد غرورا وعتوا، ويظل متشبثا في السلطة حتى تقع الحرب .

اما من يكتفون في الصراخ ضد الحر ب، وهم قلة من هؤلاء، وبنفس الوقت يهمسون

بفكرة لزوم تنحي صدام عن السلطة، فهؤلاء ايضا يجب ان يلتحقوا بالملايين، ويتركوا الهمس ويجهروا بالشعار المركزي ( لا ... لصدام ) ليفهم جيدا ويعي ان اجماعا رسميا وشعبيا، عربيا واسلاميا ودوليا، ومن قبل ذلك عراقيا، يطالبه بالتنحي عن السلطة .

اسمعوه الشعار المركزي، بلسان عربي فصيح، وبلسان اعجمي مترجم، وبصوت رجل واحد، لتسلبوا منه فرصة تاويله او تفسيره او ترجمته، حتى يتيقن صدام حسين انه لااحد سيذرف عليه دمعة واحدة اذا ترك السلطة حربا او سلما..!!

يكذب او يخطئ او ينافق، من يقول ان مطالبة صدام حسين بالتخلي عن السلطة، تدخل في الشؤون الداخلية للعراق وشعبه، فالقضية لم تعد تتعلق بشان داخلي، او انها تخص بلدا دون اخر، فاذا اصر صدام على البقاء ووقعت الحرب فانها ستاكل الاخضر واليابس.

انها قضية الانسان في كل مكان، فاذا لم يتمكن العالم وخاصة ( اصدقاء) صدام باقناعه بفكرة التخلي عن السلطة سلميا فانهم سيتحملون، مسؤولية قرار الحرب لازاحته عن السلطة، من الناحية الاخلاقية، على الاقل، وتذكروا جيدا قول الله عزوجل في محكم كتابه الكريم ( واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ).

------
نزار حيدر
كاتب وباحث عراقي مقيم في واشنطن

nazarhaidar@hotmail.com